33 عن أبي هشام الرفاعي أن حفص بن غياث كان جالساً في الشرقية للقضاء، فأرسل إليه الخليفة يدعوه، فقال له: حتى أفرغ من أمر الخصوم، إذ كنت أجيراً لهم، وأصير إلى أمير المؤمنين، ولم يقم حتى تفرق الخصوم. (تاريخ بغداد 9/68) 27 – القاضيحفص بن غياث وأم جعفر عن يحيى بن الليث، قال: باع رجل من أهل خراسان جمالاً بثلاثين ألف درهم من مرزبان المجوسي وكيل أم جعفر، فمطله بثمنها وحبسه، فطال ذلك على الرجل، فأتى بعض أصحاب حفص بن غياث فشاوره، فقال: اذهب إليه فقل له: أعطني ألف درهم وأحيل عليك بالمال الباقي، وأخرج إلى خراسان، فإذا فعل هذا فالقني حتى أشير عليك، ففعل الرجل وأ تى مرزبان فأعطاه ألف درهم، فرجع إلى الرجل فأخبره، فقال: عد إليه، فقل له: إذا ركبت غداً فطريقك على القاضي تحضر وأوكل رجلاً يقبض المال وأخرج، فإذا جلس إلى القاضي فادع عليه ما بقي لك من المال، فإذا أقر ح بسه حفص وأخذت مالك . فرجع إلى مرزبان فسأله، فقال: انتظرني بباب القاضي، فلما ركب من الغد وثب إليه الرجل، فقال: إن رأيت أن تنزل إلى القاضي حتى أوكل بقبض المال وأخرج ، فنزل مرزبان فتقدما إلى حفص بن غياث، فقال الرجل : أصلح اللّّ القاضي لي على هذا الرجل تسعة وعشرون ألف درهم، فقال حفص: ما تقول يا جلوسي؟ قال: صدق أصلح اللّّ القاضي، قال: ما تقول يا رجل فقد أقر لك؟ قال : يعطيني مالي أصلح اللّّ القاضي، فأقبل حفص على
عدد الصفحات ٣٣34 المجوسي، فقال: ما تقول؟ قال: هذا المال على السيدة، قال: أنت أحمق، تقر ثمّ تقول على السيدة! ما تقول يا رجل؟ قال: أصلح اللّّ القاضي إن أعطاني مالي وإلا حبسته. قال حفص: ما تقول يا جلوسي؟ قال: المال على السيدة، قال حفص: خذوا بيده إلى الحبس، فلما حبس بلغ الخبر أم جعفر، فغضبت وبعثت إلى السندي وجه إلي مرزبان، وكانت القضاة تحبس الغرماء في الحبس، فعجل السندي فأخرجه، وبلغ حفصاً الخبر، فقال: أحبس أنا ويخرج السندي؟ لا جلست جللسي هذا أو يرد مرزبان إلى الحبس، فجاء السندي إلى أم جعفر، فقال: اللّّ اللّّ فيّ ، إنه حفص بن غياث وأخاف من أمير المؤمنين أن يقول لي: بأمر من أخرجته؟ رديه إلى الحبس وأنا أكلم حفصاً في أمره، فأجابته، فرجع مرزبان إلى الحبس، فقالت أم جعفر، يا هارون قاضيك هذا أحمق، حبس وكيلي واستخف به، فمره لا ينظر في الحكم، وتولي أمره إلى أبي يوسف، فأمر لها بالكتاب، وبلغ حفصاً الخبر، فقال للرجل: أحضر لي شهوداً حتى أسجل لك على المجوسي بالمال، فجلس حفص فسجل على المجوسي وورد كتاب هارون مع خادم له، فقا ل: هذا كتاب أمير المؤمنين، قال: مكانك نحن في شيء حتى نفرغ منه، فقال :كتاب أمير المؤمنين! قال: انظر ما يقال لك. فلما فرغ حفص من السجل أخذ الكتاب من الخادم، فقرأه، فقال: اقرأ على أمير المؤمنين السلام، وأخبره أن كتابه ورد وقد أنفذت الحكم، فقال الخادم: قد والله عرفت ما صنعت أن تأخذ كتاب أمير المؤمنين حتى تفرغ مما تريد، والله لأخبرن أمير المؤمنين بما فعلت، فقال له حفص: قل له ما أحببت. فجاء الخادم فأخبر هارون فضحك، وقال للحاجب: مر لحفص بن غياث بثلاثين ألف درهم، فركب يحيى بن خالد فاستقبل حفصاً منصرفاً من جللس القضاء،
عدد الصفحات ٣٤35 فقال: أيها القاضي قد سررت أمير المؤمنين اليوم، وأمر لك بثلاثين ألف درهم، فما كان السبب في هذا؟ قال: تمم اللّّ نور أمير المؤمنين ، وأحسن حفظه وكلاءته، ما زدت على ما أفعل كل يوم، قال: على ذاك؟ قال: ما أعلم إلا أن يكون سجلت على مرزبان المجوسي بما وجب عليه، فقال يحيى بن خالد: فمن هذا سُ ر أمير المؤمنين. (تاريخ بغداد 9/86) 28 – القاضي عبيد الله بن الحسن العنبري، والمهدي كتب المهدي إلى عبيد الله بن الحسن قاضي البصرة يأمره، انظر إلى الأرض التي يخاصم فيها فلانُ التاجر فلانَ القائد فاقض بها للقائد. قال: اجمع شهوداً فجمع جماعة، فكتب عليه حكماً للتاجر، ثم قال: اذهب الآن فقد طوقتك طوقاً لا يفكه عنك خمسون قينا. قال: فعزله المهدي. (تاريخ بغداد 10/309،وتهذيب الكمال في أسماء الرجال 19/25)
عدد الصفحات ٣٥36 29 – القاضي سوار بن عبد والأمير عقبة بن سلم الهنائي قال الأصمعي: حدّثني أبي أن عقبة بن سلم الهنائي، عامَ ل أبو جعفر على معونة البصرة، وذكر من عتوه واجترائه على الله وإقدامه على دماء المسلمين وأموالهم أمراً منكراً، وأنه أخذ رجلاً قدم بجوهرة من البحر، فأخذ منه الجوهرة، وحبسه في السجن فجاءت زوجته إلى سوار بن عبد الله، وهو قاضي أهل البصرة، فقالت: أنا بالله ثم بالقاضي؛ إن الأمير عقبة بن سلم أخذ زوجي، وقدم بجوهرة فاغتصبه إياها، وحبسه في السجن، فبعث إليه سوار يخبره بما رفعت المرأة عليه عنده، فإن كان حقاً فأطلق الرجل ورد جوهرته، فلما أخبر عقبة ابن سلم برسالة سوار زجرهم، وشتم سو اراً شتماً قبيحاً، فجاء الرسول إلى سوار فأخبره بجوابه، فوجه إليه سوار بأمنائه ليسمعوا منه قوله، وما يرد من الجواب، فأتوه فرد عليهم من الرد والشتم أمراً قبيحاً، فأتوه فأخبرهم ، فأرسل إليه سوار، فقال: والله لئن لم تطلق الرجل وترد عليه جوهرته لآ تينك في ثياب بياض ماشياً، ولأدمرن عليك بغير سلاح ولا رجال، ولأقتلنك قتلة يتحدث الناس بها، فلما سمع من بحضرته رسالة سوار قالوا له: أيها الأمير إنه يفعل بك ما أرسل به إليك، وهو سوار قاضي أمير المؤمنين؛ وهو تميم ومضر، وبلعنبر، وكلها مسلحة له، وأنت رجل من أهل اليمن، وليس بالبصرة من كبير أحد، فافعل ما أمرك به فوجه إليه بالرجل وبالجوهرة، ووجه إليه رجالاً يشهدون عليه بقبض الرجل والجوهرة، فصاح بهم سوار وقال: يا أبا عبد الله يشهدون على ماذا؟ يطلق الرجل وترد عليه جوهرته. (أخبار القضاة 2/95-60)
