56 ﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭼ (يونس: 54)، ولكف بالوصؿ ىنا وأُخِّرَت عف ذكر نفي الفداء، وعف إسرار الندامة ىنا لأنّو بيذه المقتضيات تـ القضاء ولَزِـ. 6-أمّا في سورة الزمر فقد قاؿ تعالى: ﭽﭑﭮﭯﭰﭱﭖﭗﭘﭙﭦﭧﭨﭩﭪ ﭫﭬﭭﭢﭼ (الزمر : 75 .) لفظ(قُضِي ) ىنا صرَّح بعض العمماء بأف معناه: حكـ(1)، وذكر غيرىـ أف المعنى: "وأنيي قضاء الله بيف العباد بالحؽ، حكماً وتنفيذاً "(2)، وذكر الطبرسي معنى : فصّؿ(3) .وفي ىذه الآية أخبر تعالى عف ملبئكتو أنيـ محدقوف مف حوؿ العرش المجيد يسبحوف بحمد ربيـ ... وقد فصؿ القضية وقضي الأمر... بيف الخلبئؽ(4) . ويلبحظ ىنا التقييد لمقضاء بػ(بالحؽ) أما في سورة يونس فكاف بالقسط )، ولمبقاعي كلبـ في ىذا نَصلُّو: "ولما كاف السياؽ عامّاً في الترغيب والترىيب عدلاً وفضلبً، بخلبؼ سياؽ سورة يونس عميو السلبـ، قاؿ "بالحؽ" بأف طُوْبِؽَ بما أنزلنا فييـ في الكتب التي وضعناىا لحسابيـ الواقع... وأمّا الملبئكة فأبقيناىـ عمى حاليـ في العبادات"(5)، وَحُذِؼ فاعؿ القوؿ"لأنو غير معيّف بؿ كؿ أحد يحمده عمى ذلؾ الحكـ الذي حكـ فيو... ﭽﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭢﭼ، فأخبر عف حمد الكوف أجمعو لو عقيب قضائو بالحؽ بيف الخلبئؽ وا دخاؿ ىؤلاء إلى جنتو وىؤلاء إلى ناره وحذؼ فاعؿ الحمد إرادة لعمومو وا طلبقو حتى لا يسمع إلا حامد لو مف أوليائو وأعدائو: كما قاؿ الحسف البصري : "لقد دخموا النار وا ف حمده لفي قموبيـ ما وجدوا عميو حجة ولا سبيلبً "(6)، ولمناسبة ذكر الحمد ىنا يقوؿ الفخر الرازي : "وىينا دقيقة أعمى مما سبؽ وىي أنو سبحانو لما قضى بينيـ بالحؽ، فيـ ما حمدوه لأجؿ ذلؾ القضاء، بؿ حمدوه بصفتو الواجبة وىي كونو رباً لمعالميف... أمّا إذا قمنا أف الكلبـ مف بقية شرح ثواب (1 )انظر: الإيجي، جامع البياف، ج3، ص519، الزحيمي، التفسير المنير، ج 12، ص376 . (2 )الميداني، معارج التفكر، ج 12، ص286 . (3 )الطبرسي، مجمع البياف، ج 8، ص796 . (4 )انظر: ابف كثير، تفسير القرآف العظيـ، ج 4، ص83 . (5) البقاعي، نظـ الدرر، ج6، ص481. (6 )السيد محمد، بدائع التفسير، ج18، ص4 .
عدد الصفحات ٦٦57 المؤمنيف، فتقريره أف يقاؿ إف المتقيف لما قالوا ﭽﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱ ﯲﯳﯴﯵﯶﭼ فقد ظير منيـ أنيـ في الجنة اشتغوا بحمد الله وبذكره بالمدح والثناء، فبيّف تعالى أنو كما أف حرفة المتقيف في الجنة الاشتغاؿ بالتحميد والتسبيح، ثـ إف جوانب العرش ملبصقة لجوانب الجنة، وحينئذ يظير منو أف المؤمنيف المتقيف وأف الملبئكة المقربيف يصيروف متوافقيف عمى الاستغراؽ في تحميد الله وتسبيحو، فكاف ذلؾ سبباً لمزيد التذاذىـ بذلؾ التسبيح والتحميد"(1) .وقد عظّـ الله سبحانو أمر القضاء في الآخرة "بنصب العرش وقياـ الملبئكة حولو معظميف لو سبحانو ومسبحيف كما أف السمطاف إذا أراد الجموس لممظالـ وقعد عمى سريره وأقاـ جنده حولو تعظيماً لأمره فذلؾ لممؾ المموؾ أحؽ"(2)، ومف أجمؿ ما قيؿ في فاصمة ىذه الآية(وقيؿ الحمد...) ما ذكره البقاعي : "فقد ختـ الأمر بإثبات الكماؿ باسـ الحمد عند دخوؿ الجناف والنيراف كما ابتدأ بو عند ابتداء الخمؽ في أوؿ الإنعاـ، فمو الإحاطة بالكماؿ في أف الأمر كما قاؿ كتابو عمى كؿ حاؿ، فقد انطبؽ آخرىا عمى أوليا بأف الكتاب تنزيمو لمطابقة كؿ ما فيو لمواقع عندما يأتي تأويمو، وبأف الكتاب الحامؿ عمى التقوى المسببة لمجنة أُنزؿ للئبقاء الأوؿ، فمف اتبعو كاف سبباً للئبقاء الثاني، وىذا الآخر ىو عيف أوؿ سورة غافر فسبحاف مف أنزلو معجزاً نظامو".(3) 7-أمّا في قولو تعالى: ﭽﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭺﭻﭼﭽﭶﭷﭼ(الزمر : 69)، وذلؾ حيف يتجمَّى الرب لفصؿ القضاء بيف خمقو فما يتضارلُّوف في نوره كما لا يتضارلُّوف في الشمس يوـ الصحو(4) .وجيء بكتب الأعماؿ لمجزاء (5)، وبالنبييف وبالنبييف ليشيدوا عمى الأمـ، أنيـ بمغوا رسالة الله تعالى والحفظة (6) كذلؾ يشيدوف. (1 )الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 24، ص27 .الآية المشار إلييا ىي: (الزمر : 74 .) (2 )الطبرسي، مجمع البياف، ج 8، ص796 . (3 )البقاعي، نظـ الدرر، ج6، ص481، والآيات المشار إلييا ىي(غافر: 7-8 .) (4 )البغوي، معالـ التنزيؿ، ج 4، ص77، (5) انظر: الطبري،جامع البياف،ج 12،ص32،ابف كثير، تفسير القرآف العظيـ،ج 4،ص78. (6 )ابف كثير، تفسير القرآف العظيـ، ج 4، ص78 .
