المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

صور من مفاخر القضاء في الإسلام

محمد علي عباد حميسان

صفحة ٢ من ٦

17 (طبقات الشافعية الكبرى للسبكي8/65، وحسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة 2/161) 13-القاضي أبو عبيد بن حربويه ومونس الوالي العباسي في عهد المقتدر مرض مونس الوالي العباسي، فأرسل إلى القاضي بن حربويه يطلب شهوداً يشعرهم أنه أوصى بوقف على جهة من جهات الخير ، فقال له القاضي: لا أفعل حتى يثبت عندي أنه حر، وكتب إلى الخليفة المقتدر يسأله إذا كان قد أعتقه؟ ولما وصل الكتاب إلى القاضي أبى القاضي إلا أن يشهد عدلان أنه كتاب أمير المؤمنين. وكان القاضي المذكور من أفضل القضاة علماً وعدلاً وشجاعة كما كان المير مونس من أكبر أمراء المقتدر وكان يخطب له مع الخليفة كما كان في خدمته سبعون أميرا غير أصحابه. (نظام القضاء في الإسلام للعمراني 130) 14-القاضي نصر بن ظريف اليحصبي وعبد الرحمن بن معاوية

عدد الصفحات ١٧

18 و نصر بن ظريف اليحصبي القضاء زمانا، على ما حكاه أبو عمر بن عبد البرَّ ، فسار فيه بأجمل سيرة: منها عمله في قضية حبيب القرشي؛ وذلك أنه دخل على الأمير عبد الرّحمن بن معاوية؛ فشكى إليه بالقاضي، وذكر أنه ير يد أن يسجل عليه في ضيعة قيم فيها، وادّعى عليه الاغتصاب له ا، ولاذ بالأمير من إسراع القاضي إلى الحكم عليه من غير تثبيت. فأرسل الأمير إليه، و كلمه في حبيب، و نهاه عن العجلة عليه؛ فخرج ابن ظريف من ي و مه، وعمل بضد ما أراد الأمير، وأنفذ الحكم. وبلغ الخبر حبيباً؛ فدخل إلى الأمير متغراً غيظاً؛ فذكر له ما عمله القاضي، ووصفه بالاستخفاف بأمره والنقض له، وأغراه. ف غضب الأ مير على القاضي واستحضره؛ فقال له: من أمرك على أن تنفذ حكما، وقد أمرتك بتأخير ه والإناءة به؟ فقال له: قدّ منى عليه رسو ل الله -صلى الله عليه وسلم-فإنّّا بعثه الله بالحقّ، ليقضي به على القر يب والبعيد، و الشريف والدني ء. وأنت أيها الأمير، ما الّذي حملك على أن تتحامل لبعض رعيتك على بعض، وأنت تجد مندوحة بأن ترضى من مالك من تعنى به، وتمد الحق لأجله؟ فقال له: جزاك الله يا ابن ظريف خيرا. وخرج القاضي؛ فدعا بالقوم الّذين صار ت الضّيعة إليهم بالاستحقاق، وكلمهم؛ ف و جدهم راضين ببيعها؛ إن أجزل لهم الثّمن. فعقد فيها البيع معهم، وصارت إلى حبيب. فكان بعد ذلك يقول: جزى الله ابن ظريف عنّا خيرا ، كان بيدي ض يعة حرام؛ فجعلها حلالا. كان هذا القاضي، من زهده وورعه، إذا شغل عن القضاء يوماً واحداً ، لم يأخذ لذلك اليو م أجرا. (تاريخ قضاة الأندلس 44) 15-قاضي قرطبة المصعب بن عمران والحكم بن هشام

