24 العِز فإف الباحثة ترى أنو لـ يحصؿ بو ظيور الفرؽ بيف القضاء والفتوى، وعمى ما سيأتي بيانو –إف شاء الله تعالى- فإنو لا يمزـ مف القضاء الإمضاء والتنفيذ . (1) 4-تعريؼ الحنابمة : قالوا في المعنى الاصطلبحي لمقضاء: "تبييف الحكـ الشرعي والإلزاـ بو وفصؿ الخصومات".(2) وترى الباحثة أف كممة (تبييف) كما سبؽ وذُكر(3)، ىي مف آثار الأصؿ لممعنى المغوي لمقضاء، وا نما ىو في الأصؿ القطع للؤمر، وكذلؾ الأمر في "إظيار" و"فصؿ"، السابؽ ذكرىما في التعريفات السابقة . ويلبحظ مما سبؽ أف عمماء المذاىب السّالفة الذكر لـ يساوي أحد منيـ بيف القضاء والحكـ في المفيوـ –حسب اطِّلبعي-. وأقرب ما أرتاح إليو مف ىذه التعريفات ىو تعريؼ الحنابمة؛ لما في دلالة كممة (البياف) ممّا ذكرت، ولأنّو تضمف الإلزاـ كما ممت لذلؾ سابقاً (4) .ولأنو جمع بيف معنى معنى بياف الحكـ ومعنى فصؿ الخصومات، لأف بياف الحكـ والإلزاـ بو ليس حاؿ المخاصمة فقط سمَّي قضاء. أمّا عف التعريفات المعاصرة لمقضاء في الاصطلبح، فقد مِمت إلى القوؿ بأنّو: "النظر في القضايا وا ثباتيا أو نفييا لإظيار أحكاميا عمى مقتضياتيا"(5)، والسبب في اختياري ليذا التعريؼ أني أراه جامعاً، فقد بدأ بطريقة الوصوؿ إلى الأحكاـ فقاؿ: (النظر)، ثـ ميمّة القضاء وىي: إثبات أو نفي، ثـ اليدؼ الأساس منو وىو إظيار الحكـ. وبالرغـ مف ذلؾ فمديّ تحفظات عميو وىي: (1 )انظر: ص 46 . (2 )البيوتي، منصور بف يونس،(ت1051ىػ)، شرح منتيى الإرادات المسمّى دقائؽ أولي النيى لشرح المنتيى، عالـ الكتب، بيروت، (د.ط)، (د.ت)، ج3، ص459 . (3 )انظر: ص 24 . (4 )انظر: ص23 . (5 )الحميضي، القضاء ونظامو في الكتاب والسنة، ص 40 .
عدد الصفحات ٣٤25 1"-في القضايا" فلب أجد أفّ تفسير القضاء بالاسـ منو مناسباً، فيو كتفسير الماء بعد الجيد بالماء. 2-لـ يذكر شرط الإلزاـ فقارب معنى الفتوى . وعميو ترى الباحثة أف القضاء اصطلبحاً يراد بو: القطع في الأمور المراد بياف أحكاميا، بثبوتيا أو نفييا بحسب مقتضياتيا، عمى وجو الإلزاـ . واستعمؿ الفقياء لفظ (القضاء) في العبادات، لمدلالة عمى فعميا خارج وقتيا المحدود شرعاً . (1) كما استعمموا عبارة (قضاء الدَّيف) لمدلالة عمى سداد الديف والوفاء بو(2) .وعبارة (قضاء الحاجة) لمدلالة عمى آداب التخميّ (3)، أما القضاء المقترف بالقدر فيو : "الحكـ الكمي الإليي في أعياف الموجودات عمى ما ىي عميو مف الأحواؿ الجارية في الأزؿ إلى الأبد".(4) 3.1 القضاء ودلالاتو في القرآف الكريـ : 1.3.1 دلالة التعبير عف الإرادة الإليية بمفظ القضاء : وردت مشتقات القضاء في القرآف الكريـ ضمف آيات جاء الحديث فييا عف قضايا متشابو في أغمب الأحياف، وسأحاوؿ جمع ىذه الآيات في مطالب مستقمة – وبالله التوفيؽ-.(5) (1 )انظر: ابف جزء الكمبي، أبا القاسـ محمد بف أحمد، (ت741ىػ)، القوانيف الفقيية، الدار العربية لمكتاب، ليبيا، 1982،(د.ط)، ص75، الدردير، الشرح الصغير، ج 1، ص363- 364 . (2 )انظر: ابف عابديف، رد المحتار، ج 3، ص138 . (3 )انظر: وزارة الأوقاؼ والشؤوف الإسلبمية، الموسوعة الفقيية، مطابع دار الصفوة لمطباعة والنشر والتوزيع، الكويت، 1995ـ، ج5، ص34 . (4 )انظر: الجمؿ، حاشية الجمؿ، ج5، ص335 . (5 )قد أورد بعض الآيات وليست ليا علبقة بعنواف المطمب وذلؾ لمناسبة السياؽ .
