المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

القضاء والحكم في القرآن الكريم دراسة دلالية

دانا سالم البريكات

صفحة ٤ من ١٢

40 (وقضي الأمر) وضع تعالى الماضي فوضع المستقبؿ، وىذا كثير في القرآف الكريـ، والسبب في اختيار ىذا المجاز أمراف (4) : أحدىما: التنبيو عمى قرب أمر الآخرة فكأف الساعة قد أتت ووقع ما يريد الله إيقاعو . الثاني: المبالغة في تأكيد أنو لابد مف وقوعو لتجزى كؿ نفس بما تسعى، فصار بحصوؿ القطع والجزـ بوقوعو كأنو قد وقع وحصؿ ىذا باعتبار أنيا معطوفة عمى (يأتييـ) (5)، وقد تكوف جممة مستأنفة جيء بيا لمدلالة عمى أف مضمونيا واقع محالة. (6) أمّا التعبير بصيغة البناء لممجيوؿ، فيدؿ عمى أف أحواؿ القيامة توجد دفعة مف غير توقّؼ(7)، ولإظيار الكبرياء عمى ما يفعمو الأعاظـ في الإخبار عف وقوع أحكاميـ وصدور أوامرىـ (8)، ولعدـ الإنشغاؿ بالفاعؿ عف عظمة الفعؿ وخصوصاً أنو لا يفعمو غيره تعالى . في تفسير القرآف المشتمؿ عمى عجائب بدائع المكوّنات، ضبطو: محمد عبد السلبـ شاىيف، دار الكتب العممية، بيروت، 2004ـ، ط1، مجمد1، ج1، ص222 . (1 )الحداد، كشؼ التنزيؿ، ج 1، ص304 . (2 )انظر: الأزدي السممي، أبا عبد الرحمف محمد بف الحسيف، (ت412ىػ)، حقائؽ التفسير، تحقيؽ: سيد عمراف، دار الكتب العممية، بيروت، 2001ـ، ط1، ج1، ص72 . (3 )انظر: الثعمبي، أبا إسحؽ أحمد بف محمد، (ت427ىػ)، الكشؼ والبياف في تفسير القرآف، تحقيؽ: سيد كسروي حسف، دار الكتب العممية، بيروت، 2004ـ، ط1، ج1، ص134 . سبقت الإشارة إلى سبب ىذا الخلبؼ في تفسير القضاء . انظر: ص17 . (4 )انظر: الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 5، ص217 . (5 )انظر: السميف الحمبي، الدر المصوف، ج1، ص513، وأبو حياف الأندلسي، البحر المحيط، ج2، ص134، والشوكاني، فتح القدير، ج1، ص211 . (6 )انظر: السميف الحمبي، الدر المصوف، ج1، ص513، الشوكاني، فتح القدير، ج1، ص211 . (7 )انظر: الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 5، ص217 . (8 )انظر: طبطبائي، السيد محمد حسيف، الميزاف في تفسير القرآف، مؤسسة الأعممي، بيروت، 1997، ط1، ج2، ص107 .

عدد الصفحات ٥٠

41 (وا لى الله ترجع الأمور)، "تذييؿ جامع لمعنى: (وقضي الأمر) والرجوع في الأصؿ: المآب إلى الموضع الذي خرج منو الراجع، ويستعمؿ مجازاً في نياية الشيء وغايتو وظيور أثره "(1)، وفي قولو تعالى: (وقضي الأمر وا لى الله ترجع الأمور) قسماف مف أقساـ عمـ البياف(2) : أحدىما: الإيجاز في قولو (وقضي الأمر) فإف في ىاتيف الكممتيف يندرج في ضمنيا جميع أحواؿ العباد منذ خمقوا إلى يوـ التناد، ومف ىذا اليوـ إلى الفصؿ بيف العباد. الثاني: الاختصاص بقولو (وا لى الله) فاختص بذلؾ اليوـ لانفراده فيو بالتصرؼ والحكـ والممؾ. والظلُّمؿ ىنا ىي: "جمع ظُمَّة، وىي ما أظمؾ الله بو، (والغَماـ) لا يكوف كذلؾ إلا إذا كاف مجتمعاً متراكماً، فالظمؿ مف الغماـ عبارة عف قطع متفرقة كؿ قطعة منيا تكوف في غاية الكثافة والعظـ"(3)، وأمّا عف سبب إيراد القضاء ىنا فإنو تعالى بالفصؿ بيف الخلبئؽ يوـ القيامة، ودخوؿ كؿ فريؽ إلى جنة أو نار، يكوف قد تبيّف القطع بما قدّره في الأزؿ بحصولو حقيقة وا لزامو لكؿ فرد بما قُدِّر لو، وقد "انتيؾ ستر الغيب عف صريح التقدير "(4) .فلب شفاعة ولا حتى ولاية تمغي حكمو تعالى، فظير بذلؾ قوة الإيجاز بإيراده تعالى ىذا المفظ دوف غيره . وقد جػاء تركيب (قُضِي الأمػر ) فػي القػرآف الكريـ سػبع مرّات: ثلبث منيا، كاف الحديػث فييػا عف أحواؿ القيامػة، وقػد كػاف السػابؽ أوّليػا، أمّػا الثاني: 2-قولو تعالى: ﭽﮌ‌‌ﮍ‌‌‌ﮀ‌‌ﮁ‌‌ﮂ‌‌ﮃ‌‌ﮄ‌‌ﮅ‌‌ﮆ‌‌ﮇ‌‌‌‌‌ﮖ‌‌‌ﮗﮘ‌‌ﮙ‌‌ﮚ‌‌‌‌‌‌‌‌‌ﮛ‌‌ﮜ‌‌ﮝ‌‌ ﮞ‌‌ﮟ‌‌‌‌ﮠ‌‌ﮡ‌‌‌ﭨ‌‌ﭩﮤ‌‌ﮥ‌‌ﮦ‌ﮦ‌‌ﮨﮩ‌‌ﮪ‌‌ﮫ‌‌‌ﮪ‌‌ﮭ‌‌ﮮ‌‌ﮯﮰ‌‌ﮱ‌‌‌‌ﯓ‌‌ﯔ‌ﯕ‌‌ﯖ‌‌ﯤﯥ‌‌ﯢ‌‌ﯣ‌‌ﯦ‌‌ ﯧ‌‌ﯝﭼ‌ (إبراىيـ : 22)، فبعػد المناظػرة التي وقعػت بيػف الرؤساء والاتبػاع مف كفرة الإنػس، أردفيػا تعالى بالمناظرة التي وقعت بيف الشيطاف وبيف أتباعػو مف (1 )ابف عاشور، التحرير والتنوير، ج 2، ص287 . (2 )انظر: أبا حياف الأندلسي، البحر المحيط، ج2، ص135 . (3 )الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 5، ص216 . (4 )القشيري، عبد الكريـ بف ىوازف، (ت 465ىػ)، تفسير القشيري المسمّى لطائؼ الإشارات، تعميؽ عبد المطيؼ حسف، دار الكتب العممية، بيروت، 2000ـ، ط1، ج1، ص101 .