عدد الصفحات ١٨

19 جاءكتاب الحسن بن محمد: أن العباس بن عبد الملك المرواني اغتصب رجلاً من أهل جيان ضيعته. فبينا هو ينازعه فيها، هلك الرجل، وترك أيتاماً صغار اً . فلمّا ترعرعوا، وسمعوا بعدل القاضي مصعب وقضائه، قدموا قرطبة، وأنهوا إليه مظلمتهم بالعبّاس، وأثبتوا ما وجب إثباته؛ فبعث القاضي في العبّاس، وأعلمه بما دفعه إليه الأيتام، وعرفه بالشهود عليه، وأعذر إليه فيهم، وأباح له المدافع، وضرب له الآجال فلمّا انصرمت، ولم يأت بشيء، أعلمه أنه ينفذ الحكم عليه. ففزع العبّاس إلى الأمير الحَ كَ م، وسأله أن يو صي إلى القاضي التخلي عن النّظر في قصّته، ليكون هو النّاظر فيها. فأوصل إليه الأمير ذلك مع خليفة له من أكابر فتيانه؛ فلمّا أدّى الوصيّة إليه، اشتدت عليه، وقال: إن القوم قد أثبتوا حقهم، ولزمهم في ذلك عناء طويل ونصب شديد، لبعد مكانهم، وضعف حالتهم. وفي هذا على الأمير أعزه الله، ما فيه، فلست أتخلى عن النّظر وإنفاذ الحكم لوجهه. فليفعل الأمير بعده ما يراه صواباً من رأيه، فرجع الرّسول إلى الأمير بجوابه، فوجم منه؛ وجعل العبّاس يغريه بمصعب، ويقول: قد أعلمت الأمير بشدّة استخفافه وغلطه في نفسه، وتقديره أن الحكم له، ولا حكم للأمير عليه، فأعاد الإرسال إليه بعزمه منه، يقول: لا بد لك من أن تكف عن النّظر في هذه القضيّة، لأكون أنا النّاظر فيها؛ فلمّا جاءه بعزمته، أمره بالقعود؛ ثمّ أخذ قرطاساً، فسواه، وعقد فيه حكمه للقوم بالضيعة؛ ثمّ أنفذه لوقته بالإشهاد عليه. ثمّ قال للرسول: اذهب إلى الأمير أصلحه الله فأعلمه أنيّ قد أنفذت ما لزمني إنفاذه من الحق خوف الحادثة على نفسي، ورهبة السّؤال عنه. وإن شاء نفذه، فذلك له يتقلد منه ما شاء ، فذهب مغضباً، وحر ف كلام القاضي؛ وحكى عنه أنه قال: "قد حكمت بالعدل؛ فلينقضه الأمير إن قدر"، فاستشاط

عدد الصفحات ١٩

20 غيظاً، وأطرق مليّاً ، والعبّاس يهيج غضبه؛ وهم بمصعب، إلى أن تداركته عصمة من الله، ثبتت بصيرته، فسر ي عنه، وقال للعبّاس: أربع على ظلعك! فما أشقاه من جرى عليه قلم القاضي، فقف عند أمره، فإنّه أشبه بنا وأولى بك. وأقام على حسن رأيه في القاضي، ولم يعرضه. وقول الأمير: "أربع على ظلعك" معناه: إنّك ضعيف فانته عمّا لا تطيقه. (تاريخ قضاة الأندلس 46) 16-أبو عبد الله محمد بن يحيى قاضي المرية، ويوسف بن تاشفين روي أن أمير المسلمين يوسف بن تاشفين طلب من أهل البلاد المعونة على ما هو بصدده، فوصل كتابه إلى المرية في هذا المعنى، وذكر فيه أن جماعة أفتوه جواز طلب ذلك اقتداء بعمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال أهل المرية لقاضي بلدهم وهو أبو عبد الله ابن الفراء أن يكتب جوابه، وكان هذا القاضي من الدين والورع على ما ينبغي، فكتب إليه: أما بعد ، ما ذكره أمير المسلمين من اقتضاء المعونة وتأخري عن ذلك، وأن أبا الوليد الباجي وجميع القضاة والفقهاء بالعدوة والأندلس أفتوا بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه اقتضاها، وكان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وضجيعه في قبره ولا يشك في عدله، فليس أمير المسلمين بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بضجيعه في قبره، ولا من لا يشك في عدله، فإن كان الفقهاء والقضاة أنزلوك بمنزلته في العدل فالله سائلهم عن تقلدهم فيك، وما