عدد الصفحات ٣٥26 إفّ أوؿ اشتقاؽ ورد في القرآف مف لفظ القضاء، ىو في قولو تعالى: ﭽﯖﯤﯥﯢ ﯣﯦﯧﯝﯞﯟﯠﯡﭼ(البقرة : 117)،وىذا بياف لكماؿ قدرة الله تعالى، وأنو إذا قدر أمراً وأراد كونو، فإنما يقوؿ لو: كف، مرّة واحدة، فيوجد عمى وفؽ ما أراد. (1) " وىذا إعلبـ مف الله جؿّ ثناؤه عباده، أفّ مما يشيد لو بذلؾ المسيح الذي أضافوا إلى الله جؿ ثناؤه بنوّتو، وا خبار منو ليـ أف الذي ابتدع السماوات والأرض مف غير أصؿ، وعمى غير مثاؿ، ىو الذي ابتدع المسيح مف غير والد".(2) ويلبحظ مف ىذه الآية تبايف واضح في تفسير العمماء لمفظ(قضى) اعتماداً عمى المعنى المغوي لو، ممّا يدؿ عمى أف (القضاء) لفظ استدعى منيـ التمعلُّف، والبحث في أصمو. ويتضح ىذا التبايف أكثر فيما سيأتي مف الآيات-إف شاء الله تعالى-. أكثر المفسريف عمى أفّ المراد بو ىنا (أراد ) (1)، بدليؿ قولو تعالى: ﭽﯪﯫ ﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﭼ(يس: 82)، والذي أميؿ إليو أنّو تعالى لـ يذكر (1 )انظر: الطبري، أبو جعفر محمد بف جرير، (ت310ىػ)، جامع البياف عف تأويؿ آي القرآف، دار الفكر، بيروت، 1992ـ،(د.ط)، ج1، ص510، الطبرسي، أبو عمي الفضؿ بف الحسيف، مجمع البياف في تفسير القرآف، دار المعرفة، بيروت، 1986ـ، ط1، ج1، ص367، ابف عطية، الأندلسي، أبو محمد عبد الحؽ بف غالب،(ت546ىػ)، المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيؽ : عبد السلبـ عبد الشافي، دار الكتب العممية، بيروت، لبناف، 1993ـ، ط1، ج1، ص201، ابف كثير، أبو الفداء اسماعيؿ بف كثير، (ت774ىػ)، تفسير القرآف العظيـ، تحقيؽ : كماؿ عمي الجمؿ، دار التوزيع والنشر الإسلبمية، ميداف السيدة زينب، ط 1،1998ـ، ج1، ص228، وعميو جميور المفسريف . وممف قاؿ: أف العبارة ليست عمى الحقيقة بؿ لسرعة الفعؿ، وعميو فيي مجاز . انظر: السمرقندي، أبو الميث نصر بف محمد، (ت375ىػ)، تفسير السمرقندي المسمّى بحر العموـ، تحقيؽ: عمي محمد معوض وآخروف، دار الكتب العممية، بيروت، لبناف، ط1993ـ، ط1، ج1، ص153، الزمخشري، محمود بف عمر، (ت528ىػ)، الكشاؼ عف حقائؽ غوامض التنزيؿ وعيوف الأقاويؿ في وجوه التأويؿ، (د.ط)، (د.ت)، ج1، ص181 . (2 )الطبري، جامع البياف عف تأويؿ آي القرآف، ج 1، ص508 .
عدد الصفحات ٣٦27 الإرادة في موضع، والقضاء في آخر مف قبيؿ الترادؼ، وا نما يكوف ىذا التنوّع لفروؽ دقيقة-والله أعمـ-، ففي روح البياف ذُكر سبب إطلبؽ القضاء عمى الإرادة بما ىذا نصلُّو: "أطمؽ عمى الإرادة الإليية المتعمقة بوجود الشيء لإيجابيا إيّاه البتّة"(2) .ونظرة واحدة في قولو تعالى: ﭽﮝﮞﮟﮠﮡﭨﭩﮤﭼ(النحؿ: 98)، تكفي لملبحظة أفّ الفعؿ يأتي بمعنى إرادتو المقارنة لو (3) .ىذا بالإضافة إلى معناه. وا طلبقو عمى الإرادة "مجازاً مف استعماؿ المفظ المسبب في السبب. (4) وذىػب آخػروف أف المػراد بػ (قػضػى) ىنػا: قػدّر، أو أمْضػى(5)، أَحْػكَـ(1)، إنػفػاذ المقػدّر(2)، أحْػكَػـ وأتْقَػفَ(3)، حَػكَـ وقػدّر(4)، وصػرّح الطبرسي، فقاؿ: والقضاء والحكـ مف (1 )انظر: ابف وىب، أبا محمد عبد الله بف محمد الدّينري، (ت308ىػ)، الواضح في تفسير القرآف الكريـ، تحقيؽ : أحمد فريد، دار الكتب العممية، بيروت، 2003ـ، ط1، ج1، ص43، ابف كثير، تفسير القرآف العظيـ، ج 1، ص228، الحدّاد، أبا بكر اليمني، (ت800ىػ)، كشؼ التنزيؿ في تحقيؽ المباحث والتأويؿ، تحقيؽ : محمد إبراىيـ يحيى، دار المدار الإسلبمي، بيروت، ط1،2003ـ، ج1، ص164، أبا السعود، محمد بف محمد العمادي الحنفي، (ت982ىػ)، إرشاد العقؿ السميـ إلى مزايا الكتاب الكريـ، وضع حواشيو : عبد المطيؼ عبد الرحمف، دار الكتب العممية، بيروت، 1999ـ، ط1، ج1، ص188، المراغي، أحمد مصطفى، تفسير المراغي، تخريج : باسؿ عيوف السود، دار الكتب العممية، بيروت، 1998ـ، ط1، ج1، ص168 . (2 )البروسوي، اسماعيؿ حقّي الخموتي،(ت1127ىػ)، روح البياف في تفسير القرآف، ضبطو : عبد المطيؼ عبد الرحمف، دار الكتب العممية، بيروت، 2003ـ، ط1، ج1، ص216 . (3 )انظر: العثيميف، محمد بف صالح، تفسير القرآف الكريـ (سورة البقرة )، دار ابف الجوزي، السعودية، 2002ـ، ط1، ج2، ص17 . (4 )الآلوسي، شياب الديف السيد محمود،(ت1207ىػ)، روح المعاني في تفسير القرآف العظيـ والسبع المثاني، ضبطو: عمي عبد الباري، دار الكتب العممية، بيروت، 2001ـ، ط1، ج1، ص366، والمجاز: "ىو مف جاز الشيء يجوزه إذا تعداه، وا ذا عدؿ بالمغة عما يوجبو أصؿ المغة"، الجرجاني، عبد القاىر، أسرار البلبغة، قراءة وتعميؽ : محمود محمد شاكر، دار المدني، جدة، 1991ـ، ط1، ص356 . (5 )انظر: البغوي، الحسيف بف مسعود الفرّاء، (ت516ىػ)، تفسير البغوي المسمّى معالـ التنزيؿ، دار الكتب العممية، بيروت، 1993ـ، ط1، ج1، ص72، أبا حيّاف الأندلسي،
