49 إليه فقال: ما منعك أن تجلس للقضاء. فقال: أعدى عليّ رجل فلم يحضر جللسي . قال: ومن هو؟ قال: عبد الصمد بن علي. فقال هارون: والله لا يأتي جللسك إلا حافياً . قال: وكان عبد الصمد شيخاً كبيراً ، قال: فبُ سِ طَ ت له اللبود من باب قصره إلى مسجد الرصافة، فجعل يمشي ويقول: أتعبني أمير المؤمنين، أتعبني أمير المؤمنين. فلما صار إلى جللس عمر بن حبيب أراد أن يساويه في المجلس فصاح به عمر وقال: اجلس مع خصمك. قال: فتوجه الحكم على عبد الصمد، فحكم عليه وسجل به. فقال عبد الصمد: لقد حكمت علي بحكم لا يجاوز أصل أذنك. فقال عمر: أما إني قد طوقتك بطوق لا يفكه عنك الحدادون، قم. قال الخطيب البغدادي: كذا ذكر في هذا الخبر أنه كان على قضاء الرصافة والمحفوظ أنه كان على قضاء الشرقية . (تاريخ بغداد 11/197-198، وتاريخ دمشق36/252-253) 43 – قاضي القضاة شمس الدين عبد الله بن محمد بن عطاء الأذرعي والملك الظاهر بيبرس لما أوقع الظاهر الحوطة على الأملاك والبساتين بدمشق، وقعد الظاهر في دار العدل بدمشق ، وجرى الحديث في هذا المعنى بحضور القضاة الأربعة والعلماء وغيرهم فكل من القضاة ألان له القول، وخشي سطوة الملك الظاهر، إلا شمس الدين هذا ، فإنه صدع بالحق وقال : ما يحل لمسلم أن يتعرض لهذه الأملاك
عدد الصفحات ٤٩50 والبسات، فإنها بيد أربابها ويدهم ثابتة عليها، فغضب الملك الظاهر من هذا القول وقام من دار العدل وقال : إذا كنا ما نحن مسلمون إيش قعودنا ؟ فشرع الأمراء يتألفوه ولا زالوا به حتى سكن غضبه، فلما رأى الظاهر صلابة دينه حظي عنده وقال: أثبتوا كتبنا عند هذا القاض ي الحنفي، وعظم في عينه وهابه، وكان من العلماء الأعيان تام الفضيلة، وافر الديانة، كريم الأخلاق، حسن العشرة، كثير التواضع، عديم النظير، وانتفع بعلمه جم غفير رحمه الله تعالى. (النجوم الزاهرة 7/246-247، والمنهل الصا 2/83، والبداية والنهاية 13/314) 44 – قاضي القضاة أبو الحسن علي بن محمد الدامغاني والخليفة المستظهر تقدم إليه المستظهر بسماع قول بعض الناس فلم يره أهلاً ، فلم يسمع قوله. قال أبو البركات بن الجلاء الأمين : حضر أبو الحسن الدامغاني وجماعة أهل الموكب باب الحجرة، فخرج الخادم أنّ أمير المؤمنين يحب يسمع كلامك ، يقول لك: أنحن نحكمك أم تحكمنا ؟! قال: فقال: كيف يقال لي هذا ، وأنا بحكم أمير المؤمنين ؟! فقال: أليس يتقدم إليك بقبول قول شخص فلا تفعل؟ قال: فبكى، ثم قال لأمير المؤمنين: يا أمير المؤمنين، إذا كان يوم القيامة ، جيء بديوانٍ ديوان، فسُ ئلتَ عنه، فإذا جيء بديوان القضاء كفاك أن تقول : وليته لذاك المدبر ابن الدامغاني فتسلم أنت وأقع أنا. قال: فبكى الخليفة وقال: أفعل ما تريد. (المنتظم 9/209)