عدد الصفحات ٢٠

21 اقتضاها عمر حتى دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلف أن ليس عنده درهم واحد من بيت مال المسلمين ينفقه عليهم، فلتدخل المسجد الجامع هنالك بحضرة أهل العلم، وتحلف أن ليس عندك درهم واحد، ولا في بيت مال المسلمين، وحينئذ تستوجب ذلك، والسلام. (وفيات الأعيان 7/119، ودولة الإسلام في الأندلس 3 /52) 17-قاضي الجماعة بمراكش أبو عبد الله بن علي، وأبو يوسف المنصور ملك الموحدين كان الأمير الشيخ أبا محمد عبد الواحد بن الشيخ أبي حفص عمر والد الأمير أبي زكريا يحيى بن عبد الواحد صاحب إفريقية قد تزوج أخت الأمير يعقوب المذكور وأقامت عنده، ثم جرت بينهما منافرة فجاءت إلى بيت أخيها الأمير يعقوب، فسير الأمير عبد الواحد طلبها فامتنعت عليه، فشكا الأمير عبد الواحد ذلك إلى قاضي الجماعة بمراكش، وهو القاضي أبو عبد الله محمد بن علي بن مروان، فاجتمع القاضي المذكور بالأمير يعقوب وقال له: إن الشيخ أبا محمد عبد الواحد يطلب أهله، فسكت الأمير يعقوب، ومضى على ذلك أيام، ثم إن الشيخ عبد الواحد اجتمع بالقاضي المذكور في قصر الأمير يعقوب بمراكش، وقال له: أنت قاضي المسلمين، وقد طلبت أهلي فما جاءوني، فاجتمع القاضي بالأمير يعقوب وقال له: يا أمير المؤمنين، الشيخ عبد الواحد قد طلب أهله مرة وهذه الثانية، فسكت الأمير يعقوب؛ ثم بعد ذلك بمدة لقي الشيخ

عدد الصفحات ٢١

22 عبد الواحد القاضي بالقصر المذكور وقد جاء إلى خدمة الأمير يعقوب فقال له قاضي المسلمين، قد قلت لك مرتين وهذه الثالثة: أنا أطلب أهلي وقد منعوني عنهم، فاجتمع القاضي بالأمير يعقوب وقال له: يا مولانا إن الشيخ عبد الواحد قد تكرر طلبه لأهله، فأما أن تسير إليه أهله وإلا فاعزلني عن القضاء، فسكت الأمير يعقوب، وقيل إنه قال له: يا أبا عبد الله ما هذا إلا جد كبير. ثم استدعى خادماً وقال له في السر: تحمل أهل الشيخ عبد الواحد إليه، فحملت إليه في ذلك النهار، ولم يتغير على القاضي ولا قال له شيئاً يكرهه، وتبع في ذلك حكم الشرع المطهر وانقاد لأوامره، وهذه حسنة تعد له وللقاضي أيضاً، فإنه بالغ في إقامة منار العدل (وفيات الأعيان 7/10.) 18-القاضي المنذر بن سعيد وعبد الرحمن الناصر أمير الأندلس كان القاضي منذر بن سعيد من ذوي الصلابة في أحكامه، والمهابة في أقضيته، وقوّة القلب في القيام بالحقّ في جميع ما يجري على يديه، لا يهاب في ذلك الأمير الأعظم، فمن دونه، ومن مشهور ما جرى له في ذلك قصّته المشهور ة في أيتام أخي نجَ دة. حدث بها جماعة من أهل العلم والرّواية وهي أن الخليفة النّاصر لدين الله عبد الرّحمن بن محمّد، احتاج إلى شراء دار بقرطبة لحظية من نسائه تكرم عليه، فوقع استحسانه على دار كانت لأولاد زكرياّ أخي نجدة ، وكانت بقرب النشارين في الرَ بض الشّرقي، منفصلة عن دوره، يتّصل بها حمام العامّة ، له غلّة واسعة، وكان أولاد زكرياّ أخي نجدة أيتاماً في حجر القاضي، فأرسل الخليفة له من قو مها بعدد ما