عدد الصفحات ٣٧28 النظائر، وأنّو ىنا بمعنى فعَؿَ(5) .وأمّا عف سبب ىذا الاختلبؼ في معنى القضاء، فيرجع إلى المعنى الذي تضمّنو فتعدّى بو إلى المفعوؿ. وقد جاء الحديث عف خمؽ عيسى-عميو السلبـ- في قولو تعالى:ﭽﭙﭦﭧﭨ ﭩﭪﭫﭬﭭﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭼ(آؿ عمراف : 47)، وبما أنو في العُرؼ تنسب الأشياء الأخرى إلى الأسباب العادية(6)، وقصة مريـ –عمييا السلبـ- لا تُتعارؼ البتة، فقد ذكر تعالى: (يخمؽ) لأف لفظ الخمؽ أقرب إلى الاختراع وأدؿّ عميو(7)، ولـ يقؿ(يفعؿ) كما في قصة زكريا –عميو السلبـ-لئلب يبقى لمبطؿٍ شُبية . (8) محمد بف يوسؼ،(ت745ىػ)، تفسير البحر المحيط، تحقيؽ: عادؿ أحمد عبد الموجود وآخروف، دار الكتب العممية، بيروت، 2001ـ، ط1، ج1، ص525، الثعالبي، عبد الرحمف بف محمد، (ت875ىػ)،تفسير الثعالبي المسمّى بالجواىر الحِساف، تحقيؽ: عمي محمد معوّض وآخروف،دار إحياء التراث العربي،بيروت،1997ـ،ط1،ج1،ص308 . (1 )انظر: أبا عبيدة، معمر بف المثنى، (ت210ىػ)، مجاز القرآف، تعميؽ : محمد فؤاد سزكيف، مكتبة الخانجي، القاىرة، (د.ت)، (د.ط)، ج1، ص52، اليزيدي، عبد الله بف يحيى، (ت237ىػ)، غريب القرآف وتفسيره، تحقيؽ : محمد سميـ الحاج، عالـ الكتب، بيروت، 1985ـ، ط1، ص80 . (2 )انظر: القاسمي، محمد جماؿ الديف،(ت1322ىػ)،تفسير القاسمي المسمّى محاسف التأويؿ، تحقيؽ: محمد فؤاد عبد الباقي، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت، 1994ـ، ط1، ج1، ص335 . (3) انظر: الشوكاني، محمد بف عمي، (ت1250ىػ)، فتح القدير الجامع بيف فني الرواية والدراية مف عمـ التفسير، دار الفكر، بيروت، لبناف، 1983ـ،(د.ط)، ج1، ص133. (4 )انظر: النسفي، عبد الله بف أحمد، (ت710ىػ)، مدارؾ التنزيؿ وحقائؽ التأويؿ، تحقيؽ : مرواف الشعّار، دار النفائس، بيروت، 1996ـ، ط1، ج1، ص121 . (5 )انظر: الطبرسي، مجمع البياف، ج 1، ص367 . (6 )انظر: الزحيمي، وىبة، التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنيج، دار الفكر، دمشؽ، 2003ـ، ط2، ج2، ص251 . (7 )انظر: ابف عطية الأندلسي، المحرر الوجيز، ج 1، ص437 . (8 )انظر: ابف كثير، تفسير القرآف العظيـ، ج 1، ص486 .
عدد الصفحات ٣٨29 أمّا عف سر التعبير بػ(قضى) فيو "للئشارة إلى أف ايجاده للؤشياء ليس إلا مف قبيؿ الحكـ عمييا بالوجود".(1) وجاء في سورة مريـ قولو تعالى : ﭽﮩﮪﮫﮪﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕ ﯖﯤﯥﯢﯣﭼ (مريـ : 21)، فيو–عميو السلبـ- "دلالة وعلبمة لمناس عمى قدرة بارئيـ وخالقيـ الذي نوّع في خمقيـ فخمؽ أباىـ آدـ مف غير ذكر ولا أنثى وخمؽ حواء مف ذكر بلب أنثى وخمؽ بقية الذرية مف ذكر وأنثى إلا عيسى فإنو أوجده مف أنثى بلب ذكر فتمّت القسمة الرباعية الدالة عمى كماؿ قدرتو وعظيـ سمطانو".(2) وذكر المفسروف معاف لػ(مقضيا) كميا تدور حوؿ أنو تعالى قضى بو في سابؽ عممو. (3) وفي السورة ذاتيا قاؿ تعالى :ﭽﯦﯧﯝﯞﯟﯠﯡﯨﯩﯤﯥﯦﯧﯨﯩ ﯪﯫﯬﭼ(مريـ : 35)، وبالنظر إلى ىذه الآية، فإنيا"تفيد انتفاء الولد عنو تعالى بأبمغ وجو لأف لاـ الجحود تفيد مبالغة النفي، وأنو لا يلبقي وجود المنفي عنو، ولأف في قولو : "أف يتخذ" إشارة إلى أنو لو كاف لو ولد لكاف ىو خمقو، واتخذه فمـ يَعُد أف يكوف (إلاّ ) مف جممة مخموقاتو".(4) في الآيات السابقة بدا واضحاً أنيا تتحدّث عف عجيب خمؽ عيسى–عميو السلبـ-، فآية البقرة ابتدأىا تعالى بقولو : (بديع)، والإبداع: ىو إنشاء شيء لـ يسبؽ (1 )أبو زىرة، محمد، (ت1974ـ)، زىرة التفاسير، دار الفكر العربي، القاىرة، (د.ت)، (د.ط)، ج3، ص1225 . (2 )ابف كثير، تفسير القرآف العظيـ، ج 3، ص142-143 . (3 )انظر: الفخر الرازي، محمد بف عمر، (ت 606ىػ)، التفسير الكبير المسمى مفاتيح الغيب، دار الكتب العممية، طيراف، (د.ت)، (د.ط)، ج21، ص200، السمرقندي، بحر العموـ، ج2، ص321، ابف كثير، تفسير القرآف العظيـ، ج 3، ص142، السيوطي، جلبؿ الديف عبد الرحمف بف أبي بكر، (ت911ىػ)، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، دار الكتب العممية، بيروت، 1990ـ، ط1، ج4، ص478، المراغي، تفسير المراغي، ج 6، ص37 . (4 )بتصرؼ يسير : ابف عاشور، محمد الطاىر، تفسير التحرير والتنوير، الدار التونسية لمنشر، تونس، 1984ـ،(د.ط)، ج16، ص103 .