عدد الصفحات ٥٠51 45 – القاضي جميع بن حاضر الناجي، وسليمان بن أبي السري لما وصل خبر تولية عمر بن عبد العزيز الخلافة إلى سكان ما وراء النهر، اجتمع أهل سمرقند وقالوا لسليمان بن أبي السرّي: إن قتيبة غدر بنا، وظلمنا وأخذ بلادنا، وقد أظهر الله العدل والانصاف، فأذن لنا فليفد منا وفد إلى أمير المؤمنين، يشكو ظلامتنا، فإن كان لنا حق أع طيناه، فإن بنا إلى ذلك حاجة. فأذن لهم سليمان، فوجهوا منهم قوماً فقدموا على عمر، فكتب لهم عمر إلى سليمان بن السري: إنّ أهل سمرقند، قد شكوا إليّ ظلماً أصابهم، وتحاملاً من قتيبة عليهم أخرجهم من أرضهم، فإذا أتاك كتابي، فأجلس لهم القاضي فلينظر في أمرهم، فإن قضى لهم فأخرجهم إلى معسكرهم كما كانوا وكنتم قبل أن ظهر عليهم قتيبة. فأجلس سليمانُ جميعَ بن حاضر القاضي، فقضى أن يخرج عرب سمرقند إلى معسكرهم وينابذوهم على سواء فيكون صلحاً جديداً أو ظفراً عنوة، فقال أهل الصّغد: بل نرضى بما كان ولا نجدّد حرباً، وتراضوا بذلك، فق ال أهل الرأي: قد خالطنا هؤلاء القوم وأقمنا معهم، وأمنونا وأمنّاهم، فإن حكم لنا عدنا إلى الحرب ولا ندري لمن يكون الظفر، وإن لم يكن لنا اجتلبنا عداوة في المنازعة، فتركوا الأمر على ما كان ورضوا ولم ينازعوا. (تاريخ الطبري 4/69، وفتوح البلدان 3/519) قال الدكتور علي محمد الصلابي معلقاً على ذلك في كتابه (الدولة الأموية عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار): أية دولة في القرن العشرين تحني رأسها هكذا للعدل
عدد الصفحات ٥١52 كي يأخذ جلراه، وللحق كي يعود إلى أصحابه؟ وأيّ حاكم في تاريخ الشعوب التي لم تعرف الله، استجاب هكذا لنداءات المظلومين الذين سُ لبت حقوقهم، كهذه الاستجابة السريعة الحاسمة من عمر بن عبد العزيز؟ ألا أنه المسؤول الذي نذر نفسه للدفاع عن قيم الحق والعدل في أقطار الأرض، فبدونهما تفقد شريعة الله مقوماتها وأهدافها العليا. فهذا مثل رفيع من عدل عمر...إلخ. 46 – القاضي أبو يوسف والفضل بن الربيع وزير أمير المؤمنين الرشيد شهد الوزير الفضل بن الربيع في حضور الإمام أبي يوسف في قضيّةٍ ، وردّ الإمام شهادته، ولمّا سئل الإمام عن سبب ردّ شهادته قال: إنّ هذا الشّخص كان يخاطب شخصًا (الخليفة) في جللسٍ قائلاً له: عبدكم . فإذا كان صادقًا بكونه عبدًا فلا تقبل شهادته وإذا كان كاذباً فلا تقبل شهادة الكاذب. (درر الحكام في شرح جللة الأحكام 4/358) 47 -القاضي أبو يوسف وأمير المؤمنين الرشيد واليهودي حكى صاحب كتاب بدائع البدائع في كتابه محاسن الشرائع ، عن أبي يوسف أنه قال: لئن جرت في القضاء بين عباده، لم أَ جُ ر إلا مرة واحدة، وإلا فلا يغفر الله لي.
