المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

احتجاجات المناوئين للخطاب الشرعي

ابراهيم السكران

صفحة ٨ من ١٠

113 (عن عبد الله بن مسعود قال : لما نزلت هذه الآية "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم" شق ذلك على أصحاب النبي، وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله: "ليس كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه {يا ب لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} [ )6937]. نحن هاهنا أمام حالة تصحيح نبوي لتفسير مفهوم الظلم اعتماداً على استقراء موارد لفظ الظلم القرآن، ففسر النبي "الظلم" الوارد في الآية بأنه الشرك، ونبههم إلى الآية الأخرى التي شرحت ذلك هذا المنهج الذي وضحه النبي هاهنا، أعني فهم المفاهيم القرآنية على أساس استقراء معانيها في القرآن والسنة، وليس باختزالها فيما نهوى، لا تزال الطوائف الفكرية في تعاملها مع مفهوم الظلم والعدل تخالفه كلياً! ومن تتبع القرآن وجد فيه الشاهد على طريقة النبي  في التفسير والفهم للنصوص، وبالمناسبة فهذا الحديث من أعظم الأدلة في بيان أن (مناهج قراءة النص) موجودة في النص ذاته، وهي جزء من مضمون النص، فبعض الناس يقول: (نحن نؤمن بالنص، لكن ما هو منهج قراءة النص، هل نقرؤه بالمنهج الألسني أم الفيلولوجي أم الهرمنيوطيقي أم التفكيكي..؟ ) ونحو هذه الاسماء للعلوم و المدارس والمفاهيم الغربية، وهذا السؤال من أساسه سؤال زائف، فمنهج تفسير النصوص موجود في النصوص ذاتها، وليس منهجاً خارجياً يتم إسقاطه من الخارج، وليس هاهنا محل التوسع في هذه القضية، لكن لنعد إلى قضية مفهوم الظلم والعدل كما فسرها القرآن، لا كما تفسرها الطوائف الفكرية بحسب أهوائها، ولنحاول أن نقرأ شيئاً من موارد العدل والظلم في القرآن: فبالإضافة إلى الآية التي ذكرها رسول الله والتي جعلت (الشرك) ظلماً، فإن الله في آيات أخرى جعل (الكفر) ظلماً فقال: (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) البقرة، 254

عدد الصفحات ١١٣

114 وجعل تعالى انتها ك (الولاء والبراء) ظلماً فقال تعالى: (ياَ أَي هَا الَّذِينَ آمَنُوا لا ت َتَّخِذُوا آباَءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَب وا الْكُفْرَ عَلَى الإِْيمَانِ وَمَنْ ي َت َوَلهَُّمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) التوبة، 23 وجعل هؤلاء الذ ين (يفترون على الشريعة ) ليضلوا الناس من أعظم الناس ظلماً فقال: (فَمَنْ أَظْلَمُ ممَِّنِ اف ْت َرَى عَلَى الِلَِّ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيرِْ عِلْمر) الأنعام، 144 وجعل (تحريف النصوص) من الظلم فقال (ف َبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ق َوْلا غَي ْرَ الَّذِي قِ يلَ لهَُمْ) البقرة، 59 وجعل (الفتيا بغير علم) ظلماً فقال(فَمَنِ اف ْت َرَى عَلَى الِلَِّ الْكَذِبَ مِنْ ب َعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) المائدة، 45 وجعل (اتباع الهوى) من الظلم فقال (بَلِ ات َّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ) الروم، 29 وجعل (انتهاك الأشهر الحرم ) من الظلم فقال: (مِن ْهَا أَرْب َعَة حُرُم ذَلِكَ الد ِينُ الْقَي ِمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَن ْفُسَكُمْ) التوبة، 36 وجعل (الغرور) ظلماً فقال: (وَدَخَلَ جَن َّتَهُ وَهُوَ ظَالمِ لِن َفْسِهِ) الكهف، 35 وجعل (الربا) من الظلم فقال : (وَإِنْ ت ُب ْتُمْ ف َلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) البقرة، 279 وجعل (أكل أموال اليتامى) ظلماً فقال: (إِنَّ الَّذِينَ يأَْكُلُونَ أَمْوَالَ الْي َتَامَى ظُلْمًا) النساء، 10 وهذه نماذج فقط مما سماه القرآن ظلماً،والمراد أن كل أ مرٍ أمر الله به، وكل نهيٍ نهى الله عنه، فحفظه نوع من العدل، وانتهاكه نوع من الظلم، والدليل على هذا قوله تعالى في توصيف عام لكافة حدود الله: (وَمَنْ ي َت َعَدَّ حُدُودَ الِلَِّ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) البقرة، 229