عدد الصفحات ٢٢

23 طابت به نفسه، وأرسل أناساً أمرهم بمداخلة وصيّ الأيتام في بيعها عليهم، فذكر أنه لا يجوز إلاّ بأمر القاضي ، إذ لم يجز بيع الأصل إلاّ عن رأيه ومشورته ، فأرسل الخليفة إلى القاضي منذر في بيع هذه الدّار، فقال لرسوله: البيع على الأيتام لا يصح إلاّ لوجوه منها الحاجة ، ومنها الوهي الشّديد، ومنها الغبطة، فأما الحاجة فلا حاجة لهؤلاء الايتام إلى البيع ، وأما الوهي فليس فيها ، وأما الغبطة فهذا مكانها ، فإن أعطاهم أمير المؤمنين فيها ما تستبين به الغبطة أمرت وصيّ هم بالبيع وإلاّ فلا ، فنقل جوابه هذا إلى الخليفة فأظهر الزّهد في شراء الدّار طمعاً أن يتوخى رغبته فيها، وخاف القاضي أن تنبعث منه عزيمة تلحق الأولاد سورتها، فأمر وصيّ الأيتام بنقض الدّار وبيع انقاضها، ففعل ذلك وباع الأنقاض، وكانت لها قيمة أكثر ممّا قوّ مت به للسّلطان. فاتصل الخبر به فعز عليه خرابها وأمر بتوقيف الوصيّ على ما أحدثه فيها، فأحال الوصيّ على القاضي أنه أمره بذلك، فأرسل عند ذلك للقاضي منذر بن سعيد، وقال له: أنت أمرت بنقض دار أخي نجدة؟ فقال له: نعم، قال له: وما دعاك إلى ذلك؟ قال: أخذت فيها بقول الله تبارك وتعالى: (أمّ ا السّفينةُ فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكا ن وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا)، مُ قوموك لم يقدروها إلاّ بكذا ، وبذلك تعل ق وهمك، فقد نَ ض في أنقاضها أكثر من ذلك، وبقيت القاعة والحمام فضلا، ونظر الله تعالى للأيتام، فصبر الخليفة عبد الرّحمن على ما أتى من ذلك فقال: نحن أول من انقاد إلى الحق، فجزاك الله تعالى عنّا وعن أمانتك خيرا. (مطمع الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس 252، و نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب 2/16.)

عدد الصفحات ٢٣

24 19-القاضي سليمان بن الأسود الغافقي والأمير محمد بن عبد الرحمن قال القاضي أبو عمر بن عبد البر: كان القاضي سليمان بن الأسود رجلاً صالحاً متقشفاً، صليباً في حكمه، مهيباً. وكان السّ بب في تقليد الأمير محمّد إياه قضاء قرطبة، حكم أمضاه بمدينة ماردة، وهو قاض عليها للأمير عبد الرّحمن والده، ومحمّد أمير عليها: وقد احتبس لرجل يهوديّ من تجار جليقية مملوكة أعجبته، واشتط اليهوديّ في سومها، فدس غلمانه لاختلاسها من اليهوديّ. وفزع اليهوديّ إلى سليمان بمظلمة، واستشهد بمن حول دار الإمارة ممّن عرف خبرها. فأوصل سليمان إلى محمّد، يعرفه بما ذكره اليهوديّ، وما شهد لديه، ويقبح عنده سوء الأحدوثة عنه، ويسأله دفع مملوكته إليه. فأنكر محمّد ما زعمه اليهوديّ، ولواه بحقّه، فأعاد القاضي إليه الرسالة يقول له: إن هذا اليهوديّ الضّعيف لا يقدر أن يدعي على الأمير بباطل، وقد شهد عندي قوم من التّجّار، فليأمر الأمير بإنصافه. فلَ ج محمّد ولَ سليمان. فأرسل إليه سليمان ثانية، يقسم باللّّ العظيم لئن لم يصرف على اليهوديّ جاريته، ليركبن دابّته من فوره، ويكون طريقه إلى الأمير والده، يعلمه الخبر، ويستعفيه من قضائه. فلم يلتفت محمّد إلى وصيته. فشد سليمان على نفسه، وركب دابّته سائراً إلى قرطبة؛ وكانت طريقه على باب دار الإمارة؛ فدخل الفتيان إلى محمّد؛ فعرفوه بسيره. فأشفق من ذلك، وأرسل خلفه فتى من ثقاته، يقول له إن الجارية قد وجد خبرها عند بعض فتيانه، وقد كان أخ فاها بغير أمره، وها هي حاضرة، ترد إلى اليهوديّ. فلحقه الرّسول على ميل أو نحو ه من ماردة، وأعلمه.