عدد الصفحات ٥٢53 ادعى يهودي على هارون الرشيد دعوى، فأحضرت هارون الرشيد باستدعاء اليهودي، فلما حضر هارون قلت لليهودي: قم واجلس حيث يجلس خصمك، وما قلت لهارون: قم واجلس حيث يجلس خصمك. (حسن السلوك الحافظ دولة الملوك 125.) وفي بعض المصادر أنه نصراني وليس يهودي،قال القاضي العلامة محمد بن إسماعيل العمراني في كتابه "نظام القضاء في الإسلام" ص 121:" وقد حكى الأستاذ عبد الحليم الجندي [...في كتابه "أحمد بن حنبل إمام أهل السنة" ص 50] عن قاضي القضاة أبي يوسف أنه استرجع سيرة حياته وهو يبرح دار الفناء إلى دار البقاء، فناجى ربه بقوله: "اللهم إنك تعلم أني وليت هذا الأمر فلم أمل إلى أحد الخصمين إلا في خصومة نصراني مع الرشيد لم أسوّ بينهما، وقضيت على الرشيد، لم يمكني آمر الرشيد بالقيام والمح اباة مع خصمه، لكني رفعت النصراني إلى جنب البساط ما أمكنني ثم سمعت الخصومة قبل أن أسوّ بينهما في المجلس. .. ورواها الأستاذ محمد شهير أرسلان في كتابه "القضاء والقضاة" [ص198-199] باللفظ: "اللهم إنك تعلم أني وليت هذا الأمر فلم أمل إلى أحد الخصمين إ خصومة النصراني مع الرشيد، فقد قضيت للنصراني على الرشيد، ولكن كنت أتمنى أن يكون الحق بجانب الرشيد، فأستغفرك اللهم على هذا الميل وبكى".أ.ه . وقد وردت باختصار في درر الحكام في شرح جللة الأحكام 4/597 48 – قاضيالقضاة أبو يوسف والخليفة الهادي
عدد الصفحات ٥٣54 خوصم أمالمؤمنين الهادي إلى القاضي أبي يوسف في بستانه، وكان الحُ كم في الظاهر للهادي وفي الباطن خلاف ذلك، فقال الهادي للقاضي أبي يوسف: ما صنعت في الأمر الذي نتنازع إليك فيه ؟ فقال: خصم أمير المؤمنين يسألني أن أُ حَ لِّ فَ أمير المؤمنين أن شهوده شهدوا على حق، فقال له الهادي: وترى ذلك؟ قال: فقد كان ابن أبي ليلى يراه، فقال: اردد البستان عليه، وإنّا احتال عليه أبو يوسف لعلمه أن الهادي لا يحلف. (وفيات الأعيان 6/384) 49 – القاضي أبو القاسم عماد الدين ابن السّكّريالشافعي رُ فِ عَ ت إلى القاضي ابن السّكّري حُ كومة بسبب أمير توفي وترك ولداً، فادعى رجل بدَ ين على الميت، فشهد عنده جماعة بالدين، فقال: تزكّى البينة. فشهدت عنده جماعة، فكتب بخطه: تزكى البينة. فزكى السلطان أحد الجماعة، فكتب تحت حط أحدهما دون الآخر. فقال له السلطان: والله لقد تحققت ما شهدت به. فقال له: تزكى البينة. فقال: دع عنك هذه الحكومة حتىّ أحكم أنا فيها. فقال: وفي غيرها وعزل نفسه. وأقام بالقرافة فتردد إليه ولد السلطان سبع مرات، فصمّم على الامتناع حتىّ يئس منه. فاستقر ابن عين الدولة، وكان يخلفه في الحكم. وحضر إليه ليسلم عليه على العادة، وذلك في ثاني عشر المحرم سنة ثلاث عشرة وستمائة. ويقال استمر المنصب بغير قاض مدة، ونوابه يفصلون في الأحكام، رجاء أن يجُ ب إلى العود، فلم يفعل. (رفع الإصر عن قضاة مصر 231)