عدد الصفحات ٥١

42 الإنػس(1)، ومعنى الآيػة أف إبميػس يقوؿ بعد استقرار كؿ فريػؽ في قراره :مػا كػاف لػي فيمػا وعدتكػـ مػف النصرة مف حجة تَثْبت لي عميكـ بصدؽ قولي، ما أنا بمغيثكـ، وما أنتـ بمغيثي مف عذاب الله فمنجَّى منو، إني جحدت أف أكوف شريكاً لله فيما أشركتموني فيو مف عبادتكـ مف قبؿ في الدنيا، والمعنى إشراكيـ إيّاه مع الله في الطاعة والمراد بالشيطاف إبميس(2)، وجميور المفسريف أف (قضي) ىنا بمعنى: أحكـ وفرغ مف الحساب(3)، واكتفى آخروف بمعنى: حكـ(4)، وأضاؼ الزمخشري لمعنى الفراغ معنى القطع(5)، واكتفى ابف عاشور بمعنى: تمَّـَ، وعمَّؽَ أف معنى إتمامو: ظيوره (6)، والخلبؼ يعود لتضملُّف(قضي) معافٍ عدّة سبقت الإشارة إلييا .(7) ذكر صاحب المحرر الوجيز ما نصلُّو: "وقضى" قد يعبر عنيا في الأمور عف فعؿ كقولو تعالى: ﭽﯲ‌‌ﯳ‌‌ﯴ‌‌ﯵ‌‌ﯶﭼ (ىود: 44)، وقد يعبر بيا عف عزـ عمى أف (1 )الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 19، ص109 .والمناظرة بيف الرؤساء والاتباع وردت في قولو تعالى: ﭽ‌ﭧ‌‌ﭨ‌‌ﭩ‌‌ﭪ‌‌ﭫ‌‌ﭬ‌‌‌ﭭ‌‌‌ﭮ‌‌‌‌ﭯ‌‌ﭰ‌‌ﭱ‌‌ﭺ‌‌ﭻ‌‌ﭼ‌‌ﭽ‌‌ﭶ‌‌ﭷ‌‌ﭸ‌‌‌ﭹ‌‌ﭺﭻ‌‌ﭼ‌‌ﭽ‌‌‌ﭾ‌‌ﭿ‌‌ ﮀﮁ‌‌ﮆ‌‌ﮇ‌‌‌ﮄ‌‌ﮅ‌‌ﮈ‌‌ﮉ‌‌ﮂ‌‌ﮃ‌‌ﭾﭼ (إبراىيـ : 21 .) (2 )انظر: الطبري، جامع البياف، ج 13، ص200، الزمخشري، الكشاؼ، ج 2، ص552، ابف كثير، تفسير القرآف العظيـ، ج 2، ص691 . (3 )انظر: البغوي، معالـ التنزيؿ، ج 3، ص481، الشربيني، السراج المنير، ج 3، ص258، البروسوي، روح البياف، ج 4، ص436 . (4 )انظر: أبا حياف الأندلسي، البحر المحيط، ج5، ص498، ابف كثير، تفسير القرآف العظيـ، ج2، ص691، المراغي، تفسير المراغي، ج 5، ص121 . (5 )الزمخشري، الكشاؼ، ج 2، ص551 . (6 )ابف عاشور، التحرير والتنوير، ج 13، ص218 . (7 )انظر: ص 24 .

عدد الصفحات ٥٢

43 يفعؿ، كقولو: ﭽ‌ﮜ‌‌ﮝ‌‌ﮞ‌‌ﮟ‌‌‌ﮠ‌‌ﮡ‌‌ﭨﭩ‌‌ﮤ‌‌ﮥ‌‌‌‌ﮦ‌‌ﮦ‌‌ﮨ‌‌‌‌‌ﮩ‌‌ﮪﮫ‌‌ﮪ‌‌ﮭ‌‌‌‌‌ﮮ‌‌ﮯ‌‌ﮰ‌‌‌ ﭼ(يوسؼ:41.)(1) وترى الباحثة أنّو بذلؾ يتضح أف القضاء يحمؿ معنى الإلزاـ، ولا يحمؿ معنى الإنفاذ بالضرورة، فميس مف ميمة القضاة التنفيذ، وسيأتي دليؿ آخر عمى ذلؾ –إف شاء الله-.(2) وما قد ذُكر في سر التعبير بػ(قُضِي الأمر ) في آية البقرة (3)، يقاؿ ىنا وكثير مف آيات القرآف الكريـ تصرِّح بأف الشيطاف لو سمطاف عمى أوليائو، وجاء في آيات أخرى نفي سمطانو عمييـ، وىذه إحداىا، فيقوؿ : (فلب تموموني ولوموا أنفسكـ) بطباؽ السمب(4) .والجواب عمى ىذا: "أفّ السمطاف الذي أثبتو لو عمييـ غير السمطاف الذي نفاه، وذلؾ مف وجييف الأوؿ: أف السمطاف المثبت لو ىو سمطاف إضلبلو ليـ بتنزيينو، والسمطاف المنفي ىو سمطاف الحجة فمـ يكف لإبميس عمييـ حجة يتسمط بيا غير أنو دعاىـ فأجابوه بلب حجة ولا برىاف ".(5) 3-يعود القرآف الكريـ لاستخداـ تركيب (قضي الأمر) في الحديث عف أحواؿ القيامة في قولو تعالى: ﭽ‌ﭑ‌‌ﭮ‌‌ﭯ‌‌ﭰ‌‌ﭱ‌‌ﭖ‌‌‌‌‌‌ﭗ‌‌ﭘ‌‌ﭙ‌‌ﭦ‌‌ﭧ‌‌ﭨﭼ (مريـ : 39)، والمنذرَوف ىـ المشركوف(6)، والإنذار ىو التخويؼ مف العذاب، لكي يحذروا مف ترؾ عبادة الله تعالى . وأمّا يوـ الحسرة فلب شبية أنو يوـ القيامة مف حيث يَكْثر التحسلُّر مف أىؿ النار(7)، وقيؿ يتحسّر أيضاً أىؿ الجنة إذا لـ يكف مف السابقيف (1 )ابف عطية الأندلسي، المحرر الوجيز، ج 3، ص333 . (2 )انظر: ص50 . (3 )المقصود: (البقرة : 200)، انظر: ص23 . (4 )الزحيمي، التفسير المنير، ج 7، ص254 .طباؽ السمب: ىو الجمع بيف فعمي مصدر واحد مثبت ومنفي أو أمر ونيي. انظر: أبا عجمية وآخروف، محمود أحمد، عموـ البلبغة، دار اليلبؿ، عماف، 1990ـ،(د.ط)، ص145 . (5 )الشنقيطي، أضواء البياف، ج 10، ص175-176 . (6 )انظر: الطبري، جامع البياف، ج 8، ص345، الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 21، ص221، الطبرسي، مجمع البياف، ج 6، ص796 . (7 )انظر: الزمخشري، الكشاؼ، ج 3، ص18، الفخر الرازي،مفاتيح الغيب،ج 21، ص221 .

