المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

صور من مفاخر القضاء في الإسلام

محمد علي عباد حميسان

صفحة ١ من ٦

1 صور من مفاخر القضاء الإسلام جمع وإعداد محمد علي عباد حميسان

عدد الصفحات ١

2 مقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الهادي المصطفى الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فإن مؤسسة القضاء تُعدّ من أهم المؤسسات في كل الدول عبر التاريخ، وغالباً ما يصوغها حكماء وعقلاء تلك البلدان، ويتم تعديلها بين الفينة والأخرى حسب تطور الفكر وبما تقتضيه المصلحة من وجهة نظرهم، أما القضاء في الدولة الإسلامية فله ميزة خاصة، ألا وهي مرجعيته السماوية، فهو صالح لكل زمان ومكان، ولا يمكن لعقل بشري مهما بلغ من الذكاء أن يأتي بما يدانيه فضلاً عن أن يضاهيه. ومؤسسة القضاء لا يمكن أن تؤدي دورها المنشود إلا إذا تحقق لها أمر ان، وهما: كفاءة القضاة، والاستقلالية، حينها لن يطمع القوي في الباطل، ولن ييأس الضعيف من الحق، وقد تحقق الأمران -الاستقلالية والكفاءة- في الدول الإسلامية المتعاقبة، وكانت هي الصبغة الغالبة في تلك الدول، فكان الخلفاء والأمراء حريصين على اختيار الأعلام المشهو د لهم بالعلم والفطنة لتولي هذا الأمر العظيم، ولجأ بعض الخلفاء إلى التهديد والوعيد والجلد والحبس لمن رفض تولي هذا المنصب المهم ليُجبر على ذلك، وبالمقابل نجد نفوراً من كثير من الأعلام الأجلاء الذين آثروا السلامة والورع والاحتياط لدينهم على قبول منصب القضاء ، كما حصل من الصحابي الجليل أبي ذر ، ومن الأئمة العظماء كأبي حنيفة وعبد الله بن إدريس ووكيع بن الجراح وغيرهم الكثير، فهرب البعض ، وحُبس وجُلد البعض ، وقبل البعض تحت

عدد الصفحات ٢

3 التهديد، ومنهم من ادعى الجنون كما روي عن المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي، ومنهم من سأل الله تعالى أن يقبضه حين راودوه على تولي القضاء، فحين أراد الخليفة المستعين تولية نصر بن علي على القضاء، دعا ربه قائلاً: "اللهم إن كان عندك لي خير فاقبضني إليك، ثم نام، وفي الصباح نبهوه فوجدوه قد مات. وبالمقابل نجد هناك من الأعلام النجباء من تقدم ليحفظ لهذا المنصب جلالته ومكانته بعد أن اشترط على ولاة الأمر عدم التدخل في أحكام القضاء، وأن يُنفذ أمرهم على كل أحد كائناً من كان، وأخذوا المواثيق والعهود على ذلك كما حصل من القاضي عيسى بن مسكين، وقاضي قضاة اليمن محمد بن علي الشوكاني رحم الله تعالى الجميع. وفي هذه الصفحات سنشاهد النماذج الفريدة، والمواقف الحميدة لقضاتنا عبر التاريخ، وحق لنا أن نتمثل بقول الشاعر: جمال ذي الأرض كانوا في الحياة وهم بعد الممات جما ل الكتب والسِيرَِ ولي عودة إن شاء الله تعالى للكتابة في هذا الموضوع بتوسع أكثر وم ن زوايا متعددة، سا ئلاً المولى عز وجل الإخلاص والقبول، ومن القراء الكرا م الدعاء، والتنبيه إن كان هناك ما يستوجب ذلك. المؤلف