عدد الصفحات ٥٤55 50 – القاضي ابن السّكّري وابن صاحبه كان القاضي عماد الدين ابن السكري يتولى الأحكام بنفسه غالباً، فاتفق أن تقدم إليه خصمان، فنظر إليهما ثمّ أمرهما بالمسير إلى بعض نوابه، فسئل عن ذلك، فقال: كان أبو أحدهما صاحبي، وأحضر إليّ هدية فرددتها. فلما رأيته وعرفته خشيت أن أميل بقلبي إليه. (رفع الإصر عن قضاة مصر 231) 51-القاضي إبراهيم بن إسحاق بن خزيمة القاري الزهري، والأمير السري بن الحكم اختصم إلى القاضي ابن خزيمة القاري رجلان في شيء، فأمر بالكتابة على أحدهما بإنقاذ الحكم، فتشفع المحكوم عليه بابن أبي عون إلى الأمير السري بن الحكم، فأرسل إليه السر ي أن يتوقف عن الحكم إلى أن يصطلحا، فإن لم يصطلحا أنفذ الحكم. فجلس إبراهيم في منزله، وامتنع عن القضاء، فركب إليه السر ي وسأله الرج وع، فقال لا أعود إلى ذلك المجلس أبداً، ليس في الحكم شفاعة. (رفع الإصر عن قضاة مصر 22) 52 – عمر وعلي رضي الله عنهما، والكنية بحضرة الخصم
عدد الصفحات ٥٥56 عن عبد الله بن عباس–رضي الله تعالى عنهما-قال: " استعدى رجل على عليّ بن أبي طالب إلى عمر بن الخطاب، وكان عليّ جالساً في جللس عمر ابن الخطاب، فالتفت عمر إلى عليّ فقال: يا أبا الحسن - وقال المؤيد: قم يا أبا الحسن فاجلس مع خصمك - فقام عليّ فجلس مع خصمه فتناظرا، وانصرف الرجل ورجع عليّ إلى جللسه فجلس فيه، فتبين عمر التغير في وجهه فقال له: يا أبا الحسن مالي أراك متغيراً، أكرهت ما كان؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: ولم؟ قال: لأنك كنيتني، بحضرة خصمي، فألا قلت لي: قم يا عليّ فاجلس مع خصمك، فأخذ عمر برأس عليّ فقبل بين عينيه، ثم قال: بأبي أنتم، بكم هدانا الله، وبكم أخرجنا من الظلمات إلى النور. (بغية الطلب في تاريخ حلب 4/1710) 53 – القاضي عبد الله بن نوفل، وبعض آل مروان والي المدينة كان عبد الله بن نوفل ابن الحارث بن عبد المطلب أول من استقضى بالمدينة؛ فأنفذ القضاء على عبد الله بن حنطب، وكان على فاطمة بنت الحَ كَ م؛ أخت مروان بن الحكم، فأرسل إليه مروان: عجلت عليه في القضاء؛ قال: فأرسل إليه عبد الله ابن نوفل: أمضى الله عليه قضاءه قبل قضائي عليه؛ فأعجب ذلك مروان من قوله وفعله. (أخبار القضاة 1/114)
عدد الصفحات ٥٦57 54 – نوفل بن مساحق العامري ومروان بن الحكم أو بعض ولده لما تولى نوفل بن مساحق قضاء المدينة أتاه رجل من آل عبد الله بن سراقة يستعدي على مروان، أو على بعض ولد مروان في حصة له، في دار له بالسّ وق؛ فأرسل إليه: أن أخرج إلى الرجل من حقه، أو يحضر معه خصمه؛ فأرسل إليه مروان: أن انظر أنت في ذلك، فإن ثبت له حق فأنفذ الحكم، فسلّ م إليه حقه؛ فأرسل إليه احضر أنت، أو خصمه ليكون الحكم لك أو عليك؛ قال: فعوض المدعي من دعواه حتى رضي، ولم يحضر معه خصمه. (أخبار القضاة 1/127) 55 – قاضي هشام بنعبد الملك قال العتبي: إني لقاعد عند قاضي هشام بن عبد الملك إذ أقبل إبراهيم بن محمد بن طلحة، وصاحب حرس هشام حتى قعدا بين يديه، فقال: إن أمير المؤمنين جراني في خصومة بينه وبين إبراهيم. فقال القاضي: شاهديك على الجراية. فقال: أتراني قلت على أمير المؤمنين ما لم يقل، وليس بيني وبينه إلا هذه السترة؟! قال: لا، ولكنّ ه لا يثبت الحق لك ولا عليك إلا ببينة. قال: فقام الحرسي فدخل على هشام فأخبره. فلم نلبث أن تقعقعت الأبواب وخرج الحرسي، وقال: هذا أمير المؤمنين. وخرج هشام، فلما نظر إليه القاضي قام، فأشار إليه وبسط له مصلى، فقعد عليه