عدد الصفحات ١١٤

115 (وَمَنْ ي َت َعَدَّ حُدُودَ الِلَِّ ف َقَ دْ ظَلَمَ ن َفْسَهُ) الطلاق، 1 وهذه الآية شاملة لكل المطالب الشرعية، لأن الحدود في القرآن تشمل كل (الأوامر والنواهي)، وأما تخصيص لفظ الحدود في (الحدود الجنائية) فهذا اصطلاح حادث للفقهاء. والعجيب أنك تجد كثيراً ممن يتحدث عن العدل والظلم، يقول لك: انظر في الدولة الفلانية فهي دولة نموذجية فعلاً في إقامة العدل، وهذا هو المثال الذي يجب أن نحتذيه، برغم أن هذه الدولة المذكورة لا تحكم بالشريعة أصلاً، بل تحكم بقوانين وضعية مناقضة لأحكام الشريعة، فكيف تكون نموذجاً في إقامة العدل وهي لا تحكم بالشريعة ؟، مجرد رفضها للحكم بالشريعة هذا نوع من أشنع أنواع الظلم، كما قال تعالى: (وَمَنْ لمَْ يحَْكُمْ بمَِا أَن ْزَلَ الِلَُّ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) المائدة، 45 فهو يعرف أن ترك تحكيم الشريعة نوع من أشنع أنواع الظلم، وتحكيم الشريعة نوع من أعظم أنواع العدل، وما ذاك إلا بسبب ما قام في نفسه أن العدل هو (العدل المالي) وأن الظلم هو (الظلم المالي)، فإذا رأى دولة فيها محاسبة للظلم المالي (وهذا مطلب من أعظم المطالب ولا شك) ظن أن هذا هو كل الظلم الذي حذر القرآن والسنة منه، وظن أن هذا العدل المالي هو كل العدل الذي أمر الله ورسوله به ، وهذا جهل فظيع بمنهج النبي في فهم النصوص، وجهل بمفهوم العدل والظلم في القرآن والسنة وبالتالي فإن كل نصوص الفضائل الواردة في العدل، وكل نصوص الترهيب الواردة في الظلم، ليست مخصوصة بالعدل المالي والظلم المالي، بل هي شاملة لمظالم التوحيد، ومظالم البدع، ومظا لم الأعراض، ومظالم الأموال، وغيرها من المظالم الشرعية. بل يصل سوء الفهم إلى ما هو أسوأ من ذلك، وأنا أتحدث هاهنا والله العظيم عن وقائع شاهدتها، فأحدهم مرةً ذهب ينقل نصوص ابن تيمية وابن القيم في أن العدل هو أعظم قيمة شرعية، وأن الظلم

عدد الصفحات ١١٥

116 هو أشنع قيمة شرعية، ثم يبني على ذلك: لماذا تهتمون بقضايا العقيدة وبقية المنكرات وتهملون العدل والظلم الذي يصرح ابن تيمية وابن القيم بأنه أعظم شيء في الشريعة؟! أرأيت كيف يصل سوء الفهم ؟!، تصرفاتٌ تج علك أحياناً تخجل من مناقشتها، يتوهم أن ابن تيمية وابن القيم إذا قالا أن العدل هو أهم قيمة والظلم أشنع رذيلة فإنما يعنون بذلك العدل المالي والظلم المالي! كنت أتساءل: هذا الذي نقل نص ابن تيمية وابن القيم، هل فعلاً قرأ الكتاب المنقول منه أم هي مروية بالخطأ؟! لأنه ببساطة لا يكاد ابن تيمية وابن القيم يتحدثان عن العدل والظلم إلا و يوضحان هذه القضية حتى جفت محابرهما، وهو أن العدل مفهوم عام يشمل كل ما أمر الله به، والظلم مفهوم عام يشمل كل ما نهى الله عنه، ومن ذلك على سبيل التمثيل -ولا أدري هل يليق ضرب المثال في هذه البدهيات- أن الإمام ابن تيمية يقول: (ما نهى الله عنه راجع إلى الظلم، وكل ما أمر به ر اجع إلى العدل) [130] وقال الإمام ابن تيمية في الموازنة بين نوعي العدل: العدل في الأمور الدينية، والعدل في الأمور الدنيوية (ومن أعظم العدل: العدل في الأمور الدينية، فإن العدل في أمر الدنيا من الدماء والأموال، كالقصاص والمواريث، وإن كان واجباً وتركه ظلم؛ فالعدل في أمر الدين أعظم منه) [24/251] ومثل هذا يقال أيضاً في بقية المفاهيم الشرعية التي يتداولونها ويفسرونها مادياً، أي يختزلونها في جزءٍ من معناها، وهو غالباً المعنى المادي، وينبذون بقية المحتويات الشرعية للمفهوم. ومن ذلك مثلاً مفهوم (الحقوق) تراهم يقولون كثيراً: أين أنتم عن قضايا الحقوق؟ أين أنتم عن حقوق الناس؟ كيف يغفل الخطاب الشرعي قضايا الحقوق وقد عظم الله قضايا الحقوق إلى الغاية؟ فإذا تأمل الباحث ماذا يقصدون بقضايا (الحقوق) وجدها محصورة في (الحقوق المالية) فقط! فأما حقوق الله، وحقوق رس ول الله، وحقوق