عدد الصفحات ٣٦37 30 – القاضي سوار بن عبد الله والخليفة أبو جعفر المنصور قال الأصمعي: كتب أبو جعفر أمير المؤمنين إلى سوار في شيء كان عنده خلاف الحق، فلم ينفذ سو ار كتابَ ه، وأمضى الحكم عليه، فاغتاظ أمير المؤمنين عليه وتوعده، فقيل له: يا أمير المؤمنين إنّا عدل سوار مضاف إليك وتزيين خلافتك، فأمسك. (أخبار القضاة 2/60) 31-القاضي سوار والخليفة أبو جعفر أيضاً كتب أبو جعفر إلى سوار بن عبد الله قاضي البصرة: انظر الأرض التي تخاصم لها فلان القائد وفلان التاجر فادفعها الى فلان القائد فكتب اليه سوار: البينة قد قامت عندي أنها لفلان التاجر فلست أخرجها من يديه إلا ببينة فكتب اليه أبو جعفر والله الذي لا إله إلا هو لتدفعنها إلى فلان القائد فكتب إليه سوار والله الذي لا إله إلا هو لا أخرجها من يدي فلان التاجر إلا بحق فلما جاءه الكتاب قال أبو جعفر ملأتها والله عدلا، صار قضاتي تردني إلى الحق.
عدد الصفحات ٣٧38 (معرفة الثقات للعجلي 441، و تاريخ دمشق 32/325، وتاريخ الخلفاء 197) 32 – القاضي سوار وحماد بن موسى الغالب كان حماد بن موسى الغالب على أمر محمّد بن سليمان، فحبس سوار رجلاً فبعث حماد، فأخرجه من الحبس، فركب سوار حتى دخل على محمّد بن سليمان، وهو قاعد للناس، والناس على مراتبهم، فجلس حيث يراه محمّد، ثم دعا بقائد، فقال: أسامع أنت مطيع؟ قال: نعم، قال: اجلس ههنا فأقعده عن يمينه، ثم دعا آخر ففعل ذلك بجماعة من القواد، قال: انطلقوا إلى حماد بن موسى، فضعوه في الحبس، فنظروا إلى محمّد، فأشار إليهم أن افعلوا ما يأمركم، فانطلقوا فوضعوا حماد بن موسى في الحبس، فانصرف سوار . فلما كان العش ي أراد محمّد بن سليمان الركوب إلى سوا ر، فبلغه فقال: أنا أحق بالركوب إلى الأمير فركب إليه، فقال: يا أبا عبد الله كنت على المجي ء إليك، فقال: أنا أحق أن أركب إليك، فقال: قد بلغني ما صنع هذا الجاهل، فأحب أن تهب له ذنبه، قال: قد فعلت إن رد الرجل إلى الحبس، قال: يرده بالصغار والقماء، فوجه إلى الرجل فحبسه وأخرج حماداً، وكتب بذلك إلى المهدي، فكتب إلى سوار يخبره بالخبر، ويحمده على ما صنع، وكتب إلى محمّد بن سليمان بكلام غليظ يذكر فيه حماداً، ويقول: الرافضي الرافضي، والله لولا أن الوعيد أمام العقوبة ما أدبته إلاّ بالسيف ؛ ليكون عظة لغيره، ونكالاً، يفتات على قاضي المسلمين في رأيه، ويركب هواه لموضعه منك، ويعرض بالأحكام استهانة