عدد الصفحات ٥٧58 وإبراهيم بين يديه. وكنا حيث نسمع بعض كلامهم ويخفى عنا بعضه قال: فتكلما وأحضرا البينة، فقضى القاضي على هشام بن عبد الملك. (العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي 1/29) 56 – القاضي سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وجلده خال أمير المؤمنين عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه: أن الوليد بن يزيد كان أمر بقبة من حديد، أن تُ عمل وتركب على ظهر الكعبة وأركانها، ونخرج لها أجنحة لتظله إذا حج، وطاف هو ومن أحب من أهله، وفتياته ويطوف الناس من وراء القبة، فحملها على الإبل من الشام، ووجه معها قائداً من قواد أهل الشام في ألف فارس، وأرسل معه مالاً يقسمه في أهل المدينة، فقدم بها، فنصبت في مصلى رسول الله صلّى اللّّ عليه وسلّم، ففزع أهل المدينة، وقالوا: إلى من نفزع ؟ فقالوا: إلى سعد بن إبراهيم، فأتوه، وأخبروه الخبر، وكان على قضاء المدينة؛ فأمرهم أن يضربوها بالنار؛ فقالوا: لا نطيق ذلك؛ معها قائد في ألف فارس، فدعا مولى له؛ فقال: هات الجراب، فأتاه بجراب فيه درع عبد الرحمن التي شهد فيها بدراً، فصبها عليه، وقال: هلم بغلتي، فركبها فما تخلف يومئذ قرشي، ولا أنصاري، حتى أتاها، وقال: علي بالنار، فأضرمها بالنار ثم قال: ليس إلاّ هذا؛ لا الله إذاً حتى نصنع بها كما صنع بالعجل لنحرقنه، ثم لننسفنه في اليم نسفاً؛ فغضب القائد؛ فقيل له: هذا قائد أمير المؤمنين والناس معه، لا طاقة لك به، فانصرف إلى الشام؛ قال سعد بن إبراهيم: وشبع عبيد أهل المدينة
عدد الصفحات ٥٨59 من الناطف من حديدها؛ قال: إبراهيم: فكتب الوليد إلى سعد: أن استخلف عبيد الله بن عمر على القضاء وأقدم علينا، فولي عبيد الله، وركب إلى الشام، وأقام بباب الخليفة أياماً لا يؤذن له حتى أضر به طول المقام، فبينما هو ذات عشية إذا هو بفتى في صفراء سكران؛ فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا خال أمير المؤمنين، سكران، يطوف في المسجد، فقال: لمولىً له: هلم السوط، فأتاه به، وقال: علي به، فأتى، به فضربه في المسجد ثمانين سوطاً، وركب بغلته، ومضى راجعاً إلى المدينة، وأدخل الفتى على الوليد جللوداً؛ ف قال: من فعل هذا به ؟ قالوا: مدني كان في المسجد؛ فقال: عليّ به، فلحق على مرحلة، فرد، فدخل عليه سعد؛ فقال له: يا أبا إسحاق ماذا فعلت بابن أخيك؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنك وليتنا أمراً من أمورك، وإني رأيت حقاً لله ضائعاً؛ سكران يطوف في المسجد، وفيه الوفود ووجوه الناس، فكرهت أن يرجع الناس عنك بتعطيل الحدود، فأقمت عليه الحد؛ قال: جزاك الله خيراً، وأمر له بمال وصرفه إلى المدينة، ولم يذاكره شيئاً من أمر القبة. (أخبار القضاة 1/162) 57 – القاضي بكار بن قتيبة وأحمد بن طولون مات رجل من المتقبلين وعليه مال للأمير وله أطفال، فطلب عامل الخراج من أحمد بن طولون أن يأمر القاضي ببيع داره فيما عليه، فأرسل ابن طولون إلى بكار في ذلك، فقال: حتى يثبت عليه الدين، فأثبتوه وسألوه البيع، فقال: حتى يثبت
