المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

احتجاجات المناوئين للخطاب الشرعي

ابراهيم السكران

صفحة ٩ من ١٠

129 والحقيقة أن أكثر النقد الذي يطرح هذه الأيام لاصلة له بالعلمية من قريب ولا بعيد، ف التجني على الاسلاميين أصبح موضة رائجة هذه الأيام، وأنا شخصياً صار عندي موقف سلبي جذري من أي شخص يركب هذ ه الموضة، فالتجني والشماتة وتصوير الحال على غير ماهو عليه مرفوض بكل حدة. فبعض هؤلاء الذين ركبوا الموجة إذا أتى ذكر الاسلاميين فلا نجد عندهم إلا غمطهم قدرهم ، وتغييب محاسنهم، فالاسلاميون عندهم إما أن يتهموهم بما ليس فيهم، وإما أن يشتموهم بما هو من محاسنهم. فاتهامهم بما ليس فيهم: كاتهامهم برفض الأفكار الحديثة لمجرد كونها حديثة، واتهامهم بتهميش قضايا الأخلاق، واتهامهم بالتبعية الفقهية للسياسي. وأما شتمهم بما هو من محاسنهم: كذمهم لتعظيمهم فقه السلف وعنايتهم به، و ذمهم لقلقهم من التغريب ، و ذمهم لرفضهم العقائدي الصلب للأفكار المنحرفة. أما ذكر محاسن الإسلاميين، والتحديات التي تواجههم، وغربتهم في هذا العصر، وكونهم القائم بأمر الاسلام في هذه الظروف العالمية الشديدة؛ فهذا مما لايخطر على بال أولئك أصلاً ، فضلاً عن أن ينوهوا به، وبعض هؤلاء يع تبر نفسه من الإسلاميين ومع ذلك صار عوناً على إخوانه الذين يهمهم أمر الاسلام، وصار خطأ آحاد إخوانه في نصرة الاسلام أعظم في نظره من جرائم الكت اب المنهمكين في تحجيم أمر الاسلام وتضييق نطاق التدين. 24-من الأمور المؤلمة أنك تجد كثيراً من رموز الطوائف الفكرية الذين يلمزون أهل السنة بأنهم لايتحدثون عن الظلم، وأنهم يجب أن يقاوموا الظلم؛ أنك تجد هؤلاء الرموز أنفسهم واقعون في مراتب فظيعة من الظلم، كظلم القرآن بتحريف كثير من آياته، وظلم السلف بالتهكم بفقههم، وظلم أه ل السنة بالتجني عليهم، ونحو ذلك، ثم يتغنون بوجوب م قاومة الظلم، وليتهم صححوا مظالمهم قبل ذلك.

عدد الصفحات ١٢٩

130 25-من الأخطاء المنهجية التي لاحظتها في الطوائف الفكرية تحميل الخطاب الشرعي مسؤولية المتنكرين والدخلاء والمتسللين، فنحن نعرف أن الفقيه الشرعي له منزلة في قلوب المسلمين ولله الحمد، فترى بعض الشخصيات المرتزقة تتزيا بزي الفقهاء وتتظاهر بمظهرهم لتحقيق بعض المكتسبات السياسية كمنصب أو أعطيات ونحوه، فالإنسان الصادق في حب الشريعة وأهلها وأهل السنة، تجده ينفي نسبة هذه الشخصيات للخطاب الشرعي، و بالتالي ينزه الخطاب الشرعي وأهل السنة من أفعالهم، ولكن الشخص الذي في قلبه هوى وشحن اء ضد أهل السنة تجده يفرح بنسبة هذه الشخصيات للخطاب الشرعي ليتوصل إلى إدانة الخطاب الشرعي بسلوكيات هؤلاء المرتزقة. ومن الأمثلة الحية على ذلك، أن المسلمين ولله الحمد جبلت نفوسهم على حب المتدينين والثقة بهم، فيأتي بعض المحتالين فيتزيا بزي المتدينين فيرخي لحي ته ويبالغ في تشمير ثوبه ويضخ تيارات البخور في مكتبه ويفتح مساهمة عقارية يقضم بها أرصدة البسطاء، فالباحث الصادق ينفي نسبة هذه الشخصية للأخيار والمتدينين، وصاحب الهوى الذي يريد إسقاط الخطاب الشرعي تجده يتعامى عن ذلك ويقول: (انظروا إلى المطاوعة يأكلون أموال الناس) فانظر كيف يحمل الفضلاء مسؤولية المحتالين! وأقرب مثل لذلك أنني رأيت مرة أحد الباحثين الماركسيين يحمل الصحابة مسؤولية أفعال بعض المنافقين التي ذمها الله في القرآن! فإذا كان هذا المنافق تسلل إلى الداخل المسلم و تستر بأنه من أصحاب محمد فكيف تحمل الصحابة مسؤولية هذا المحتال! ومن أطرف الأمثلة أنني سمعت أحدهم يقول (أن هناك عينات من الآباء يحولون بين بناتهم وبين الزواج ليستأثروا برواتبهن، وهذه نتائج الخطاب الديني الذكوري عندنا للأسف ) فقلت له: ياسبحان الله، الآن