عدد الصفحات ١١٦

117 الوالدين، وحقوق العلماء، وحقوق الأرحام، وحقوق الزوجين على بعضهما، ونحوها، فهذه لا تخطر على بالهم أصلاً أنها جزء من مفهوم (الحقوق الشرعية)، ولن نطيل باستعراض النصوص الشرعية في الحقوق، لأنني أزعم أن القارئ الآن يتذكر أحاديث الحقوق الكثيرة، من مثل (فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً )، (إن لربك عليك حقاً ، ولنفسك عليك حقاً ، ولأهلك عليك حقاً ، فأعط كل ذي حق حقه)، (حق المسلم على المسلم خمس)، (أعطوا الطريق حقها)، وغيرها كثير كثير ، وكل الأحاديث السابقة نقلتها من صحيح الإمام البخاري. و المراد أن كثيراً من هؤلاء حين يقولون: (أين أنتم عن قضايا "الحقوق" التي عظمها الله؟) لا يعرفون مفهوم (الحقوق الشرعية) أصلاً، وسأوضح أمثلة لجهلهم بقضايا الحقوق، فحين تستعلن إحدى الطوائف العقدية بسب أصحاب رسول الله، فلا يعلمون أننا الآن إزاء قضية (حقوق) عظيمة ، فإن من أعظم (حقوق أصحاب رسول الله) الذب عنهم، وصيانة أعراضهم، وكف الأذى عنهم. وهكذا حين يقوم مجموعة من الكتبة الصحفيين بتحريف آيات قرآنية، فإن من أعظم (حقوق كتاب الله) أن ننفي عنه انتحال المبطلين، وهؤلاء لا يعلمون أننا الآن إزاء قضية حقوق، وهكذا. بل والأ طرف من ذلك كله، أنه ربما قام متخصص عقدي بالذب عن صحابة رسول الله، أو قام متخصص في التفسير بالذب عن آيات الله، فتراهم يستهترون بهذه الجهود ويقولون (أين أنتم عن قضايا الحقوق؟)، فهؤلاء قد استغلق على عقولهم قضية الحقوق المالية، ولم يعودوا يفهمون من قضية العدل إلا العدل المالي، ولا يفهمون من قضية الظلم إلا الظلم المالي، ولا يفهمون من قضية الحقوق إلا الحقوق المالية، ولا يفهمون من قضية الإصلاح إلا الإصلاح المالي. وهذه الشؤون المالية لا شك أنها جزء من أصول الشريعة التي عظمتها، وورد فيها أحكام كثيرة لضبطها، كالسرقة والرشوة والغش والاحتكار وقول الزور وأكل أموال الناس بالباطل ونحوها، ولكن جوهرالمشكلة أن هؤلاء اختزلوا الإسلام كله في هذه القضايا المالية، وجحدوا بقية الشرائع والمطالب العقدية والفقهية الأخرى.

عدد الصفحات ١١٧

118 وهذا التفسير المادي ليس مختصاً بمفاهيم الشأن العام، بل حتى المفاهيم العبادية تجدهم يميلون لاختزالها في البعد المادي، فإذا جاؤوا للصلاة قالوا هي رياضة، وإذا جاؤوا للصيام قالوا للصحة، وإذا جاؤوا للحج قالوا للوحدة السياسية، وهكذا، وأما المعاني العبادية لهذه التشريعات فهي مغيبة ومستبعدة عندهم، وهذا شئ لاحظه الفقيه العلامة ابن عثيمين رحمه وقال: (بعض الناس عندما يتكلمون على فوائد العبادات، يحولونها إلى فوائد دنيوية. فمثلا يقولون: في الصلاة رياضة، وإفادة للأعصاب، وفي الصيام فائدة إزالة الرطوبة وترتيب الوجبات، والمفروض ألا نجعل الفوائد الدنيوية هي الأصل؛ لأن الله لم يذكر ذلك في كتابه، بل ذكر أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وعن الصوم أنه سبب للتقوى؛ فالفوائد الدينية في العبادات هي الأصل والدنيوية ثانوية) [2/138] 14-يلاحظ المتابع للنشاط الفكري المعاصر نوعاً من التآلف والانسجام والارتياح النفسي المتبادل ب كثير من أفراد هذه الطوائف الفكرية، في مقابل ضيق الصدر وفقد القدرة على احتمال فقهاء ودعاة أهل السنة، وهذا شيء طريف فعلاً، ومثير لشهية الدراسة والتحليل. 15-من أهم مشكلات هذه الطوائف الفكرية أنها دوماً تقع في (تنقيض الفروض الكفائية) أي وضع المطالب الشرعية أضداداً لبعضها، فهم لا يقولون مثلاً: شكر الله لمن اعتنى بنشر السنن وإماتة البدع، ونحن فريق آخر سنعتني بقضايا الحقوق المالية، بل يجعلون هذه نقيضاً لهذه، بل ويصرحون أحياناً بأن أي