عدد الصفحات ٣

4 1-القاضي شريح وعمر بن الخطاب عن الشّعبيّ قال: ساوم ع مر بن الخطّاب بفرسٍ فركبه ليشوره فعطب ف قال للرّجل: خذ فر سك. فقال الرجل: لا. قال: اجعل بيني وب ينك حكماً . قال الرّجل: شريحٌ. فتحا كما إليه. فقال شريحٌ: يا أمير المؤمنين حز ما ابتعت أو ردّ كما أخذت. فقال عمر: وهل القضاء إلا هكذا؟ سر إلى الكوفة. فبعثه قاضيًا عليها. قال وإنه لأول يوم عرفه فيه. (الطبقات الكبرى 6/183، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم 4/332) 2-القاضي شريح وعلي بن أبي طالب عن ميسرة، عن شريح، قال: لما توجه علي رضي الله عنه إلى قتال معاوية افتقد درعاً له، فلما رجع وجدها في يد يهودي يبيعها بسوق الكوفة، فقال: يا يهو دي الدرع درعي لم أهب ، ولم أبع، فقال: اليهودي: درعي وفي يدي، فقال: بيني وبينك القاضي، قال [: فأتياني، فقعد علي إلى جنبي واليهودي بين يدي، وقال: لولا أن خصمي ذمي لاستويت معه في المجلس، ولكني سمعت رسول الله صلّى اللّّ عليه وسلّم يقول: أصغروا بهم كما أصغر الله بهم ثم قال: هذه الدرع درعي، لم أبع، ولم أهب، فقال لليهودي: ما تقول؟ قال: درعي وفي يدي، وقال شريح: يا أمير المؤمنين هل من بيّ نة؟ قال: نعم الحسن ابني، وقنبر يشهدان أن الدرع درعي، قال شريح: يا أمير المؤمنين شهادة الابن للأب لا تجوز، فقال علي: سبحان الله! رجل

عدد الصفحات ٤

5 من أهل الجنة لا تجو ز شهادته ؟! سمعت رسول الله صلّى اللّّ عليه وسلّم يقول: "الحسن والحسين" سيدا شباب أهل الجنة، فقال اليهودي: أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه، وقاضيه يقضي عليه، أشهد أن هذا الدين على الحق، وأشهد أن لا إله إلاّ الله، وأن محمّداً عبده ورسوله وأن الدر ع درعك يا أمير المؤمنين، سقطت منك ليلاً، وتوجه مع علي يقاتل معه بالنهروان فقتل. (أخبار القضاة 2/200) 3-شريح والأشعث بن قيس عن الشعبي؛ قال: جاء الأشعث بن قيس إلى شريح في جللس القضاء، فقال: مرحباً بشيخنا وسيدنا ها هنا، ها هنا، فأجلسه معه فإذا رجل جا لس بين يدي شريح فقال: مالك يا عبد الله؟ قال: جئت أخاصم الأشعث بن قيس؛ قال: قم مع خصمك؛ قال: وما عليك أن تقضي وأنا ها هنا؛ قال: قم قبل أن تقام، فقام وهو مغضب؛ فقال: عهدي بك يا ابن أم شريح وإن بثيابك السوس؛ قال: أنت رجل تعرف نعمة الله على غيرك وتنساها من نفسك. (أخبار القضاة 2/216) 4-شريح وبشر بن مروان