عدد الصفحات ٣٨39 بأمر الله وإقداماً على أمير المؤمنين، وما قال إلاّ بك، ولما أرخيت من رسنه، وبالله لئن عاد إلى مثلها ليجدني أغضب لدين الله، و أنتقم لأولياء الله من أعدا ئه، والسلام. (أخبار القضاة 2/69-70) 33 – الحسن بن عبد الله العنبري والخليفة المعتصم وابن أبي دؤاد لما صار الحسن إلى البصرة أراد ابن أبي دؤاد أن يخبره ويغمزه فكتب إليه: أن عندك صكاكاً هي في ديوانك هي لقوم من أهل بغداد، فاحملها مع نفر من قبلك لتسلمها إلى قاضي بغداد يكون أهون على أهلها في التثبت، فكتب جراب [ جواب الكتاب: إن هذه الصكاك لقوم قبلي قد شرعوا فيها ، وأقاموا البينة عندي، ولم أكن لأخرجها عن يدي فيبطل حق من حقوقهم، فإن شئت أن تبعث أنت إلى الديوان، فتأخذها كان ذلك إليك، فأمّ ا أنا فلم أكن لأتقلد ذاك، فغضب ابن أبي دؤاد، فدخل على المعتصم، فاستخرج كتابه جزماً بحمل الصكاك، فلما ور دت الصكاك عليه بعث إلى فقهاء البصرة، وفيهم هلال الرأي فشاورهم؛ فقال له هلال: كأنهم عزلوك عن هذه الصكاك نفسها، فوجهها إليهم، فلما خرجوا قال لي: ما تقول؟ قال: قلت: عوذك الله وأهلك من رد كتب الخلفاء بما لا يستقيم خيراً، قال: أجل وفقك الله، اكتب يا غلام، فكتب؛ ورد علي كتاب أمير المؤمنين، أعزه الله حزماً ولم يكن القضاة يكتب إليها حزماً، وهذه الكتب كنت أوطىء أمير المؤمنين فيها العثرة، وهي لقوم قبلي، ولم أكن لأتقلد إثم إبطال حقوقهم، والديوان
عدد الصفحات ٣٩40 ديوان أمير المؤمنين، فإن أحب أن يرسل فيأخذها، فذاك إليه، فلما ورد الكتاب على ابن أبي دؤاد ظن أنه قد افترسه، فأدخل الكتاب إلى المعتصم، فقال: كيف قد رأيت فراستي فيه؟ والله لوددت أن مكان كل شعرة منه قاض على بلد من البلدان. (أخبار القضاة 2/174-175) 34 – قاضي الري أحمد بن بديل الكوفي، وموسى بن بغا أحد قواد أمير المؤمنين قال أبو القاسم عبيد الله بن سليمان: كنت أكتب لموسى بن بغا، وكنا بالري وقاضيها إذ ذاك أحمد بن بديل الكوفي، فاحتاج موسى أن يجمع ضيعة هناك، كان له فيها سهام ويعمرها وكان فيها سهم ليتيم ، فصرت إلى أحمد بن بديل أو فاستحضرت أحمد بن بديل وخاطبته في أن يبيع علينا حصة اليتيم ويأخذ الثمن فامتنع، وقال: ما باليتيم حاجة إلى البيع، ولا آمن أن أبيع ماله وهو مستغن عنه فيحدث على المال حادث فأكون قد ضيعته عليه . فقلت: إنا نعطيك في ثمن حصته ضعف قيمتها. فقال: ما هذا لي بعذر في البيع والصورة في المال إذا كثر مثلها إذا قَ لّ . قال: فأخذته بكل لون وهو يمتنع، فأضجرني، فقلت له: أيها القاضي لا تفعل ، فإنه موسى بن بغا . فقال لي : أعزك الله ، إنه الله تبارك وتعالى . قال: فاستحييت من الله أن أعاوده بعد ذلك ، وفارقته، فدخل عل يّ موسى فقال : ما عملت في الضيعة؟ فقصصت عليه الحديث، فلما سمع أنه الله بكى، وما زال يكررها ثم قال لا تعرض لهذه الضيعة، وانظر في أمر هذا الشيخ الصالح فإن كانت له حاجة