عدد الصفحات ١١٨

119 اشتغال بقضايا العقيدة أو الفضيلة أو مقاومة الربا ونحوها أنه تضييع للجهود وتشتيت للترك يز وصرف للانتباه عن القضية الحقيقية التي هي القضايا السياسية والمالية! فانظر كيف أفسدوا جهودهم بم ثل هذه المتضادات التي يفتعلونها، مع أن أهل السنة كانوا ينتظرون منهم أن يكونوا عوناً لهم على استكمال جهود الإصلاح الشامل فتحولوا إلى معاول هدم بجعلهم بعض الشريع ة نقيضاً لبعضها. ولذلك كان بعضهم يستاءل: لماذا وقف الإسلاميون والخطاب الشرعي ضد شخصيات إصلاحية معروفة مادام أن الإصلاح السياسي والمالي جزء من الشريعة؟! وهذا تزييف للواقع، فكل الشخصيات الإصلاحية التي انتقدها الخطاب الشرعي لم ينتقدها لأنها طالبت بالإصلاح الم الي، وإنما انتقدها لأنها توسلت بالقضية الإصلاحية لتمرير تحريفاتها للشريعة كالإزراء بعلوم السلف، أو التهوين من مرجعية الصحيحين، أو جحد حد الردة، ونحو ذلك، بل إنني أعمم -وأنا مسؤول عن هذا التعميم- وأقول أنه طوال تاريخنا المحلي فإن كل الشخصيات التي اعتنت بشكل عام بـ(النقد السياسي) وأظهرت في نفس الوقت احتراماً للشريعة وعلومها ومنهج أهل السنة ؛ فإنها لاقت تقديراً واحتراماً وإعجاباً في الوسط الإسلامي، وتداولاً لمقالاتها، وهذا الموقف من أشد نقاط التميز في الاتجاه الإسلامي –ولله الحمد- وهو أنه يحترم الشجاعة السياسية بشرط أن لاتتحول إلى جسر لنفي شئ من أحكام الشريعة ومنهج أهل السنة، ونظير ذلك: أننا نحترم الطبيب المبدع بشرط أن لايستغل إبداعه العلمي لترويج الاختلاط بين الجنسين، ونحترم الروائي المبدع بشرط أن لايستغل أدبه لتمرير المجون، ونحترم الإعلامي المتميز بشرط أن لايستغل مهنيته للتأليب ضد الأنشطة الإسلامية، وهكذا. بل تأمل معي في نموذجٍ أكثر دلالةً من ذلك، وهو أن الشخصيات التي تكلمت عن (الجهاد الشرعي) لقيت احتراماً بين الإسلاميين، لكن لما صار بعضهم يستغل عنايته بالجهاد للتهكم بدروس العقيدة، أو تكفير علماء أهل السنة، أو تهديد أمن البلدان الإسلامية واغتيال العاملين في المؤسسات الأمنية وإتلاف

عدد الصفحات ١١٩

120 الثروات العامة للمسلمين، فإن الخطاب الشرعي والإسلاميين بعامة أطبقوا على منافرته وذم طريقته، لأنه اعتنى بالجهاد، ولكن لأنه استغل عنايته بالجهاد لتمرير أفكار منحرفة. وهكذا كل الشخصيات التي تاجرت بالإصلاح السياسي لبث أفكارها المنحرفة فإنه يجب مقاومة تحريفاتها ، لا لأنها اشتغلت بالاصلاح السياسي، وإنما لأنها استغلت الإصلاح السياسي لشرعنة تأويلاتها للنصوص. 16-لاحظت أن كثيراً من الطوائف الفكرية تعرف الخطاب الشرعي باطلاع فعلي على الدروس و البحوث الشرعية، وإنما هم يستمعون لبرامج الفتيا على الإذاعة أو الفتيا في بعض البرامج التلفزيونية، فإذا رأو ا –مثلاً -كثرة أسئلة النساء المتصلات عن قضايا الحيض ظنوا أن الخطاب الشرعي كله مشغول بقضية الحيض، فانظر كيف شكّلوا تصوراتهم عن الخطاب الشرعي بناء على أسئلة النساء في برامج الفتيا العامة! وهذه المناقشة لاتعني الإزراء بفقه الحيض، معاذ الله، فلفظ الحيض ورد في كتاب الله في خمسة مواضع، وكل كتب السنة النبوية التي صنفت على الأبواب أفردت له أبواباً خاصة جمعت فيه سؤالات نساء الصحابة للنبي عن أحكام الحيض، ووضح الله في كتابه: حكم طهارة الحائض، وحكم معاشرة الحائض، وضبط ع دَد النساء بالحيضات، وهو شأن متكرر على المرأة، ويغمض شأنه على كثير من النساء، بل كثير منهن يبقين حيارى لا يعرفن ماذا يصنعن، ويترددن كثيراً هل يصلين أم لا؟ وهل يصمن أم لا؟ بسبب غموض كثير من حالاته عليه ن، وتترتب عليه أحكام ثلاثة من أركان الإسلام الخمسة، وهي الصلاة والصيام والحج، فكيف لنا بعد ذلك أن نستخف بهذا الحكم الشرعي؟! ولكن المقصود هو