عدد الصفحات ٥

6 عن عبدبن أحمد بن حنبل، قال: حدّثني أبي: قال: حدّثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، أن شريحاً قضى على رجل، فحبسه في السجن، وأرسل إليه بشر بن مروان أن خل عن الرجل؛ فقال شريح: السجن سجنك؛ والبواب بوابك؛ وأما أنا فإني رأيت عليه الحق؛ فحبسته لذلك وأبى أن يخلى عنه. (الطبقات الكبرى 2/279) (تاريخ دمشق الجزء23 صفحة30) 5-شريح وأقاربه أخبرنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا وهيبٌ عن دا و د عن عامر أنّ ابناً لشريحٍ قال لأبيه: إنّ بيني و بين قوم خصومةً فانظر فإن كان الح ق لي خاصمتهم وإن لم يكن لي الحق لم أخاصم. فقصّ قصته عليه فقال : ان طلق فخاصمهم. فانطلق إليهم فخاصمهم فقضى على ابنه. فقال له لمّ ا رجع إلى أهله: واللّّ لو لم أتقدّم إليك لم ألمك. فضحتني. فقال: يا بنيّ واللّّ لأنت أحب إليّ من ملء الأرض مثلهم ولكن اللّّ هو أعز عليّ منك. خشيت أن أخبر ك أن القضاء عليك فتصالحهم فتذهب ببعض حقّهم. (الطبقات الكبرى 6/184/185) حدثنا جابر عن عامر قال: تكفّل ابنٌ لشريحٍ ب ر جلٍ بوجهه ففرّ. فسجن شريحٌ ابنه، فكان ينقل إليه الطّعام في السجن.

عدد الصفحات ٦

7 (ارجع السابق 185) وعن سعيد بن جبيرٍ أنّ ر جلا استعدى على رجل بينه وبين شريحٍ نسب فأمر به شريحٌ فحبس إلى ساريةٍ. فلما قام شريح ذهب يكلم ه فأعرض عنه شريحٌ فقال: إ نيّ لم أحبسك إنّّا حبسك الحق. (المرجع السابق 185) 6 -القاضي محمد بن عمران وأبو أيوب المورياني كان محمد بن عمران بن إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله قاضياً لزياد بن عبيد الله الحارثي على المدينة أيام المنصور، وكانت الأمراء هم الذين يولون القضاة، وكان محمد بن عمران من أهل المروءة والصلابة في القضاء، لا يطمع فيه، فقدم أبو أيوب المور فاستعدى عليه أقرباؤه محمد بن عمران، فأرسل إليه فلم يحضر، فلقيه عند زياد؛ فقال: أرسلت إليك فلم توكّ ل ولم تحضر، فرد عليه أبو أيوب رداً عنيفاً، فمد محمد إليه يده ليبطش به، وكان أيدا، فحال دونه الأمير والشّ رط، فقيل له: إن خرجت عرض لك موالي أبي أيوب؛ فتقلد السيف، وخرج حتى أتى المسجد، فهابوه فلم يقدموا عليه. (أخبار القضاة 1/184)

عدد الصفحات ٧

8 7 – القاضي محمد بن عمران والخليفة المنصور قال نّير الشيباني: كنت كاتباً لمحمد بن عمران، وهو على قضاء المدينة، فحج أبو جعفر، فأراد أن يمضي بالحمالين إلى الشام فاستعدوا عليه إلى ابن عمران، وكان قاضيه على المدينة؛ فقال : لنمير: اكتب عليه عدوى؛ فقلت: إنه يعرف خطي؛ قال: والله لا يكون الرسول غيرك. قال: فمشيت إلى الربيع، فأوصلت إليه العدوى؛ فقال: إن أمير المؤمنين مدعو إلى الحكم، فلا تقم له أحداً إذ ا خرج؛ فقال: والله يا ربيع لئن دخلت المسجد فقام إليّ ابن عمر ان هيبة والله لا يلي لي عملاً أبداً، فدخل المسجد، وكان ابن عمر ان محتبياً، فلما رآه حل حبوته واتكى، فقال له الذي على رأسه: بأي شيء أنادي أبالخلافة أو باسمه؟ قال: باسمه، فناداه، فتقدم إليه، فقضى عليه، فلما أن أراد أن يقوم قال: يا أمير المؤمنين: بنو فلان يتظلمون منك، فإما أن تحضر معهم، أو توكّ ل وكيلاً يقوم مقامك؛ قال: هذا الربيع يوكّ له أبو جعفر، فلما قام قال: أبو جعفر: إذا فرغ قابلني به، فلما د خل عليه قال: ما حملك على ما بلغني عنك؟ قال: ما هي؟ قال: لا تسلم على الناس تيهاً؛ قال: وماذا؟ قال: ولك مكيال ناقص؛ قال: وماذا؟ قال: لا تشهد الصلاة في جماعة؛ قال: أما تركي السلام على الناس؛ فإن القاضي إذا سلّ م على الناس ذهبت هيبته؛ أخرجت منها ؟ قال: نعم؛ وأما مكيالي الناقص؛ فإني لا أبيع به ولا أشتري؛ إنّا أقرت به عيالي؛ أخرجت منها ؟ قال: نعم؛ وأما تركي الصلاة في جماعة فإني رجل مثقل البدن؛ فإذا صليت في جماعة لم يتم لي؛ أخرجت منها ؟ قال: نعم؛ وأمر له بمال، هو في أيدي ورثته إلى اليوم.