عدد الصفحات ٥٩60 عندي أنه ملكه، فأثبتوه ثم سألوه البيع، فقال: حتى يحلف من له الدّين، فحلف ابن طولون، فقال بكار: أما الآن فقد أمرت بالبيع. (رفع الإصر عن قضاة مصر 102) 58 – القاضي غوث بن سليمان والخليفة أبو جعفر المنصور قال غوث بن سليمان: بعث إليّ أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور فحملت إليه. فقال لي: يا غوث، إنّ صاحبتكم الحميرية [وهي أروى بنت يزيد بن منصور بن عبد الله الحميري ، زوجة المنصور خاصمتني إليك في شروطها ، قلت: أفيرضى أمير المؤمنين أن يحكمني عليه ؟ قال: نعم. قلت: فالحكم له شروط ، فيحملها أمير المؤمنين؟ قال: نعم. قلت: يأمرها أمير المؤمنين فتوكل وكيلاً وتُ شهد على وكالته خادمين حرين يعدلهما أمير المؤمنين على نفسه، ففعل، فوكلت خادماً ، وبعثت معه بكتاب صداقها، وشهد الخادمان على توكليها . فقلت له: تمت الوكالة فإن رأى أمير المؤمنين أن يساوي الخصم في جللسه فليفعل. فانحط عن فرشه، وجلس مع الخصم، ودفع إليّ الوكيل كتاب الصداق ، فقرأته عليه، فقلت: أيقر أمير المؤمنين بما فيه؟ قال: نعم. قلت: أرى في الكتاب شروطاً مؤكدة بها تم النكاح بينكما ، أرأيت يا أمير المؤ منين لو أنك خطبت إليها ولم تشترط لها هذا الشرط كانت تزوجك ؟ قال: لا. قلت: فبهذا الشرط تم النكاح وأنت أحقّ من وفى لها بشرطها. قال: قد علمت إذ أجلستني هذا المجلس أنك ستحكم عليّ . قلت: أعظم جائزتي، وأطلق سبيلي يا أمير المؤمنين. قال: بل جائزتك على من قضيت له، وأمر لي بجائزة وخلعة، وأمرني أن
عدد الصفحات ٦٠61 أحكم بين أهل الكوفة. فقلت: يا أمير المؤمنين، ليس البلد بلدي ولا معرفة لي بأهله. قال: لا بد من ذلك. قلت: يا أمير المؤمنين فأنا أحكم بينهم فإذا أنا ناديت من له حاجة بخصومة ولم يأت أحد فائذن لي بالرجوع إلى بلدي . قال: نعم. قال غوث: فجلست فحكمت بينهم ، ثم انقطع الخصوم، فناديت بالخصوم فلم يأت أحد فرحلت من وقتي إلى مصر . قيل: كان من الشرط أن أبا جعفر المنصور لا يتسرى، ولا يتزوج عليها، فأكدت عليه ذلك، وأشهدت شهوداً. (تاريخ دمشق 48/101، ورفع الإصر عن قضاة مصر302) 59-القاضي خير بن نعيم وأبو عون والي مصر عن يحيى بن عبد الله بن بكير أن رجلاً من الجند قذف رجلاً، فخاصمه إلى خير، وأقام عليه شاهداً فحبسه، فأخرج أبو عون الجندي من الحبس، فاعتزل خير. وترك الحكم. فراسله أبو عون فقال: لا، حتى ترد الجندي. فامتنع واستمر خير على الامتناع . (رفع الإصر عن قضاة مصر 154)