عدد الصفحات ١٢٠

121 توضيح الواقع، وأن قضايا الحيض توجد إلا في أسئلة النساء المتصلات ببرامج الفتيا العامة، أما الدروس الشرعية والبحوث العلمية والمحاضرات والخطب ونحوها فأكثرها مشغول بقضايا أخرى. 17-تلاحظ أن كثيراً من النقد الذي توجهه الطوائف الفكرية ضد الخطاب الشرعي يقولون فيه الشيء ونقيضه، وهذا شيء مثير للاستغراب فعلاً، فمثلاً تراهم يقولون لك: لماذا الخطاب الشرعي غائب عن القضايا المعاصر ة؟ ثم تراهم بعد ذلك ينقلبون ويقولون لك: لماذا يدس الفقيه أنفه في كل شيء؟! وتراهم مرةً يقولون لك: لماذا الخطاب الشرعي عنده موقف سلبي من الاستفادة من الغرب؟ ثم ينقلبون في موطن آخر ويقولون لك: لماذا تشتمون الغرب وأنتم تستفيدون منه في كل شيء من الإبرة إلى الطائرة؟! وتراهم مرةً يقولون لك: لماذا الخطاب الشرعي يكرس الاستبداد السياسي والخنوع للنظام السياسي؟ ثم ينقلبون ويقولون لك: يجب أن ننقي الخطاب الشرعي من الأفكار الخطيرة حول الخروج والتكفير والعنف؟! وتراهم مرةً يقولون لك: لماذا أنتم تقدسون مرجعياتكم العلمية وتنحونها سلطة مستبدة وتضيقون ذرعاً بوجود اجتهادات متنوعة؟ ثم ينقلبون عليك في موطن آخر ويقولون: إلى متى وأنتم لا تجيدون إلا التفرق والاختلاف حتى أصبح عندنا أقوال فقهية بعدد طلاب العلم أنفسهم؟! وتراهم مرة يقولون لك: مشكلة الخطاب الشرعي أن ه يتدخل في نيات الآخرين حين ينقدهم، فهذا قصده كذا وهذا قصده كذا. ثم ينقلبون في موضع آخر ويقولون: الدعاة الإ سلاميين لا ينطلقون من منطلقات عقدية وإنما مغازلة للجمهور وبحث عن تصفيق الأتباع ونحو ذلك؟!

عدد الصفحات ١٢١

122 وهكذا في سلسلة تناقضات تبدأ و تنتهي، حتى أنني أحياناً صرت أستمتع بتخيل النقد النقيض، فإذا سمعت أحدهم ينتقد الخطاب الشرعي بقضية ما، صرت أتخيل القضية النقيضة لذلك، وأتوقع أنه سيقولها يوماً ما. 18-تلاحظ أن هذه الطوائف الفكرية تردد دوماً سؤالاً يدور حول قضية (الحلول والبدائل) فيقولون لك كثيراً: أين الحلول والبدائل التي قدمها الخطاب الشرعي في قضايا الاقتصاد والإعلام والسياسة ونحوها؟ (طبعاً للأمانة فكل من سمعته يطرح هذا السؤال لم أره قدم هو حلاً واحداً ، لكن دعنا نكمل تحليل الإشكالية) وهذا السؤال ناشئ عن غياب التمييز بين المحور الموضوعي/التكليفي الذي هو مسؤولية الفقهاء، والمحور الفني/الوضعي الذي هو مسؤولية الخبراء، وبالتالي فإن خبراء الاقتصاد هم الذين ينتجون الحلول والبدائل الاقتصادية، وخبراء الإعلام هم الذين ينتجون الحلول والبدائل الاعلامية، ونحو ذلك، وأما الفقهاء فمسؤوليتهم تحليل الشرعية ودراستها على ضوء علوم الوحي. ثم إن مطالبة الفقهاء بابتكار الحلول في (العلوم الطبيعية والإنسانية) ينطوي في حقيقته على الاستهانة بهذه العلوم! لأن القدرة على فهم هذه العلوم (الطبيعية والانسانية) واستيعابها فقط يحتاج إلى دهور وسنوات طويلة من الدراسة المنهجية المنظمة، ثم مواصلة القراءة والبحث، وورش العمل مع المختصين في ذات المجال. ومع ذلك فكثير ممن يدرسها ويفهمها ويستوعبها يجد مشقة كبيرة في الإبداع فيها وابتكار الحلول والبدائل، لصعوبتها وصعوبة الإبداع فيها وتقدمها المستمر، فكيف نطالب الفقيه والمحدث والمفسر أن يبدع الحلول في هذه العلوم، وأربابها وخبراؤها المختصون فيها منذ دهور يشق عليهم ذلك؟! و كون الفقيه لا يمكنه أصلاً أن يقوم فنياً بابتكار الحلول في العلوم الطبيعية والانسانية، لا يمكن أن يتضح إلا بالأمثلة: فهل يستطيع علماء الشريعة أن يبتكروا حلولاً فنية في طرق الإجهاض الحديثة، والتلقيح

