104 وَثُؽَ.. وحَكَـَ الشيء وأحْكَمَوُ، كلبىما: منعو مف الفساد... حَكَـَ فلبفٌ عف الأمر والشيء أي رجع ... وحَكَمَتُ الإنساف: مقدـ وجيو".(1) وقد أورد الفيروز آبادي في بصائره أف "الحُكْـ لغةً : القضاء، والجمع أحكاـ... والحِكْمَة: العدؿ والعمـ والحِمـ والنبوّة والقرآف والإنجيؿ وطاعة الله والفقو في الديف والعمؿ بو أو الخشية أو الفيـ أو الورع أو العقؿ أو الإصابة في القوؿ والفعؿ ... وىو حكيـ أي عدؿ حميـ... وأصؿ المادة موضوع لمنع يقصد بو إصلبح ... والحُكْـ بالشيء أف تقضي بأنو كذا أو ليس بكذا سواء أَلْزمت ذلؾ غيرؾ أو لـ تمزمو... والحُكْـ أعـّ مف الحِكمة فكؿ حِكمة حُكْـ وليس كؿ حكـ حِكمة".(2) وبعد فقد جاء في المعجـ الوسيط أف"حَكَـَ بالأمر حَكَـَ حُكْماً : قضى... وحَكَـَ فلبناً : مَنَعَو عمّا يريد وردّه... و(الحاكـ) مف نصب لمحكـ بيف الناس... والحَكَـ الحاكـ... والحكـ: مف يختار لمفصؿ بيف المتنازعيف ... و(الحكمة) معرفة أفضؿ الأشياء بأفضؿ العموـ".(3) وقد ذىب الجرجاني إلى أف "الحُكْـ: إسناد أمر إلى آخر إيجاباً أو سمباً ... والحكـ: وضع الشيء في موضعو، وقيؿ: ىو مالو عاقبة محمودة... والحكماء ىـ الذيف يكوف قوليـ وفعميـ موافقاً لمسنة".(4) وبعد فقد بيّف الراغب الأصفياني معنى الحكـ، إذ قاؿ: "حَكَـَ أصمو: منعَ منعاً لإصلبح... والحكـ بالشيء: أف تقضي بأنّو كذا، أو ليس بكذا، سواء ألزمتَ ذلؾ غيره أو لـ تُمزمو... ويقاؿ: حاكـ وحكّاـ لمف يحكـ بيف الناس... والحَكَـ: المتخصص بذلؾ، فيو ابمغ... والحِكمَة: إصابة الحؽ بالعمـ والعقؿ، فالحكمة مف الله تعالى: معرفة الأشياء وا يجادىا عمى غاية الإحكاـ، ومف الإنساف: معرفة الموجودات وفعؿ الخيرات ".(5) (1) ابف منظور، لساف العرب، حَكَـَ، ج12، ص140-144 . (2) الفيروز آبادي، بصائر ذوي التمييز، ج 5، ص487-491 . (3) إبراىيـ أنيس، المعجـ الوسيط، حكـ، ص 190 . (4) الجرجاني، التعريفات، ص 97-98 . (5) الراغب الأصفياني، المفردات، ص 248-250 .
عدد الصفحات ١١٤105 وأما في الفروؽ المغوية فقد ذكر صاحبيا: "الحكـ يقتضي المنع عف الخصومة... ويجوز أف يقاؿ الحكـ فصؿ الأمر عمى الإحكاـ بما يقتضيو العقؿ والشرع ".(1) مما سبؽ مف التعميقات المغوية الخاصة بمفظ(الحكـ) يتضح أف كلبً مف الفيروز آبادي والدكتور إبراىيـ أنيس قد صرّحا بأف الحكـ عندىـ بمعنى القضاء، أما الراغب الأصفياني فذىب إلى أف الحكـ بمعنى : القضاء ولكف اشترط سواء كاف ىذا القضاء ممزِماً أـ لا، وترى الباحثة أف الفصؿ الأوؿ مف ىذه الدراسة أثبت أف القضاء لازمو ومصاحبو (الإلزاـ ) وفي ىذا القوؿ إشارة إلى عدـ تبنيّ ىذا القوؿ ورحـ الله الأصفياني وجميع مف خدـ الإسلبـ والمسمميف –الميـ آميف-. أما ابف منظور فقد صرّح بأف الحكـ عنده قضاء ولكف اشترط لو العدؿ ليسمّى حكماً، وعميو فإف القضاء عنده أعـّ مف الحكـ، وليس في معنى الحكـ لغةًََ أي دليؿ عمى اشتمالو عمى معنى الوجوب أو الإلزاـ ليساوى بينو وبيف القضاء، عوضاً عف عدـ وجود دليؿ عمى تقييده بالعدؿ، فَكَـ مف أحكاـ أطمقت ماضياً وحاضراً ليس ليا صمة بالعدؿ بؿ ىي جَور محض. كما يُلبحظ أف كلبً مف الجرجاني والعسكري وابف فارس لـ يساو أحد منيـ بيف الحكـ والقضاء إطلبقاً وسبؽ نقؿ رأي كؿ منيـ. ووِفقاً لما سبؽ فإف الباحثة ترى أف المعنى المغوي لمحكـ يشمؿ (المنع مف الفساد عف عمـ وتجربة لازميما العمؿ تبعاً ليما عمى وجو الإتقاف بقصد الإصلبح دوف الإلزاـ ) لأف الإتقاف لا يظير إلا بعد العمؿ، فثبت أف الحكـ يستمزـ العمـ مقروناً بالعمؿ. 2.2 الحكـ في الإصطلاح: 1-تعرؼ الأصولييف : الحكـ: "خطاب الله المتعمؽ بأفعاؿ المكمفيف بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع".(1) (1) العسكري، الفروؽ المغوية، ص 156-157 .