عدد الصفحات ٦٧58 أمّا عف تكرار(وقضي بينيـ بالحؽ) في سورة الزمر مرّتيف فيقوؿ صاحب الميزاف : "القضاء كما يطمؽ عمى نفس حكـ الحاكـ يصح إطلبقو عمى مجموع الحكـ ومقدماتو وتبعاتو مف حضور المتخاصميف وطرح الدعوى وشيادة الشيود وحكـ الحاكـ وا يفاء المحؽ حقو فمف الممكف أف يكوف المراد بالقضاء المذكور أولاً نفس الحكـ الإليي وبالقضاء المذكور ثانياً ىو مجموع ما يجري عمييـ مف حيث دخوؿ أىؿ النار النار وأىؿ الجنة الجنة واستقرارىـ فييا وبذلؾ يندفع إشكاؿ التكرار مف غير موجب "(1)، "وجاء استعماؿ الفعؿ المضارع بعد المواضي لتصوير حركة تتابع الأحكاـ يومئذ "(2)، ولابف عاشور تعميؽ عمى ىذه الآية فيقوؿ : "وقد صوَّرت الآية صورة المحكمة الكاممة التي أشرقت بنور العدؿ، وصدر الحكـ عمى ما يستحقو المحكوـ فييـ مف كرامة ونذالة، ولذلؾ قاؿ: "وقضي بينيـ بالحؽ" أي صدر القضاء بما يستحقوف وىو مسمّى الحؽ، فمف القضاء ما ىو فصؿ بيف الناس في معاملبت بعضيـ مع بعض مف كؿ ظالـ ومظموـ ومعتدٍ ومتعدىً عميو في اختلبؼ المعتقدات واختلبؼ المعاملبت، ومف القضاء القضاء عمى كؿ نفس بما ىي بو حقيقة مف مرتبة الثواب أو العقاب وىو قولو:ﭽﭹﭺﭻﭼﭽﭼ فقضاء الله ىو القضاء العاـ الذي لا يقتصر عمى إنصاؼ المتداعيف كقضاء القاضي، ولا عمى سموؾ الداعريف كقضاء والي الشرطة، ولا عمى مراقبة المغَيِّريف كقضاء والي الحسبة ولكنو قضاء عمى كؿ نفس فيما اعتدت وفيما سمكت وفيما بدلت، ويزيد عمى ذلؾ بأنو قضاء عمى كؿ نفس بما اختمّت بو مف عمؿ وبما أضمرتو مف ضمائر إف خيراً فخير وا ف شراً فشر".(3 )والوصؿ في آيتي الزمر لأف كؿ جزء مف ىذه الآية لا يحيط بو وصؼ . 8-أمّا باقي مواضع(قضي بينيـ) في القرآف الكريـ فيي : ﭽﯩﯤﯥﯦﯧ ﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﭼ(يونس: 19)، وذكر الزجاج معنى القضاء ىنا أنّو: الفصؿ(4)، فالناس كانوا عمى ديف واحد وىو (1 )الطباطبائي، الميزاف، ج 17، ص299 . (2 )الميداني، معارج التفكر، ج 12، ص279 . (3 )ابف عاشور، التحرير والتنوير، ج 24، ص67-68 . (4 )الزجاج، معاني القرآ، ج 3، ص12 .
عدد الصفحات ٦٨59 الإسلبـ، ثـ وقع الاختلبؼ بينيـ، ولولا ما تقدّـ مف الله تعالى بأنو لا يعذب أحداً إلا بعد قياـ الحجة عميو، وأنو قد أجؿ الخمؽ إلى أجؿ محدود لقضي بينيـ(1) . وتأكيد ىذا الخبر بصيغة القصر"لأنو خبر ميـ عجيب ىو مف الحِكَـ العُمرانية والحقائؽ التاريخية بالمكاف الأسمى، إذ القصر تأكيد عمى تأكيد باعتبار اشتمالو عمى صيغتي إثبات لممُثَبتْ ونفي عمّا عداه، فيو أقوى مف تأكيد رد الإنكار، ولذلؾ يُؤذِف برد إنكار شديد وحُسْف القصر ىنا وقوعو عقب الجداؿ مع الذيف غيروا الديف الحؽ ورَوَّجوا نحمتيـ بالمعاذير الباطمة"(2)،(ولولا كممة سبقت مف ربؾ ) وعيد وسببو اختلبفيـ عمّا ىو الأصؿ في خمقيـ(3)" .وىذه الكممة أجممت ىنا وأشير إلييا في سورة الشورى (14) ..وأصرح في بياف معنى (كممة) قولو في ىود (118 )ﭽﭑﭮﭯﭰﭱﭖﭗﭘ ﭙﭦﭧﭩﭪﭫﭬﭭﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭼ(4)، وآية الشورى المشار إلييا ىي قولو تعالى: ﭽﮤﮥﮦﮦﮨﮩﮪﮫﮪﮭﮮﮯﮰﮱ ﯓﯔﯕﯖﯤﯥﯢﯣﯦﯧﯝﯞﯟﯠﯡﯨﯩﯤﭼ(الشورى : 14)، وقد بيّف بعض المفسريف معنى القضاء ىنا فقالوا : لفرغ ربؾ مف الحكـ بينيـ (5)، وآخروف أنّو: قضاء فصؿ بإنزاؿ العذاب (6) .والمعنى: وما تفرّؽ الييود والنصارى(7) فصاروا أحزاباً، أحزاباً، إلا مف بعد ما جاءىـ العمـ، "والمراد بالعمـ سببو مجازاً مرسلبً، ويجوز أف يكوف التجولُّز في الإسناد، وأف يكوف الكلبـ بتقدير مضاؼ أي جاءىـ سبب العمـ، وقد يقاؿ جاء مجاز عف حصؿ، والاسػتثناء... مفرغ مف أعـ الأوقات، وجوز أف يكوف مف أعـ (1 )انظر: الطبري، جامع البياف، ج 6، ص543، ابف كثير، تفسير القرآف العظيـ، ج 2، ص441 (2 )ابف عاشور، التحرير والتنوير، ج 11، ص127 . (3 )انظر: الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 17، ص62 . (4 )ابف عاشور، التحرير والتنوير، ج 11، ص129 . (5 )انظر: ابف وىب، الواضح، ج 2، ص277، الطبري، جامع البياف، ج 13، ص16، السمرقندي، بحر العموـ، ج 3، ص193 . (6 )انظر: الرّسعفي، رموز الكنوز، ج7، ص62، الطبرسي، مجمع البياف، ج 9، ص38 . (7 )انظر: الطبري، جامع البياف، ج 13، ص17، السيوطي، الدر المنثور، ج5، ص696، الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 27ف ص158 .