عدد الصفحات ١٢٢

123 الصناعي، وطفل الأنابيب، والهندسة الوراثية ، وهرمونات التوأم، وزراعة الأعضاء، والآليات الفنية للتجميل، ونحوها من النوازل الطبية؟ وهل يستطيع علماء الشريعة أن يبتكروا حلولاً في قضايا اقتصادية فنية متخصصة مثل التحكم في التضخم، وإدارة المخاطر، والقياسات الاكتوارية لمحفظة التأمين، أو ربط العملات، أو آليات التسويق، ونحوها؟ بالطبع لا .. لأنهم غير مؤهلون تفصيلياً بالعلوم الطبيعية والإنسانية التي تكنهم من القيام بالدور الفني، بل كل متخصص من الباحثين يملك تأهيلاً إجمالياً فيما تخصص فيه، ففقهاء المعاملات لديهم تأهيل إجمالي في العلوم المالية، المتخصصون في الفقه الطبي لديهم تأهيل إجمالي في الصور الطبية محل البحث، وأما التأهيل التفصيلي فهذا ليس من صميم عمل الفقيه، ولا يمكنهم أن يدعوا تخصصاتهم ويعيدوا تأهيل أنفسهم تفصيلياً في هذه العلوم الدقيقة والمتخصصة، التي تستدعي دهوراً ليبدع الانسان فيها، إذن ما الحل؟ الحل أن نعزز تواصل الفقهاء والخبراء، ونزيد ميزانيات البحث العلمي الرسمية. 19-لاحظت لدى بعض الفضلاء المهمومين بمعالجة ظواهر الانحراف الفكري مقولة يرددونها، وهي أن (الانحراف الفكري المحلي إفراز لفشل الخطاب الشرعي في تحقيق النهضة وعمارة الدنيا)، وبعضهم يقول (الانحراف الفكري المحلي نتيجة عكسية لخطاب التزمت الفقهي). وهذه بكل صراحة مقولات تفسيرية لا تصمد أمام التحليل العلمي، فالقول ب أن الانحراف الفكري انعكاس لفقهنا المتزمت مقولة غير دقيقة بتاتاً، يؤكد ذلك أنه من المعلوم أن الفقه السائد في مصر وتونس والمغرب العربي وتركيا وغيرها من بلاد الإسلام هو فقه متسامح يميل للروحانية أكثر من الالتزام الفقهي؛

عدد الصفحات ١٢٣

124 ومع ذلك خرج من هذه البلدان أعتى رموز العلمنة والزندقة والإباحية، فلماذا وجدت العلمنة والزندقة في بلدان لا تعرف الوهابية والسلفية؟! الجواب أن قانون "الكفر والنفاق" مر تبط أصلاً بالأهواء التي تجد في الإسلام والوحي قيوداً تزعجها ، فتبين أن هذه المقولة التفسيرية مقولة مغلوطة كلياً. كما أننا لو أتينا لدراسة التاريخ لاكتشفنا أن (الانحراف عن الوحي ) ليس ناشئاً أصلاً عن القصور الدنيوي للمسلمين، بل وجد (الانحراف عن الوحي ) في أزهى عصور الوعي والتقدم، ففي عصور الحضارة الإسلامية في أواسط الإسلام وفي الأندلس وجدت أعتى أشكال الزندقة العقائدية والأدبية، وأنماط من تحريف معاني الكتاب والسنة بما لا يعرفه الانحراف المعاصر أصلاً ! وفي تجارب الأنبياء التي بلغت الكمال والتي هي القدوة، وجدت أعتى أنواع الانحرافات من (كفر) خارج الدولة المسلمة، و(نفاق) داخل الصف المسلم، فهل وجود (الكفر والنفاق) في تجارب الأنبياء الدعوية دليل على فشل الأنبياء في حياتهم المدنية؟ وهل وجود الزندقة والضلالات العقدية والأدبية في عصر الحضارة الإسلامية دليل على فشل هذه الحضارة الإسلامية في بناء الدنيا؟ إذا كانت تجارب الأنبياء هي الكمال والقدوة، فلماذا إذن وجد في عصورهم أغلظ صور (الكفر والنفاق)؟ هل ذلك دليل على فشل الأنبياء والرسل -حاشاهم- في منهجهم الدعوي؟ أم ذلك دليل على أن قانون الكفر والنفاق مرتبط بـ(الأهواء) كما بين ذلك القرآن؟ الدليل التاريخي يؤكد أن (الزندقة والانحراف ) ليست في الأصل انعكاساً للقصور الدنيوي، بل هي في الغالب أهواء ولذائذ تجد الوحي يصادمها، لكنها تستغل القصور الدنيوي لتبرير وجودها. وبناء على التجربة التاريخية للزندقة والانحراف ، نستطيع أن نؤكد بكل وضوح أنه لو بلغ المسلمون اليوم أرقى مراحل التقدم المدني فسيبقى أهل الأهواء يكتبون ضد : "إنما الخمر..رجس " ، "للذكر مثل حظ الأنثيين" ، "والسارق والسارق فاقطعوا أيديهما" ، "وأحل الله البيع وحرم الربا " ، "والذين كفروا يأكلون