عدد الصفحات ١١٥106 2-تعريؼ الفقياء (2) : تعريؼ الحنفية : الحكـ: ىو "الإلزاـ في الظاىر عمى صيغة مختصة بأمر ظفّ لزومو في الواقع شرعاً ".(3) تعريؼ المالكية : الحكـ: ىو "إنشاء إطلبؽ وا لزاـ في مسائؿ الاجتياد المتقارب".(4) تعريؼ الشافعية : الحكـ: ىو "إلزاـ مف لو إلزاـ بحكـ الشرع ".(5) تعريؼ الحنابمة : الحكـ: ىو "فصؿ الخصومات أو الإلزاـ بحكـ شرعي ".(6) يؤخذ مف التعريفات السابقة أف : تعريؼ الأصولييف خاص بالحكـ الشرعي . (7) (1) الأصفياني، شمس الديف محمود بف عبد الرحمف، (ت749ىػ)، بياف المختصر شرح مختصر ابف الحاجب، تحقيؽ: محمد مظير، دار المدني، جدة، 1986ـ، ط1، ج1، ص327 .الاقتضاء ىو: الطمب، والتخيير ىو :الإباحة، والوضع: خطاب الله المتعمؽ بجعؿ الشيء سبباً في أو شرطاً أو مانعاً، أو مميتاً أو فاسداً . انظر: الغزالي، المستصفى، ج1، ص65 . (2) تعددت التعريفات الفقيية لمحكـ، وسأكتفي بعرض أحدىا عند كؿ مذىب مف المذاىب الأربعة . (3) ابف الغرْس، محمد بف محمد بف خميؿ، الفواكو البدرية في الأقضية الحكمية، مطبعة النيؿ، مصر، (د.ت)، (د.ط9، ص7 . (4) القرافي، أبو العباس، الصنياجي، (ت684ىػ)، الإحكاـ في تمييز الفتاوى عف الأحكاـ وتصرفات القاضي والإماـ، تعميؽ : محمود عرنوس، مطبعة الأنوار، مصر، 1983ـ، ط1، ص2 .و(إنشاء إطلبؽ) معناه: الاحتراز عف القوؿ بأف الحكـ إلزاـ فقط . انظر: أبو البصر، عبد الناصر موسى، نظرية الحكـ القضائي في الشريعة والقانوف، دار النفائس، الأردف، ص 39 . (5) الأنصاري، زكريا بف محمد، (ت926ىػ)، عماف الرضا ببياف أدب القضا، مكتبة الأوقاؼ، بغداد، (د.ت)، (د.ط)، ص14 . (6) انظر: البيوتي، منصور بف يونس، (1051ىػ)، كشاؼ القناع عف متف الإقناع، مطبعة الحكومة، الرياض، (د.ت)، (د.ط)، ج6، ص280 . (7) وزارة الأوقاؼ والشؤوف الإسلبمية، الموسوعة الفقيية، ج 18، ص65 .
عدد الصفحات ١١٦107 تعريفات المذاىب السابقة فيما عدا تعريؼ المالكية تذكر الإلزاـ عند الحديث عف الحكـ، وقد سبؽ بياف عدـ وجود دليؿ عمى ضرورة الإلزاـ والوجوب في المعنى المغوي لمحكـ . تعريؼ المالكية بتقييده الحكـ بػ (إنشاء إطلبؽ) فيو يتحدث عف أثر الحكـ وليس عف ذات الحكـ. وبعد فإف الباحثة ترى أف مف الممكف تعريؼ الحكـ اصطلبحاً بأنو: رد الأمور نفياً أو إثباتاً إلى عالـ متقف ليا بقصد المنع مف الفساد أيّاً كاف نوعو، لموصوؿ إلى الإصلبح دوف إلزاـ بو . أمّا عف سبب الركوف إلى ىذا المعنى، فلؤنو جامع لممعاني المغوية لمحكـ مف: (ردَّ، عِمْـ، إتقاف، بقصد الإصلبح، المنع مف الفساد والظمـ والخصومة، واليدؼ منو الإثبات أو النفي. ولأنو يشمؿ الحكـ الشرعي وغيره ). وأمّا قولو –صمى الله عميو وسمـ- "ماضِ فيّ حكمؾ، عدؿ فيّ قضاؤؾ".(1) فقد قاؿ ابف قيـ الجوزية في ىذا : "وفرؽ بيف الحكـ والقضاء وجعؿ المضاء لمحكـ والعدؿ لمقضاء، فإف حكمو سبحانو يتناوؿ حكمو الديني الشرعي وحكمو الكوني القدري، والنوعاف نافذاف في العبد ماضياف فيو ...لكف الحكـ الكوني لا يمكنو مخالفتو، وأمّا الديني الشرعي فقد يخالفو"(2)،وقاؿ في موضع آخر:"أف كؿ حكـ وكؿ قضية ينفذىا فيو ىذا الحاكـ فيي عدؿ محض منو لا جور فييا ولا ظمـ ".(3) (1) ابف حنبؿ، محمد أبو عبد الله الشيباني،(ت241ىػ)، مسند الإماـ أحمد بف حنبؿ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1993ـ، ط2، رقـ الحديث : 3704، ج1، ص646، وصصحو الألباني. انظر: الألباني، محمد ناصر الديف، سمسمة الأحاديث الصحيحة وشيء مف فقييا وفوائدىا، المكتب الإسلبمي، دمشؽ، 1983، ط1، رقمو : 199 . (2) ابف قيـ الجوزية، أبو عبد الله محمد بف أبي بكر، (ت751ىػ)، كتاب الفوائد، تحقيؽ: أحمد محمود خطاب، مكتبة الإيماف، المنصورة، ط 1،1999ـ، ص26 . (3) ابف قيـ الجوزية، أبو عبد الله محمد بف أبي بكر، (ت751ىػ)، شفاء العميؿ في مسائؿ القضاء والقدر والحكمة والتعميؿ، دار الفكر، (د.ط)، 1988ـ، ص275 .