عدد الصفحات ٦٩60 الأحواؿ أي ما تفػرقوا في حاؿ مف الأحواؿ إلا حاؿ مجيء العمـ (بغياً بينيـ) عداوة عمى أف البغي الظمـ والتجاوز، والعداوة سبب لو وىي الداعي لمتفرؽ "(1)، أو طمباً لمدنيػا والرياسػة (2) عمى أف البغي مصدر(بَغِيَ ) بمعنى: طمب. ولولا التأخير إلى يوـ القيامة لمعذاب لقضي بينيـ باستئصاؿ المبطميف حيف افترقوا لعظـ ما اقترفوه، وا ف الذيف أورثوا الكتاب وىـ أىؿ الكتاب في عيد محمد –صمى الله عميو وسمـ-(3) في شؾ منو"مقمؽ أو مدخؿ في الريبة، والجممة اعتراض يؤكد أف تفرقيـ ذلؾ باؽٍ في أعقابيـ منضماً إليو الشؾ في كتابيـ مع انتسابيـ إليو فيـ تفرقوا بعد العمـ الحاصؿ ليـ مف النبي المبعوث إلييـ المصدؽ لكتابيـ وتفرقوا قبمو شكاً في كتابيـ فمـ يؤمنوا بو ولـ يصدقوا حقو".(4) يلبحظ في الآية القصر لفرقة الييود والنصارى بأف كانت بعد العمـ، فخص الفرقة بأنيا كانت عف عمـ، وا علبماً لمف يقرأ القرآف أفّ السبب البغي لا غير، واللبـ في (لقضي) ىي لاـ الجواب لتأكيد الشرط الامتناعي . (5) وردت (لقضي بينيـ)في قولو تعالى:ﭽﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯤﯥ ﯢﯣﯦﯧﯝﯞﯟﯠﯡﯨﯩﯤﯥﭼ (الشورى : 21 .) والحديث ىنا عف الاختلبؼ عمى أصؿ الديانة، أمّا(أـ) ىنا فيي "منقطعة فييا معنى بؿ الإضرابية "(6)واليمزة لمتقرير والتقريع والشركاء ىـ شياطيف الجف والإنس (1) . (1 )الآلوسي، روح المعاني، ج 13، ص24، الاستثناء المفرغ : نمط مف أنماط الاستثناء، يقصد بو تفرلُّغ العامؿ لما بعد (إلاّ ). انظر: الشراري، خالد بف صالح، الاستثناء ومعالمو بيف القاعدة النحوية والواقع الاستعمالي مف خلبؿ معمّقات العرب العشر، رسالة مقدمة إلى عمادة الدراسات العميا استكمالاً لمتطمبات الحصوؿ عمى درجة الدكتوراه في المغة العربية، كمية الآداب، جامعة مؤتة، 2011ـ، ص31 . (2 )الطبري، جامع البياف، ج 13، ص16 . (3 )انظر: الزمخشري، الكشاؼ، ج 4، ص216، الطبرسي، مجمع البياف، ج 9، ص38 . (4 )الآلوسي، روح المعاني، ج 13، ص24 . (5 )حساف، البياف، ج2، ص151 . (6 )الآلوسي، روح المعاني، ج 13، ص28 .
عدد الصفحات ٧٠61 والفصؿ: "ىو الفاصؿ، أي الذي لا تردد فيو "(2)، بأف الفصؿ يكوف يوـ القيامة، وتوكيد الخبر بحرؼ التوكيد "لأف ىذا الخبر موجّو إلييـ لأنيـ يسمعوف ىذا الكلبـ ويعمموف أنيـ المقصودوف بو".(3) قد جاء في سورة طو قولو تعالى : ﭽﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮆﮇﮄﭼ(طو: 129)، ولإكماؿ الفائدة، وليكوف القَدْح في زَنْدٍ وارٍ، وفي عودٍ أَطمع مِنو في نار، أُورِد ىذه الآية، حيث أنيا الموضع الوحيد في القرآف الكريـ الذي يَرد فيو التعبير بػ (لولا كممة) دوف ذكر أي مف ألفاظ القضاء بعدىا عند التعبير عف امتناع العذاب لما قد قضاه الله مف التأخير إلى القيامة، ولكف ىذه الآية ذكرت لفظ (لزاماً )، "والمزاـ : إما مصدر لازـ وصؼ بو، وا ما فِعاؿ بمعنى مفعؿ، أي ممزـ، كأنو آلة المزوـ لفرط لزومو"(4)، ممّا قد يكوف دليلبً عمى ما سبؽ ورجَّحتو الباحثة مف تقييد معنى القضاء بالمزوـ(5)، فقد عبّر تعالى بقرينة القضاء ىنا. وردت (قضي بينيـ) أيضاً في قولو تعالى: ﭽﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱ ﭺﭻﭼﭽﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼ(ىود: 110)، وىي تبيِّف أف الكفّار في تكذيبيـ لكتاب محمد –صمى الله عميو وسمـ- ىـ عمى ىذه السيرة الفاسدة مع الأنبياء وضرب لذلؾ مثلبً وىو اختلبفيـ في التوراة، ما بيف قبوؿ لو وا نكار(6)، ثـ تُذكر جممة الكناية(7) ذاتيا(ولولا ... بينيـ) وقد اختمؼ المفسروف في تحديد المقصوديف مف ذلؾ، وقد ذىب أبو حياف الأندلسي إلى أف المقصود: قوـ موسى –عميو السلبـ-(8) وجوَّز عَوْد (1 )انظر: الزمخشري، الكشاؼ، ج 4، ص218، الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 27، ص163 . (2 )ابف عاشور، التحرير والتنوير، ج 25، ص77 . (3 )ابف عاشور، التحرير والتنوير، ج 25، ص77 . (4 )الزمخشري، الكشاؼ، ج 3، ص96 . (5 )انظر: ص 23 . (6 )انظر: الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 18، ص68-69 . (7 )سبؽ بياف معنى الكناية، انظر: ص40 . (8 )انظر: أبو حياف الأندلسي، البحر المحيط، ج5، ص266 .