عدد الصفحات ٥٣

44 الواصميف إلى الدرجات العالية، وىذا غير صحيح "لأف الحسرة غـ وذلؾ لا يميؽ بأىؿ الثواب".(1) (قضي الأمر) ىنا ذىب الجميػور عمى أف معنػاه: فرغ مف الأمر (2)، وزاد البقاعي: "وقطعنا بكونو"(3)، وابف كثير أف المعنى: "فصؿ بيف أىؿ الجنة وأىؿ النار"(4)، وىذه الآية ىي آخر الآيات المشتممة عمى تركيب (قضي الأمر) في سياؽ الحديث عف أحواؿ القيامة، وفييا قاؿ رسوؿ الله –صمى الله عميو وسمـ-: "يُؤتى بالموت كييئة كبش أممح، فينادي منادٍ : يا أىؿ الجنة فيشرئبولُّف وينظروف، فيقوؿ ىؿ تعرفوف ىذا؟ فيقولوف : نعـ، ىذا الموت، وكميـ قد رآه، فيذبح، ثـ يقوؿ : يا أىؿ الجنة خمود فلب موت، ويا أىؿ النار، خمود فلب موت، ثـ قرأ (وأنذرىـ يوـ الحسرة إذ قضي الأمر وىـ في غفمة)، وىؤلاء في غفمو –أىؿ الدنيا- (وىـ لا يؤمنوف) (5)، ومف الواضح في ىذه الآيات الثلبث أفّ الخطاب فييا مع المشركيف. ذكر القرآف الكريـ ىذا التركيب أربع مرّات أخرى في غير الحديث عف القيامة، أوليا قولو تعالى: ﭽ‌ﯬ‌‌ﯭ‌‌‌‌ﯮ‌‌‌ﯯ‌‌ﯰﯱ‌‌ﯲ‌‌‌ﯳ‌‌ﯴ‌‌ﯵ‌‌ﯶ‌‌ﯷ‌‌ﯸ‌‌ﯹ‌‌‌‌‌ ﭼ(الأنعاـ: 8)، وظاىر الآية يقتضي"أنيا في كفار العرب "(6)، والآية استئناؼ لبياف قدحيـ بنبوة محمد –صمى الله عميو وسمـ- بما ىو أصرح ممّا سبقو في سياؽ (1 )الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 21، ص221 . (2 )انظر: البغوي، معالـ التنزيؿ، ج 3، ص241، الزمخشري، الكشاؼ، ج 3، ص18، القرطبي، الجامع، ج 11، ص109، البروسوي، روح البياف، ج 5، ص337 . (3 )البقاعي، نظـ الدرر، ج4، ص534 . (4 )ابف كثير، تفسير القرآف العظيـ، ج 3، ص150 . (5 )البخاري، أبو عبد الله محمد بف اسماعيؿ، الجامع الصحيح المسند المختصر مف حديث رسوؿ الله -صمى الله عميو وسمـ- وسننو وأيامو، كتاب التفسير، باب (وأنذرىـ يوـ الحسرة )، رقـ الحديث : 4730، دار الفكر لمطباعة والنشر والتوزيع، 1981ـ،(د.ط). (يشرئبوف ): يمدوف أعناقيـ ينظروف. انظر: ابف حجر العسقلبني، أحمد بف عمي، (ت852ىػ)، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار التقوى، شبرا الخيمة، 2000ـ،(د.ط)، ج8، ص304 . (6 )أبو حيّاف الأندلسي، البحر المحيط، ج4، ص82 .

عدد الصفحات ٥٤

45 الآيات(1) .ودؿّ ىذا البياف، عمى أفّ المعنييِّف بو ما زالوا يردلُّدوف طمب إنزاؿ ممؾ مف السماء، ليتَّخذوا مف عدـ إنزالو تَعِمَّة لعدـ استجابتيـ، فقد سبؽ أف طمبوا ىذا قبؿ نزوؿ سورة الفرقاف، وكرَّروا طمبيـ ىذا قبؿ نزوؿ سورة الإسراء، فعمـَّ تعالى نبيّو ما يَرُدّ بو عمييـ فقاؿ: ﭽ‌ﯰ‌‌ﯱ‌‌ﯲ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌ﯳ‌‌ﯴ‌‌ﯵ‌‌ﯶ‌‌ﯷ‌‌ﯸ‌‌ﯹ‌‌‌ﯺ‌‌ﯻ‌‌ﮈ‌‌ﮉﭼ (الإسراء : 95)، وكرّروا طمبيـ ىذا قبؿ نزوؿ سورة ىود، فعمّـ تعالى النبيَّ تعميماً تربويّاً يبيِّف فيو وظيفتو الإنذارية بالنسبة إلى ىؤلاء المكابريف، وكرّروا طمبيـ قبؿ نزوؿ سورة الحجر، فردَّ تعالى: ﭽﮍ‌‌ﮀ‌‌ﮁ‌‌ﮂ‌‌‌‌ﮃ‌‌ﮄ‌‌ﮅ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌ﮆ‌‌ﮇﭼ(الحجر: 8)، وأخيراً كرّروا طمبيـ ىذا قبؿ نزوؿ سورة الأنعاـ، فأنزؿ بيا ما يجيبيـ بما يُقْنِع طلبب الحؽ، وأنزؿ فييا : ﭽﭮ‌‌ﭯ‌‌ﭰ‌‌‌ﭱ‌‌‌‌ﭖ‌‌ﭗ‌‌ﭘ‌‌‌ﭙ‌‌‌ﭦ‌‌ﭧ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌ﭨ‌‌ﭩ‌‌ﭪ‌‌ﭫ‌‌‌‌‌‌‌‌‌ﭬ‌‌ﭭ‌‌‌‌‌‌ ﭢ‌‌ﭣ‌‌ﭤ‌‌ﭥ‌‌‌ﭦ‌‌ﭧﭼ(الأنعاـ: 111)، ولو أنزؿ الله ليـ الملبئكة التي يطمبوف إنزاليا، ولو جعؿ الموتى تكمميـ، ولو حشر عمييـ كؿ غيبي فشاىدوه، فمف يكوف منيـ إلا العناد، وحينئذٍ يكوف مف الحكمة إنياء مدة إمياليـ في امتحانيـ، وا نزاؿ العذاب فييـ(2)، ولإىلبكـ بمجرد نزوؿ الممؾ وجوه : الأوؿ: سنة الله جارية بأف عند ظيور الآية الباىرة إف لـ يؤمنوا جاءىـ عذاب الاستئصاؿ. الثاني: إذا شاىدوا الممؾ زىقت أرواحيـ مف اليوؿ، لأف الآدمي إذا رأى الممؾ، فإما أف يراه عمى صورتو الحقيقية أو عمى صورة البشر . فإف كاف الأوؿ لـ يبؽ حيّاً، وا ف كاف الثاني فحينئذ يكوف المرئي شخصاً عمى صورة البشر، وذلؾ لا يتفاوت الحاؿ فيو سواء كاف ىو في نفسو ممكاً أو بشراً . الثالث: إنزاؿ ممؾ آية باىرة جارية مجرئ الإلجاء، وا زالة الاختيار، وذلؾ مُخِؿ بصحَّة التكميؼ. (1 )انظر: الألوسي،روح المعاني، ج 4، ص91،والآيات المشار إلييا ىي:(الأنعاـ:1-7 .) (2 )انظر: الميداني، عبد الرحمف حسف، معارج التفكر ودقائؽ التدبر، دار القمـ، دمشؽ، 2000ـ، ط1، ج11، ص160-162 .