عدد الصفحات ٢٤

25 فقال: و لا أنصرف من موضعي راجعا، أو أوتى بالجارية إلى هذا ا لمكان، ويقبضها اليهوديّ ها هنا ، وإلاّ مضيت لوجهي . فأرسل محمّد الجارية إليه. فلمّا صارت بين يديه، أرسل في اليهوديّ مولاها، وفي ثقات من ثقات أهل البلد، ودفعها إليه بمحضرهم. وأعجب الأمير محمّدًا ما كان منه، واستر جحه واعتقد تفضيله. فلمّا ولي الخلافة، واحتاج إلى قاض، ولاه وأعزه. (تاريخ قضاة الأندلس 56) 20 – القاضي سليمان بن الأسود الغافقي وبدرون الصقلبي قال أسلم بن عبد العزيز: سمعت أخي هاشماً يقول: إنيّ لقاعد يومًا بين يدي الأمير، إذ دخل عليه فتاه بدرون الصقلبي، -وكان أثيراً لديه-باكياً . فقال له: ما دهاك؟ فقال له: يا مولاي، عرض لي السّاعة مع القاضي ما لم يعرض لي مثله قطّ ، ولوددت أن الأرض انضمت عليّ ولم أقف بين يديه . قال: وما ذاك؟ قال: دُ س ت علي امرأة تطالبني في دار في يدي، فأغفل ما كنت إذ جاءتني بطابع القاضي، وكنت أنت أمرتني بما تعلمه؛ فاعتذرت إليها وقلت: أنا اليوم مشغول بشغل الأمير أعزه الله، وسأكتب إلى القاضي، واستعلم ما يريد. ثمّ إنيّ أقبلت إلى القصر وقد أتيت باب القنطرة؛ فإذا برسول من أعوان القاضي بادر إليّ؛ فضرب على عاتقي، وصرفني عن طريقي إليه؛ فدخلت عليه في المسجد الجامع؛ فوجدته غضبان. فنبهني وقال: عصيتني، ولم تأخذ طابعي ، فقلت له: لم أفعل ، وقد عرفت المرأة بوجه تأخيري. فقال لي: ورب هذا البيت، لو صحّ عندي عصيانك، لأدبتك. ثمّ قال لي:

عدد الصفحات ٢٥

26 أنصف هذه المرأة، فقلت: أُ وَ كّ ل من يخاصمها عني. فأبى عليّ إلاّ أن أتكلّم. فلمّا رأيت صعوبة مقامي، أعطيتها بدعواها، ونجوت بنفسي. أفيحسن عندك، يا مولاي، أن يركب مني قاضي ك مثل هذا؟ ومكاني من خدمتك مكاني ؟ قال: فتغير وجه الأمير محمّد، وقال له: يا بدرون، اخفض عليك، فمحلك مني تعلمه؛ فاسألنا به حوائجك، نجبك إليها، ما خلا معارضة القاضي في شيء من أحكامه؛ فإن هذا باب قد أغلقناه؛ فلا نجيب إليه أحداً من أبنائنا، ولا من إخواننا، ولا من أبناء عمنا، فضلاً عن غيرهم. والقاضي أدرى بما فعل. فمسح بدرون عينيه، وانصرف. (تاريخ قضاة الأندلس 1/57) 21-القاضي محمد بن سعيد بن بشير المعافري والحَ كَ م بن هشام أمير الأندلس قال أحمد بن خالد: وكان أول ما أنفذه في قضائه التسجيل على الأمير الحكم؛ في رحى القنطرة، إذ قيم عليه فيها، وثبت عنده من المدّ عي، وسمع من بينته ما أعذر به إلى الأمير الحكم؛ فلم يكن عنده مدفع. فسجّ ل فيها، وأشهد على نفسه، فما