عدد الصفحات ٤٠41 فاقضها. قال: فأحضرته، وقلت له: إن الأمير قد أعفاك من أمر الضيعة وذاك أني شرحت له ما جرى بيننا ، وهو يعرض عليك قضاء حوائجك. قال: فدعا له وقال: هذا الفعل أحفظ لنعمته، وما لي حاجة إلا إدرار رزقي فقد تأخر منذ شهور وأضر بي ذلك. قال: فأطلقت له جارية. (تاريخ دمشق 60/401، والمنتظم 5/9-10، وأخبار القضاة باختصار 3/197) 35 – القاضي أبو خازم والخليفة المعتضد قال أبو الحسين وبلغ من شدته –يعني أبا خازم-في الحُ كم أن المعتضد وجه إليه بطريف المخلدي، فقال له: إنّ على الض بَ عي بيعاً -وكان للمعتضد ولغيره مال-وقد بلغني أن غرماءه أثبتوا عندك، وقد قسطتَ لهم من ماله، فاجعلنا كأحدهم فقال له أبو خازم: قل له: أمير المؤمنين أطال الله بقاءه ذاكر لما قال لي وقت قلدني أنه قد أخرج الأمر من عنقه وجعله في عنقي ولا يجوز لي أن أحكم في مال رجل لمدع الا ببينة. فرجع إليه طريف فأخبره . فقال: قل له: فلان وفلان يشهدان -يعني لرجلين
عدد الصفحات ٤١42 جليلين كانا في ذلك الوقت-فقال: يشهدان عندي و أسأل عنهما، فان زكيا قبلت شهادتهما، و إلا أمضيت ما قد ثبت عندي، فامتنع أولئك من الشهادة فزعاً ولم يدفع إلى المعتضد شيئاً . (تاريخ دمشق 34/81، وتاريخ بغداد 11/64، والمنتظم في تاريخ الملوك والأمم 13/38) 36-القاضي أبو خازم والمعتضد عن وكيع القاضي قال: كنت أتقلد لأبي خازم وقوفاً في أيام المعتضد ، منها وقوف الحسن بن سهل، فلما استكثر المعتضد من عمارة القصر المعروف بالحسني، أدخل إليه بعض وقوف الحسن بن سهل التي كانت في يدي ، وجلاورة القصر، وبلغت السنة آخرها، وقد جنيت مالها إلا ما أخذه المعتضد، فجئت إلى أبي خازم فعرّ فته اجتماع مال السنة ، واستأذنته في قسمته في سبيله، وعلى أهل الوقف، فقال لي: فهل جبيت ما على أمير المؤمنين؟ فقلت له: ومن يجسر على مطالبة الخليفة؟ فقال: والله لا قسمت الارتفاع أو تأخذ ما عليه، ووالله إن لم يزح العلة لا وليت له عملاً ، ثم قال: امض إليه الساعة وطالبه، فقلت: من يوصلني؟ فقال لي: امض إلى صافي الحرمي، وقل إنك رسولي أنفذتك في مهم، فإذا توصلت تعرفه ما قلت لك. فجئت فقلت لصافي ذلك، فأوصلني وكان آخر النهار ، فلما مثلت بين يدي الخليفة ظن أن أمراً عظيماً قد حدث، وقال: هيه قل، كأنه متشوف. فقلت له: إني ألي لعبد الحميد قاضي أمير المؤمنين وقوف الحسن بن سهل، وفيها ما قد أدخله أمير المؤمنين