عدد الصفحات ٨

9 (أخبار القضاة1/193،وتاريخ دمشق 32/326) وعن نّير المدني قال : قدم المنصور المدينة، و محمد بن عمران الطلحي على قضائه، و أنا كاتبه ، فاستعدى الجمّ الون على المنصور في شيء، فأمرني أن أكتب إليه بالحضور، و إنصافهم، فاستعفيت، فلم يعفني فكتبت الكتاب ثم ختمته وقال : والله لا يمضي به غيرك فمضيت به إلى الربيع، فدخل عليه ثم خرج ، فقال للناس إن أمير المؤمنين يقول لكم : إني قد دعيت إلى جللس الحكم فلا يقومنّ معي أحد، ثم جاء هو و الربيع فلم يقم له القاضي، بل حل رداءه و احتبى به ثم دعا بالخصوم، فادّ عوا فقضى لهم على الخليفة، فلما فرغ قال له ا لمنصور : جزاك الله عن دينك أحسن الجزاء، قد أمرت لك بعشرة آلاف دينار. (تاريخ الخلفاء 198) 8 – القاضي شريك وموسى بن عمران عن عمر بن الهياج بن سعيد، قال: أتته امرأة يوما، يعني: شريكاً ، من ولد جرير بن عبد الله البجلي صاحب النبي صلّ ى اللّّ عليه وسلّم وهو في جللس الحكم، فقالت: أنا بالله ثم بالقاضي، امرأة من ولد جرير بن عبد الله صاحب النبي صلّ ى اللّّ

عدد الصفحات ٩

10 عليه وسلّم ورددت الكلام، فقال: إيها عنك الآن، من ظلمك؟ فقالت: الأمير موسى بن عيسى، كان لي بستان على شاطئ الفرات لي فيه نخل ورثته عن آبائي وقاسمت إخوتي ، وبنيت بيني وبينهم حائطاً ، وجعلت فيه فارسياً في بيت يحفظ النخل، ويقوم ببستاني، فاشترى الأمير موسى بن عيسى من إخوتي جميعاً ، وساومني وأرغبني فلم أبعه، فلما كان في هذه الليلة بعث بخمس مائة فاعل فاقتلعوا الحائط، فأصبحت لا أعرف من نخلي شيئا، واختلط بنخل إخوتي، فقال: يا غلام طينة، فختم، ثم قال لها: امضي إلى بابه حتى يحضر معك، فجاءت المر أة بالطينة فأخذها الحاجب، ودخل على موسى، فقال: أعدى شريك عليك، قال: ادع لي صاحب الشرط، فدعا به، فقال: امض إلى شريك، فقل: يا سبحان الله، ما رأيت أعجب من أمرك، امرأة ادّ عت دعوى لم تصح، أعديتها عليّ ؟!، قال: يقول له صاحب الشرط، إن رأى الأمير أن يعفيني فليفعل، فقال: امض ويلك. فخرج فأمر غلمانه أن يتقدموا إلى الحبس بفراش وغيره من آلة الحبس، فلما جاء فوقف بين يدي شريك، فأدى الرسالة، قال: خذ بيده فضعه في الحبس، قال: قد والله يا أبا عبد الله عرفت أنك تفعل بي هذا، فقدمت ما يصلحني إلى الحبس، وبلغ موسى بن عيسى، يعني: الخبر، فوجه الحاجب إليه، فقال: هذا من ذاك رسول، أي شيء عليه؟ فلما وقف بين يديه وأدى الرسالة، قال: ألحقه بصاحبه، فحبس، فلما صلى الأمير العصر بعث إلى إسحاق بن الصباح الأشعثي، وجماعة من وجوه الكوفة من أصدقاء شريك، فقال: امضوا إليه فأبلغوه السلام، وأعلموه أنه قد استخف بي، وأني لست كالعامة، فمضوا وهو جالس في مسجده بعد العصر، فدخلوا فأبلغوه الرسالة، فلما انقضى كلامهم، قال لهم: ما لي لا أراكم