عدد الصفحات ٥٥

46 الرابع : إنزاؿ ممؾ وا ف كاف يدفع الشبيات المذكورة إلا أنو يقوي الشبيات مف وجو آخر، وذلؾ لأف أي معجزة ظيرت عميو قالوا : ىذا فعمؾ فعمتو باختيارؾ وقدرتؾ، ولو حصؿ لنا مثؿ مالؾ مف القدرة والقوة والعمـ لفعمنا مثمو . (1) ذكر المفسروف معافٍ لمقضاء ىنا، ويُلبحظ أنيا بمجموعيا تَصُبلُّ أخيراً بمعنى الإلزاـ، فمنيا : وجب(2)، حتـ(3)، حؽ(4)، الإتماـ والإلزاـ (5) . ويُلبحظ مف البناء لممجيوؿ أنو"إشارة عمى طريؽ كلبـ القادريف إلى غاية السرعة لسيولة الأمر وخفة مؤنتو "(6)،"ومعنى (ثـ) ما بيف الأمريف : قضاء الأمر، وعدـ الإنظار. جعؿ عدـ الإنظار أشد مف قضاء الأمر، لأف مفاجأة الشدة أشد مف نفس الشدة"(7)، وىذا يؤكِّد أف القضاء لا يستمزـ التنفيذ. أمّا ثاني الآيات التي اشتممت عمى تركيب (قضي الأمر)، دوف الحديث عف أحواؿ القيامة فيي قولو تعالى: ﭽ‌ﯦ‌‌ﯧ‌‌ﯝ‌‌ﯞ‌‌ﯟ‌‌ﯠ‌‌ﯡ‌‌ﯨ‌‌‌ﯩ‌‌ﯤ‌‌ﯥﯦ‌‌ﯧ‌‌ﯨ‌‌ ﯩﭼ(الأنعاـ: 58)، والخطاب لمعادليف بربيـ الأوثاف (8)، والذي يستعجموف بو ىو (1 )انظر: الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 12، ص161-162 . (2 )السيد محمد، يسري، بدائع التفسير الجامع لتفسير الإماـ ابف قيـ الجوزية، دار ابف الجوزي، السعودية، 1993ـ، ط1، ج2، ص141 . (3 )النحاس، معاني القرآف، ج 2، ص402 . (4 )النيسابوري، محمود بف أبي الحسف، (ت553ىػ)، إيجاز البياف عف معاني القرآف، تحقيؽ : حنيؼ القاسمي، دار الغرب الإسلبمي، بيروت، 1995ـ، ط1، ص289، الشربيني، السراج المنير، ج 2، ص98 . (5 )انظر: الزجاج، معاني القرآف، ج 2، ص230، الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 12، ص161 . (6 )البقاعي، نظـ الدرر، ج2، ص592 .وسبقت الإشارة إلى دلالات أخرى لذلؾ . انظر: ص42-43 . (7 )انظر: الزمخشري، الكشاؼ، ج 2، ص7، الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 12، ص161 . (8 )الطبري، جامع البياف، ج 5، ص210 .

عدد الصفحات ٥٦

47 العذاب(1)، والبناء لممجيوؿ للئيذاف بتعييف الفاعؿ، وتيويؿ الأمر، ومراعاة لحسف الأدب(2)، ولأف "المخوؼ إنما ىو الإىلبؾ، لا كونو مف معيَّف"(3) .وقضاء الأمر يحتمؿ أموراً "منيا أف يأتييـ بالآية المقترحة فيؤمنوا، أو أف يغضب فييمكيـ، أو أف يصرؼ قموبيـ عف طمب ما لا يجيبيـ إليو فيتوبوا ويرجعوا ... (بالظالميف) إظيار في مقاـ ضمير الخطاب لإشعارىـ بأنيـ ظالموف في شركيـ إذ اعتدوا عمى حؽ الله، وظالموف في تكذيبيـ إذ اعتدوا عمى حؽ الله ورسولو "(4)، وىـ كذلؾ ظمموا أنفسيـ بتعريضيا لمعذاب . يعود القرآف الكريـ لاستخداـ ىذا التركيب في الحديث عف ىلبؾ قوـ نوح –عميو السلبـ- في قولو تعالى: ﭽﯪ‌‌ﯫ‌‌ﯬ‌‌ﯭ‌‌ﯮ‌‌‌ﯯ‌‌ﯰ‌‌ﯱ‌‌ﯲ‌‌ﯳ‌‌ﯴ‌‌ﯵ‌‌ﯶﯷ‌‌ ﯸ‌‌‌‌‌ﯹ‌‌ﯺ‌‌ﯻﭼ(ىود: 44)، وجميور المفسريف عمى أف القضاء ىنا بمعنى : الفراغ (5)، وآخروف ذكروا معافٍ أخرى ترجع إلى معنى الفراغ، مثؿ : أنَجَزَ (6)، انتيى(7)، انتيى(7)، وصرّح الحدّاد بأف المعنى: "وقع ىلبؾ الكفار عمى التماـ"(8)، فممّا انتيى أمر الطوفاف قيؿ: يا أرض ابمعي ماءؾ، ويا سماء أقمعي، فأمرىما بما يأمر بو أىؿ التمييز والعقؿ، والبمع عبارة عف النشؼ، والإقلبع : الإمساؾ(9)، واستُعير"البمع الذي ىو مف فعؿ الحيواف لمنشؼ دلالة عمى أف ذلؾ ليس كالنشؼ المعتاد الكائف عمى (1 )انظر: الطبرسي، مجمع البياف، ج 4، ص479، أبو حياف الأندلسي، البحر المحيط، ج4، ص146 . (2 )انظر: البروسوي، روح البياف، ج 3، ص44، الآلوسي، روح المعاني، ج 4، ص161 . (3 )البقاعي، نظـ الدرر، ج2، ص646 . (4 )ابف عاشور، التحرير والتنوير، ج 7، ص270 . (5 )انظر: ابف وىب، الواضح، ج 1، ص362، السمرقندي، بحر العموـ، ج 2، ص128، الثعمبي، الكشؼ والبياف، ج3، ص325، ابف كثير، تفسير القرآف العظيـ، ج 2، ص587 . (6 )انظر: النسفي، مدارؾ التنزيؿ، ج 2، ص272، أبو زىرة، زىرة التفاسير، ج 7، ص3712 . (7 )مغنيّة، محمد جواد، التفسير الكاشؼ، دار العمـ لمملبييف، بيروت،1970ـ، ط1، ج4، ص233 . (8 )الحداد، تفسير الحداد، ج3، ص475 . (9 )انظر: الزمخشري، الكشاؼ، ج 2، ص398 .