عدد الصفحات ٣٩30 إليو عمى غير مثاؿ ولا مشورة (1)، ووُصِمت بالجممة بعدىا فقاؿ تعالى : (وا ذا قضى...)، فبدأ بذكر كماؿ القدرة بخمؽ سماوات وأرض، عمى غير أصؿ، وبدوف مشورة أحد، وثنّى ببياف سيولة ذلؾ وغيره عميو. و(إذا) ىي لما تُيُقِّفَ وجوده أو رجِّح(2)، وىو ىنا إنفاذ المقدَّر، وخروجو مف العدـ إلى حد الفعؿ، بحيث يصبح لازـ الوجود، والمقصود ىنا عيسى-عميو السلبـ-، ثـ لإثبات أنو خمؽٌ مف خمقو تعالى، قاؿ: (فإنما يقوؿ لو كف فيكوف) و (إنّما) "تأتي إثباتاً لما يُذكر بعدىا ونفياً لما سواه... اعمـ أف موضوع "إنما" عمى أف تجيء لخبر لا يجيمو المخاطب ولا يدفع صحّتو أو لما ينزؿ ىذه المنزلة "(3)، وىو ىنا خطاب مف الله تعالى؛ أف كؿ أمر يقضيو يحصؿ بقولو لو: كف، حقيؽٌ بأف يؤمف بذلؾ كؿ أحد دوف إنكار. واذكر ىنا أف مذىب أىؿ السنة، أنو تعالى قدّر في الأزؿ وأمضى فيو، وعمى مذىب المعتزلة أمضى عند الخمؽ والإيجاد (4)، وعميو فإف القضاء: القطع بإنفاذ المقدّر بخروجو مف العدـ إلى الفعؿ فيصبح بذلؾ لازـ الوجود . أمّا ذكر (أمراً ) ىنا فيو "لكونو منطوياً عمى المفظ والفعؿ".(5) وقاؿ الطبرسي : "إنما استعمؿ لفظة الأمر فيما ليس بأمر ىنا ليدؿ بذلؾ عمى أف فعمو بمنزلة فعؿ المأمور في أنو لا كمفة فيو عمى الآمر "(6)، أمّا في آؿ عمراف فقد سيؽ الكلبـ جواباً لاستفياـ مريـ –عمييا السلبـ- عف الطريقة التي ستحمؿ بيا بولد، (1 )السمرقندي، بحر العموـ، ج 1، ص153 . (2 )المرادي، الحسف بف قاسـ، (ت749ىػ)، الجنى الداني في حروؼ المعاني، تحقيؽ: فخر الديف قباوة ومحمد نديـ فاضؿ، دار الكتب العممية، بيروت، 1992ـ، ط1، ص367 . (3 )الجرجاني، عبد القاىر، دلائؿ الإعجاز، تحقيؽ : محمد رضواف الداية وفايز الداية، دار الفكر، دمشؽ، 2007ـ، ط1، ص333، وانظر: العموي، يحيى بف حمزة اليمني، كتاب الطراز المتضمف لأسرار البلبغة وعمـ حقائؽ الإعجاز، دار الكتب العممية، بيروت، 1982ـ، ط1، ج2، ص202 . (4 )انظر: ابف عطية الأندلسي، المحرر الوجيز، ج 1، ص201، وأمضى: خلب وذىب، وأمضى الأمر: أنفذه، انظر: ابف منظور، لساف العرب، (مَضَى)، ج15، ص129 . (5 )القاسمي، محاسف التأويؿ، ج1، ص353 . (6 )الطبرسي، مجمع البياف، ج 2، ص750 .
عدد الصفحات ٤٠31 وىو استفياـ عمى طريؽ التعجب (1)، لأف في قولو تعالى: (كذلؾ الله يخمؽ ما يشاء) جواب للبستفياـ، وفي (إذا قضى أمراً ...) إضافة لمعناىا الذي سبؽ وذكرتو، فيي في موضع التأكيد لما سبقيا(2)، ومزيمة لمتعجلُّب فالأمور في أصميا ىي إنفاذ للؤقدار، وأمّا أسبابيا العادية، فيي خمؽٌ لله تعالى، وما في معنى القضاء مف الإتماـ والمزوـ مف قطع الاستفياـ والتعجب ما لا يخفى. وأُضيؼ لما سبؽ أنو تعالى في سورة مريـ يقوؿ : ﭽﮝﮞﮟﮠﮡﭨﭩﮤﮥﮦﮦﭼ(مريـ : 20)، والجممة الفعمية مف قوؿ مريـ – عمييا السلبـ- جاءت بصيغة المضارع فنفت عف نفسيا ذلؾ في الماضي والحاضر، فمـ تُطَأ مف زواج أو غيره(3)، ولـ تكف فاجرة تبغي الرّجاؿ، والرّد الذي كاف عمى لساف الوحي ىو: (كذلؾ قاؿ ربؾ ىو عمي ىيف ) فأزاؿ الاستفياـ، ثـ (ولنجعمو آيةً لمناس ورحمة منّا) بمعنى دليؿ عمى كماؿ القدرة ، ورحمة لأف كؿ نبي رحمة لأمّتو(4)،"وا يثار "وا يثار الأولى اسميّة دالة عمى لزوـ اليوف مزيمة للبستبعاد والثانية فعمية دالة عمى أنو تعالى أنشأه لكونو آية ورحمة خاصة لا لأمر آخر ينافيو مراداً بيا التجدد لتجدد الوجوه لينتقؿ مف الاستبعاد إلى الاستحماد ما لا يخفى مف الفخامة"(5) فيزوؿ بذلؾ التعجب. (وكاف أمراً مقضيا)، "ىذه الجممة تذييؿ لمجموع الكلبـ أو للؤخير "(6)، وترى الباحثة أنو أنو لمجموع الكلبـ؛ لأف الآيات السابقة التي تحدثت عف خمقو -عميو السلبـ- انتيت بػ: (إذا قضى...) ولـ تذكر أيّاً منيا الغاية مف خمقو، وىذه الآية أعطت ىذه الزيادة، فبقي الكلبـ عف القضاء، ولكف بدلاً مف التعبير بالماضي جاء التعبير باسـ المفعوؿ لتناسب الزيادة . (1 )انظر: الطبري، جامع البياف، ج 3، ص273، أبو حياف الأندسي، البحر المحيط، ج1، ص483 . (2 )انظر: ابف عطية الأندلسي، المحرر الوجيز، ج 1، ص437 . (3 )انظر: أبو حياف الاندلسي، البحر المحيط، ج1، ص484 . (4 )انظر: ابف كثير، تفسير القرآف العظيـ، ج 3، ص142، الشوكاني، فتح القدير، ج3، ص338 . (5 )الألوسي، روح المعاني، ج 8، ص398 . (6 )الألوسي، روح المعاني، ج 8، ص398 .