عدد الصفحات ١٣٠

131 تركت كل كلام أهل العلم عندنا في تحريم العضل والت شنيع فيه وأنه من أفحش الظلم، وذهبت تستدل ببعض المقصرين وتنسبه للخطاب الشرعي! 26-لاحظت أن ثمة شريحة واسعة داخل الطوائف الفكرية لديها (علمانية في فقه الأولويات) فهي تقر معك بثبوت كثير من القضايا الشرعية ، لكن إذا جئت لترتيب الأولويات تراها ترتب الأولويات بحس ب ذوقها وميولها الشخصي، وليس بحسب ترتيب القرآن، وكثيراً ماكنت أسمع أحدهم يقول لي (ليست المشكلة في كون قضايا التوحيد والبدع والفضيلة مهمة ولكن أين فقه الأولويات في عصرنا؟) فإذا بدأت تتحاور معه حول هذا السؤال المجمل اكتشفت أنه قد صمم جدولاً للأولويات من وحي ميوله الشخصية. وهذا كله خطأ كارثي، فكما أن هذه القضايا مصدر شرعيتها القرآن، فكذلك فإن ترتيبها مصدره القرآن، فالقرآن هو المصدر المطلق في ترتيب الأولويات، فما عظمه القرآن يجب أن نعظمه فنكثف الدعوة إليه ونحذر من الخطأ فيه، وما أخره القرآن يجب أن نقتصد فيه ف نقتصد في الدعوة إليه ونتسامح في الخطأ فيه. ومثل هذا التفريق عندهم أعني التفريق بين (شرعية القضايا، وترتيب الأ ولويات بين القضايا) فيحتكم في الأولى للقرآن، ويحتكم في الثانية لذوقه الشخصي؛ له نظائر عندهم، من ذلك تفريقهم بين (النص والتفسير) فيقول لك نحن نؤمن بالنص ولكن نخالف في تفسير النص، فهو يتوهم أن منهج تفسير النص لايرجع فيه للنص ذاته! فكما أن أولئك علمنوا (فقه الأولويات) بفصلها عن حاكمية القرآن، فإن هؤلاء علمنوا (منهج تفسير النص) وفصلوه عن حاكمية النص ذاتها. ومنهج تفسير النص منصوص عليه، ومن أمثلة ذلك: قاعدة فهم القرآن على مقتضى الوضع العربي بما يتضمنه من أساليبها في العموم والخصوص ونحوها من خصائص اللغة العربية (وَكَذَلِكَ أَن ْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا )

عدد الصفحات ١٣١

132 ، وفهم القرآن بمنهج الصحابة (فَإِنْ آمَنُوا بمِِثْلِ مَا آمَن ْتُمْ بِهِ ف َقَدِ اهْتَدَوْ)، وقاعدة رد المتشابه إلى المحكم (مِنْهُ آياَت محُْكَمَات هُنَّ أُم الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابهَِات )، وقاعدة تتبع موارد اللفظ في النصوص (ليس كما تقولون أولم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه "يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم" )، وقاعدة مراعاة الترتيب في النصوص (أبدأ بما بدأ الله به)، وهذه أمثلة فقط، وثمة نماذج كثيرة لكيفية دلالة النصوص على منهج تفسير النص ذاته. 27-طوال مناقشاتي الشخصية مع نقاد الخطاب الشرعي كنت أحرص على الوصول لرؤية علمية، لكن كانت تواجهني عقبات كبيرة، ومن أهم هذه العقبات مشكلة (المراوحة في محل ال نزاع) وهي إشكالية في المنهج المعرفي، وخلاصتها أن المناقش لايستطيع أن يمسك بالسؤال الذي يدور حوله النقاش بل يتقلب باستمرار، ويعيد صياغة السؤال بشكل مناقض، و يقفز إلى سؤال آخر دون وعي، وهذه الإشكالية تسبب لي شخصياً متاعب كبيرة في النقاش معهم، وسأضرب لذلك مثلاً : يأتيك شخص متأثر بالتيارات الفكرية المعاصرة ويقول لك (مشكلة الخطاب الشرعي أنه غائب بتاتاً عن در اسة وبحث المستجدات المعاصرة) تقول له: حسناً، لنرك ز النقاش، سأذكر لك نماذج كثيرة من دراسات الباحثين الشرعيين في القضايا المعاصرة، فإذا ذكرت له بعضها، يقول لي (ولكنهم يعالجون المسائل في هذه الدرسات بطريقة أصول الفقه الموروثة عن السلف، وهذه طريقة تقليد ية انتهت). لاحظ في جوابه هذا كيف قلب الإشكالية دون وعي، فإشكاليته الأولى: أن الخطاب الشرعي لايدرس المستجدات، وإشكاليته الثانية: أن الخطاب الشرعي يدرس المستجدات، لكن ه يدرسها بطريقة أصول الفقه عند السلف! فيتبين بعد ذلك أن مشكلته الحقيقية ليست في دراسة المستجدات من عدمها، وإنما مشكلته الحقيقية مع منهج السلف في فهم الإسلام!