عدد الصفحات ٧١62 الضمير عمى كلب القوميف: ابف كثير والشػوكاني(1)، وصرّح الإماـ الطبرسي فقاؿ: "بيف المؤمنيف والكافريف "(2)، وذىب الإماـ أبو السعود إلى أنيـ: قوـ محمد –صمى الله عميو عميو وسمـ- وتبعو عمى ذلؾ الآلوسي(3)، والذي أميؿ إليو عَوْد الضمير عمى قوـ موسى –عميو السلبـ- كما ذىب إلى ذلؾ أبو حياف الأندلسي، وسبب ذلؾ أفّ تركيب (قضي بينيـ) في جميع مواقعو في القرآف الكريـ كانت دلالتو واضحة عمى المقصود منو إمّا ضمف سياؽ الآية التي ورد فييا، أو في سياؽ الآيات قبميا، ولأف عَودُ الضمير في (وا نيـ) إلى أقرب المذكوريف أوجو لغةً أمّا عف التحذير مف الاختلبؼ ىنا فيقوؿ ابف عاشور: "وحكمة ذلؾ ىي أف الفصؿ والاىتداء إلى الحؽ مصمحة لمناس ومنفعة ليـ لا لله... ومتعمؽ القضاء محذوؼ لظيوره "(4) .وعف الفاء في(فاختمفوا) يقوؿ أبو زىرة : "والفاء في قولو "فاختمؼ فيو" لمعطؼ والترتيب مف غير تراخ، وكأنو ترتب عمى إيتاء الله تعالى موسى الكتاب الاختلبؼ، وىذا يدؿ عمى أف الاختلبؼ ليس ناشئاً مف ذلؾ الكتاب، بؿ ىو ناشئ مف فساد نفوسيـ"(5)،"ولمّا كاف الاختلبؼ قد يكوف بغير الكفر بيف أنو بو، فقاؿ مؤكداً "وا نيـ لفي شؾ" أي عظيـ محيط بيـ"(6)، أي أي (منو) مف القرآف الكريـ . (7) أمّا في سورة فصمت يقوؿ تعالى:ﭽﯹﯺﯻﮈﮉﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄ ﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﭼ(فصمت: 45)، وىي مطابقة نصّاً للآية السابقة في (سورة ىود : 110) وىي"كلبـ مستأنؼ مسوؽ لبياف أف الاختلبؼ في شأف الكتب (1 )انظر: ابف كثير، تفسير القرآف العظيـ، ج 2، ص605، الشوكاني، فتح القدير، ج2، ص529 . (2 )الطبرسي، مجمع البياف، ج 5، ص303 . (3 )انظر: أبا السعود، إرشاد العقؿ السميـ، ج 3، ص355، الآلوسي، روح المعاني، ج 6، ص342 . (4 )ابف عاشور، التحرير والتنوير، ج 12، ص171 . (5 )أبو زىرة، زىرة التفاسير، ج 7، ص3759 . (6 )البقاعي، نظـ الدرر، ج3، ص583 . (7 )الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 18، ص69 .
عدد الصفحات ٧٢63 عادة قديمة للؤمـ غير مختص بقومؾ"(1)، وقولو: ﭽﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﭼ وفي ﭽﭑﭮﭯﭼ بزيادة قولو : (إلى أجؿ مسمّى) وزاد فييا أيضاً : (بغياً بينيـ)؛ لأف المعنى: تفرؽ قوؿ الييود في التوراة، وتفرؽ قوؿ الكافريف في القرآف، ولولا كممة سبقت مف ربؾ بتأخير العذاب إلى يوـ الجزاء، لقضي بينيـ بزيادة قولو تعالى : (إلى أجؿ مسمى) لأنو ذكر البداية في أوؿ الآية وىو ﭽﮤﮥﮦﮦﮨﮩﮪﮫﭼ وىو مبدأ الكفر، فحسف ذكر النياية التي أميموا إلييا؛ ليكوف محدوداً مف الطرفيف"(2)،"ولفت القوؿ إلى صفة الإحساف ترضيو بالقدر وتسمية، وزاد ذلؾ بإفراده بالإضافة فقاؿ : "مف ربؾ " أي المحسف إليؾ بتوفيؽ الصالح لاتباعؾ وخذلاف الصالح بالوأد عنؾ لإراحتؾ منو"(3) .ولابف عاشور في معنى "لولا كممة ... لقضي بينيـ"، في جميع الآيات التي وردت فييا رأيت أنو مف الأفضؿ ذكره ىنا لحصوؿ الفائدة وكما قالت العرب : قد أَسْدَيت فألحـ، وأسرجت فألجـ، ونَصلُّ قولو في (الشورى : 14)" :والمراد بالكممة ما أراده الله مف إمياليـ وتأخير مؤاخذتيـ إلى أجؿ ليـ اقتضتو حكمتو في نظاـ ىذه العالـ"(4) . العالـ"(4) .وعند تفسيره لػ (فصمت: 45) قاؿ: "أف الله أخر القضاء بينيـ وبيف المؤمنيف المؤمنيف إلى أجؿ اقتضتو حكمتو، فأمّا قوـ موسى فقد قضى بينيـ باستئصاؿ قوـ فرعوف، وبتمثيؿ الأشورييف بالييود بعد موسى، وبخراب بيت المقدس، وزواؿ ممؾ إسرائيؿ آخراً ... والكممة ىي كممة الإمياؿ إلى يوـ القيامة بالنسبة لبعض المكذبيف، والإمياؿ إلى يوـ بدر بالنسبة لمف صرعوا ببدر "(5)، ولا أميؿ إلى ىذا لأسباب : 1-جميور المفسريف عمى أف المعنى قد أخر الله عذابيـ إلى يوـ القيامة . (6) (1 )الآلوسي، روح المعاني، ج 12، ص382 . (2 )الفيروز آبادي، بصائر التمييز، ج1، ص4150-416، والآية المشار إلييا ىي: (الشورى : 14 .) (3) البقاعي، نظـ الدرر، ج6، ص583. (4 )ابف عاشور، التحرير والتنوير، ج 25، ص57 . (5 )ابف عاشور، التحرير والتنوير، ج 24، ص318 . (6 )انظر: الطبري، جامع البياف، ج 12، ص129، الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 27، ص134، ابف كثير، تفسير القرآف العظيـ، ج 4، ص124 .