عدد الصفحات ١٠

11 جئتم في غيره من الناس كلمتموني؟ من هاهنا من فتيان الحي، فيأخذ كل واحد منكم بيد رجل فيذهب به إلى الحبس، لا بتم والله إلا فيه ، قالوا: أجاد أنت؟ قال: حقاً حتى لا تعودوا برسالة ظالم، فحبسهم، وركب موسى بن عيسى في الليل إلى باب الحبس، ففتح الباب وأخرجهم جميعاً ، فلما كان الغد وجلس شريك للقضاء، جاء السجّ ان فأخبره ، فدعا بالقمطر فختمها، ووجه بها إلى منزله، وقال لغلام ه: الحقني بثقلي إلى بغداد، والله ما طلبنا هذا الأمر منهم، ولكن أكرهونا عليه، ولقد ضمنوا لنا الإعزاز فيه إذ تقلدناه لهم. ومضى نحو قنطرة الكوفة إلى بغداد، وبلغ موسى بن عيسى الخبر فركب في موكبه فلحقه، وجعل يناشده الله ويقول: يا أبا عبد الله، تثبت، انظر إخوانك تحبسهم دع أعواني. قال: نعم، لأنهم مشوا لك في أمر لم يجب عليهم المشي فيه، ولست ببارح أو يردّ وا جميعا إلى الحبس، وإلا مضيت إلى أمير المؤمنين فاستعفيته مما قلدني. وأمر بردهم جميعا إلى الحبس، وهو والله واقف في مكانه حتى جاءه السجان، فقال: قد رجعوا إلى الحبس، فقال لأعوانه: خذوا بلجامه، قودوه بين يدي جميعاً إلى جللس الحكم، فمروا به بين يديه حتى أدخل المسجد، وجلس جللس القضاء ثم قال: الجويرية المتظلمة من هذا، فجاءت، فقال: هذا خصمك قد حضر، وهو جالس معها بين يديه، فقال: أولئك يخرجون من الحبس قبل كل شيء، قال: أما الآن فنعم، أخرجوهم. قال: ما تقول فيما تدعيه هذه؟ قال: صدقت.

عدد الصفحات ١١

12 قال: فردّ جميع ما أخذ منها، وتبني حائطها في وقت واحد سريعا ً كما هدم. قال: أفعل، قال: بقي لك شيء؟ قال: تقول المرأة بيت الفارسي ومتاعه، قال: يقول: موسى بن عيسى: ويردّ ذلك، بقي لك شيء تدعينه؟ قالت: لا، وجزاك الله خيرا. قال: قومي، وزبرها، ثم وثب من جللسه فأخذ بيد موسى بن عيسى فأجلسه في جللسه، ثم قال: السلام عليك أيها الأمير، تأمر بشيء؟ قال: أي شيء آمر؟ وضحك. (تاريخ بغداد 10/384، وتاريخ دمشق48/16) 9 – القاضي شريك وأحد خدم زوجة أمير المؤمن عن عمر بن الهياج بن سعيد أخي جلالد بن سعيد، قال: كنت من صحابة شريك، فأتيته يوما وهو في منزله باكرا، فخرج إلي في فرو ليس تحته قميص، عليه كساء.