عدد الصفحات ٤١32 قمت: عبارة (وا ذا قضى...) أعطت معنى سيولة الإيجاد، وعبارة (إذا قضى...) أعطت معنى تأكيد أنو خمؽ لله، وفي (مريـ : 21) جاءت(ىو عميّ ىيّف) فأغنت عف تكرار (وا ذا قضى...)، وجاءت (ولنجعمو آية لمناس) فأغنت عف تكرار (إذا قضى...)، وجاءت (وكاف أمراً مقضياً )، فاعطى لحظة نفاذ ولزوـ ما كاف الحديث عنو. وأبعد ما قيؿ في ذلؾ: "قطع لممراجعة وا نباء بأف التخميؽ قد حصؿ في رحميا "(1)، وذلؾ لأف فاء التعقيب في قولو تعالى: ﭽﯝﯞﯟﯠﯡﭼ(مريـ : 22)، تخالفو. أمّا الفصؿ في (إذا قضى...) في (مريـ : 35) فلؤنو"كالحجة عمى تنزييو عف الولد... الذي يجعؿ ولداً يكوف محدثاً فيكوف وجوده بعد عدمو بخمؽ ذلؾ القديـ وا يجاده... فيكوف عبداً لو لا ولداً لو فثبت أنو يستحيؿ أف يكوف لله ولد"(2)، وىذا إبطاؿ لشبية النصارى "إذ جعموا تكويف إنساف بأمر التكويف عف غير سبب معتاد دليلبً عمى أف المكوّف ابف الله تعالى، فأشارت الآية إلى أفّ ىذا يقتضي أف تكوف أصوؿ الموجودات أبناء لله"(3) .وىي تبكيت لمنصارى أيضاً"ببياف أف شأنو تعالى إذا قضى أمراً أف يوجد بأسرع وقت فمف يكوف ىذا شأنو كيؼ يتوىـ أف يكوف لو ولد وىو مف أمارات الاحتياج والنقص ".(4) أمػا الآيػة الأخيػرة في تػرتيب سػػور القػرآف الكريػـ التػي تنتػيػي بػ (فػإذا قضى أمػراً ...) ىػي قولػو تعالػى: ﭽﭺﭻﭼﭽﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭼ (غافر: 68) ، وقػد صػرّح البػروسػوي: بػ أفّ القػضػاء ىنػا بمعنى: التػقديػر (5)، وعبػارة (فػإذا قضػى...) جاءت تػذييػلبً للئحيػاء والإمػاتة؛ لأف صيرورة الحيػاة تحػصػؿ لتعمػػيؽ (1 )ابف عاشور، التحرير والتنوير، ج 16، ص84 . (2 )الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 21، ص218 . (3 )ابف عاشور، التحرير والتنوير، ج 16، ص103 . (4 )الألوسي، روح المعاني، ج 8، ص410 . (5 )انظر: البروسوي، روح البياف، ج 8، ص231 .
عدد الصفحات ٤٢33 جوىر الروح النطقية بو، وذلؾ يحدث دفعة واحدة (1)، والإماتة كػذلؾ. "ومف الناس مف يقوؿ إف تكوّف الإنساف إنما ينعقد مف المني والدـ في الرحـ مدة معينة وبحسػب انتقالاتو مف حالات إلى حالات فكأنو قيؿ أنو يمتنع أف يكوف كؿ إنسػاف عف إنساف آخر، لأف التسمسؿ محاؿ، ووقوع الحادث في الأزؿ محاؿ، فلببد مف الاعتراؼ بإنساف ىو أوؿ الناس، فحينئذٍ يكوف حدوث ذلؾ الإنساف لا بواسطة المني والدـ، بؿ بإيجاد الله تعالى ابتداءً "(2)، وعف الفاء في(فإذا قضى...) فيي فاء التفريع (3)، لمدلالة عمى أف ما بعدىا مف نتائج ما قبميا مف حيث أنو يقتضي قدرة ذاتية غير متوقفة عمى العدد والمواد، "وجوّز فييا كونيا تفصيمية وتعميمية أيضاً ".(4) وكمحصِّمة لما سبؽ فإف(إذا قضى أمراً فإنما يقوؿ لو كف فيكوف) وردت أربع مرّات في القرآف الكريـ، ثلبثٌ منيا ضمف الحديث عف خمؽ عيسى –عميو السلبـ-، ومرّة عند الحديث عف الإحياء والإماتة، وكؿ ىذه المواضع ىي قدُرات لا يستطيع أحد الإتياف بمثميا، بدأىا بخمؽ السماوات والأرض ولا ينكر أحد أفّ الله ىو مبدعيا، وأنياىا بالإحياء والإماتة وىي أمر لا ينكره أحد أيضاً، فكأف المقصود أفّ ما ورد بينيا ىو الأسيؿ خمقاً جديرٌ بأف لا ينكره أحد وخصوصاً أنو تعالى يقوؿ : ﭽﭥﭦﭼ (آؿ عمراف : 47)، فقدّـ اسـ الجلبلة عمى الفعؿ لإفادة تقوي الحكـ وتحقيؽ الخبر(5) .والإخبار عف إبداع السماوات والأرض بالجممة الإسمية، لثبوت ذلؾ الإبداع لله وحده دوف شريؾ، أما (يحي ويميت) فقد عُبِّر عنيا بالجممة الفعمية لحدوث ىذا الأمر وتجددلُّه ما دامت الحياة الدنيا. وردت ىذه العبارة في القػرآف المكّي والقرآف المدني بشكؿ متسػػاوٍ لأنيا -والله أعمـ- تتحدث عف الإيماف بالقضاء والقدر وىو أحد أخطر الأمور التي يجب تأسيس (1 )انظر: الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 27، ص86 . (2 )الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 27، ص86 . (3 )ابف عاشور، التحرير والتنوير، ج 24، ص199 . (4 )الألوسي، روح المعاني، ج 22، ص337 . (5 )ابف عاشور، التحرير والتنوير، ج 3، ص248 .