عدد الصفحات ٢٦

27 مضت مديدة حتى ابتاعها الحكم ابتياعاً صحيحاً، فسرّ بذ لك، وقال: رحم الله محمد بن بشير، فلقد أحسن فيما فعل بنا على كره منّا، كان في أيدينا شيء مشتبه فصححه لنا، وصار حلالاً طيب الملك في أعقابنا. (تاريخ قضاة الأندلس 48، ترتيب المدارك وتقريب المسالك1/185، ونفح الطيب 2/145) 22-القاضي محمد بن سعيد بنبشير ووزير الحَكَم بن هشام حكم القاضي ابن بشير على ابن فطيس الوزير، ولم يعرّفه بالشهود، فرفع الوزير ذلك إلى الحَ كَ م، وتظلم من ابن بشير، فأومأ الحَ كَ م إليه أن الوزير ذكر حكمك عليه بشهادة قوم لم تعرّفه بهم، ولا أعذرت إليه فيهم، وإن أهل العلم يقولون: إن ذلك له، فكتب إليه ابن بشير: ليس ابن فطيس ممّن يُ عرّف بمن شهد

عدد الصفحات ٢٧

28 عليه، لأنّه إن لم يجد سبيلاً إلى تجريحهم لم يتحرج عن طلب أذاهم في أنفسهم وأموالهم، فيدعون الشهادة هم ومن ائتسى بهم، وتضيع أموال الناس. (ترتيب المدارك وتقريب المسالك 1/185، ونفح الطيب2/145) [لشيخ علي الطنطاوي –رحمه الله تعالى-في كتابه "رجال من التاريخ " (164 )على فعل القاضي محمد بن بشير في سبيل إنصاف المواطن العادي من غريمه صاحب النفوذ بقوله : وهذا مبدأ وضع حديثاً في قانون البينات عندنا ، وحسب واضعوه أنهم جاءوا بشيء جديد ليس في الفقه الإسلامي، وهذا ابن بشير يقرره في القرن الثاني للهجرة من أكثر من ألف ومائتي سنة 23-القاضي ابن بشير وموسى بن سماعة أحد خواص أمير الأندلس الحَكَم أكثر موسى بن سماعة أحد خواصّ الأمير الحَ كَ م في ابن بشير الشكاية، وأنّه يجور عليه، فقال له الحكم: أنا أمتحن قولك الساعة، فاخرج إليه فوراً، واستأذن