عدد الصفحات ١٣٢

133 ومثال آخر لذلك: يأتيك شاب من ضحايا التيارات الفكرية المعاصرة فيقول لك: (مشكلة الخطاب الشرعي أنه غ ائب تاماً عن قضايا الحقوق والفساد المالي والرشوة ونحوها) فتذكر له نماذج من معالجات الخطاب الشرعي لمثل هذه القضايا، فيقول لك (ولكنهم يتكلمون عن قضايا أخرى مثل الصفات ومعارك الليبرالية الفارغة وغيرها) . فانظر كيف قلب إشكاليته كلياً، ففي البداية كان يدعي أن أهل السنة لايتحدثون عن الحقوق المالية، ثم تحول وصار يقر بأن لهم طرح حول القضايا المالية ولكن لماذا يطرحون قضايا عقدية وفضيلية أخرى؟! فتبين أن مشكلته الفعلية ليست في منح الحقوق المالية اهتماماً وإنما في إلغاء الاهتمامات الشرعية الأخرى. وهكذا تجد التلون والمر اوغة والتقلب في الاسئلة والاشكاليات، وإعادة صياغتها بطريقة تنقض الدعوى السابقة، فيبقى في المراوحة والترنح بين أسئلة فلاشية تنقدح من كل جانب. 28-ومن المشكلات المنهجية الطريفة عند الطوائف الفكرية أنك حين تطالبهم بنماذج يذكرون لك شواهد تفيد نقيض دعواهم تاماً ، ومن ذلك مثلاً: أن يأتيك شخص ويقول لك مشكلة الخطاب الشرعي أنه يغالي في طاعة ولاة الأمور حتى أنه يمنع الإنكار لأنه معصية لولي الأمر، فإذا ذكرت له نماذج من إنكار الفقهاء والدعاة في مسائل كثيرة وضعها النظام السياسي، قال لك (ولكنك تعرف أن فرقة منسوبة للشيخ ر بيع المدخلي تنع ذلك كله) فتقول له: وكيف وقف الإسلاميون تجاه هذه الفرقة؟! إن وقفتهم الحازمة تدل على نقيض مقصودك! ومن أمثلة ذلك أنك تجدهم يقولون الفقهاء يغيرون مواقفهم تبعاً للسياسي، فإذا قلت أعظني مثالاً لو سمحت؟ يقول لك: انظر اختلاط كاوست كيف أفتت بعض الش خصيات الوزارية الرسمية بجوازه، فتقول

عدد الصفحات ١٣٣

134 له: وكيف وقف الإسلاميون تجاه هذه الشخصيات؟ إن وقفتهم الحاسمة والحادة تدل على نقيض مقصودك! وأحدهم قال لي مرة: الإسلاميون يرفضون استنباط شئ جديد من النصوص لايوجد في كتب السلف، قلت له: أعطني مثالاً على ذلك قال: موقفهم السلبي من ظلال القرآن لسيد قطب، قلت له: إذا كان سيد قطب وقع في هنات يسيرة خالف فيها عقيدة السلف، ومع ذلك تجد تفاني الإسلاميين في النقل عنه واستعذاب مقطوعاته فهذا يدل على نقيض قصدك جذرياً! إذا كان هذا موقفهم مع من استنبط وأخطأ، فكيف موقفهم مع من استنبط ولم يخا لف السلف؟! وهكذا يذكرون دوماً شواهد تفيد نقيض مقصودهم. 29-لاشك أن هداية الجميع مطلب شرعي، لكننا سنتكلم هاهنا عن الأولوية أيهما أولى (هداية أهل الأهواء الفكرية ذاتهم؟ أم حفظ الشاب الداعية الصادق من هذه الأهواء الفكرية؟ ) لاحظت بعض الأخيار تأخذه الحماسة في التأثير على أهل الأهواء فيلجأ إلى أن يستميلهم بإرضائهم بالموافقة على صحة بعض طعونهم في الخطاب الشرعي، ظناً منه أنه ببذل هذه المداهنة العلمية سيتألفهم لمنهج أهل السنة، لكن الواقع أن مثل هذا يعود بخسائر أكبر على طالب العلم والداعية الصادق الباحث عن الحق، ولذلك، فإنه يجب أن تكون الأولوية لحماية الشباب الصادق من أهل الأهواء ببيان زيف أفكارهم، فإن اهتدى أهل الأهواء الفكرية فبها ونعمت، وإن تسكوا بأهوائهم فلسنا على استعداد للتفريط بإيمان الشباب المسلم وديانتهم وعبوديتهم لأجل أهل أهواء يشترطون على النص.