عدد الصفحات ٤٣34 جذور الإيماف بيا عند المؤمنيف منذ البداية وحتى النياية بالموت، وذَكَرت الآيات المدنية خمؽ السماوات والأرض، والآيات المكية ذكرت الإحياء والإماتة، والأمراف لا شؾ أنيما بيد الله فقط. ولكف زادت الآيات المكية صيغة انتفاء الولد عف الله تعالى نيائياً بما يؤسِّس قاعدة السبب في كفر الييود والنّصارى وىو الشرؾ. وما يُرجِّح ذلؾ أف (مف ولد) زيدت فيو لفظة "مف" قبؿ المفعوؿ بو لتأكيد العموـ، "وقد تقرَّر في الأصوؿ أف النكرة في سياؽ النفي إذا زيدت قبميا لفظة "مف" لتوكيد العموـ كانت نصاً صريحاً في العموـ"(1) . ولأف "ما" أيضاً تفيد العموـ، "وىكذا ينتفي ظف الإسراؼ عف نظاـ المغة ويتأكد معنى الاقتصاد الذي يتمثؿ في الانتفاع بالقميؿ في عمؿ الكثير أي في الانتفاع بالعناصر المغوية المحدودة العدد في التصدي لأداء المعاني التي لا حصر ليا مف خلبؿ نسبة عدد مف المعاني لمفظ وليس العكس المتمثؿ في ترادؼ الألفاظ عمى المعنى الواحد ".(2) أمّا لفظ(أمر) فيو لفظ يشار بو للؤمور العظاـ(3)، وأي أمرٍ أعظـ مف الإخبار عنو –جؿّ وعلب- وقدرتو وعظيـ سمطانو . 2.3.1 دلالة التعبير بالقضاء عف الانتياء مف مناسؾ الحج: قد جاء الحديث عف الحج في آيتيف مف القرآف : مع الفعؿ الماضي مف القضاء مرّة، والثانية مع الفعؿ المضارع، أمّا الأولى: فيي قولو تعالى: ﭽﮞﮟﮠﮡﭨﭩ ﮤﮥﮦﮦﮨﮩﮪﮫﮪﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯤﭼ(البقرة : 200)، وجميور المفسريف عمى أفّ المقصود مف القضاء ىنا: الفراغ مف الحج (4)، وزاد آخروف (1 )الشنقيطي، محمد الأميف بف محمد الجَكَني، أضواء البياف في إيضاح القرآف بالقرآف، عالـ الكتب، بيروت، (د.ت)، (د.ط)، ج4، ص278 . (2 )حسّاف، تمّاـ، البياف في روائع القرآف، عالـ الكتب، القاىرة،2000ـ، ط2، ج1، ص293 . (3 )ابف عاشور، التحرير والتنوير، ج 10، ص20 . (4 )انظر: الطبري، جامع البياف، ج 2، ص295، السمرقندي، بحر العموـ، ج 1، ص194، البغوي، معالـ التنزيؿ، ج 1، ص127، ابف عطيو الأندلسي، المحرر الوجيز، ج1، ص276 .
عدد الصفحات ٤٤35 إلى معنى الفراغ معنى الأداء (1)، وزاد الألوسي عمى الفراغ معنى الإتماـ (2)، وآخروف أف المعنى الإنياء(3) .أما عف محور الآية فيي خطاب لمنّاس"إذا فرغتـ مف حجكـ ... فاذكروا الله بـ.. مده"(4)، والفاء في(فاذكروا) تدؿ "أف الفراغ مف المناسؾ يوجب ىذا الذكر"(5)، والمناسؾ ىي: العبادات التي أمروا بيا في الحج(6)، والمراد مف الأمر بالذكر "تحويؿ القوـ عمّا اعتادوه بعد الحج مف ذكر التفاخر بأحواؿ الآباء"(7)، أمّا ذكر ذكر (أو) في الآية فيو "لتحقيؽ المماثمة في المخبر عنو أو أزيد منو ".(8) أمّا عف ذكر القضاء مع فريضة الحج، فإنّو مما لا شؾ فيو أف الحج ركف الإسلبـ الخامس، وفريضة عينيّة فَمَزِمت كؿ مستطيع مسمـ بالغ عاقؿٍ، ولا لفظ يشير إلى تماـ ىذه الفريضة المقصود مف الآية مع لزوميا بيذا الإيجاز غير القضاء، "وقضاء المناسؾ لمحاج أمر مقطوع بو، والنادر أف يعتريو ما يمنعو مف تكميؿ المناسؾ لذا قيِّد قضاؤىا بػ (إذا) الشرطية "(9)، وقد يكوف ذلؾ لمدلالة عمى أنو بعد قوة المجتمع الإسلبمي ما بعد اليجرة إلى المدينة المنورة، وظيور الإيماف عند أصحابو بأوضح برىاف صار الحديث يتجو إلى الأحكاـ، ومنيا فريضة الحج العينية، وعُبِّر عف أدائيا (1 )انظر: القرطبي، مجمع البياف، ج 1، ص431، والخطيب الشربيني، محمد بف أحمد، (ت977ىػ)، السراج المنير، تخريج : أحمد عزلُّو الدمشقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 2004ـ، ط1، ج1، ص431، القاسمي، محاسف التأويؿ، ج3، ص506 . (2 )البروسوي، روح المعاني، ج 1، ص322 . (3 )ابف عثيميف، تفسير القرآف الكريـ سورة البقرة، ج 2، ص431 . (4 )الثعالبي، الجواىر الحساف، ج 1، ص423 . (5 )الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 5، ص184 . (6 )انظر: ابف عطية الأندلسي، المحرر الوجيز، ج 1، ص276، النسفي، مدارؾ التنزيؿ، ج1، ص164، الشربيني، السراج المنير، ج 1، ص209 . (7 )الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 5، ص184 . (8 )حوّى، سعيد، الأساس في التفسير، دار السلبـ،1985ـ، ط1، ج1، ص470 . (9 )أبو زيد، نايؿ ممدوح، دراسات في إعجاز القرآف البياني، مطبعة الأزىر، مؤتة، الأردف، 2006، ط1، ص189 .