عدد الصفحات ٤٢43 إلى قصره، ولما جبيت مال هذه السنة امتنع من تفرقته إلى أن أجيء بما على أمير المؤمنين، و أنفذني الساعة قاصداً لهذا السبب، وأمرني أن أقول إني حضرت في مهم لأصل، قال: فسكت ساعة مفكراً، ثم قال: أصاب عبد الحميد، يا صافي هات الصندوق، فأحضر صندوقاً لطيفاً فقال: كم يجب لك؟ فقلت: الذي جبيت عام أول من ارتفاع هذ ه العقار ات أربعمائة دينار؛ فقال: كيف حذقك بالنقد والوزن؟ قلت: أعرفهما، قال هاتوا ميزاناً ؛ فجيء بميزان، وأخرج من الصندوق دنانير عيناً ، فوزن لي منها أربعمائة دينار، فقبضتها وانصرفت إلى أبي خازم بالخبر، فقال: أضفها إلى ما قد اجتمع من مال الوقف عندك وفرقه في غد في سبله، ولا تؤخر ذلك؛ ففعلت، فكثر شكر الناس لأبي خازم بهذا السبب وإقدامه على الخليفة بمثل ذلك، وشكرهم للمعتضد في إنصافه. (تاريخ دمشق 34/81، والمنتظم في تاريخ الملوك والأمم13/40) 37 – قاضي القضاة ابن دقيق العيد والأمير منكوتمر بعث منكوتمر إلى قاضي القضاة تقي الدين محمد بن دقيق العيد يعلمه أن تاجراً قد مات وترك أخاً ولم يخلف غيره ممن يرثه، وأراد أن يثبت استحقاقه الإرث بمجرد هذا الإخبار عنه. فلم يوافق قاضي القضاة على ذلك، وترددت الرسل بينهما، فخرج منكوتمر من ذلك، وبعث إليه الأمير كرت الحاجب، فلما دخل كرت وقف بعدما سلّ م، فقام له القاضي نصف قومة ورد عليه السلام وأجلسه. وأخذ كرت يتلطف به في إثبات أخوة التاجر بشهادة منكوتمر، فقال له قاضي القضاة:
عدد الصفحات ٤٣44 وماذا ينبني على شهادة منكوتمر؟ قال له: يا سيدي ما هو عندكم عدل؟ فقال سبحان الله ثم أنشد: يقولون هذا عندنا غير جائز ... ومن أنتم حتى يكون لكم عندُ وكرر ذلك ثلاث مرات، ثم قال: والله متى لم تقم عندي بينة شرعية ثبتت عندي، وإلا فلا حكمت له بشيء باسم الله، فقام كرت وهو يقول: والله هذا هو الإسلام وعاد إلى منكوتمر واعتذر إليه بأن هذا الأمر لابد فيه من اجتماعك بالقاضي إذا جاء إلى دار العدل. فلما كان يوم الخدمة، ومر القاضي على دار النيابة بالقلعة ، ومنكوتمر جالس في الشباك، تسارعت الحجاب واحداً بعد آخر إلى القاضي وهم يقولون: يا سيدي الأمير ولدك يختار الاجتماع بك لخدمتك. فلم يلتفت إلى أحد منهم، فلما ألحوا عليه قال لهم: قولوا له: ما و جبت طاعتك عليّ ، والتفت إلى من معه من القضاة، وقال: أشهدكم أني عزلت نفسي باسم الله، قولوا له يولّ غيري. وعاد إلى داره وأغلق بابه، وبعث نقباءه إلى النواب في الحكم وعقاد الأنكحة يمنعهم من الحكم وعقد الأنكحة. فلما بلغ السلطان ذلك أنكر على منكوتمر، وبعث إلى القاضي يعتذر إليه ويستدعيه، فأبى واعتذر عن طلوعه، فبعث إليه الشيخ نجم الدين حسين بن محمد بن عبود والطواشي مرشداً، فما زالا به حتى صعدا به إلى القلعة. فقام إليه السلطان وتلقاه، وعزم عليه أن يجلس في مرتبته، فبسط منديله وكان خرقة كتان خلقة فوق الحرير قبل أن يجلس، كراهة أن ينظر إليه، ولم يجلس عليه. وما برح السلطان