عدد الصفحات ١٣٤

135 30-أوجه القصور في الخطاب الشرعي المعاصر: تعرفنا في الجولات السابقة على الشائعات النقدية التي تستهلكها الطوائف الفكرية المعاصرة المخالفة لأهل السنة في منهج الإصلاح والنهضة، واكتشفنا سوياً حجم زيفها وبطلانها، فالسؤال الآن: إذاً ماهي أوجه القصور في الخطاب الشرعي المعاص ر؟ فالحقيقة أن الذي يبدو لي شخصياً أن هناك محورين أساسيين تظهر فيهما تجليات القصور: المحور الأول: نقص التغطية في كل المجالات، فحجم الجهود المبذولة في كل الميادين غير كافية إلى الآن، وسأضرب أمثلةً لذلك: تشهد المجتمعات المسلمة اليوم ألواناً من الوثنية التقليدية، كالاستغاثة بالحسين وسؤاله تفريج الكربات، وهذه المظاهرة موجودة في مجتمعنا المحلي ذاته، وثمة دراسات ذكية وممتازة درست واقع المزارات المعاصرة المنتشرة في البلدان الإسلامية وكشفت نتائج مرعبة من شيوع الوثنية التقليدية، وهذا هو عين الشرك الذي ذهبت أعمار الر سل والأنبياء في محاربته، ومع ذلك لاتزال جهودنا تتقاصر عن معالجة أعظم قضية أهمّت الأنبياء واستولت على هرم أولوياتهم، بل وصلنا إلى درجة أكثر انحطاطاً حيث صار بعض المنتسبين للفكر عندنا يتعامل مع هذه المظاهر بكل برود وكأن حق الله الأعظم لم ينتهك! بل وقد يسخر ممن يؤرقه هذا الأمر ويسعى في معالجته، بل وبعضهم يعتبر معالجته نوع من "الطائفية"! ومن صور القصور أيضاً، أن كثيراً من المجتمعات المسلمة تعاني من (شرك التشريع) أي عدم افراد الله بالطاعة في تشريعاته ، فتسن القوانين تلو القوانين التي تنتهك أحكام الله في المعاملات والجنايات وغيرها. وهذا الشرك الذي قال الله عنه {أَمْ لهَُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لهَُم م ِنَ الد ِينِ مَا لمَْ يأَْذَن بِهِ الِلَُّ } الشورى،21 . فسمى تشريعاتهم شركا . وقال تعالى عنه أيضاً: {اتخََّذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَان َهُمْ أَرْباَباً م ِن دُونِ الِل ِ }التوبة،31. فجعل

عدد الصفحات ١٣٥

136 طاعتهم شركا . وقال تعالى {أَرَأَيْتَ مَنِ اتخََّذَ إِلهََهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا}الفرقان،43. فجعل طاعة الهوى بما يخالف أمر الله نوع من "تأليه الهوى" . ومن أعظم مايبين مركزية (توحيد التشريع ) في مشروعات الأنبياء لللإصلاح أن الله تعالى حين ذكر "الرسل " و"الكتب السماوية" -وهما يمثلان ثلث أركان الايمان الستة- رسم وظيفة الكتب السماوية بصورة أخاذة حيث يقول تعالى: {ف َب َعَثَ الِلَُّ النَّبِي ِينَ مُبَش ِرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنزلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ باِلحَْق ِ لِيَحْكُمَ ب َينَْ النَّاسِ فِيمَا اخْت َلَفُوا فِيهِ }[البقرة:213.] فبا عليك تدبر هذا الشمول الذي ذكرته هذه الآية عن وظيفة الكتب السماوية "ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه" وقارنه بواقع الحال اليوم. والمراد أن جهودنا في معالجة شرك التشريع الذي هو من أعظم نواقض وقوا دح التوحيد لاتزال أقل بكثير بكثير من المستوى المطلوب، بل وظهر لدى البعض نغمة جديدة صار يشعر أن قضية (تحكيم الشريعة) قضية جيدة ولكنها ليست أولوية، المهم هو الحقوق المالية، فاختزلت الشريعة كلها في الحقوق المالية! ومن أمثلة قصور الخطاب الشرعي أن المؤسسات الإع لامية الكبرى اليوم تكثف نشر المواد الإعلامية التي تدفع باتجاه تطبيع العلاقات غير المشروعة بين الجنسين، وتقويض الحواجز الشرعية، وحفظ الأعراض واحد من أعظم مقاصد الشريعة الخمسة، ومع ذلك لاتزال جهودنا دون مستوى المواجهة. ومن أمثلة قصور الخطاب الشرعي أن الطوائف الفكرية المنحرفة تضخ على الشباب اليوم آلاف المقالات التي تتضمن شبهات تزين للشاب المسلم تقحم الشهوات دون تأنيب ضمير، وفيها من تحريف معاني الوحي والتزهيد بفقه السلف واللهج بتعظيم الكفار شيئاً عجباً، وغالبها تقريباً يدور حول إعادة صياغة أحكام الإسلام بما يتناسب مع قيم ومفاهيم الثقافة الغربية عبر الاعتماد على الخلافات والشذوذات