عدد الصفحات ١٢

13 فقلت له: قد أضحيت عن جللس الحكم، فقال: غسلت ثيابي أمس فلم تجف، فأنا أنتظر جفوفها، اجلس. فجلست فجعلنا نتذاكر باب العبد يتزوج بغير إذن مواليه، فقال: ما عندك فيه؟ ما تقول فيه؟ وكانت الخيزران قد وجهت رجلا نصرانياً على الطراز بالكوفة، وكتبت إلى موسى بن عيسى أن لا يعصي له أمرا، فكان مطاعاً بالكوفة، فخرج علينا ذلك اليوم من زقاق يخرج إلى النخع، معه جماعة من أصحاب ه عليه جبة خز، وطيلسان على برذون فاره، وإذا رجل بين يديه مكتوف وهو يقول: واغوثا بالله، أنا بالله ثم بالقاضي، وإذا آثار سياط في ظهره، فسلم على شريك وجلس إلى جانبه، فقال الرجل المضروب: أنا بالله ثم بك أصلحك الله، أنا رجل أعمل هذا الوشي، كراء مثلي مائة في الشهر، أخذني هذا مذ أربعة أشهر، فاحتبسني في طراز يجري علي القوت، و لي عيال قد ضاعوا، فأفلتّ اليوم منه، فلحقني ففعل بظهري ما ترى. فقال: قم يا نصراني فاجلس مع خصمك، فقال: أصلحك الله يا أبا عبد الله هذا من خدم السيدة، مر به إلى الحبس، قال: قم ويلك فاجلس معه كما يقال لك، فجلس، فقال: ما هذه الآثار التي بظهر هذا الرجل؟ من أثرها به؟ قال: أصلح الله القاضي إنّا ضربته أسواطا بيدي وهو يستحق أكثر من هذا، مر به إلى الحبس، فألقى شريك كساءه ودخل داره، فأخرج سوطا ربذيا، ثم ضرب بيده إلى جلامع ثوب النصراني وقال للرجل: انطلق إلى أهلك، ثم رفع السوط فجعل يضرب به النصراني، وهو يقول له: يا صبحي قد مر قفا جمل، لا يضرب والله المسلم بعدها أبدا، فهمّ أعوانه أن يخلصوه من يديه، فقال: من هاهنا من فتيان الحي؟ خذوا

عدد الصفحات ١٣

14 هؤلاء فاذهبوا بهم إلى الحبس، فهرب القوم جميعا، وأفردوا النصراني فضربه أسواطا، فجعل النصراني يعصر عينيه ويبكي ويقول له: ستعلم. فألقى السوط في الدهليز، وقال: يا أبا حفص ما تقول في العبد يتزوج بغير إذن مواليه؟ وأخذ فيما كنا فيه كأنه لم يصنع شيئا، وقام النصراني إلى البرذون ليركبه فاستعصى عليه، ولم يكن له من يأخذ بركابه، فجعل يضرب البرذون، قال: يقول له شريك: ارفق به ويلك فإنه أطوع لله منك، فمضى. قال: يقول هو: خذ بنا فيما كنا فيه، قال: قلت: ما لنا ولذا، قد والله فعلت اليوم فعلة ستكون لها عاقبة مكروهة. قال: أعز أمر الله يعزك الله، خذ بنا فيما نحن فيه، قال: وذهب النصراني إلى موسى بن عيسى فدخل عليه، فقال: من [بك؟ وغضب الأعوان وصاحب الشّ رط، فقال: شريك فعل بي كيت وكيت، قال: لا والله ما أتعرض لشريك. فمضى النصراني إلى بغداد فما رجع. (تاريخ بغداد 10/384) 10-القاضي شريك و وكيل مؤنسة جارية بنت المهدي قال مصعب بن عبد الله الزبيري، قال: حدّثني أبي، قال: تقدم إلى شريك بن عبد الله وكيل لمؤنسة مع خصم له، فجعل يستطيل على خصمه إدلالاً بموضعه من مؤنسة، فقال له شريك: كف لا أبا لك، قال: أتقول لي هذا وأنا وكيل مؤنسة، فأمر