عدد الصفحات ١١٧108 وترى الباحثة أفّ ىذا القوؿ مف النبي الكريـ–عميو الصلبة والسلبـ- فيو مف الإخلبص والتوكؿ والرضا بالقضاء والقدر ما فيو ! وتعميـ لأمّتو أيلُّ تعميـ! للئيماف بيذا الركف العظيـ مف الديف، والذي نتيجة لمجيؿ فيو يُفْتَح باب شرور أيلُّ شرور!، فممّا كانت الأحكاـ لا تحمؿ معنى الإلزاـ أثبت –عميو السلبـ- أف حكـ ربِّو كيؼ كاف ماضِ فيو ولابُد دوف مخالفة، ولمّا كاف القضاء يحمؿ معنى الإلزاـ أثبت أنّو إلزاـٌ عدؿٌ ميما كاف مِمَّف وصؼ نفسو بصفة التعظيـ، فقاؿ: (الرحماف )، وبصفة الكثرة فيو (الرحيـ ). 3.2 الحكـ ودلالاتو في القرآف الكريـ : 1.3.2 دلالة التعبير بالحكـ في ذكر كمالات لله تعالى: إفّ أوّؿ ألفاظ الحكـ وروداً في القرآف الكريـ ىي لفظ (الحكيـ) في قولو تعالى: ﭽﮀﮁﮆﮇﮄﮅﮈﮉﮂﮃﭾﭿﮌﭼ(البقرة : 32)، وىي أكثر تمؾ الألفاظ وروداً في القرآف الكريـ، وفي أوؿ ذكر ليا جاءت ومعيا عدد مف المؤكدات ضمف (إنؾ.. الحكيـ) فممّا نفت الملبئكة العمـ عف أنفسيـ "أثبتوه لله عمى أكمؿ أوصافو بألفاظ تدؿ عمى أفّ ىذا القوؿ مسوؽ" لمتعميؿ وليس مجرّد ثناء (وذلؾ بتصديره )، بإفّ في غير مقاـ رد إنكار ولا تردد ... (أنت)... ضمير فصؿ وتوسيطو مف صيغ القصر، فالمعنى قصر العمـ والحكمة عمى الله قصر قمب لردىـ اعتقادىـ أنفسيـ أنيـ عمى جانب مف عمـ وحكمة... أو تنزيميـ منزلة مف يعتقد ذلؾ ... أو ىو قصر حقيقي ادعائي مراد منو قصر كماؿ العمـ والحكمة عميو تعالى"(1) .وجاءوا بمفظ(العميـ) "وىو مف صفات المبالغة التامة في العمـ، والمبالغة التامة لا تتحقؽ إلا عند الإحاطة بكؿ المعمومات، وما ذاؾ إلا ىو سبحانو وتعالى،... فمذلؾ قاؿ (إنؾ أنت... الحكيـ) عمى سبيؿ الحصر"(2)، وتعقيب العميـ بالحكيـ مف"إتباع الوصؼ بأخص منو... لأف الحكمة (1) بتصرؼ يسير : ابف عاشور، التحرير والتنوير، ج 1، ص414-416 .سبؽ بياف معنى قصر القمب. انظر: الرسالة، ص . (2) الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 2، ص209-210 .
عدد الصفحات ١١٨109 كماؿ في العمـ"(1) .ولا يخفى ما في دلالة الجممة الإسمية مف الثبوت والاستمرارية، فإف عمـ الإنساف وحكمتو قد تتغير بالعوارض البشرية مف السيو، النسياف، الكبر أو المرض ... الخ، ولكف عممو تعالى وحكمتو ثوابت لا يعترييا خمؿ . وفي مناسبة ذكر (العميـ) دوف غيره مف صفاتو تعالى أف "المقاـ مقاـ لمتعميـ، ووضع ىذا التعميـ في موضع دوف سواه، فناسب ذلؾ وصفو تعالى بالعمـ والحكمة".(2) ثـ إنو تعالى بعد أف خصّتو الملبئكة بالعمـ المطمؽ، فإنو يقوؿ عف نفسو: ﭽﯤ ﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﭼ(البقرة : 269)، وقد اختمؼ العمماء في (الحكمة) ىنا، فقاؿ السدِّي: النبوة. وقاؿ ابف عباس: المعرفة بالقرآف، وقاؿ قتادة ومجاىد : الفقو في القرآف، وقاؿ مجاىد : الإصابة في القوؿ والفعؿ، وقاؿ مالؾ بف أنس: المعرفة بديف الله والفقو فيو والاتباع لو . (3) وترى الباحثة أف الأقواؿ السابقة متقاربة وذلؾ لأنيا تحمؿ في معناىا التقيد بالمعنى المغوي لمحكـ، إلا أف القوؿ بأف المعنى ىو : النبوة لا أرى صحتو وذلؾ لاف القوؿ بصحتو يثبت أف لقماف كاف نبياً وىو شيء لـ يثبت، وذلؾ لقولو تعالى:ﭽﭑﭮ ﭯﭰﭱﭖﭗﭘﭙﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭢﭣﭤﭼ (لقماف: 12)، ولأنو قد قاؿ تعالى في خطابو لزوجات النبي –صمى الله عميو وسمـ-: ﭽﮄﮅﮆﮇﮖ ﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﭼ (الأحزاب : 34)، ولا يقاؿ لمنبوة أنيا تتمى، أمّا فاصمة الآية (وما يذكر إلا أولوا الألباب)، فإف الإنساف إذا رأى الحكـ والمعارؼ حاصمة في قمبو عرؼ أنيا لـ تحصؿ إلا بإيتاء الله، فكاف مف أولي الألباب، لأنو لـ يقؼ عند المسببات بؿ ترقّى إلى أسبابيا. (4) ويُتبع تعالى الحديث عف كمالاتو بقولو: ﭽﮂﮃﭾﭿﮌﮍﮀﮁﮂ ﮃﮄﮅﮆﮇﭼ(آؿ عمراف :6)، وىذا بياف لسبب عمـ الله بعامة، وعممو (1) ابف عاشور، التحرير والتنوير، ج 1، ص414 . (2) بدوي، أحمد أحمد، مف بلبغة القرآف، دار النيضة، القاىرة، (د.ت)، (د.ط)، ص77 . (3) القرطبي، الجامع، ج 3، ص330 . (4) الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 7، ص69 .