عدد الصفحات ٤٥36 ىنا بػ(إذا) والفعؿ الماضي، فكأفَّ أمر ىذا الأداء ممّف حمموا ىذا الإيماف العظيـ أصبح أمراً مقطوعاً بحصولو لأنيـ خير مَف أتبع الإيماف بالعمؿ. وقد ورد أنّو قد يعبَّر بالقضاء عف ما يفعؿ مف العبادات خارج الوقت المحدود، فالقضاء إذا عُمّؽَ عمى فعؿ النفس فالمراد منو الإتماـ والفراغ... وا ذا عُمّؽ عمى فعؿ غيره فالمراد منو الإلزاـ (1) .ولا أميؿ ليذا لأنّو إذا قيؿ: قضيتُ ديني، وقضوا دينَيـ. فلب فلب أرى مبرراً ليذا الفرؽ وأمّا سبب إطلبؽ لفظ القضاء عمى ما فُعِؿ مف العبادات خارج الوقت، فلؤنّو لا يتوجب عمى العبد قضاء غير الفروض، فإذاً لِمزوميا، ولكونو مع قضائيا قد أتـَّ فروضو فمذلؾ سمِّي قضاءً . أما الآية الثانية التي تحدّثت عف الحج فيي قولو تعالى: ﭽﮪﮭﮮﮯﮰ ﮱﯓﯔﭼ(الحج: 29)، والجميور عمى أف معنى القضاء ىنا ىو:إزالة التفث (2)، وذكر بعضيـ معنى: ليتملُّوا(3)، وبعضيـ: ليؤَدلُّوا(4)، وغيرىـ : افرغوا (5)، وذكر صاحب صاحب الدر المصوف معنى: ليصنعوا. (6) (1 )الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 5، ص184، القاسمي، محاسف التأويؿ، ج3، ص506 . (2) انظر: البغوي، معالـ التنزيؿ، ج 3، ص284، الجيلبني، أبا محمد عبد القادر الحسني، (ت561ىػ)، تفسير الجَيلبني، تحقيؽ: محمد فاضؿ جيلبني، مركز الجيلبني، اسطنبوؿ، 2009، ط1، ج3، ص397، النسفي، مدارؾ التنزيؿ، ج 3، ص152، الحداد، كشؼ التنزيؿ، ج 4، ص423، الإيجي، محمد بف عبد الرحمف، (ت905ىػ)، جامع البياف في تفسير القرآف، تحقيؽ : عبد الحميد ىنداوي، دار الكتب العممية، بيروت، 2004ـ، ط1، ج3، ص54 . (3 )انظر: ابف وىب، تفسير ابف وىب، ج 2، ص38 . (4 )انظر: أبا السعود، إرشاد العقؿ السميـ، ج 4،ص379،الشوكاني، فتح القدير،ج3،ص449 . (5 )انظر: البروسوي، روح المعاني، ج 6، ص30 . (6 )انظر: السميف الحمبي، أبا العباس بف يوسؼ بف محمد، (ت756ىػ)، الدر المصوف في عموـ الكتاب المكنوف، تحقيؽ: عمي محمد معوّض وآخروف، دار الكتب العممية، بيروت، 1994ـ، ط1، ج5، ص145 .
عدد الصفحات ٤٦37 أمّا محور الآية فيو"ليقضوا بعد نحر الضحايا واليدايا ما بقي عمييـ مف أمر الحج؛ كالحمؽ ورمي الجمار وا زالة شعث ونحوه"(1)، ولمعمماء آراء كثيرة حوؿ سبب ورود لفظ القضاء ىنا منيا: 1"-القضاء: فصؿ الأمر قولاً كاف ذلؾ أو فعلبً وكؿ منيا عمى وجييف إليي وبشري والآية مف قبيؿ البشري ... أي افرغوا مف أمركـ ".(2) 2"-قضاء التفث كناية عف الخروج مف الإحراـ إلى الإحلبؿ ".(3) 3-القضاء في الأصؿ القطع والفصؿ وأريد بو الإزالة مجازاً... وقيؿ: القضاء مقابؿ الأداء والكلبـ عمى حذؼ مضاؼ أي ليقضوا إزالة تفثيـ، والتعبير بذلؾ لأنو لمضي زماف إزالتو عُدّ الفعؿ قضاء لما فات".(4) وترى الباحثة أف كؿ ما سبؽ يعضده المعنى المغوي لمقضاء، فيو صحيح عمى ىذا، وبما أفّ التفث: ىو الوسخ(5)، فإنو يضاؼ إلى ما ذكره الآلوسي أفّ لفظ القضاء ىنا جاء في غاية الإيجاز فإفّ إزالة التفث أمرٌ واجب شرعاً في كؿ حاؿ عند الاستطاعة، ولمّا كاف الإحراـ لو حكـ خاص فقد جاء التعبير عف الخروج منو بمفظ أعاد الحكـ الأصمي لما يذكر بعده إلى ما كاف عميو بداية، وعُبِّر عف ذلؾ بالفعؿ (1 )القرطبي، أبو عبد الله محمد بف أحمد، الجامع لأحكاـ القرآف، اعتنى بو : ىشاـ سمير البخاري، دار عالـ الكتب، السعودية، 2003ـ، ج12، ص49 . (2 )البروسوي، روح البياف، ج 6، ص30 . (3 )الطبرسي، مجمع البياف، ج 7، ص130 .والكناية: ىي ترؾ التصريح بذكر الشيء إلى ذكر ما يمزمو، لينتقؿ مف المذكور إلى المتروؾ، الكسائي، أبو يعقوب محمد بف عمي، مفتاح العموـ، مطبعة التقدـ العممية، مصر، 1438، ص189 . (4 )الآلوسي، روح المعاني، ج 9، ص139، سبقت الإشارة إلى معنى المجاز . انظر: ص30، ىامش 2 . (5 )انظر: البغوي، معالـ التنزيؿ، ج 3، ص284، الزمخشري، الكشاؼ، ج 3، ص154، ابف عطية الأندلسي، المحرر الوجيز، ج4، ص119، الرسْعفي، عز الديف عبد الرازؽ، (ت661ىػ)، رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيؽ : عبد الممؾ دىيش، مكتبة الأسدي، مكة المكرمة، 2008ـ، ط1، ج5، ص46 .