عدد الصفحات ٥٧

48 سبيؿ التدريج "(1) .وىذه الآية"مشتممة عمى ألفاظ كثيرة كؿ واحد منيا داؿ عمى عظمة الله تعالى وعمو كبريائو، فأوليا : قولو (وقيؿ) وذلؾ يدؿ عمى أنو جاء في الجلبؿ والعمو والعظمة، بحيث أنو متى قاؿ قيؿ لـ ينصرؼ العقؿ إلا إليو، ... وىذا تنبيو مف ىذا الوجو، عمى أنو تقدّر في العقوؿ أنو لا حاكـ في العالميف... إلا ىو. وثانييا: قولو (يا أرض أبمعي ماءؾ ويا سماء أقمعي ) فإف الحس يدؿ عمى عظمة ىذه الأجساـ وشدتيا وقوتيا فإذا شعر العقؿ بوجود موجود قاىر ليذه الأجساـ مستوؿ عمييا... صار ذلؾ سبباً لوقوؼ القوة العقمية عمى كماؿ جلبؿ الله. وثالثيا: أف السماء والأرض مف الجمادات فقولو (يا أرض -ويا سماء) مُشعر بحسب الظاىر، عمى أف أمره وتكميفو نافذ في الجمادات فعند ىذا يحكـ الوىـ بأنو لما كاف الأمر كذلؾ فلؤف يكوف أمره نافذ عمى العقلبء أولى".(2) (قضي الأمر) ذكر العمماء أقواؿ كثيرة في معناىا، أذكر منيا ما يمي : 1"-أف الذي قضى بو وقدره في الأزؿ قضاء جزماً حقاً فقد وقع تنبيياً عمى أف كؿ ما قضى الله تعالى فيو واقع في وقتو، وأنو لا دافع لقضائو ولا مانع مف نفاذ حكمو في أرضو وسمائو ".(3) 2"-أنجز ما وعد لنوح عميو السلبـ مف عذاب القوـ وأنفذ الأمر الإليي بغرقيـ وتطيّر الأرض منيـ أي كاف ما قيؿ لو كف كما قيؿ فقضاء الأمر كما يقاؿ عمى جعؿ الحكـ وا صداره كذلؾ يقاؿ عمى إمضائو وا نفاذه وتحقيقو في الخارج، غير أف القضاء الإليي والحكـ الربوبيّ الذي ىو عيف الوجود الخارجي جعمو وا نفاذه واحد، وا نما الاختلبؼ بحسب التعبير".(4) وقد سبقت الإشارة إلى أفّ القضاء لا يستمزـ الإنفاذ. (5) (1 )الشوكاني، فتح القدير، ج2، ص500 . (2 )الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 17، ص234 . (3) الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 17، ص235. (4 )الطبطبائي، الميزاف، ج 10، ص238 . (5 )انظر: ص50 .

عدد الصفحات ٥٨

49 3"-وبياف الإرداؼ في قوؿ الله تعالى : "وقضي الأمر" ىو أف الأصؿ أف يأتي التعبير بنحو: "وىمؾ مف قضى الله إىلبكيـ، ونجى مف قضى الله نجاتيـ"... بؿ عُدِؿ عنو إلى ما يؤدِّي المعنى نفسو بتعبير آخر، يدؿ بعمومو عمى المراد، مع غاية الإيجاز، ومع إضافة معاف أخرى، لـ يكف ليدؿ عمييػا التعبيػر الأصمي المباشر، ومف ىذه المعاني أف ىلبؾ اليالكيف ونجاة الناجيف قد كانا تنفيذاً لمقضاء والأمر الربانييف، لربط الظاىرة بجذرىا الاعتقادي ... وجاءت عبارة : (واستوت عمى الجودي) عقب قولو تعالى: (وغيض الماء وقضي الأمر) ليكوف في ىذا التعبير المختار إشعار بأف الله عز وجؿ قد قضى لمسفينة بعنايتو، أف يوصميا إلى مكاف مف جبؿ الجودّي صالح لأف تستقر عميو مستوية، غير مائمة. (1) 4"-لـ يصرِّح جؿّ وعلب بمف غاض الماء ولا بمف قضى الأمر وسوى السفينة.... سموكاً .. لسبيؿ الكناية لأف تمؾ الأمور العظاـ لا تصدر إلا مف ذي قدرة ".(2) وترى الباحثة أف تأخلُّر قولو تعالى: (واستوت عمى الجوديّ ) عف قولو (وقضي الأمر) أنّو قد يكوف داعماً لمف رأى مف المفسريف الاستناد لمروايات القائمة: بأفّ الجباؿ تشامخت إذ ذاؾ وتواضع ىو لله تعالى شأنو فأكرمو سبحانو باستواء السفينة عميو (3)، فكأنّو قيؿ أفّ الاستواء كاف فيو شيء مف الاختيار، فتأخَّرت الدلالة عميو عف لفظ القضاء. أمّا آخر موضع ورد فيو (قُضي الأمر) في القرآف الكريـ في غير الحديث عف القيامة، ىو قولو تعالى: ﭽ‌ﮜ‌‌ﮝ‌‌ﮞ‌‌ﮟ‌‌‌ﮠ‌‌ﮡ‌‌ﭨﭩ‌‌ﮤ‌‌ﮥ‌‌‌‌ﮦ‌‌ﮦ‌‌ﮨ‌‌‌‌‌ﮩ‌‌ﮪﮫ‌‌ﮪ‌‌ﮭ‌‌‌‌‌ﮮ‌‌ ﮯ‌‌ﮰﭼ (يوسؼ: 41)، روي أنو قاؿ للؤوؿ : ما رأيت مف الكرمة وحسنيا ىو الممؾ وحسف حالؾ عنده؛ وأما القضباف الثلبثة فإنيا ثلبثة أياـ تمضي في السجف ثـ تخرج (1 )الميداني، معارج التفكر، ج 10، ص403 .وفسَّر الإرداؼ: أف يريد المتكمـ معنى فلب يعبر عنو بمفظو الموضوع لو، ولا يعبر عنو بدلالة الإشارة، بؿ يعبر عنو بمفظ مرادؼ لو، لتحقيؽ أغراض بيانية لا تتحقؽ بالمفظ الموضوع لو، المرجع نفسو، ج 10، ص402 . (2 )الألوسي، روح المعاني، ج 6، ص262 .غيض: نقص. انظر: الشوكاني، فتح القدير، ج2، ص500 . (3 )انظر: الألوسي، روح المعاني، ج 6، ص259 .