عدد الصفحات ١٣٦

137 الفقهية، فإذا وجدو شذوذاً فقهياً صار المرجح في المسألة ليس النص، وإنما مدى القرب والبعد عن قيم الثقافة الغربية، ولذلك تنتهي هذه الأفكار دوماً إلى (التفسير المادي للإسلام) أي إبراز الجانب المادي في التشريعات وتغييب بقية المحتويات العقدية والفقهية، ومع ذلك لاتزال جهودنا في مكافحة هذه الطوائف الفكرية المنحرفة دون المستوى المطلوب. ومن أوجه القصور أن كثيراً من المناصب والولايات المؤثرة على حياة المسلمين صارت تعطى لغير الأكفاء، وكثير من العقود الحكومية صار ينخرها الفساد من الداخل، وهذا أثر جوهرياً على المصالح الخدمية للمسلمين بشكل عام، وأزمتي الإسكان والصحة بشكل خاص، ولاتزال ج هودنا في المطالبة بالإصلاح دون المستوى المطلوب. هذه نماذج فقط، والمراد منها التأكيد على أننا بحاجة لم ضاعفة الجهود على جميع الجبهات، العقيدية والفضيلية والمالية وغيرها، فليست مشكلة الخطاب الشرعي أنه غالى في جانب وترك جوانب أخرى، بل مشكلة الخطاب الشرعي أنه لا يزال غير قادر على تلبية الاحتياجات في جميع الحقول . والفرق بين أهل السنة وأهل الأهواء الفكرية في تحديد مواطن القصور، أن أهل السنة يطالبون دوماً بجميع الأبواب الشرعية، ويعظمون شأنها جميعاً، لأنها كلها من الدين عندهم، وأما أهل الأهواء فيضربون المطالب الشرعية بعضها ببعض، فأهل السنة يقولون دوماً يجب أن نجتهد في كل الفروض الكفائية، وأهل الأهواء يقولون –مثلاً - أوقفوا جهود التوحي د والفضيلة وتحدثوا في الحقوق المالية فقط. ومن يدعو لمضاعفة الجهد على كل الجبهات فهذا دليل على أنه يريد الأخذ بالدين كله، ومن كان يريد ضرب المطالب الشرعية بعضها ببعض فهذا دليل على أن في نفسه هوى.

عدد الصفحات ١٣٧

138 المحور الثاني: قصور الأخطاء الفردية: لايمكن القول بأن فقهاء ودعاة الخطاب الشرعي معصومون، بل يحدث من الأفراد جميعاً بلا استثناء أخطاء فردية عرضية، فالإنسان يضعف أحياناً في العلم والعمل، يضعف في العلم فيتأول، ويضعف في العمل فيعصي، والواجب علينا جميعاً أن نتناصح في هذه الأخطاء الفردية. لكن من المهم التنبيه إلى أن الأخطاء الفردية لاتحسب على قواعد وأصول أهل السنة ذاتها الموروثة عن خير القرون، فتجد بعض الشباب يأتيك ويقول لك: (الخطاب الشرعي لايعتني بقضايا الأخلاق) فإذا ذكرت له نماذج واسعة من منتجات قضايا الأخلاق، قال لك (أنا أتذكر الشيخ الفلاني غضب مرةً وقال كلاماً، والشيخ الفلاني يهمل في عمله، ونحو ذلك) فمثل هذه الوقائع هي أخطاء شخصية لأفراد وليست أخطاءً لمنهج أهل السنة ذاته! هل يصح أن نأخذ مثلاً القصور البشري الذي اعترى بعض الصحابة ونقول إن منهج النبي في التعليم خاطئ؟! والمراد أن وقوع الخطأ من الأفراد يجب أن يعالج كأفراد، لا أن ننقلب على الخطاب الشرعي ذاته. هذان محوران أرى شخصياً أنهما بحاجة للعناية لتنمية الواقع الإسلامي.