عدد الصفحات ١١٩110 بالإنساف بخاصة، وخصَّ الإنساف بالذكر لأنو ىو الذي يتمرد (1) .و"(صوّر) بناء مبالغة مف: صار يصور إذا أماؿ وأثنى إلى حاؿ ما، فممّا كاف التصوير إمالة إلى حاؿ وا ثباتاً فييا، جاء بناؤه عمى المبالغة"(2)،(لا إلو إلا ىو العزيز الحكيـ ) جاءت تنقي الأليية عف غيره تعالى، توكيداً لما قبميا، ومبالغة في الرد عمى مف ادعى إليية عيسى-عميو السلبـ-، ثـ أتى بوصؼ العزة الدالة عمى عدـ النظير، أو التناىي في القدرة والحكمة لأف خمقيـ عمى ما ذكر مف النمط البديع أثر مف آثار ذلؾ .(3) ثـ يذكر تعالى أنو قد شيد لو بالوحدانية: أولوا العمـ الذيف عرفوا وحدانيتو بالدلائؿ القاطعة،وشيد لو بذلؾ الملبئكة، بقولو تعالى:ﭽﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪ ﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭺﭻﭼﭽﭶﭼ(آؿ عمراف : 18)،وأما شيادتو لنفسو تعالى فدلالتيا: أف الشاىد الحقيقي ليس إلا الله، وذلؾ لأنو خمؽ الأشياء، وجعميا دلائؿ عمى توحيده، ولأنو تعالى ىو الموجود أزلاً وأبداً، وكؿ ما سواه فقد كاف في الأزؿ عدماً صرفاً، والعدـ يشبو الغائب، والموجود يشبو الحاضر، وبشيادة الحؽ صار شاىداً .(4) و(العزيز الحكيـ ) صفتاف مقدرتاف لما وصؼ بو ذاتو مف الوحدانية والعدؿ، يعني أنو العزيز الذي لا يغالبو إلو آخر،الحكيـ الذي لا يعدؿ عف العدؿ في أفعالو (5)، ورفعيما عمى الخبرية لمبتدأ محذوؼ أو البدلية مف (ىو) أو الوصفية لو. (6) ثـ إنو تعالى يورد معاف جامعة لسمطانو عمى عباده في السماء والأرض بقولو : ﭽﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﭼ(الأنعاـ:18)، حيث أف القير: بموغ المراد بمنع غيره (1) أبو زىرة، زمرة التفاسير، ج 2، ص1104-1105 . (2) ابف عطية الأندلسي، المحرر الوجيز، ج 1، ص400 . (3) الآلوسي، روح المعاني، ج 2، ص77 . (4) انظر: الفحر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 7، ص206 . (5) الزمخشري، الكشاؼ، ج 1، ص344 . (6) الآلوسي، روح المعاني، ج 2، ص102 .
عدد الصفحات ١٢٠111 مف بموغو(1)، وا ف(وىو القاىر...) إشارة إلى كماؿ القدرة، و (الحكيـ الخبير إشارة عمى كماؿ العمـ، والحكيـ:ىو المتقف للؤمور،والخبير:ىو العالـ بالشيء المروى . (2) وأمّا عند خطابو تعالى لمحمد–صمى الله عميو وسمـ- بتعميمو الرد عمى مف كفر وطمب تعجيػؿ العػذاب، فقد قاؿ: ﭽﮟﮠﮡﭨﭩﮤﮥﮦﮦﮨﮩﮪﮫﮪﮭﮮﮯ ﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯤﯥﯢﭼ (الأنعػاـ: 57 ) فقد قصر الحكـ لو تعالى دوف غيره في أمر تعجيؿ العذاب . وترى الباحثة أف (الحكـ) ىنا قد جاء بإيجاز بميغ جداً حيث أف ىذا المفظ أثبت العمـ لله فقط في كيفية العذاب ووقتو، وأف إجراءه تعالى ىذا الحكـ كائف لا محالة حيث أف معنى (الحكـ) عمـ يتبعو عمؿ كما قد قُرِّر، كما أف ىذا الكماؿ في العمـ الذي يُستشؼ مف العمـ الذي يتبعو العمؿ المتقف بقصد المنع مف الفساد وبقصد الإصلبح، يحمؿ في طيّاتو أف تأخير العذاب لقصد، وقد يكوف ىذا القصد الإمياؿ فمعؿّ منيـ مف يؤمِف، أو الاستدراج... الخ مما يعممو تعالى، وىذه الأحواؿ ىي التي يشير إلييا لفظ (يقصّ الحؽ ) لاحقاً، فيو تتبع لمآليـ عمى اختلبؼ أحواليـ، أمّا بقراءة (يقضِ الحؽ) (3)، فيكوف المعنى أفّ قطعو تعالى بمصيرىـ ىو حكـ لازـ لا يتغير . ثـ يستمر القرآف الكريـ بإثبات الكمالات لله تعالى حيث جاء في سورة الرعد ﭽ ﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﮈﮉﯾﭼ(الرعد : 41)، فإنو تعالى أنعـ عمى المسمميف بأف وعدىـ الظفر بالغمبة بأف يُنقص أرض الكفر ويزيد في دار الإسلبـ. والله لا معقب لحكمو، والمعقب: الذي يكر عمى الشيء فيبطمو، وجممة (لا معقب لحكمو) محميا النصب عمى الحاؿ. (4) (1) النسفي، مدارؾ التنزيؿ، ج 2، ص10 . (2) انظر: الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 12، ص173 . (3) ابف الجزري، النشر، ج 2، ص300 . (4) انظر: الزمخشري، الكشاؼ، ج 2، ص535 .وأثبت العمـ إعجازاً عممياً في ىذه الآية ذكره: النجار، زغموؿ، مف آيات الإعجاز العممي في القرآف (الأرض في القرآف الكريـ )، دار المعرفة، بيروت، 2005، ط1، ص153-165 .