عدد الصفحات ٤٤45 يتلطف به حتى قبل الولاية ثم قال له: يا سيدي هذا ولدك منكوتمر خاطرك معه، ادعوا له، وكان منكوتمر ممن حضر، فنظر إليه قاضي القضاة ساعة، وصار يفتح يده ويقبضها وهو يقول: منكوتمر لا يجيء منه شيء وكررها ثلاث مرات، وقام. فأخذ السلطان الخرقة التي وضعها على المرتبة تبركا بها، وتفرقها الأمراء قطعة قطعة ليدخروها عندهم رجاء بركتها. (السلوك لمعرفة دول الملوك 1/293) 38 – القاضي نصر بنزياد بن نهيك، وعبد الله بن طاهر ورد رجل من هراة فرفع قصته إلى عبد الله بن طاهر. فلما قدم بين يديه قال: من خصمك؟ قال: الأمير أيده الله. قال: ما الذي تدعي عليّ ؟ قال: ضيعة لي بهراة غصبنيها والد الأمير، وهي اليوم في يده. قال: ألك بينة؟ قال: إنّا تقام البينة بعد الحكومة إلى القاضي. فإن رأى الأمير أيده الله أن يحملني وإياه على حكم الإسلام. قال: فدعا عبد الله بن طاهر بالقاضي نصر بن زياد ثم قال للرجل: ادّ ع. قال: فادّ عى الرجل مرة بعد أخرى. فلم يلتفت إ ليه نصر بن زياد، ولم يسمع دعواه، فعلم الأمير أنه قد امتنع عن استماع الدعو ى حتى يجلس الخصم مع المدعي، فقام عبد الله بن طاهر من جللسه حتى جلس مع خصمه بين يديه، فقال نصر للمدعي: ادّ ع فقال: أدعي أيد الله القاضي أن ضيعة لي بهراة وذكرها بحدودها وحقوقها، هي لي في يدي الأمير، فقال له الأمير عبد الله بن طاهر: أيها الرجل، قد غيرت الدعوى إنّا ادعيت أولاً على أبي، فقال الرجل: لم أشته أن أفضح والد الأمير في جللس الحكم،
عدد الصفحات ٤٥46 أدعي أن والد الأمير قد كان غصبني عليها، وإنها اليوم في يد الأمير، فسأل نصر بن زياد عبد الله بن طاهر عن دعواه فأنكره، فالتفت إلى الرجل فقال: ألك بينة؟ قال: لا، قال: فما الذي تريده؟ قال: يمين الأمير بالله الذي لا إله إلا هو قال: فقام الأمير إلى مكانه وأمر الكاتب ليكتب إلى هراة برد الضيعة عليه. (تاريخ دمشق 29/220-221) 39 – القاضي جميل بن كريب المعافري والأمير عبد الرحمن بن حبيب الفهري كان القاضي جميل بن كريب من أهل إفريقية، من أهل العلم والدين، وسأله الأمير عبد الرحمن بن حبيب الفهري تولية القضاء فامتنع، وتمارض وشرب ماء التبن حتى اصفر لونه، فبعث إليه عبد الرحمن فقال له: إنّا أردت أن تكون عوناً على الأمر، وأقلدك أمر المسلمين فتحكم عليّ وعلى من دوني بما تراه من الحق، فاتق الله في الناس.فقال له جميل: آلله إنك لتفعل؟ فقال: آلله، فقبل، فما مر إلا أيام حتى أتاه رجل يدعي على عبد الرحمن بن حبيب دعوى، فمضى معه إلى باب دار الإمارة، فقال للحاجب: أعلم الأمير بمكاني، وأن هذا يدعي عليه بدعوى. فدخل فأعلمه. وكان عبد الرحمن من أغنى من ولي إفريقية، فلبس رداء ونعلين وخرج إليه، فأقعده جميل مقعد الخصم مع صاحبه، ثم نظر بينهما، فأنصفه عبد الرحمن. (المنتظم 2/472 )