عدد الصفحات ٧٣64 2-ىذا الكلبـ يخالؼ رواية السدي: أخروا إلى يوـ القيامة. (1) 3-في المواضع الأربعة التي ذكرت فييا (قضي بينيـ) دوف (لولا ) (2) كاف الحديث فييا عف أحواؿ لمقيامة، ومف باب أولى أف تكوف مع لولا مرتبطة بيوـ القيامة حيث أنيا حرؼ امتناع لوجود . أمّا عف ذكر نصِّ ىذه الآية مرّة في سورة ىود، وأخرى في فصِّمت فقد "أخبر الله عز وجؿ بالسبب الذي مف أجمو كرر الأقاصيص والأخبار في القرآف فقاؿ سبحانو: ﭽﭮﭯﭰﭱﭖﭗﭼ (القصص: 28/51) وقاؿ تعالى: ﭽﰇﰈﰉ ﰊﰋﰌﰍﰊﰏﰐﭼ (طو: 20/113.")( 3) يُلبحظ عند دراسة دلالة التركيب(قضي بينيـ) في القرآف الكريـ أنو : 1-جاء مشيراً إلى قضاء الله تعالى يوـ القيامة بيف عموـ الناس في آيات(4)، وأشار بو بو –سبحانو- إلى قضائو بيف الييود والنصارى (5)، وجاء مشيراً تارةً ثالثة إلى قضائو تعالى بيف الييود خاصّة(6)، وأخرى بيف كفار العرب . (7) 2-جميع السور التي ورد فييا ىي سور مكيّة. قد يؤخذ ممّا سبؽ أنو –جؿ وعلب- أشار بػ (قُضي الأمر) إلى استغراؽ قضائو الفاصؿ العادؿ لجميع الخلبئؽ، وخصّ الييود والنصارى وكفار العرب بالذكر ترغيباً ليـ في الإيماف، وأمّا ذكر (قُضي بينيـ) في المكِّي فقط فلؤف السور المكية قد شَنّت "حممة شَعْواء عمى الشرؾ والوثنية، وعمى الشبيات التي تذرّع بيا أىؿ مكة للئصرار (1 )الطبري، جامع البياف، ج 12، ص130 . (2 )(يونس: 47)،(يونس: 54)،(الزمر : 69)،(الزمر : 75 .) (3 )الخطابي، أبو سميماف حمد بف محمد،(ت388ىػ)، بياف إعجاز القرآف، مف كتاب (ثلبث رسائؿ في إعجاز القرآف البياني )، تحقيؽ: محمد خمؼ الله ومحمد زغموؿ، دار المعارؼ، مصر، 1986ـ، ط2، ص53 . (4 )انظر: يونس: 19)،(يونس: 47)،(يونس: 54)،(الزمر : 69)،(الزمر : 75 .) (5 )انظر: (الشورى : 14 .) (6 )انظر: (ىود: 110)،(فصمت: 45 .) (7 )انظر: (الشورى : 21 .)
عدد الصفحات ٧٤65 عمى الشرؾ "(1)، وأمّا إيثار(بينيـ) عمى غيره، فلؤف المشركيف كذبوا بمحمد –صمى الله عميو وسمـ- مع عمميـ بأنو: "الصادؽ الأميف، وتفنّنوا في أساليب إنكار دعوتو عوضاً عف أساليب الخلبص منو. أمّا الييود والنصارى فقد انكروه مع عمميـ بصدقو، حيث جاء عمى صفتو في كتبيـ، فآثروا تحريؼ الكتب عمى الإيماف معو –عميو الصلبة والسلبـ- فناسب ذلؾ الدلالة بتعبير يُفيـ منو استغراؽ المقاضاة لكؿ أحد وفقاً لحجـ جُرمو، مع الإشارة إلى سيولة ذلؾ عميو تعالى فقاؿ: (قُضي الأمر)، وقد ورد ىذا التعبير مع ذِكر اختلبؼ الييود في التوراة مرّتيف في القرآف الكريـ، وكاف نصلُّ الآيتيف متطابؽ، وقد يكوف ذلؾ لمدلالة عمى خطورة ىذه الفئة، وعظيـ عداوتيا للئسلبـ والمسمميف. ومف مشتقات القضاء الواردة في القرآف الكريـ في سياؽ الحديث عف أحواؿ القيامة كممة (مقضياً ) وىي في قولو تعالى: ﭽﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮖﮗ ﮘﮙﭼ (مريـ : 71)، والآية"إلتفات... لإظيار مزيد الاعتناء بمضموف الكلبـ "(2)، والخطاب فييا لكؿ مؤمف وكافر(3)، أمّا الورود في الآية فالجميور أنو: المرور عمى الصراط (4)، والذي أميؿ إليو أنو: الدخوؿ(5)، وذلؾ لأسباب: الأوؿ: "أنو تعالى لمّا خاطب جميع الناس بأنيـ سيردوف النار، قاؿ: (وا ف منكـ إلا واردىا ...)، ثـ قاؿ:ﭽﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﭨﭼ(مريـ : 72)، أي: نترؾ، ولو لـ يدخموىا لـ يقؿ: (ونذر)(6) . (1 )الزرقاني، مناىؿ العرفاف، ج 1، ص195 . (2 )الآلوسي، روح المعاني، ج 8، ص438 . (3) الطبري، جامع البياف، ج 6، ص364. (4 )انظر: الطبري، جامع البياف، ج 6، ص367، النيسابوري، إيجاز البياف، ج 2، ص541، ابف كثير، تفسير القرآف العظيـ، ج 3، ص164 . (5 )انظر: الثعمبي، الكشؼ والبياف، ج 4، ص188، البقاعي، نظـ الدرر، ج4، ص552، الآلوسي، روح المعاني، ج 8، ص198 . (6 )انظر: الشنقيطي، أضواء البياف، ج 4، ص350 .