عدد الصفحات ٥٩

50 وتعود إلى ما كنت عميو، وقاؿ لمثاني: ما رأيت مف السلبسؿ ثلبثة أياـ ثـ تخرج فتقتؿ(1) .فقد"اشتركا في السؤاؿ واشتركا في الحكـ وفي دخوؿ السجف، ولكف تباينا في المآؿ؛ واحد صمب، وواحد قرِّب ووُىِب... وكذا قضايا التوحيد واختيار الحؽ؛ فمف مرفوع فوؽ السِّماؾ مَطْمَعُو، ومف مدفوف تحت التراب مضجعو"(2) .وأكثر المفسريف عمى أفّ (قضي الأمر) الإشارة فيو إلى أفّ يوسؼ –عميو السلبـ- قد ذكر ما يربط مآؿ كؿ منيما بالجذر الاعتقادي الخاص بالقضاء والقدر، وعرؼ ذلؾ بوحي مف الله تعالى(3)، وىو ما أميؿ إليو، وذلؾ لأسباب: أوليا: خطاب يوسؼ –عميو السلبـ- الأوؿ بذكر (يا صاحبي السجف) (4)، كاف لدعائيما إلى الإيماف، رغـ أنيما سألاه عف تأويؿ الرؤى، فيلبحظ أنو دعاىما قبؿ ذكر ما أراداه، ثـّ جاء كلبمو في الرؤى مفصولاً (5) عف الكلبـ الأوؿ دوف واو العطؼ، بقولو: (يا صاحبي) فكأنّو –عميو السلبـ- ساؽ ىذا الكلبـ كدليؿ عمى صدؽ نبوّتو، إذ أنّو بوحيٍ مف الله تعالى قاؿ ما قاؿ . ثانييا: أفّ (قُضي الأمر) كذلؾ سيقت بالفصؿ، وىذا الموضع الوحيد في القرآف الكريـ الذي ورد فيو ىذا التركيب دوف أف يسبقو : (واو أو لاـ أو إِذْ أو لمَّا) أو غيرىا مف الحروؼ أو الأدوات أو الظروؼ وفصميا ىنا يجعميا كالتأكيد لما سبقيا، وقد يكوف مبرِّر ىذا التأكيد ما ورد في كثير مف الروايات أنو سمع منيما كلبماً مضمونو: أنيما (1 )الزمخشري، الكشاؼ، ج 2، ص471 . (2 )القشيري، لطائؼ الإشارات، ج 2، ص78 .السِّماط: (سَمَؾَ ) الله: السماء. انظر: الرازي، مختار الصحاح، (سَمَؾَ )، ص330 . (3 )انظر: الثعمبي، الكشؼ والبياف، ج 3، ص378، الجيلبني، تفسير الجيلبني، ج2، ص451، الكبرى، التأويلبت النجمية، ج 3، ص323، الطبرسي، مجمع البياف، ج 5، ص359، وأبا حياف الأندلسي، البحر المحيط، ج5، ص310، الطبطبائي، الميزاف، ج 11، ص184 . (4 )قولو تعالى: ﭽ‌ﭮ‌‌‌ﭯ‌‌ﭰ‌‌ﭱ‌‌ﭺ‌‌ﭻ‌‌ﭼ‌‌ﭽ‌‌ﭶ‌‌‌‌‌ﭼ(يوسؼ: 39 .) (5 )الفصؿ: ىو ترؾ عطؼ الجمؿ بعضيا عمى بعض . انظر: القزويني، جلبؿ الديف الخطيب، الإيضاح في عموـ البلبغة، شرحو وعمؽ عميو : محمد خفاجي، مطبعة الكميات الأزىرية، القاىرة، 1984ـ،(د.ط)، ص147 .

عدد الصفحات ٦٠

51 ما رَأَيَا شيئاً(1)، أو أنيما كانا يمعباف(2)، أو أفّ أحدىما كاف كاذباً(3)، فَرَد–عميو السلبـ- الأمر إلى الجذر الاعتقادي الخاص بالقضاء والقدر، فيذا حكـ الله بيما الثابت في عممو الأزليّ سيجري عمييما لا محالة، ولا سبيؿ لمعرفة ذلؾ إلا بالوحي. ثالثيا: أف (قُضِي الأمر ) في مواقعيا السابقة وردت في سياؽ الإخبار مف الله تعالى، فالأولى أف تُحمؿ ىنا عمى أنيا وحيٌ منو سبحانو خاصة وأف جميع تمؾ المواقع جاءت فييا ضمف سياؽ الدعوة إلى الإيماف. يُلبحظ مما سبؽ أف (قُضي الأمر) في جميع مواضعيا في القرآف الكريـ، كانت مع الحديث عف الكفَّار والخطاب فييا لمنبي صمى الله عميو وسمـ والأمة المسممة، أوؿ ىذه المواضع كاف في سورة البقرة وىي مدنية، أمّا الباقي فيي سور مكيّة، وبالنظر إلى دلالة (قُضي الأمر) في جميع ىذه السور نجدىا تدؿ عمى معنى (النجاة لممؤمنيف واليلبؾ لمكافريف ) وعميو فإفّ تكرارىا في القرآف المكي أكثر لبياف أنّو تعالى ما خمؽ الخمؽ عبثاً وا نما ىـ عبيد لو –جؿّ وعلب- فالخطاب للؤمّة كاممة مؤمنيا وكافرىا فمف صدّؽ بمحمد –صمى الله عميو وسمـ- كانت لو النجاة، أمّا غيره فمصيره اليلبؾ، والعياذ بالله. وقد ذُكِر أف يوسؼ –عميو السلبـ- قاؿ ذلؾ عمى سبيؿ تفسير الرؤيا(4) .و أميؿ إلى ىذا لسببيف: الأوؿ: الفصؿ بيف ىذه الآية وسابقتيا. الثاني: أف الحديث في الآية السابقة كاف لمدعوة إلى الإيماف، فالأولى أف يحمؿ في ىذه الآية عمى ذات المعنى، فتكوف برىاف بأنّو مُوحَى لو مف الله تعالى. (1 )ذكره : الطبري، جامع البياف، ج 12، ص221 .وقد رواه عف عبد الله، السيوطي، الدر المنثور، ج4، ص36، ورواه عف قتادة. (2 )ذكره : الطبري، جامع البياف، ج 12، ص221، رواه عف عبد الله ومجاىد، السيوطي، الدر المنثور، ج4، ص36، رواه عف ابف عباس. (3 )ذكره : السيوطي، الدر المنثور، ج4، ص36، رواه عف أبي مجمز. (4 )انظر: ابف كثير، تفسير القرآف العظيـ، ج 2، ص628، الآلوسي، روح المعاني، ج 6، ص436 .