عدد الصفحات ١٢١112 ويكرر تعالى معاف دالة عمى حقيقة البعث كثيراً في القرآف الكريـ، وذلؾ لزيادة التقرير بدحض إنكار المشركيف لمبعث، وفي قولو تعالى : ﭽﭭﭮﭯﭰﭱﭺﭻﭼﭽﭶ ﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﭼ(الروـ: 27)، وقد جاء فييا أدلة عمى صحة البعث كتمييد لقولو: (وىو أىوف عميو أي أفّ : الإعادة أسيؿ مف المبدأ(1)، و(المثؿ الأعمى) ىو الوصؼ الأعمى الذي ليس لغيره، وىو أنو القادر الذي لا يعجز عف شيء(2)، وفصؿُ الآية بالعزة والحكمة لأف بيما يعيد وينفذ أمره في عباده كيؼ شاء(3)، وا ثبات ذلؾ لله تعالى بضمير الفصؿ والجممة الإسمية لثبوت ذلؾ واستمراره لله تعالى. ولمّا أخبر تعالى عف كمماتو التامة التي لا اطلبع لبشر عمى كنييا وا حصائيا قاؿ: ﭽﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﮈﮉﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄ ﰅﰆﰇﰈﭼ (لقماف: 27) فمو أف جميع أشجار الأرض جُعمت أقلبماً، وجُعؿ البحر مداداً وتعريفو لاستغراؽ الجنس(4)، وأمده سبعة أبحر معو فكتبت بيا كممات ا الدالة عمى عظمتو، وذكرت السبعة عمى وجو المبالغة (5)، لنفذ المراد ولـ يُحصر ما في عممو وقدرتو (إفّ الله عزيز حكيـ) وقد أكدت بػ (إفّ ) لأفّ المشركيف ينكروف قدرة الله عمى البعث ويماروف فييا، وىذه الآية جاءت ضمف ىذا السياؽ. أما العزة فلؤنو لا يعجزه شيء، وأما الحكمة فلؤنو كامؿ في العمـ فناسب السياؽ . ثـ يخبر تعالى عف نفسو الكريمة أف لو الحمد المطمؽ في الدنيا والآخرة لأنو المنعـ المتفضؿ عمى أىميما، وتقديـ(لو)في قولو تعالى:ﭽﭑﭮﭯﭰﭱﭖﭗﭘﭙ ﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭢﭼ(سبأ:1) لتأكيد الحصر المستفاد مف اللبـ عمى ما ىو شائع اعتناء بشأف نعـ الآخرة، وقيؿ للبختصاص لأف النعـ الدنيوية قد تكوف بواسطة مف يستحؽ الشكر لأجميا ولا كذلؾ نعـ الآخرة (6) .ثـ إفّ الحمد في الدنيا (1) انظر: الآلوسي، روح المعاني، ج 11، ص38 . (2) النسفي، مدارؾ التنزيؿ، ج 3، ص392 . (3) ابف عطية الأندلسي، المحرر الوجيز، ج 4، ص335 . (4) الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 25، ص158 . (5) ابف كثير، تفسير القرآف العظيـ، ج 3، ص546 . (6) الآلوسي، روح المعاني، ج 11، ص279 .
عدد الصفحات ١٢٢113 واجب لأنيا دار تكميؼ أمّا في الآخرة فلب، وا نَّما يحمد أىؿ الجنة سروراً وتمذذاً بما نالوا(1) (وىو الحكيـ الخبير) الحكيـ مف الصيغ الدالة عمى الكماؿ في الحكمة، والذي أوجد أحواؿ النشأتيف ىو العظيـ الحكمة الخبير بدقائؽ الأشياء، "والخبرة تختص بالبواطف لأنيا مف: خبر الأرض إذا شقّيا، وفي ىذه الفاصمة إيذاف بأنو تعالى كما أنو يستحؽ الحمد لأنو سبحانو منعـ، يسْتَحقو لأنو منعوت بالكماؿ الاختياري".(2) ويعبِّر تعالى عف نفوذ مشيئتو، ونفوذ أمره بقولو: ﭽﯦﯧﯝﯞﯟﯠﯡﯨ ﯩﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﭼ(فاطر: 2) والآية دليؿ عمى أف رحمتو سبقت غضبو حيث (3) : 1-قدـ بياف فتح أبواب الرحمة في الذكر . 2-أنث الكناية في(ما يفتح) و (فلب ممسؾ ليا) وجاز مف حيث العربية أف يقاؿ : (لو) ويكوف عائداً إلى (ما)، وقاؿ عند الإمساؾ: (وما) و (لو) بالتذكير، ولـ يقؿ: (ليا) فما صرح بأنو لا مرسؿ لمرحمة، بؿ ذكره بمفظ يحتمؿ أف يكوف الذي لا يرسؿ ىو غير الرحمة، فقولو : (وما يمسؾ) عاـ مف غير بياف وتخصيص بخلبؼ (ما يفتح... رحمة ) فإنو مخصص مبيف. 3-(مف بعده) أي: مف بعد الله، فاستثنى ىينا، وقاؿ: لا مرسؿ لو إلا الله، فنزؿ لو مرسلبً، وعند الإمساؾ قاؿ: لا ممسؾ ليا، ولـ يقؿ: غير الله، لأف الرحمة إذا جاءت لا ترتفع، فإف مف رحمو الله في الآخرة لا يعذبو بعدىا، ومف يعذبو الله فقد يرحمو بعد العذاب . وفتح الشيء: التمكيف منو، وا زالة الحواجز دونو(4)، و(يفتح) لمدلالة عمى معنى: معنى: إجراء النعـ الربانية بالتتابع مع الزمف (5)، و(العزيز الحكيـ ) الجممة تذييؿ مقرر (1) النسفي، مدارؾ التنزيؿ، ج 3، ص461 . (2) الآلوسي، روح المعاني، ج 11، ص279 . (3) انظر: الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 25، ص4 . (4) الشنقيطي، أضواء البياف، ج 6، ص696 . (5) الميداني، معارج التفكر، ج 7، ص34 .