عدد الصفحات ١٣٨

139 -خاتمةوأخيراً ما الدافع لكتابة هذه الورقة؟ الحقيقة أن أعظم دافع لي لكتابة هذه الورقة، وهذه المناقشات السابقة، أنني رأيت نتائج مرة لهذه المقولات النقدية التي تروجها الطوائف الفكرية . بكل صراحة ووضوح أعرف الكثير من الشباب الذين التقيت بهم، أو جرت بيني وبينهم محاورات، أو حصل بيننا اتصال بالمراسلة، وحكوا لي شيئاً من أخبارهم، فرأيت فيها والله العظيم ما يملأ النفس حزناً وكمداً، ترى الشاب عليه سيماء الصلاح و الخير، مشتغلاً بشيء من معاني الوحي أو حفظ نصوصها، ومهموماً بالدعوة إلى الله، بل يحمل هم المسلمين في كل مكان، ويحاول تزكية نفسه بش يء من العبادات، ويمضي بقية وقته في شأنٍ وظيفي من شؤون دنياه، ثم لا يلبث أن يتعرف على هذه المقولات النقدية التي تروجها الطوائف ا لفكرية، فيشحنونه ضد الخطاب الشرعي، و يصدعون ثقته بفقهاء أهل السنة ودعاتهم، فلا يزالون به حتى ينفصل عن مقابس الإيمان، ومغذيات التدين، فيهجر القرآن تدريجياً، وينسى كثيراً من معاني الوحي التي تعلمها، وتتضرر عبادته بشكل ملحوظ، بدءاً بالنوافل مروراً بالواجبات وانتهاءً بالشذوذات الفقهية، وتصبح مجالسه كلها حنق وتذمر من المتدينين والأخيار، وتنبني بينه وبينهم الحواجز تلو الحواجز، ويصورون له أنهم وإياه سيبنون النهضة والحضارة، وهم والله لا حضارة دنيوية ولا دينية، بل كثير منهم يتحول إلى اللهو ومساهرة الأفلام، والشغف بالسفر للخارج . بل والله العظيم أن أحدهم –وهو قارئ نهم - قال لي بكل صراحة: (أنا لي أكثر من عشر سنوات أصلي الفجر إذا ذهبت للعمل الساعة الثامنة) يقولها لي بكل برود والله على ما أقول شهيد، فانظر كيف مات الدين في القلب، إن أسوأ من إطباقه على ترك الصلاة لا مبالاته بما وقع منه، وهذا لا يقع إلا بمن غادر تعظيم الله قلبه، وهذا الشخص لا يكف عن المشاركة دوماً في قضية (كيف نفهم الإسلام؟!) والله شيء مقرف جداً.

عدد الصفحات ١٣٩

140 شباب صار وقتهم بين الأفلام والسياحة وتضييع العبادات، لا يكفّ ون عن توجيه النصائح لعلماء أهل السنة كيف يفهموا الإسلام؟ ! على أية حال فإن المقصود هاهنا أن (شحن الشباب ضد فقهاء ودعاة أهل السنة) صار له دور فعال في توهين التدين في النفوس، وكلما لاحظت هذا الأثر أخذت أتعجب من المعاني العظيمة التي أشارت إليها تلك الآية: (رَب َّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَب َقُوناَ باِلإِْيمَانِ وَلاَ تجَْعَلْ فيِ ق ُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا) الحشر، 10 امتلاء القلب بالغل لأهل الفضل وا –سواءً أصابوا أم أخطأوا- ليس قضية هامشية بتاتاً، بل هي أول عثرةٍ في منحدرات الأهواء السحيقة. ولتتأكد من كلامي تأمل في واقع الطوائف الفكر ية المناوئة للخطاب الشرعي ، وستجد فيهم جميعاً ضعف الصلة بالقرآن، والضعف العبادي العام. ولذلك فإن من أعظم ما يحرق هذه الطوائف الفكرية المخالفة لأهل السنة والجماعة في منهج الإ صلاح والنهضة: الدعوة إلى تلاوة القرآن وتدبر معانيه، وتدبر الأعمال التي يحبها الله وي ذكرها ويعيدها ويحث عليها، فهذا القرآن العظيم أعظم (منظ م للأولويات)، وهو (الجدول الصحيح) لترتيب المطالب الدينية، وقد رأيت شباباً كثيراً كانت لديهم إشكاليات كثيرة بسبب القراءة في بعض الكتب والمقالات الفكرية المنحرفة، فأوصاهم بعض المتخصصين بتلاوة القرآن وتدبر معانيه، فما هو إلا فترة يسيرة حتى زالت عنهم الغشاوة كلها، وتبين لهم المطالب التي يريدها الله من العباد، ودرجاتها وأولوياتها، فصاروا بحمد الله يعظمون ما عظمه القرآن، ويستهينون بما استهان به القرآن، ويقدمون ما قدمه القرآن، ويؤخرون ما أخره القرآن، وأصبحت الرؤية عنهم شديدة الوضوح.