عدد الصفحات ٤٧38 المضارع لإفادة أف التفثِ معموـ أنّو يتجدّد بشكؿ مستمر، فكمّما حصؿ ثبت لو الحكـ ذاتو إلا حالة الإحراـ المستثناه . إف الآية السابقة ىي المرّة الثانية والأخيرة لذكر ما يتصؿ بالحج ملبزماً لأحد اشتقاقات القضاء، المرّة الأولى في ترتيب سور القرآف الكريـ: كانت في القرآف المدني(1)، أمّا الثانية: فيي في القرآف المكّي، وقد وردت في صيغة المضارع فيو، لإفادة المواضبة عمى ىذه الفريضة كمبِنَة أساسيّة في ترسيخ جذور الإيماف عند أمّة في طَورِ البناء . 3.3.1 دلالة التعبير بالقضاء عف الفصؿ بيف الخلائؽ يوـ القيامة: وبعد فإفّ اثنتا عشر آية قرآنية قُرِفَ فييا الحديث عف أحواؿ تحصؿ يوـ القيامة مع مشتقّات لمقضاء، وىي(2) : 1-قولو تعاؿى: ﭽﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺ ﯻﮈﮉﭼ(البقرة : 210 .) والمقصود مف الآية"تصوير عظمة يوـ القيامة وىوليا وشدتيا، وذلؾ لأف جميع المذنبيف إذا حضروا لمقضاء والخصومة، وكاف القاضي في تمؾ الخصومة أعظـ السلبطيف قيراً وأكبرىـ ىيبة، فيؤلاء المذنبوف لا وقت عمييـ أشد مف وقت حضوره لفصؿ تمؾ الخصومة، فيكوف الغرض مف ذكر إتياف الله تصوير غاية الييبة ونياية الفزع ... لتمثيؿ الخفي بالجمي فكذا ىنا والله أعمـ".(3) (1 )سبؽ الإشارة إلى دلالة ذلؾ . انظر: الرسالة، ص 38 . (2 )ذكر الآيات سيكوف دوف ترتيبيا وفؽ ورودىا في القرآف الكريـ، وذلؾ مراعاة لجمع التراكيب المتشابية التي تتضمف أحد مشتقات القضاء، في مكاف واحد لضرورة ذلؾ في الدراسة . (3 )الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 5، ص216 .
عدد الصفحات ٤٨39 أمّا(ىؿ) في الآية، فيُراد بيا الجحد(1)، فالسؤاؿ استنكاري، ىؿ ينتظروف إلى يوـ القيامة عندما يأتييـ أمر الله وحكمو، وساعتيا يكوف كؿ شيء قد انتيى، أو ىي مفيدة للبستفياـ والتحقيؽ(2)، ويظير أنو موضوع للبستفياـ عف أمر يُراد تحقيقو. وصيغة الغيبة في الآية "تنبيياً عمى أف الزاليف في غاية البعد عف مواطف الرأفة "(3) . والمخاطبوف في الآية ىـ المكذبوف بمحمد–صمى الله عميو وسمـ-(4)، والمعنى: ىؿ ينظروف إلا أف يأتييـ الله في ظمؿ مف الغماـ وفي الملبئكة وقضي الأمر. والجميور عمى أفّ (قُضِي ) ىنا: فُرغ مف حسابيـ(5)، وزاد آخروف لمعنى الفراغ معنى التماـ(6)، وذكر الحداد: "أمضي الحكـ” (1)، أو كشؼ عف حقيقة الأمر ومغيبوْ (2)، وآخروف: وجب العذاب وفُرغ مف الحساب.(3) (1 )انظر: عتريس، محمد، معجـ التعبيرات القرآنية، الدار الثقافية لمنشر، القاىرة، 1998ـ، ط1، ص68 . (2 )انظر: ابف عاشور، التحرير والتنوير، ج 2، ص287 . (3 )البقاعي، نظـ الدرر، ج1، ص388 . (4 )انظر: الطبري، جامع البياف، ج 2، ص327، ابف كثير، تفسير القرآف العظيـ، ج 1، ص339، الطبرسي، مجمع البياف، ج 2، ص538 . (5 )انظر: ابف وىب، الواضح، ج 1، ص68، الزجاج، أبا إسحؽ إبراىيـ بف السَّريْ، (ت311ىػ)، معاني القرآف وا عرابو، تحقيؽ: عبد الجميؿ عبده شمبي، عالـ الكتب، 1988ـ، ط1، ج1، ص281، النحَّاس، أبا جعفر،(ت338ىػ)، معاني القرآف الكريـ، تحقيؽ : محمد عمي الصابوني، مركز إحياء التراث الإسلبمية، مكة المكرمة، 1988ـ، ط1، ج1، ص156، السمرقندي، بحر العموـ، ج 1، ص198، الطبرسي، مجمع البياف، ج 2، ص539 . (6 )انظر: النسفي، مدارؾ التنزيؿ، ج 1، ص167، الإيجي، جامع البياف، ج1، ص146، أبا السعود، إرشاد العقؿ السميـ، ج 1، ص257، جَوىري، طنطاوي،(ت 1358ىػ)، الجواىر
عدد الصفحات ٤٩