عدد الصفحات ١٢٣114 لما قبميا، ومعرب عف كوف كؿ مف الفتح والإمساؾ بموجب الحكمة التي يدور عمييا أمر التكويف. (1) ثـ إنو تعالى يورد الفاصمة (وىو الحكيـ العميـ) في قولو: ﭽﮦﮦﮨﮩﮪﮫ ﮪﮭﮮﮯﮰﮱﭼ(الزخرؼ : 84)، وقد جاءت في معرض الرد عمى نسبة الولد إلى الله تعالى، فجاءت الفاصمة كالدليؿ عمى النفي والاختصاص المشار إلييما، فإف مف لا يتصؼ بكماؿ الحكمة والعمـ لا يستحؽ الأليية. (2) وترى الباحثة أف الفاصمة ىنا قدِّـ فييا(الحكيـ) عمى لفظ (العميـ) لأف (الحكيـ) كماؿ في العمـ لعامؿ بما عمـ، يقصد مف عممو الإصلبح، وليس كؿ عالـ عامؿ بعممو، ولخطورة ىذه التيمة قدـ (الحكمة) عمى (العمـ) فمعؿّ منيـ مف يتوب عف قولو، ومف الحكمة أف أخِّر العذاب إلى يوـ القيامة. ثـ في قولو تعالى: ﭽﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮆﮇﭼ (الإنساف: 30 ) يبيف تعالى أف لا أحد يقدر أف ييدي نفسو، ولا يدخؿ في الإيماف ولا يجر لنفسو نفعاً ﭽﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮆﮇﭼ عميـ بمف يستحؽ اليداية، فييسرىا لو ومف يستحؽ الغواية فيصرفو عف اليدى، ولو الحكمة البالغة (3)، وليذا كانت تمؾ الفاصمة، وأضافت (كاف) معنى تحقؽ ثبوت خبرىا لاسميا . 2.3.2 دلالة التعبير بالحكـ في معرض الحديث عف يوـ القيامة: وقد جاءت مشتقات لمحكـ في القرآف الكريـ ضمف سياؽ الحديث عف يوـ القيامة، حيث قاؿ تعالى: ﭽﭾﭿﮌﮍﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮖﮗ ﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﭼ(النساء: 56 .) والتعبير عف إدراؾ العذاب بالذوؽ مف حيث أنو لا يدخمو نقصاف بدواـ الملببسة، أو للئشعار بمرارة العذاب مع إيلبمو أو لمتنبيو عمى شدة تأثيره مف حيث إف (1) الآلوسي، روح المعاني، ج 11، ص339 . (2) الآلوسي، روح المعاني، ج 13، ص106 . (3) ابف كثير، تفسير القرآف العظيـ، ج 4، ص566 .
عدد الصفحات ١٢٤115 القوة الذائقة أشد الحواس تأثيراً أو عمى سرايتو لمباطف(1) .و(نصمييـ) الصَّمي معناه: إيقاد النار، وصَمِيَ : وقع في النار، ثـ إف ىذا العذاب الشديد الذي يستقبميـ يوـ القيامة يستحقو الكافروف بسبب كفرىـ ولذلؾ عبّر بالموصوؿ (الذيف) إذ التعبير بالموصوؿ يُشعر بأف الصمة سبب الحكـ(2)ﭽﮚﮛﮜﮝﮞﭼ إظيار الاسـ الجميؿ لتعميؿ الحكـ(3)، حتى لا يعجب أحد مف أنو كيؼ يمكف بقاء الإنساف في النار أبد الآباد! فقيؿ: ىذا ليس بعجيب مف الله، لأنو القادر عمى جميع الممكنات، والحكمة تقتضي ذلؾ، فإف نظاـ العالـ لا يبقى إلا بتيديد العصاة، والتيديد الصادر منو لابد وأف يكوف مقروناً بالتحقيؽ صوناً لكلبمو عف الكذب فثبت أف ىاتيف الكممتيف ىنا في غاية الحسف. (4) وفي قولو تعالى: ﭽﭑﭮﭯﭰﭱﭖﭗﭘﭙﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭢ ﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭼ(البقرة : 113) قاؿ الييود والنصارى ذلؾ وىـ مف أىؿ العموـ، وتلبوة الكتب، وتبعيـ عمى ذلؾ كفار العرب (5) و(عمى شيء) مبالغة عظيمة، لأف المحاؿ والعدـ يقع عمييما اسـ الشيء(6)، فا يحكـ بينيـ وذلؾ بأف يمنع ىذه الخصومة وىذا الاختلبؼ بطريقة متقنة في حمِّو، ويناؿ كؿ ما يستحؽ بحسب عمـ الله بيـ، والتعبير بػ (يحكـ) لأف الحديث عف عقاب كؿ بما يستحؽ في دعوة خطيرة وىي تحريؼ كتب وأحكاـ الأنبياء –عمييـ السلبـ-. فقد ولّوا أنفسيـ الحكـ عف –تجاىؿ لمعمـ، ولكف جزاء الله ليـ عف عمـ لازمو العمؿ بو بشكؿ متقف لا يدع مجالاً لممراء فيو. (1) انظر: الآلوسي، روح المعاني، ج 3، ص58 . (2) انظر: أبا زىرة، زىرة التفاسير، ج 4، ص1719 . (3) الآلوسي، روح المعاني، ج 3، ص58 . (4) انظر: الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 10، ص135، ابف عاشور، التحرير والتنوير، ج 5، ص90 . (5) انظر: الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 4، ص8، القرطبي، الجامع، ج 1، ص76 . (6) الزمخشري، الكشاؼ، ج 1، ص178 .