عدد الصفحات ١٤٠

141 فما يريده الله ويحبه وي ريده من العباد ليس لغزاً ، الله أنزل هذا الكتاب ليقرأه عموم الناس فيفهموا منه مراد الله تبارك وتعالى، وأصول المطالب الشرعية . خذ مثلاً: ذكر الله (الصلاة) في كتابه، بلفظها ومشتقاتها كالمصلين والصلوات ، في بضعة وتسعين موضعاً مفرقة في عشرات السور المكية والمدنية، فهل من الممكن أن يذكر الله الصلاة في هذه المواضع التسعين وتكون شيئاً هامشياً بالنسبة لله؟! هل القرآن يستحضر الصلاة بهذه الكثافة بالثناء على أهلها ومعاقبة تاركها وتكون شيئاً ليست الأولوية في الخطاب الدعوي والإصلاحي؟! هل يمكن أن تكون الصلاة بهذه الكثافة في القرآن وليست هي الأولوية في بناء الحضارة والتقدم الانساني؟! وشرع الله أحكام الشريعة كلها على الأرض إلا الصلاة فقد عرج بالنبي  إلى السماء لكي يتلقى تشريعها من الله مباشرة، فكيف بالله عليكم يقدم البعض خطابا ي سميه (خطاب حضاري و إصلاحي ونهضوي إلخ) وتكون الصلاة فيه أشبه بالشأن الشخصي! ومن قرأ كتاب إمام أهل السنة في زمانه محمد بن نصر المروزي المسمى (تعظيم قدر الصلاة) فوالله إن كان في قلبه ذرة صدق في البحث عن مراد الله ورسوله فإنه لا يمكن أبداً إلا أن تتأثر رؤيته للإصلاح والنهضة كلياً، وبالمناسبة فهذا الكتاب من أعظم الكتب في بيان إشكالية الإرجاء الفقهي، وقد كان الشيخ العلامة عبدالله السعد يعظم شأن هذا الكتاب جداً، وقد رأيت من حسن صلاة الشيخ عبدالله شيئاً كان يهزني هزاً، فوالله إن تنفله قبل بداية الدرس (حين كنت أحضر شرحه لسنن الترمذي قبل عشر سنوات) وما فيه من حسن القيام والركوع، وإخباته حين الهوي إلى السجود، شيئاً يجعلني أوقن أن الرجل يعيش مع الصلاة عالماً آخر، وهذه العبودية أرزاق من الله جل وعلا نسأل الله من فضله. وتكلم الله عن جنس "ذكر الله" في عشرات المواضع من القرآ ن، وأما آحاد الأذكار وأنواعها كالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير فهذه لا يمكن إحصاؤها في القرآن إلا بكلفة، فهل يمكن أن يكون الله أفاض

عدد الصفحات ١٤١

142 في وصف الذكر بهذه الكثافة ويكون ليس من أعظم أولويات الخطاب الدعوي والإصلاحي؟، هل الله جل وعلا يغرر بالعباد فيحثهم على ما لا يريده منهم؟! وكذلك ما جاءت به الرسل من الشعائر العظيمة الظاهرة التي يحبها الله (كالركوع ، والسجود، والاعتكاف، والصوم، والذبح، والنسك، والأذكار..) وسائر هذه الأعمال العظيمة امتلأ بها القرآن، وأثنى الله على الأنبياء بحرصهم عليها. ومن قرأ هذا القرآن ورأى ما فيه من تعظيم الله لتزكية النفوس بالعبادات القلبية الباطنة، ثم رأى غياب هذه العبادات عند هذه الطوائف الفكرية ، أدركه الرثاء والألم لأحوال هؤلاء المساكين الذين ضيعوا أعظم مقاصد القرآن ومطالبه. أعظم وأهم و أسمى إصلاحات الأنبياء هو ماجاؤوا به من " المعرفة الإلهية" بما تتضمنه من تصورات صحيحة عن الله والغيب، وبما تتضمنه من عمارة القلوب بالتأله لله، وتزكية النفس البشرية بعبودية القلب لله، فهذه العبادات القلبية التي جاء الرسل بتزكية النفوس بها (والتي يسميها الفقهاء العبادات القلبية، ويسميها علماء السلوك الإسلامي مقامات الإيمان) أطنب القرآن في تشريفها وبيان حب الله سبحانه لها. فما جاءت به الأنبياء من تزكية النفوس وترقيتها وتنويرها بالعبادات القلبية هو أعظم ماجاءت به الأنبياء والرسل ، فأول قضية في جدول أولويات الرسل عمارة القلوب بالله، والعبادات القلبية كثيرة ومن أصولها: الإخلاص، والمحبة، والخوف، والرجاء ، والتوكل ، واليقين، والصدق، والانقياد، والتذلل، والصبر، والاستعانة، والتوبة، ونحوها.