عدد الصفحات ١٤

15 به فصفع عشر صفعات، فانصرف ودخل على مؤنسة وشكا، فكتبت مؤنسة إلى المهدي، فعزل شريكاً. [ الموقف لاتهامه بالتشيع، والله أعلم، ومن رجع إلى تاريخ بغداد وجد ذلك بعد نهاية هذا القصة مباشرة ] (تاريخ بغداد10/384) 11 – القاضي يوسف بن يعقوب وأحد خدم المعتضد قال القاضي أبو عمر محمد بن يوسف: قدم خادم من وجوه خدم المعتضد إلى أبي في الحكم فجاء فارتفع في المجلس، فأمره الحاجب بموازاة خ صمه، فلم يفعل إدلالاً بعظيم محله من الدولة، فصاح أبي عليه وقال: قفاه، أتؤمر بموازاة خصمك فتمتنع! يا غلام، عمرو بن أبي عمرو النخاس الساعة، لأتقدم إليه ببيع هذا العبد، وحمل ثمنه إلى أمير المؤمنين، ثم قال لحاجبه: خذ بيده وسو بينه وبين خصمه فأخذ كرهاً وأجلس مع خصمه، فلما انقضى الحكم انصرف الخادم فحدث المعتضد بالحديث وبكى بين يديه، فصاح عليه المعتضد وقال: لو باعك لأجزت بيعه، وما رددتك إلى ملكي أبداً، وليس خصوصك بي يزيل مرتبة الحكم، فإنه عمود السلطان وقوام الأبدان.

عدد الصفحات ١٥

16 (المنتظم في تاريخ الملوك والأمم13/104، وتاريخ بغداد 16/456، وترتيب المدارك 4/297، والبداية والنهاية 11/126، وبغية الطلب في تاريخ حلب 2/812) 12-قاضي القضاة محمد بن عبد الله الصراوي ابن عين الدولة، مع الملك الكامل أيوب كان بمصر مغنية تدعى عجيبة، قد أولع بها الملك الكامل، فكانت تحضر إليه ليلاً ، وتغنيه بالجنك [ على الدف في جللس بحضرة ابن شيخ الشيوخ وغيره ، ثم اتّفقت قضيّة شهد فيها الكامل عند ابن عين الدولة وهو في دست ملكه، فقال ابن عين الدولة: السّلطان يأمر ولا يشهد، فأعاد عليه السلطان الشهادة، فأعاد القاضي القول، فلمّا زاد الأمر وفهم السّلطان أنه لا يقبل شهادته قال: أنا أشهد تقبلني أم لا؟ فقال القاضي: لا ما أقبلك، و كيف أقبلك وعجيبة تطلع إليك بجنكها كل ليلة وتنزل ثاني يو م بكرة وه ي تتمايل سكراً على أيدي الجواري، وينزل ابن الشيخ من عندك، أنجس مما نزلت. فقال له السّ لطان: يا كنواخ -وهي كلمة شتم بالفارسيّة-فقال: ما في الشّرع يا كنواخ ، اشهدوا عليّ أنيّ قد عزلت نفسي، ونهض فجاء ابن الشيخ إلى الملك الكامل وقال: المصلحة إعادته لئلاّ يقال لأي شيء عزل القاضي نفسه ؟ وتطير الأخبار إلى بغداد، ويشيع أمر عجيبة، فقال له: صدقت ونهض إلى القاضي وترضاه وعاد إلى القضاء.

عدد الصفحات ١٦