عدد الصفحات ١٢٥116 وأمّا في قولو تعالى: ﭽﭑﭮﭯﭰﭱﭖﭗﭘﭙﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬ ﭭﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭺﭻﭼﭽﭶﭼ(النساء: 141 .) والتربص : انتظار ما يحدث مف خير أو شر(1)، وىو ىنا مف فعؿ المنافقيف حيث كانوا يتربصوف لممؤمنيف بعد الغزوات فيقولوف : ألـ نجاىد عدوكـ، فأعطونا نصيباً مف الغنيمة، وا ف كاف لمكافريف نصيب منيا قالوا ليـ: ألـ نغمبكـ ونتمكف مف قتمكـ وأسركـ فأبقينا عميكـ أو ألـ نطمعكـ عمى أسرار محمد –صمى الله عميو وسمـ- وندفع عنكـ صولة المؤمنيف بتثبيطنا ليـ، فاعرفوا لنا ىذا الحؽ وىاتوا نصيبنا (2)، وأىؿ الاستحواذ الاستيلبء. وسمِّي ظفر المسمميف فتحاً، وما لمكافريف نصيب لتعظيـ شأف المسمميف وتخسيس حظ الكافريف (3)، ولمّا تولّى المنافقوف حكماً ليـ وباجتيادىـ بأف يطمبوف النصيب مف كلب الفريقيف عف تجاىميـ لعاقبة ذلؾ أثبت لنفسو تعالى حكـ القيامة المتقف الناشئ عف عمـ وىو الحكـ الفصؿ والذي ظيوره دليؿ عمى عدـ فساده وأنو حؽ مانع مف الظمـ فمكؿ جزاء ولكؿ عاقبة . ويقوؿ تعالى في سورة الأنعاـ : ﭽﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮆﮇﮄﮅﮈﮉﮂ ﭼ(الأنعاـ: 62)، وىو الرد بالبعث لمحساب، و (إلى) تفيد: ردّوا إلى حيث لا مالؾ ولا حاكـ سواه، وقد سمَّى الله نفسو "(المولى) وىو مشتؽ مف (الولى) أي: القرب، وكذلؾ المعتؽ يسمى: ولي... وأضاؼ نفسو إلى العبد ولـ يضيفيـ إلى نفسو وذلؾ نياية الرحمة (مولاىـ الحؽ ) حيث كانوا في الدنيا تحت تصرفات الموالي الباطمة : النفس والشيوة والغضب (ألا لو الحكـ) لا حكـ إلا لله"(4)، حيث أف(ألا) لمتأكيد بالاستفتاح. (5) (1) الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 11، ص83 . (2) انظر: الزمخشري، الكشاؼ، ج 1، ص578، الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 11، ص83 . (3) الآلوسي، روح المعاني، ج 3، ص168 . (4) الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 13، ص18 . (5) حساف، البياف في روائع القرآف، ج 2، ص145 .
عدد الصفحات ١٢٦117 وأما قولو تعالى: ﭽﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳ ﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﮈﮉﯾﯿﰀﭼ(الأنعاـ: 73)، وىذه الآية حجة عمى الخمؽ، ليستدلوا بيا عمى عظيـ قدرتو فيخمصوا لو العبادة (1)،(عالـ الغيب والشيادة) وارتفاع (عالـ) عمى المدح(2)، والتعريؼ بالغيب والشيادة للبستغراؽ (3)، فلب جرـ لزـ مف مجموعيا أف يكوف قولو حقاً وأف يكوف حكمو صدقاً . و(الحكيـ الخبير) الحكيـ: يجمع إتقاف الصنع فيدؿ عمى عظيـ القدرة، مع تعمؽ العمـ بالمصنوعات، وصفة (الخبير) تجمع العمـ بالمعمومات ظاىرىا وخفييا . (4) وفي ذات السورة يقوؿ تعالى : ﭽﮂﮃﭾﭿﮌﮍﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆ ﮇﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﭨﭩﮤﮥﮦﮦﮨﮩﮪﮫﮪ ﮭﭼ(الأنعاـ: 128 .) وفييا أف اذكر يامحمد يوـ حشر العادليف بالله الأوثاف مع أوليائيـ مف الشياطيف، فيقوؿ تعالى: (يامعشر... الإنس) بإضلبليـ وا غوائيـ، وأما انتفاع الإنس بالجف فيو إذ دلوىـ عمى الشيوات(5) .والمعشر: الجماعة الذيف أمرىـ وشأنيـ واحد بحيث تجمعيـ صفة أو عمؿ(6)، والاستكثار شدة طمب الكثرة حيث إف السيف والتاء لمطمب(7)، وأما الإخبار عف كؿ ذلؾ بػ(قاؿ) فيو استقطاع مف الحدث المستقبمي، وللئشعار بأنو سيتحقؽ حتماً، فكأنو قد وقع(8) .والمثوى : المقاـ والمقر(9)، و(إف ربؾ حكيـ عميـ) ىذا الخطاب لمنبي –صمى الله عميو وسمـ- وىو جممة معترضة بيف (1) انظر: الطبري، جامع البياف، ج 5، ص237 . (2) الزمخشري، الكشاؼ، ج 2، ص38 . (3) ابف عاشور، التحرير والتنوري، ج 7، ص309 . (4) انظر: ابف عاشور، التحرير والتنوير، ج 7، ص309 . (5) انظر: الطبري، جامع البياف، ج 5، ص342-343، النسفي، مدارؾ التنزيؿ، ج 2، ص49 . (6) ابف عاشور، التحرير والتنوير، ج 8، ص67 . (7) أبو زىرة، زىرة التفاسير، ج 5، ص2666 . (8) الميداني، معارج التفكر، ج 11، ص425 . (9) الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 13، ص192 .