عدد الصفحات ١٤٢

143 وهذه العبادات امتلأ بها القرآن، فهو يبتدئ بالأمر بها أحياناً ، وأحياناً أخرى يثني على من فعلها، وأحياناً أخرى يذم من أهملها، وأحياناً أخرى يعلق بها على الأحداث والقصص، فيفسر النجاح والاستنارة بها، ويفسر الإخفاق والانحطاط بغيابها، إلى غير ذلك من أنماط التعبير التي استعملها القرآن في تأكيد أولوية عمارة القلوب بالله. فالرسل –صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- علموا الناس كيف تتلئ قلوبهم بالإخلاص وتجريد النية وتصفيتها لله، وامتلاء القلب بحب الله، والخوف والخشية والوجل من الله، ورجاء ثواب الله، والتوكل عليه سبحانه وتفويض الأمور إليه والاعتماد التام عليه، وتشبع القلب باليقين القاطع بالله والنبوة والمعاد، وانقياد القلب وتسليمه وخضوعه وانصياعه واستسلامه لله ورسوله وأوامرهما ونواهيهما، والتذلل لله بما يتضمنه من التضرع والاستكانة والإخبات لله سبحانه وتعالى ، والانطراح بين يديه، وإظهار الافتقار لله، والحاجة إليه والتمسكن بين يديه. ففي النفوس فاقة فطرية لا يملؤها إلا الإقبال على الله، وفي القلوب صدع لا يرأبه إلا الانحناء بباب الجواد الغني سبحانه، والصبر على قضاء الله وأقداره الكونية، والاستعانة والاستغاثة والاستنجاد بالله ليعيننا على عبادته، وليعيننا على شؤون دنيانا، ومعاودة التوبة والإنابة والتماس المغفرة والصفح من الله، وأن يبوء الانسان ويقر ويعترف بإثمه و ذنبه. وهذه العبادات القلبية العظيمة التي اعتنى بها الأنبياء والرسل ، وصرفوا جوهر جهودهم في تزكية الناس بها، تنفي آفات النفوس وأدواءها، وتطهرها وتنقيها، فأدواء النفوس هي أضداد هذه العبادات العظيمة، فإذا ضعفت هذه العبادات القلبية امتلأت حقول القلوب بالحشائش الضارة . فضع ف الإخلاص يورث الرياء وحب الظهور والشرف ، وهوس الشهرة ، ونزوة التصدر والرياسة ، وحب العلو على الأقران ، والتزين للمخلوقين.

عدد الصفحات ١٤٣

144 وضعف الخوف من الله يورث الجرأة على انتهاك المقدسات، ويسبب الهلع والخشية من مخلوق ضعيف عاجز مثلك. وضعف الرجاء يور ث القنوط من رحمه الله، وترك العمل تحت ضغوط إحباطات اليأس من عفو الله، والرجاء لا يكون إلا مع العمل، أما الرجاء بلا عمل فيسميه القرآن "الأمن من مكر الله". وضعف التوكل يورث تعلق القلب بالمخلوقين، وانصرافه إلى ملاحظة الأسباب والغفلة عن مسبب الأسباب ذاتها. وضعف اليقين يورث تسرب شيء من الارتياب والشكوك، وتزعزع الحسم بالله وكتابه وسنة نبيه، ويسبب تصدع الثقة بوعد الله وأن الله ناصر دينه ورسله . وضعف الانقياد يورث التردد في التسليم لله ورسوله ، وتنامي الاعتراضات الخفية الباطنة على الشريعة ، والتبرم بنصوص الكتاب والسنة، والسعي للتخلص منها بشتى الطرق الخفية: مثل التأويل والتحريف الملتوي، أو التذرع بالخلاف الفقهي، أو تضخيم دعوى اختلاف الزمان، أو التعلل بالمقاصد لإسقاط النصوص، أو التعلق بالكليات لجحد الجزئيات، ونحو ذلك من التقنيات والوسائل التي تدور حول شهوة التخلص من الانقياد للنص. هذه رأس تعاليم الأنبياء، وتلك جوهر وصاياهم .. لمن كان فعلاً يبحث عن مراد الله ورسوله.. فإذا تدبر الباحث الصادق هذه الحقيقة في القرآن وفي وصايا الرسل واهتماماتهم، وإذا تأمل عمق العبادات القلبية في مشروعات الأنبياء للإصلاح، ورأى غفلة غالب الطوائف الفكرية عنها؛ علم أن حاجة هذه الطوائف الفكرية إلى التزكي بالقرآن وعمارة القلوب بالله تفوق كل الحاجات البشرية اليوم.

عدد الصفحات ١٤٤