عدد الصفحات ٦١62 60 – القاضيمحمّد بن عبد الرحمن المخزومي الملقب بالأوقص والخليفة العباسي المهدي جاء أبو عزارة من آل أبي مليكة يخاصم في دار عبد الله بن جدعان إلى الأرض، وكان المهدي أخذها، وكانت في يده، فبعث الربيع بن يونس يخاصمه، فاختصما إلى الأوقص، فلما جلسا بين يديه قال: ما جاء بكما؟ قال: يقول أبو عزارة جاءني يخاصمني في دار عبد الله بن جدعان، وهي وقف؛ فقال الأوقص: نعم هي وقف كما قلت؛ قال: يقول الربيع: قضيت عليّ قبل أن أتكلم قال: وما تتكلم؟ إنّا أجلستموني هنا للعبث، والله لو كلفتني أن أعد كل حجر فيها؛ أو ميزاب لفعلت، لم أزل أعرفها منذ أنا صبي إلى اليوم؛ قال: فأرسل إليه المهدي: لم قضيت عليّ ؟ فقال: أنا أقضي، أنت تقضي؛ فإن شئت تركت، وإن شئت أخذت، فردها المهدي عليهم ثم اشتراها منهم بعد. (أخبار القضاة 1/266)
عدد الصفحات ٦٢63 61 – القاضي محمد بن مسروق، ووكيل زبيدة بنت جعفر زوجة الخليفة هارون الرشيد وخوصم إلى القاضي محمد بن مسروق، وكيل زبيدة [ فأمر بإحضاره فجلس مع خصمه متربعاً [ فأقامه وأمر به فبطح وضرب عشر درر (تاريخ دمشق 55/249، ورفع الإصر عن قضاة مصر418) 62 – القاضي عبيد الله بن ظبيان والأمير عيسى بن جعفر كان عبيد الله بن ظبيان قاضي الرقة، وكان الرشيد إذ ذاك بها، فجاء رجل فاستعذر عليه من عيسى بن جعفر،[ فكتب إليه ظبيان أما بعد. أبقى الله الأمير وحفظه، أتاني رجل ذكر أنه فلان بن فلان، وأن له على الأمير - أبقاه الله - خمس مئة ألف درهم، فإن رأى الأمير -حفظه الله- أن يحضر معه بمجلس الحكم، أو يوكّ ل وكيلاً يناظر خصمه فعل، ودفع بالكتاب إلى الرجل، فأتى به باب عيسى بن جعفر، ودفع الكتاب إلى حاجبه، فأوصله إليه، فقال: كُ ل هذا الكتاب، فرجع إلى القاضي فأخبر ه، فكتب إليه: أبقاك الله وحفظك وأمتع بك، حضر رجل يقال له فلان بن فلان، فذكر أن له عليك حقاً فصِ ر به معه إلى جللس الحكم أو وكيلك، إن شاء الله، ووجه بالكتاب مع عونين من أعوانه، فحضرا باب عيسى، ودفعا الكتاب إليه، فغضب، ورمى به، فانطلقا فأخبر اه، فكتب إليه:
عدد الصفحات ٦٣64 حفظك الله، وأبقاك، وأمتع بك، لا بد من أن تصير أنت وخصمك إلى جللس الحكم، فإن أبيت أنهيت أمرك إلى أمير المؤمنين، وو جه بالكتاب مع عدلين، فقعدا على باب عيسى حتى خرج، فقاما إليه، ودفعا إليه كتاب القاضي، فلم يقرأه، ورمى به، فأبلغاه ذلك، فختم قمطره [وانصرف، وقعد في بيته، فبلغ الخبر الرشيد، فدعاه، وسأله عن أمره، فأخبره بالقصة عن آخرها، حرفاً حرفاً، فقال لإبراهيم بن عثمان: صِ ر إلى باب عيسى بن جعفر، واختم عليه أبوابه كلها، ولا يخرجن أحد، ولا يدخلن أحد عليه حتى يخرج إلى الرجل من حقه أو يصير معه إلى الحاكم، فأحاط إبراهيم بداره، ووكل بها خمسين فارساً، وغلقت أبوابه، فظن عيسى أنه قد حدث للرشيد رأي في قتله، ولم يدر ما سببُ ذلك، وجعل يكلم الأعوان من خلف الباب، وارتفع الصياح من داره، وصرخ النساء، فأمرهن أن يسكتن، وقال لبعض غلمان إبراهيم: ادعُ لي أبا إسحاق لأكلمه، فأعلموه ما قال، فجاء حتى صار إلى الباب، فقال له عيسى: ويلك! ما حالنا؟ فأخبره خبر ابن ظبيان، فأمر أن يحضر خمس مئة ألف درهم من ساعته، وتدفع إلى الرجل، فجاء إبراهيم إلى الرشيد، فأخبره، فقال: إذاً قبض الرجل ماله فافتح أبوابه. (أخبار القضاة 3/287،وتاريخ مدينة دمشق 73/297) 63 – المأمون يقضي بين ابنه وامرأة
عدد الصفحات ٦٤