عدد الصفحات ١٢٧118 الجمؿ المقولة، لبياف أف ما رتبو الله عمى الشرؾ مف الخمود رتبو بحكمتو وعممو (1) . فالله حكيـ فيما يفعؿ بأوليائو وأعدائو(عميـ) بأعماليـ فيجزي كلبً عمى وفؽ عممو. وآية الحجر: ﭽﮤﮥﮦﮦﮨﮩﮪﮫﭼ(الحجر: 25)، والمراد بػ (إفّ ) التنبيو عمى أف الحشر والنشر والبعث والقيامة أمر حاصؿ والحكمة تقتضيو(2)، و(حكيـ) يتضمف "دليلبً عمى يوـ الديف، يوـ الجزاء الأكبر وما يجري فيو مف حساب وفصؿ قضاء وجزاء إذ الحكيـ لا يخمؽ الناس بصفاتيـ التي فطرىـ عمييا دوف أف يكوف قد أعد في خطة التكويف ذلؾ.. (عميـ) يدؿ عمى أف أحكامو بعباده يوـ الديف تكوف دائرة حوؿ العدؿ والفضؿ، ولا تكوف جزافاً غير مبنية عمى عمـ شامؿ".(3) وقاؿ تعالى: ﭽﮃﮄﮅﮆﮇﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﭼ(النحؿ: 60)، وىي في معرض التوبيخ لحاجتيـ إلى الذكور وكراىة الإناث وأودىف، والسوء : مصدر: ساء، إذا عمؿ معو ما يكره (4) و(الأعمى) تفيد "الإطلبؽ إلى أقصى المدى، بغير حد أو قيد مفاضمة"(5) و(العزيز ) مف حيث أنو غني عف العالميف، و(الحكيـ) في إمياؿ العباد. وفي بني إسرائيؿ يقوؿ تعالى : ﭽﮅﮆﮇﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟ ﮠﮡﭨﭩﮤﭼ (النحؿ: 124) لمّا كاف الييود قد أحمّوا الصيد في السبت تارة وحرّموه أخرى، فقد نصّبوا أنفسيـ مف أنفسيـ للؤحكاـ، وجعموا العمـ وراء أظيرىـ، أثبت تعالى لنفسو الحكـ الذي يستغرؽ جميع أعماليـ وأكده بػ (إفَّ ) فيـ عمى أفعاليـ ىذه كمف لا يؤمف بيوـ حساب لشدة ركونيـ إلى الدنيا . ويقوؿ تعالى في سورة الحج : ﭽﭑﭮﭯﭰﭱﭖﭗﭘﭙﭦﭧﭨﭩ ﭼ(الحج: 56)، وقاؿ: ﭽﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﭼ(الحج: 69)، (1) انظر: ابف عاشور، التحرير والتنوير، ج 8، ص72 . (2) الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 19، ص178 . (3) الميداني، معارج التفكر، ج 11، ص47 . (4) انظر: ابف عاشور، التحرير والتنوير، ج 14، ص187 . (5) بنت الشاطئ، الإعجاز البياني، ص273 .
عدد الصفحات ١٢٨119 والممؾ: اتساع المقدور لمف لو تدبير الأمور(1)، والتنويف في(يومئذ) عمى تقدير: يوـ تزوؿ مريتيـ (2)، والتعبير بالمضارع (يحكـ) لتعدد أحداث القيامة، ولاستحضار الصورة فكأف الحدث يحصؿ أماـ النواظر. وفي وصؼ نعيـ الجنة يقوؿ تعالى:ﭽﮟﮠﮡﭨﭩﮤﮥﮦﮦﮨﭼ (لقماف: 9 .) وقد أكد تعالى(خالديف فييا) بقولو: (وعد الله حقاً ) أي: كائف لا محالة(3)، و(العزيز ) الذي لا يغمبو شيء ليمنع مف إنجاز وعده، وتحقيؽ وعيده (الحكيـ) الذي لا يفعؿ إلا ما تقتضيو الحكمة والمصمحة(4)، وا جراء الاسميف الجميميف عمى ضمير الجلبلة لتحقيؽ وعده. (5) وفي الحديث عف عذاب النار يقوؿ تعالى: ﭽﯨﯩﯤﯥﯦﯧﯨﯩ ﯪﯫﯬﯭﭼ(غافر: 48)، وعميو لا يؤاخذ أحداً بذنب غيره. وأمّا في قولو تعالى:ﭽﮉﮂﮃﭾﭿﮌﮍﮀﮁﭼ(الجاثية: 37 .) والكبرياء : بناء مبالغة(6)، وىو العظمة والممؾ، وىذا الكبرياء لو لا لغيره، لأنو واجب الوجود لذاتو ليس إلا ىو(7) .والتقييد بذكر(السماوات والأرض ) لظيور آثار الكبرياء وأحكاميا فييا(8)،(وىو العزيز الحكيـ ) لمحصر، ويفيد أف الكامؿ في القدرة وفي الحكمة وفي الرحمة ليس إلا ىو (9)، وأنو ىو العزيز الذي لا يغمب، و (الحكيـ) في كؿ كؿ ما قضى وقدر. (10) (1) القرطبي، الجامع، ج 6، ص88 . (2) الزمخشري، الكشاؼ، ج 3، ص166 . (3) الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 25، ص142 . (4) انظر: الآلوسي، روح المعاني، ج 11، ص80 . (5) ابف عاشور، التحرير والتنوير، ج 21، ص145 . (6) ابف عطية الأندلسي، المحرر الوجيز، ج 5، ص90 . (7) انظر: الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 27، ص275 . (8) الآلوسي، روح المعاني، ج 3، ص160 . (9) الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 27، ص275؟ (10) الآلوسي، روح المعاني، ج 3، ص160 .
عدد الصفحات ١٢٩