عدد الصفحات ٧٥66 الثاني: قولو –صمى الله عميو وسمـ- لأـ المؤمنيف، حفصة-رضي الله عنيا -: "لا يدخؿ النار، إف شاء الله، مف أصحاب الشجرة، أحد الذيف بايعوا تحتيا، قالت : بمى، يارسوؿ الله ! فانتيرىا . فقالت حفصة: "وا ف منكـ إلا واردىا"، فقاؿ النبي –صمى الله عميو وسمـ- قد قاؿ الله عز وجؿ: (ثـ ننجي الذيف اتقوا ونذر الظالميف فييا جثياً ) (1) . والحديث صريح بكممة (لا يدخؿ)، ثـ إف إنكار الرسوؿ –صمى الله عميو وسمـ- عمييا واضح أنو ليس عمى فيميا حقيقة الدخوؿ، وا نما عمى النتيجة بعد ذلؾ الدخوؿ. الثالث: قاؿ رسوؿ الله –صمى الله عميو وسمـ-: "لا يموت لأحد مف المسمميف، ثلبثة مف الولد، تمسو النار إلا تحمة القسـ"(2)، والتعبير بتحمة القسـ"عف القمة الشديدة، وا ف لـ يكف ىناؾ قسـ أصلبً "(3)، وضمير(كاف) لمورود أو لمجممة السابقة باعتبار أنو حكـ(4)" .ولمّا كاف لابد مف إيقاعو، أكده غاية التأكيد فأتى بأداة الوجوب فقاؿ: "عمى ربؾ " الموجد لؾ المحسف إليؾ، بإنجاء أمتؾ لأجمؾ... فما مف مؤمف -إلا الأنبياء- إلا وقد تمطخ بخمؽ سوء ولا يناؿ السعادة الحقيقية إلا بعد تنقيتو، وتخميصو مف ذلؾ إنما يكوف بالنار"(5)، والحتـ: إحكاـ الأمر، وحتمتُ : أوجبتُ، والحاتـ: الأسود مف كؿ شيء(6) فكأنو تعالى يقوؿ: بالرغـ مف كراىة النفس ليذا الأمر الذي أكِّد بكممة (الحتـ) (الحتـ) الدالّة عمى الوجوب والسواد في الأمر، فإنّو لابد منو لتماـ عدلو تعالى، وحتى لا يفيـ منيا الوجوب عمى الله تعالى جيء بعدىا بفصؿ كممة (مقضياً ) أي: ىو واجب (1 )النيسابوري، مسمـ بف الحجاج القشيري، 261ىػ، صحيح مسمـ، تحقيؽ: محمد فؤاد عبد الباقي، كتاب: فضائؿ الصحابة-رضي الله عنيـ -، باب: مف فضائؿ اصحاب الشجرة، أىؿ بيعة الرضواف –رضي الله عنيـ -، رقـ الحديث : 2496،(د.ت)، (د.ط). (2 )البخاري، الجامع الصحيح، كتاب : الإيماف والنذور، باب قولو تعالى : (وأقسموا بالله جيد أيمانيـ)(الأنعاـ: 109) وغيرىا، رقـ الحديث : 6656 . (3 )الشنقيطي، أضواء البياف، ج 4، ص354 . (4 )الطباطبائي، الميزاف، ج 14، ص91 . (5 )البقاعي، نظـ الدرر، ج4، ص552 . (6 )انظر: ابف منظور، لساف العرب، حتـ، ج 12، ص132 .
عدد الصفحات ٧٦67 فقط لأف الله قد قضاه في سابؽ عممو،"إذ لا يجب عمى الله شيء عند أىؿ السنة والجماعة".(1) القصر في الآية"للؤمر ينكره المخاطب ويشؾ فيو "(2)،(إلا واردىا ) استعارة تمثيمية(3) لمدخوؿ في النار. أمّا دخوؿ المؤمنيف فييا فيكوف "مف غير خوؼ ولا ضرر، بؿ مع الغبطة والسرور، لقولو تعالى: (لا يحزنيـ الفزع الأكبر ) ولأف إيصاؿ الغـ والحزف يكوف في دار التكميؼ لا دار الجزاء لممؤمنيف ".(4) يذكر القرآف الكريـ لفظ (مقضياً ) مرَّة أخرى في قولو تعالى:ﭽﮩﮪ ﮫﮪﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯤﯥﯢﯣﭼ(مريـ :21)، وقد سبؽ بيانو في موضعو. (5) يُلبحظ أفّ(مَقْضيا) وىي اسـ المفعوؿ مف (قضى) قد وردت في القرآف الكريـ مرّتيف وكلبىما في سورة مريـ وىي سورة مكية، كانت الإشارة بالأوؿ إلى الحمؿ بعيسى-عميو السلبـ- وفؽ ىذه الكيفية. أمّا الثاني فيو إشارة إلى قضائو تعالى بورود النار لجميع الخلبئؽ، وعميو يتضح أفّ الإشارة بيذا المفظ مرّة كانت لأمر دنيوي وأخرى لأمر أخروي، فكأف المعنى في الخطاب المكِّي ىنا ترسيخ ىذا الجذر الاعتقادي العائد لمقضاء والقدر، وىو ركف عظيـ مف أركاف الإيماف التي يقوـ عمييا البناء الإسلبمي العقائدي، ودؿَّ اسـ المفعوؿ عمى أنّو وا ف كاف المشار إليو لـ يحدث حالاً وا نّما لتماـ اليقيف بمزوـ كونو صار كأنّو قد حصؿ. (1 )الآلوسي، روح المعاني، ج 8، ص438 . (2 )الجرجاني، دلائؿ الإعجاز، ص 329 . (3 )الاستعارة التمثيمية : ىي تركيب يكوف فيو كؿ مف المشبو والمشبو بو ىيأة منتزعة مف متعدد... مبالغة في التشبيو. انظر: الياشمي، أحمد، جواىر البلبغة في المعاني والبديع والبياف، دار الفكر، بيروت، 1978ـ، ط12، ص333 . (4 )بتصرؼ : الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 21، ص243، والآية المقصودة ىي: (الأنبياء: 103 .) (5 )انظر: ص31 .