عدد الصفحات ٤٦47 40 – القاضي عافية بن يزيد بن قيس كان عافية القاضي يتقلد للمهدي القضاء بأحد جانبي مدينة السلام مكان ابن علاثة، وكان عافية عالماً زاهداً ، فصار إلى المهدي في وقت الظهر في يوم من الأيام وهو خال، فاستأذن عليه فأدخله، فإذا معه قمطر، فاستعفاه من القضاء، واستأذنه في تسليم القمطر إلى من يأمر بذلك ، فظن أن بعض الأولياء قد غض منه أو أضعف يده في الحكم، فقال له في ذلك. فقال: ما جرى من هذا شيء. قال: فما سبب استعفائك. فقال: كان يتقدم إلىّ خصمان موسران وجيهان منذ شهرين في قضية معضلة مشكلة ، وكل يدّ عي بين ة وشهوداً ، ويدلي بحجج تحتاج إلى تأمل وتثبت، فرددت الخصوم رجاء أن يصطلحوا، أو يعن لي وجه فصل ما بينهما، قال: فوقف أحدهما من خبري على أني أحب الر طَ ب السكر، فعمد في وقتنا -وهو أول أوقات الرطب - إلى أن جمع رطباً سكراً لا يتهيأ في وقتنا جمع مثله إلا لأمير المؤمنين، وما رأيت أحسن منه، ورشا بوابي جملة دراهم على أن يُ دخل الطبق إلي ولا يبالي أن ي ُ رَ دّ ، فلما أُ دخل إليّ أنكرت ذلك، وطردت بوابي، وأمرت برد الطبق ف َ رُ دّ ، فلما كان اليوم تقدم إلي مع خصمه فما تساويا في قلبي، ولا في عيني، وهذا يا أمير المؤمنين ولم أقبل، فكيف يكون حالي لو قبلت؟! ولا آمن أن يقع على حيلة في ديني فأهلك، وقد فسد الناس، فأقلني أقالك الله واعفني. فأعفاه. (تاريخ بغداد 12/308-309)
عدد الصفحات ٤٧48 41 – القاضي سلمة بن صالح، أبو إسحاق الجعفي الأحمر الكوفي، وأحد كبار رجال العشائر تقدم هشيم بن بشير مع خصم له إلى سلمة بن صالح وهو على قضاء واسط في زمن الرشيد، فكلم الخصم هشيماً بكلمة فرفع هشيم يده فلطم الخصم بين يدي سلمة بن صالح، فأمر سلمة بهشيم فضرب عشر درر، وقال: تتعدى على خصمك بحضرتي؟! فأغضب ذلك مشيخة واسط ، فخرجوا إلى بغداد إلى الرشيد ، فأقاموا ببابه، إلى أن خرج الرشيد إلى مكة ، فخرجوا بأجمعهم معه ، وهم عباد بن العوام ومحمد بن يزيد وخالد بن عبد الله وغيرهم من المشيخة، فلما صاروا إلى مكة اعترضوا الرشيد وهو يطوف بالبيت فكلموه في أمر سلمة. فقالوا: يا أمير المؤمنين لسنا نطعن على سلمة، ولكن رجل مكان رجل ، فرقّ لهم الرشيد وقال: أما هذا فنعم، فأمر بعزله وتقليد رجل سواه . (تاريخ بغداد 9/130-131) 42-القاضي عمر بن حبيب العدوي البصري، وعبد الصمد بن علي عم الرشيد كان عمر بن حبيب على قضاء الرصافة لهارون الرشيد، فاستعدى إليه رجل على عبد الصمد بن علي، فأعداه عليه، فأبى عبد الصمد أن يحضر جللس الحكم، فختم عمر بن حبيب قمطره، وقعد في بيته، فرفع ذلك إلى هارون الرشيد، فأرسل
عدد الصفحات ٤٨