عدد الصفحات ١٢٤

125 ويتمتعون كما تأكل الأنعام" ، "ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض" .. إلخ من المحكمات التي تتعارض مع أهوائهم. هؤلاء الزنادقة والمنحرفون لديهم موقف سلبي جوهري من قيود الوحي ، لديهم مشكلة مع أحكام شرعية نص عليها القرآن، وليست القضية كلها نهضة ولا حضارة ولا عمران. وأين تكمن خطورة هذه الفكرة الم غلوطة وهي (أن الانحراف الفكري إفراز لفشل الخطاب الشرعي في تحقيق النهضة)؟ تكمن خطورتها أنها تقود بعض الأفاضل إلى الرضوخ لتبديل بعض الأحكام الشرعية لاستمالة هؤلاء المنحرفين، ثم يكتشف بعد فترة أن المشكلة لدى هؤلاء أكبر بكثير مما يتصور، وأنهم يريدون مسلسل الت خفيضات من الأحكام الشرعية أن يستمر، لأن الأصل المنحرف يتسرب منه من التطبيقات المنحرفة ما لا يحصى، فلا هو الذي حافظ على الشريعة، ولا هو الذي استمال هؤلاء للتدين. 20-تلاحظ أن الطوائف الفكرية يرون حياة الناس وصحافتهم ومجالسهم م ى بشؤون مختلفة، من أخبار سياس ية، وح ديث عن الرياضة، والفن والسينما، والشعر النبطي، وأخبار الحوادث والجنايات، وترهات أخرى كثيرة، فتراهم يشاركون الناس في كل هذه القضايا بكل أريحية، فإذا تحدث أحد الفقهاء أو الدعاة عن قضية عقدية أو فقهية قفز حرصهم على الأولويات كأنما نشط من عقال، وصاروا ين وحون أنتم أشغلتم الناس بقضايا العقيدة والفقه عن مصالحهم إلخ، ولا أدري لماذا لا يرون أن هذه الأوقات الهائلة التي تذهب سدى أنها هي المسؤول الحقيقي عن إضاعة أوقات الناس؟! لا أدري لماذا يمنحون الترفيه شرعية عظيمة في أن يأخذ أوقات الناس، ولا يمنحون عُ شر هذه الشرعية لتداول معاني الكتاب

عدد الصفحات ١٢٥

126 والسنة؟! لا أدري لماذا لا يتذكرون القضايا الكبرى ومصالح الناس إلا حين يج يء الحديث عن الإيمان والدعوة! 21-من المفارقات الطريفة التي لاحظتها عند كثير من الطوائف الفكرية أنهم يقولون (الكلام عن جهم بن صفوان وبشر المريسي وعمرو بن عبيد والنظام ونحوهم هذا كله نبشٌ في قبور التاريخ ونحن اليوم في عصر جديد مختلف كلياً له مفكروه وإشكالياته ) ثم إذا ذهبت وأخذت أقلب مقالاتهم وجدتهم منهمكون في النبش في مقابر التاريخ الأوروبي! فتجدهم في غاية الزهو ووهم الأهمية وهم ينسخون ويلصقون من أسماء فلاسفة القرن السابع عشر (بيكون، هوبز، ديكارت، سبينوزا، جون لوك، ونحوهم) أو فلاسفة القرن الثامن عشر (فو لتير، روسو، هيوم، كانط، ونحوهم) ، بل وأكثر طرافة من ذلك حديث هم التبجيلي المستفيض عن سقراط أفلاطون وأرسطو ونحوهم من فلاسفة التاريخ السحيق، فصارت الإشكالية عندهم ليست في (القبور)، وإنما في (جنسية صاحب القبر) نفسه، فتكتشف أن ذلك الذي يؤذيهم ويسمونه غبار التاريخ يتحول بقدرة قادر إلى رذاذ التاريخ المنعش اللطيف! فإذا قلت لهم: أنتم تتكلمون الآن عن فلسفات أوروبية بائدة لها مئات السنين، فلماذا تستغربون من أهل السنة إذا عرضوا في دروسهم للجهم والمريسي والنظام؟ قالوا لك: (أنت جاهل، هذه الفسلفات لاتزال لها امتداداتها، وآثارها المعاصرة موجودة إلى اليوم، وكثير من النظريات المعاصرة تعود جذورها إلى تلك الفلسفات!) فتقول لهم: وكذلك أفكار الجهم والمريسي لا تزال آثارها موجودة إلى اليوم، وك ثير من المدارس العقدية المعاصرة تعود جذورها إلى أفكار تلك الشخصيات! فما الفرق إذن؟! لن تجد جواباً !