عدد الصفحات ٦١

52 4-أمّا رابع المواقع لاشتقاقات القضاء في الحديث عف أحواؿ لمقيامة، فيو قولو تعالى: ‌ ﭽ‌ﮁ‌‌‌ﮂ‌‌ﮃﮄ‌‌ﮅ‌‌ﮆ‌‌ﮇ‌‌ﮖ‌‌ﮗ‌‌ﮘ‌‌ﮙ‌‌‌‌ﮚ‌‌ﮛﭼ (يونس: 47)، فالقوـ إذا اجتمعوا في الآخرة جمع الله بينيـ وبيف رسوليـ في وقت المحاسبة، ليشيد عمييـ بما شاىد منيـ، وليقع منيـ الاعتراؼ بأنو بمغ رسالات ربِّو(1)،"وتماـ التقدير... أنو تعالى ذكر في الآية الأولى أف الله شييد عمييـ، فكأنو تعالى يقوؿ: أنا شييد عمييـ وعمى أعماليـ يوـ القيامة ومع ذلؾ فإني أُحضِر في موقؼ القيامة مع كؿ قوـ رسوليـ حتى يشيد عمييـ بتمؾ الأعماؿ والمراد منو المبالغة في إظيار العدؿ"(2) .والقسط في الآية ىو: العدؿ(3)، و(بينيـ) أي: بيف الأمة عمى تقدير أنو كذّبو بعضيـ وصدقو البعض الآخر(4)، ومف أجمؿ ما قرأت في كتب التفسير، قوؿ البقاعي في ىذه الآية: "(قضي)... عمى أسيؿ وجو مف غير شؾ بما أفاده البناء لممفعوؿ، ولَمّا كاف السِّياؽ بالترىيب أجدر، قاؿ "بالقسط" أي أظير ما كاف خفياً مف استحقاقيـ في القضاء بالعدؿ والقسمة المنصفة بينيـ كميـ بالسوية فأعطى كؿ أحد منيـ مقدار ما يخصّو مف تعجيؿ العذاب وتأخيره كما فعؿ معؾ؛ ولما كاف ذلؾ لا يستمزـ الدواـ، قاؿ : "وىـ لا يظمموف" أي لا يتجدد ليـ ظمـ منو سبحانو ولا مف غيره "(5) .وا ف أريد لا يُظمموف في القضاء"فيكوف تأكيداً، وا ف أريد لا يظمموف مطمقاً فيكوف تأسيساً ".(6) ورد في القرآف الكريـ تركيب (قُضي بينيـ) تسع مرّات كميا في سور مكية؛ ثلبث منيا في سورة يونس وىي : (1 )انظر: الطبري، جامع البياف، ج 6، ص567، الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 17، ص106، ابف كثير، تفسير القرآف العظيـ، ج 2، ص552 . (2 )الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 17، ص106، والآية المشار إلييا ىي: ﭽ‌ﭿ‌‌ﮀ‌‌ﮁ‌‌ﮆ‌‌ﮇ‌‌ ﮄ‌‌‌ﮅ‌‌‌‌‌‌ﮈ‌‌ﮉ‌‌ﮂ‌‌ﮃ‌‌ﭾ‌‌ﭿ‌‌ﮌ‌‌ﮍ‌ﭼ(يونس: 46 .) (3 )انظر: الزمخشري، الكشاؼ، ج 2، ص350، الطبرسي، مجمع البياف، ج 5، ص172 . (4 )الشوكاني، فتح القدير، ج2، ص449 . (5 )البقاعي، نظـ الدرر، ج3، ص450 . (6 )ابف عرفة، تفسير ابف عرفة، ج 2، ص344 .

عدد الصفحات ٦٢

53 الأولى: قولو تعالى: ﭽ‌ﯩ‌‌ﯤ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌ﯥ‌‌ﯦ‌‌‌ﯧ‌‌ﯨ‌‌ﯩﯪ‌‌ﯫ‌‌ﯬ‌‌‌ﯭ‌‌ﯮ‌‌ﯯ‌‌ﯰ‌‌ ﯱ‌‌‌ﯲ‌‌ﯳ‌‌ﯴﭼ‌(يونس: 19 .) الثانية: الآية السابعة والأربعوف التي أنا بِصَدَدِىا ﭽ‌ﮖ‌‌ﮗ‌‌ﮘ‌‌ﮙ‌‌‌‌ﮚ‌‌ﮛﭼ. الثالثة: قولو تعالى: ﭽ‌ﭑ‌‌ﭮ‌‌ﭯ‌‌ﭰ‌‌ﭱ‌‌ﭖ‌‌ﭗ‌‌ﭘ‌‌ﭙ‌‌ﭦﭧ‌‌ﭨ‌‌‌ﭩ‌‌ﭪ‌‌ﭫ‌‌ﭬﭭ‌‌ﭢ‌‌ﭣ‌‌‌ﭤﭥ‌‌ ﭦ‌‌‌ﭧ‌‌ﭨ‌‌ﭼ(يونس: 54 .) أمّا الآية الأولى فسيأتي بيانيا في موضعيا–إف شاء الله تعالى-(1)، وأمّا الآيتاف بعدىا، فيُلبحظ ختميما بذات العبارة، وىما في الحديث عف القيامة وأحواليا، وآخر آية تحمؿ معنى: "لو أف لكؿ نفس ظالمة (ما في الأرض ) ما في الدنيا اليوـ... (لافتدت بو) فدية ليا".(2) وا سرار الندامة: إخفاء آثار الندامة، وىي: الغـ والأسؼ، والمعنى: إخفاء آثارىا كالبكاء، وعض الأيدي، وا لا فيي مف الأمور الباطنة التي لا تكوف إلا سرّاً وذلؾ لشدة حيرتيـ وبيتيـ(3)، والمعنيِّيف بالقضاء ىنا ىـ عموـ الناس.(4) الناس.(4) أمّا(قُضػي) ىنا فمـ يذكر ليا الطبػري والمػراغي والحػداد تفسػيراً، بؿ عبَّػروا عنيػا بػ (قُضِي ) كما ىي(5)، وذىػب آخػروف أفّ المعنػى: أوقػع القضػاء والحػكػـ (6)، وآخروف: وآخروف: فرغ مف عذابيـ (7)، والطبرسي : فصؿ(1)، وزاد الآلوسي عمى معنى الفصؿ معنى حكـ(2) .وىذه الآية الخامسة لذكر(قضي بينيـ) ضمف الحديث عف القيامة. (1 )انظر: ص59 . (2 )الزمخشري، الكشاؼ، ج 2، ص352 . (3 )انظر: الألوسي، روح المعاني، ج 6، ص130 . (4 )انظر: الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 17، ص112 .السميف الحمبي، الدر المصوف، ج4، ص43، الحداد، تفسير الحداد، ج3، ص428، المراغي، تفسير المراغي، ج 4، ص248 . (5 )انظر: أبا السعود، إرشاد العقؿ السميـ، ج 3، ص251، البروسوي، روح البياف، ج 4، ص57 . (6 )انظر: الطبري، جامع البياف، ج 6، ص567، الحداد، تفسير الحداد، ج3، ص428، المراغي، تفسير المراغي، ج 4، ص248 . (7 )انظر: الثعمبي، الكشؼ والبياف، ج 3، ص288، البغوي، معالـ التنزيؿ، ج 2، ص302 .