عدد الصفحات ٢٨

29 عليه، فإن أذن لك عزلته، وصدّقت قولك فيه، وإن لم يأذن لك دون خصمك ازددت بصيرة فيه، فليس هو عندي بجائر على حال، وإنّّا مقصده الحق في كل ما يتصرّف فيه، فخرج يؤم دار ابن بشير، وقد أمر الحكم من يثق به من الفتيان الصّقالبة أن يقفوا أثره ويعلموا ما يكون منه، فلم يكن إلاّ ريثما بلغ، ثمّ انصرف فحكى للحكم أنّه لمّا خرج الآذن إلى موسى وعلم القاضي بمكانه عاد إليه فقال له: إن كانت لك حاجة فاقصد فيها إذا جلس القاضي جللس القضاء، فتبسّم الحكم، وقال: قد أعلمته أن ابن بشير صاحب حقّ لا هوادة فيه عنده لأحد. (ترتيب المدارك وتقريب المسالك 3/332) 24-القاضي ابن بشير والأمير سعيد الخير عم أمير الأندلس وممّا يحكى عن القاضي ابن بشير في العدل، أن سعيد الخير ابن السلطان عبد الرحمن الداخل وكّل عند ابن بشير وكيلاً يخاصم عنه لشيء اضطر إليه، وكانت بيده فيه وثيقة فيها شهادات شهود قد ماتوا، ولم يكن فيها من الأحياء إلاّ الأمير الحَ كَ م وشاهد آخر مبرز، فشهد لسعيد الخير ذلك الشاهد، وضربت على وكيله الآجال في شاهد ثانٍ، وجدّ به الخصام، فدخل سعيد الخير بالكتاب إلى الحَ كَ م وأراه. شهادته في الوثيقة، وقد كان كتبها قبل الخلافة في حياة أبيه، وعرّفه مكان حاجته إلى أدائها عند قاضيه خوفاً من بطلان حقّه، وكان الحَ كَ م يعظم سعيد الخير عمّه، ويلتزم مبرته، فقال له: يا عمّ ، إناّ لسنا من أهل الشهادات، وقد التبسنا من هذه الدنيا بما لا تجهله، ونخشى أن توقفنا مع القاضي موقف مخزاةٍ كنّا نفديه بملكنا،

عدد الصفحات ٢٩

30 فصر في خصامك حيث صيرك الحق إليه، وعلينا خلف ما انتقصك، فأبى عليه، وقال: سبحان الله، وما عسى أن يقول قاضيك في شهادتك وأنت ولّيته، و هو حسنة من حسناتك، وقد لزمتك في الديانة أن تشهد لي بما علمته، ولا تكتمني ما أخذ الله عليك؛ فقال: بلى، إن ذلك لمن حقّك كما تقول، ولكنّك تدخل علينا به داخلة، فإن أعفيتنا منه فهو أحبّ إلينا، وإن اضطررتنا لم يمكنّا عقوقك، فعزم عليه عزم من لم يشكّ أن قد ظفر بحا جته، وضايقته الآجال، فألح عليه، فأرسل الحَ كَ م عند ذلك إلى فقيهين من فقهاء زمانه، وخط شهادته بيده في قرطاس، وختم بخاتمه، ودفعها إلى الفقيهين وقال لهما: هذه شهادتي بخطّي تحت ختمي، فأدّياها إلى القاضي، فأتياه بها إلى جللسه وقت قعوده للسّماع من الشهود، فأدّياها إليه، فقال لهما: قد سمعت منكما فقوما راشدين في حفظ الله تعالى، وجاء وكيل سعيد الخير، وتقدّم إليه مدلاًّ واثقاً، وقال له: أيّها القاضي، قد شهد عندك الأمير أصلحه الله تعالى فماذا تقول فأخذ كتاب الشهادة ونظر فيه، ثم قال للوكيل: هذه شهادة لا تعمل عندي فجئني بشاهد عدل، فدهش الوكيل ومضى إلى سعيد الخير فأعلمه، فركب من فوره إلى الحَ كَ م، وقال: ذهب سلطاننا، وأزيل بهاؤنا، يجترئ هذا القاضي على ردّ شهادتك، والله سبحانه قد استخلفك على عباده، وجعل الأمر في دمائهم وأموالهم وإليك هذا ما لا يجب أن تحمل عليه، وجعل يغريه بالقاضي ويحرّضه على الإيقاع به، فقال له الحَ كَ م: وهل شككتُ أنا في هذا يا عمّ ؟! القاضي رجلٌ صالح والله، لا تأخذه في الله لومة لائم، فعل ما يجب عليه ويلزمه، وسدّ دونه باباً كان يصعب عليه الدخول منه، فأحسن الله تعالى جزاءه؛ فغضب سعيد الخير، وقال:

عدد الصفحات ٣٠

31 هذا حسبي منك ، فقال له: نعم، قد قضيت الذي كان لك علي، ولست والله أعارض القاضي فيما احتاط به لنفسه، ولا أخون المسلمين في قبض يد مثله. ولمّا عوتب ابن بشير فيما أتاه من ذلك قال لمن عاتبه: يا عاجز، أما تعلم أنّه لا بد من الإعذار في الشهادات، فمن كان يجترئ على الدفع في شهادة الأمير لو قبلتها؟ ولو لم أعذر لبخست المشهود عليه حقّه. (تاريخ قضاة الأندلس 48-50، وترتيب المدارك وتقريب المسالك1/185، ونفح الطيب 2/145-146) 25-القاضي أبو عمرو عثمان بن موسى الجاني وابن عم السلطان كان الشّيخ الفقيه أبو عمرو عثمان بن موسى الجاني، من القضاة بمدينة ملى من أرض الحبشة، تردد إلى أرض مصر؛ فقرأ بها، وأخذ عن أشياخها. و كان من أهل الفضل والعدل، والقيام على العلم، والصرامة في الحكم. قال الساحلي: ومن ذلك نازلة حدثت له في أحكام الدّماء؛ فتحرى فيها الحق المخلص بين يدي الله. وهي أن أحد بني عم سلطانه ترتبت قبله المطالبة بدم قتيل كان قد أشهد العدول، وهو جريح، بأن دمه عنده، وتوفيّ إثر الشّهادة عن عصبة من ولد وإخوة؛ فقاموا طالبين من السّلطان النّظر لهم في صاحبهم؛ فاستحضره عن أمره بمجلس الحكم الشّرعيّ، وأعذر له فيما استظهر به أولياء دم القتيل. فادّ عى الدّفع في ذلك، وتأجل آجالاً وسع فيها عليه. وانفرضت الأياّم، وقهرته الأحكام؛ فشكى بالقاضي لسلطانه، وسأل منه الأخذ مع الفقهاء في قضيته؛ وقد كان صانعهم بجهده، واستظهر بإثبات

عدد الصفحات ٣١

32 عداوته بينه وبين من رماه بدمه. فجمعهم الأمير بحضرته، وأخذ معهم في نازلة ابن عمه؛ فوقع الاتّفاق منهم على الأخذ بمذهب الشّافعي، أنه لا يقسم بمجرّد قول المصاب: دمي عند فلان. واستدلّوا بالحديث الثّابت في الصّحيح الّذي نصه: لو يُ عطى النّاس بدعواهم، لادّ عى ناس دماء رجال وأموالهم. قالوا: وبخصوص في هذه النّازلة، لما اقترن بها من الأسباب المرجحة للانتقال عن المذهب، وذكروا مسألة عبد الله بن سهل وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وداه من عنده بأنّه ثقة. فمال السّلطان إلى موافقتهم، وأن تكون الغرامة من قبله؛ ولكنه قال لقاضيه: ما عندك فيما اجتمع عليه أصحابك؟ فقال له: أمدك الله بإرشاده، وأراك الحق حقًا، وأعانك على اتّباعه، أنت مالكي المذهب، وأهل بلادك كذلك، والانتقال من مذهب إلى مذهب آخر لا يسوغ إلاّ بعد شروط لم يحصل في نازلتها منها شرط واحد ، وحديث القسامة أصل من أصول الشّ رع، وركن من أركان مصالح العباد ، وبه أخذ جلّ الأئمّة والسّلف من الصّحابة والتّ ابعين، وفقهاء الأمصار. والّذي يجمل بك، أيها الملك، إمرار الحق بوجهه، ولو كان على نفسك، فضلا عن ابن عم ك. قال: فأخذ برأي قاضيه، وأمر بابن عمه؛ فدفع بذمّته إلى أصحابه؛ فقتلوه بالقسامة. قال المخبر: فحسب النّاس ما صدر في النّازلة عن الأمير والقاضي من المناقب الشّريفة، والمآثر الحميدة، والأفعال الدّالّة على تعظيم الشّريعة. (تاريخ قضاة الأندلس 168.) 26-القاضي حفص بن غياث وأمير المؤمنين

عدد الصفحات ٣٢