عدد الصفحات ٧٧68 9-ثـ إنو مف المواضع التي تحدث فييا القرآف الكريـ عف أحواؿ القيامة مقرونة بأحد اشتقاقات القضاء ىي قولو تعالى: ﭽﮦﮦﮨﮩﮪﮫﮪﮭﮮﮯﮰﮱ ﯓﯔﯕﯖﯤﯥﯢﭼ(فاطر: 36)، وقد فسَّر أكثر العمماء(يقضى) ىنا بمعنى: (يحكـ). (1) وترى الباحثة أف ورود لفظ (يُقضى) ىنا لأنو لمّا كانت طبيعة النّار إىلبؾ مف دخميا بسرعة، بيّف أف حاليا عمى غير ذلؾ زيادة في نكاليـ وسوء مآليـ(2)، فحكمتو تعالى اقتضت ىنا أف قطع عف النار ىذه الصِّفة بإلزامو ليا تعالى بذلؾ، ولذلؾ جيء بالفعؿ المضارع لإفادة التجدد والحدوث، بمعنى : أف ىذا الحكـ عمييـ حاصؿ مف وقت دخوليـ فييا إلى ما شاء الله مف عذابيـ. وقد يكوف السبب في إيراده ىنا أنّو مف حيث المعنى المغوي فإف (قضى عميو) بمعنى: قتمو(3)، وبالقتؿ يكوف قد قُطِع تعمّقو بالحياة في ساعتو ووقتو الَّذاف قضاىما عميو تعالى في سابؽ عممو. وترى الباحثة أف الأوؿ ىو الأولى، لأنّو في حاؿ المعنى الثاني فإنّو لا مبرِّر لذكر كممة (فيموتوا) بعده، أمّا عف صيغة المبني لممجيوؿ فتفيد أف لا ينشغؿ أحد بالفاعؿ عف عظـ الفعؿ، ورىبتو ومنتيى القدرة فيو . سبؽ أف ذكر تعالى ىذه الصيغة مف المبني لممجيوؿ في قولو –جؿّ وعلب-: ﭽ ﭑﭮﭯﭰﭱﭖﭗﭘﭙﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭼ(الأنعاـ: 60)، وىي إخبار منو تعالى أنو يتوفّى عباده في مناميـ بالميؿ، وىو الموت الأصغر ثـ يشير إلى الوفاة الكبرى، مع إخباره بعممو بما كسبوا مف الأعماؿ بالنيار (4)، بجممة (1 )انظر: الجيلبني، تفسير الجيلبني، ج4، ص469، الشربيني، السراج المنير، ج 6، ص82، أبا السعود، إرشاد العقؿ السميـ، ج 5، ص284، البروسوي، روح البياف، ج 7، ص353 . (2) انظر: البقاعي، نظـ الدرر، ج6، ص229 . (3 )البغوي، معالـ التنزيؿ، ج 3، ص439 . (4 )انظر: الطبري، جامع البياف، ج 5، ص213، ابف كثير، تفسير القرآف العظيـ، ج 2، ص189، أبا حياف الأندلسي، البحر المحيط، ج4، ص151، السيوطي، الدر المنثور، ج3، ص30 .
عدد الصفحات ٧٨69 معترضة "دلّت عمى إحاطة عممو تعالى بخمقو في ليميـ ونيارىـ، في حاؿ سكونيـ وفي حاؿ حركتيـ "(1)، ثـ يجازي تعالى العباد بأعماليـ التي داوموا عمى عمميا في الدنيا. والواضح جداً في الآية احتوائيا عمى استعارة تبعية(2) حيث استعير التوفِّي مف الموت لمنوـ لما بينيما مف المشاركة في رواح إحساس الحواس الظاىرة والتمييز "قيؿ: والباطنة أيضاً وأصؿ التوفي: قبض الشيء بتمامو... وسياؽ الآية لمتيديد والتوبيخ وليذا أوثر (يتوفّاكـ) عمى ينيمكـ، ونحوه (جرحتـ ) عمى كسبتـ إدخالاً لممخاطبيف... في جنس جوارح الطير والسباع ... والبعث في الموتى أقوى لأف عدـ الإحساس منو أكثر فإزالتو أشد ... وتوسيط (ويعمـ... لبياف ما في بعثيـ مف عظيـ الإحساف إلييـ بالتنبيو عمى أف ما يكسبونو مف الإثـ مع كونو مما يستأىموف بو إبقاءىـ عمى التوفي بؿ إىلبكيـ بالمرّة"(3)، إلا أنو يحيييـ(ليقضى أجؿ مسمّى) "ليبمغ المتيقظ آخر أجمو المسمّى لو في الدنيا، وقضاء الأجؿ فصؿ الأمر عمى سبيؿ التماـ، فمعنى قضاء الأجؿ فصؿ مدّة العمر مف غيرىا بالموت"(4)، واللبـ في"ليقضى" لاـ التعميؿ لأف مف الحكـ والعمؿ التي جعؿ الله ليا نظاـ اليقظة والنوـ أف يكوف ذلؾ تجزئة لعمر الحي"(5)، وفي الفاعؿ المحذوؼ احتمالاف: إمّا ضمير الباري، أو ضمير المخاطبيف(6)، وفي حذفو ما لا يخفى مف عدـ الانشغاؿ بالفاعؿ عف الفعؿ، والتعبير بػ بػ (ثـ) في الآية لمتفاوت الزمني . "وجاء التعبير عف الحساب وفصؿ القضاء، بذكر بعض ما يجري في المحاكمة الربانية، وىو إخبار كؿ واحد مف العباد بما كاف يعمؿ (1 )ابف كثير، تفسير القرآف العظيـ، ج 2، ص189، والمقصود، قولو تعالى: ﭽﭑﭮﭯﭰﭱ ﭖﭗﭘﭙﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭼ(الأنعاـ: 60 .) (2 )الاستعارة التبعية : ىي ما يكوف المستعار فييا: فعلبً أو اسماً مشتقاً أو حرفاً . انظر: المراغي، أحمد مصطفى، عموـ البلبغة (البياف والمعاني والبديع )، دار الكتب العممية، بيروت، 2002ـ، ط4، ص274 . (3 )بتصرؼ يسير : الآلوسي، روح المعاني، ج 4، ص165-166 . (4 )البروسوي، روح البياف، ج 3، ص47 .قمت: وعمى سبيؿ الإلزاـ كذلؾ لأف لكؿ أحد أجؿ محدد لا يتغيّر أبداً . (5 )ابف عاشور، التحرير والتنوير، ج 7، ص277 . (6 )السميف الحمبي، الدر المصوف، ج3، ص81 .