عدد الصفحات ٦٣

54 أمّا عف ختـ ىذه الآية بعَيف، الآية السابعة والأربعيف، فقد ذكر المفسروف مناسبات لذلؾ منيا: 1"-لمناسبة تحذير الرسوؿ –صمى الله عميو وسمـ- لممكذبيف، وأعيد ىنا لمناسبة عدـ الجدوى مف الفداء لو أمكف ".(3) 2"-الأولى في القضاء بيف الأنبياء وتكذيبيـ وىذه عامّة... فإفّ الكفّار وا ف اشتركوا في العذاب فلببدَّ أف يقضي الله تعالى بينيـ، لأنو لا يمتنع أف يكوف قد ظمـ بعضيـ بعضاً في الدنيا وخانو، فيكوف في ذلؾ القضاء تخفيؼ عذاب بعضيـ وتثقيؿ العذاب لمباقيف".(4) ولمّا لـ يُرد تعالى الإشغاؿ بالفاعؿ عف الفعؿ، ولإيقاع القضاء عمى أيسر وجو وأسيمو قاؿ:(قُضي)، "ولمّا استغرؽ القضاء جميع وقائعيـ،دؿّ عميو بنزع الجار فقاؿ: "بينيـ" أي الظالميف والمظموميف والظالميف والأظمميف "بالقسط" أي بالعدؿ؛ ولمّا كاف وقوع ذلؾ لا ينفي وقوع الظمـ في وقت آخر قاؿ : "وىـ" أي والحاؿ أنيـ "لا يظمموف""(5) .وىو ما أميؿ إليو بعكس ما ذىب إليو ابف عاشور فقد فسّر(بينيـ) في الآية بمعنى: (فييـ)، وقاؿ في سبب ذلؾ: "لأف القضاء ىنا ليس قضاء نزاع ولكنو قضاء زجر وتأنيب إذ ليس الكلبـ ىنا إلا عمى المشركيف وىـ صنؼ واحد "(6) .أمّا سبب ترجيح الأوؿ بالنسبة لي ىو أنو لا ترادؼ بيف ألفاظ القرآف الكريـ . (وقضي بينيـ بالقسط وىـ لا يظمموف) "ذىب أكثر المفسريف أنيا مستأنفة، وليست معطوفة عمى ما في حيّز (لمّا)". (7) (1 )الطبرسي، مجمع البياف، ج 5، ص175 . (2 )الآلوسي، روح المعاني، ج 6، ص130 . (3 )بتصرؼ يسير : مغنية، الكاشؼ، ج4، ص170 . (4 )الشربيني، السراج المنير، ج 3، ص38 . (5 )البقاعي، نظـ الدرر، ج3، ص454 . (6 )ابف عاشور، التحرير والتنوير، ج 11، ص189 . (7 )انظر: أبا حياف الأندلسي، البحر المحيط، ج5، ص168، السميف الحمبي، الدر المصوف، ج4، ص43، الآلوسي، روح المعاني، ج 6، ص133 .

عدد الصفحات ٦٤

55 وترى الباحثة أف في ىذه الآيات مف سورة يونس ما يمي : أوّؿ ذكر لتركيب (قُضِي بينيـ ) في القرآف الكريـ، ىو الآية التاسعة عشر مف سورة يونس، وىذا لفظيا ﭽ‌ﯩ‌‌ﯤ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌ﯥ‌‌ﯦ‌‌‌ﯧ‌‌ﯨ‌‌ﯩﯪ‌‌ﯫ‌‌ﯬ‌‌‌ﯭ‌‌ﯮ‌‌ﯯ‌‌ﯰ‌‌ﯱ‌‌‌ﯲ‌‌ﯳ‌‌ﯴﭼ‌ (يونس: 19)، أي: كاف الناس أىؿ ديف واحد فاختمفوا في دينيـ(1)، ولو"وىي حرؼ امتناع لوجود، أي امتنع قضاء الله، فيما بينيـ "لولا كممة سبقت "... وىي التأجيؿ ليوـ الحساب وتركيـ في الدنيا "(2) .ثـ في الآية السابعة والأربعيف "قضي بينيـ بالقسط وىـ لا يظمموف" فكأفّ الأمر صار وجود لوجود، فقد وُجِد القضاء بينيـ حقّاً، لوجود الوقت الذي حدّده تعالى سابقاً وىو القيامة، مع ذكر إشارة إلى ما كاف حقلُّو أف يكوف قاطعاً لاختلبفيـ بقولو: "جاء رسوليـ " وأقصد بالاختلبؼ ىنا: المذكور في الآية التاسعة عشر بمفظ: (فيما فيو يختمفوف) وفيو دقيقة بلبغية حيث "في ىذه السورة "فيما فيو يختمفوف"، وفي غيرىا : "فيما ىـ فيو يختمفوف"(3)، بزيادة "ىـ" لأف في ىذه السورة تقدـ "فاختمفوا" فاكتفى بو عف إعادة الضمير"(4)، وعُبِّر عف مجيء الرلُّسُؿ بػ(إذا لأنو أمرٌّ ثبت حقيقة كونو بدليؿ القرآف الكريـ . ثـَّ في الآيات اللبّحقة، يجعؿ ىؤلاء المعاندوف مف سبب قطع الخلبؼ سبباً لممعاندة، بطمبيـ لمعذاب، فينفي تعالى عنيـ قدرتيـ عمى الافتداء مف العذاب عند وقوعو، وأثبت شعورىـ بالنَّدـ بطريؽ الجمع (وأسرّوا) ونفي الفداء بصيغة المفرد (لافتدت بو) "لإفادة تيويؿ الخطب بكوف الإسرار بطريؽ المعية والاجتماع"(5)، وىذا الرد ىو تعميـ مف الله لنبيِّو-صمى الله عميو وسمـ- بكيفيّة الرّد عمى طمبيـ العذاب، وختـ ىذا التعميـ بالجممة ذاتيا التي قاليا تعالى في الآية السابعة والأربعيف، لتماـ الانتياء مف جزائيـ فقد شيد تعالى عمييـ ثـ النبي –صمى الله عميو وسمـ- وىو المُشار إليو بتكرار ﭽ‌ﭑ‌‌ﭮ‌‌ﭯ‌‌ﭰ‌‌ﭱ‌‌ﭖ‌‌ﭗ‌‌ﭘ‌‌ﭙ‌‌ﭦﭧ‌‌ﭨ‌‌‌ﭩ‌‌ﭪ‌‌ﭫ‌‌ﭬﭭ‌‌ (1 )الطبري، جامع البياف، ج 6، ص543 . (2 )أبو زىرة، زىرة التفاسير، ج 7، ص3540 . (3 )الآية المشار إلييا: (الزمر : 3 .) (4 )الكرماني، محمود بف حمزة بف نصر، أسرار التكرار في القرآف الكريـ، مف كتاب (ثلبث رسائؿ في إعجاز القرآف البياني )، تحقيؽ: عبد القادر أحمد عطا، دار الاعتصاـ، (د.ت)، (د.ط)، ص102 . (5 )الآلوسي، روح المعاني، ج 6، ص130 .

عدد الصفحات ٦٥