عدد الصفحات ٧٩70 في رحمة امتحانو في الحياة الدنيا حياة الابتلبء، وىذا مف الكنايات التي تكررت نظائرىا في القرآف المجيد إذ يُذكر بعض عناصر الحدث، أو بعض أجزائو، ليدؿ عمى سائر العناصر أو الأجزاء "(1)، وعميو فإنو"مف عناصر إعجاز القرآف الحذؼ مف منطوؽ المفظ، والطيّ في المثاني، مع الدلالة عمى المطوي فييا بإشارات لفظية، أو لوازـ فكرية، أو دلالات نصوص أخرى موزعات في القرآف ... (ليقضى أجؿ مسمى) عنده، ثـ يميتكـ وتعود أجسادكـ تراباً، ثـ يبعثكـ مف موتكـ بعد مدة البرزخ (ثـ إليو مرجعكـ ) لتلبقوا حسابكـ...". (2) أقوؿ: في ورود (ليقضى) في الآية دوف غيره مف الألفاظ كػ : يُتَـْ، يُنْيَى... الخ إضافة أخرى لمعنى ىذه الألفاظ بطريؽ الطيّ والإيجاز فيو يضيؼ إلى ىذه المعاني معنى آخر وىو أف لكؿ فرد مف الأفراد عُمُر قد قضاه تعالى وألزميـ بو دوف اختيار منيـ. ورد لفظ (يُقضَى) في قولو تعالى: ﭽﭑﭮﭯﭰﭱﭖﭗﭘﭙﭦﭧﭨﭩ ﭪﭫﭬﭭﭢﭣﭼ(طو: 114)، وقد اختمؼ أىؿ التفسير بالمراد مف (يقضى إليؾ وحيو) في الآية عمى معافٍ : 1-كاف النبي–صمى الله عميو وسمـ- يبادر جبريؿ فيقرأه قبؿ أف يفرغ جبريؿ مف الوحي حرصاً منو عمى ما كاف ينزؿ عميو فنياه الله عف ذلؾ. (3) 2-لا تعجؿ بو فتقرأه عمى أصحابؾ قبؿ أف يوحى إليؾ بيانو . (4) 3-ىما معاً(5)، وىو ما أميؿ إليو لأسباب: (1 )الميداني، معارج التفكر، ج 11، ص268 . (2 )الميداني، معارج التفكر، ج 11، ص503-504 . (3 )انظر: السمرقندي، بحر العموـ، ج 2، ص356، ىذا يعضده ما جاء في صحيح البخاري أف "الخطاب لمنبي صمى الله عميو وسمـ أي: لا تحرؾ بالقرآف لسانؾ لتعجؿ بو، وذلؾ أف رسوؿ الله –صمى الله عميو وسمـ- كاف لا يفتر عف قراءة القرآنمخافة أف لا ينساه ... فأنزؿ الله: ﭽﯸﯹﯺﯻﮈﮉﭼ، ج19، ص385 . (4 )انظر: الطبري، جامع البياف، ج 8، ص464، الزمخشري، الكشاؼ، ج 3، ص90 . (5 )ذكره : الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 22، ص122، أبو حياف الأندلسي، البحر المحيط، ج6، ص261، ابف عاشور، التحرير والتنوير، ج 16، ص317 .
عدد الصفحات ٨٠71 الأوؿ: أف مف الروايات ما قد أثبتت المعنى الأوؿ(1)، وأخرى أثبتت المعنى الثاني (2)، وعددىا متقاربٌ جداً والجمع بينيا أرجح حيث أنّني لـ أجد أحداً مف المفسريف ينفي ىذا المعنى، أو يضعِّفو ولأف الجمع بيف الروايات أفضؿ. الثاني: أنو قد سبؽ أف نزؿ عمى رسوؿ الله –صمى الله عميو وسمـ- التعميـ بأف لا يحرؾ بالقرآف لسانو ليعجؿ بو في سورة القيامة (3)، وبعدىا مباشرة يقوؿ تعالى : ﭽﰉ ﰊﰋﰌﭼ(القيامة: 19)، فالجمع بيف عدـ الاستعجاؿ بتلبوتو، وانتظار بيانو أفضؿ. أمّا عف وجو الإلزاـ الذي يؤخذ مف ذكر القضاء ىنا دوف لفظ آخر ىو أنو ما داـ المعنى: مف قبؿ أف يُنيى إليؾ يا محمد تماـ القراءة، أو تماـ البياف، فإف ىذاف الأمراف لا يُمْكف تحصيميما إلا بالوحي، والنبي –صمى الله عميو وسمـ- ممزـ بنقمو وتبميغو كما ىو، ولأنو مَحْضُ إنفاذ لوحي قد قضى تعالى أف يُوْحَى إليؾ بو في سابؽ عممو. أمّا صيغة المبني لممجيوؿ فإف فييا ما لا يخفى مف عدـ الانشغاؿ بالفاعؿ عف الفعؿ. أمّا قراءة (نَقْضِيَ إليؾ وحيَو )(4)، فيي لإظيار الكبرياء عمى ما يفعمو الأعاظـ في الإخبار عف وقوع أحكاميـ وصدور أوامرىـ، وقد يكوف أنّو بعد أف ذكر في الآية السابقة ليذه الآية في سورة طو قولو : ﭽﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍ ﰊﰏﰐﭼ(طو: 113)، فممّا عظّـ أمر القرآف أرْدَفو بأف عظّـ نفسو، فقاؿ: (فتعالى الله الممؾ الحؽ)، "وا نما وصفو بالحؽ لأف ممكو لا يزوؿ ولا يتغير وليس بمستفاد مف (1 )انظر: الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 22، ص122، السيوطي، الدر المنثور، ج4، ص553 . (2 )انظر: الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 22، ص122، السيوطي، الدر المنثور، ج4، ص553 . (3 )قولو تعالى: ﭽﯸﯹﯺﯻﮈﮉﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﭼ (القيامة: 16-18 .) (4 )ابف الجزري، النشر في القراءات العشر، ج 2، ص331 .
عدد الصفحات ٨١