عدد الصفحات ١٢٦

127 22-لاحظت في هذه الطوائف الفكرية أنها لم تستوعب بشكل عميق الفارق بين (علم السلف) و (علم المفكرين المعاصرين) بالإسلام والوحي ومراد الله ورسوله، ولايزال كثيرٌ منهم يجّوز أن تكون طريقة المنتسبين للفكر المعاصر أعلم وأصح في فهم الإسلام من أئمة المسلمين في القرون المفضلة، ويقول لك مالمانع أن يكون كلام هؤلاء المعاصرين عن المقاصد والسنة النبوية وأصول الفقه ونحوها أصح من طريقة السلف؟! أتذكر أحد هؤلاء يحب القراءة لبعض الفرانكفونيين العرب الذين يكتبون في إعادة تفسير التراث، ويردد دوماً بأنه يريد فهماً عقلانياً للإسلام! قلت له يوماً: إن كنت تتوقع أن هذه الشخصيات التي تقرأ لها والتي تعرف أنت أنها أخذت نصوص التراث عن المستشرقين، و كثير منهم معاقر لأم الخبائث، ومع ذلك تتصور أن هؤلاء سيفهمون الإسلام بأصح مما فهمه أمثال سعيد بن المسيب وابن المبارك وعطاء والزهري والأوزاعي والثوري ومالك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، ونحوهم ممن أفنوا أعمارهم في جمع السنة، وتحيصها حديثاً حديثاً، واستيعاب فتاوى أصحاب رسول الله، مع دقتهم في معرفة لسان العرب، وشدة احتياطهم من الفتوى بلا علم، وفوق ذلك كله تصونهم وتقواهم وتعلقهم بالله، إذا كنت ترى أن أصحابك الفرانكفونيين ربما يكونون أفضل فهماً لمراد الله ورسوله من هؤلاء، فهذه والله غاية الخرافة والسذاجة، وليس في ذلك من العقلانية حبة خردل! ياعزيزي أرجو ك فكّر بعقلانية: كيف تقارن أمثال سعيد بن المسيب وعلقمة وعطاء ومسروق ونحوهم من كبار التابعين الذين درسوا بين يدي أجلة أصحاب رسول الله، بأصحابك الفرانكفونيين الذين درسوا على يدي المستشرقين؟! ياعزيزي سعيد بن المسيب حامل علم عمر بن الخطاب حتى كان ابن عمر يسأل ه عن أقضية عمر، واختص بأبي هريرة حتى زوّجه ابنته، ومجاهد بن جبر عرض القرآن على ابن عباس ثلاث مرات يوقفه

عدد الصفحات ١٢٧

128 عند كل آية يسأله عن معناها، وعطاء بن أبي رباح كان يفتي في المناسك وأصحاب رسول الله شاهدون، والحسن البصري لقي خمسمائة من الصحابة، ومن قرأ في تاريخ كبار ا لتابعين ورأى مؤهلاتهم العلمية وقف مشدوهاً إكباراً لأولئك العظماء، فهل تتوقع أن يكون هؤلاء المنتسبون للفكر المعاصر الذين لايعدون أن يكونوا مجموعة من الهواة للكتابة حول التراث الإسلامي، هل تتوقع أن يكونوا أعلم وأكثر جدية في البحث عن مراد الله ورسوله من أولئك ؟! هذا تدمير للعقلانية يا عزيزي، ولا صلة له بتاتاً بها، أرجوك العقلانية أشرف بكثير من هذه التصورات الساذجة، قل أي شئ إلا أن تقول لي هذا مقتضى العقلانية، تصوراتك هذه لاتختلف عن من يتصور أن مجموعة من الشباب الذين اقتنوا مؤخراً عدداً من الكتب التعليمية المترجمة عن الفلسفة من معارض الكتاب أنهم من الممكن أن يكونوا أعلم بالفلسفة من أساطين الفلسفة المعاصرين اليوم. ف هل هذا كلام معقول؟! 23-من الأمور التي لفتت انتباهي عند الطوائف الفكرية المعاصرة كثرة الخلط بين (النقد) و (التجني) ، فتراهم يقولون لك متذمرين: لماذا لا تقبلون النقد؟ لماذا ترفضون التصحيح؟ فإذا قلت له: تفضل ما النقد الذي لديك؟ اكشتفت أنه كله سواليف متناثرة من التجني والبهتان. من المهم هاهنا أن نؤكد بصورة واضحة أن نقد الخطاب الشرعي المعاصر ليس مبدأً مرفوضاً من الأساس، بل وليس مقبولاً فقط، بل هو مطلب شرعي لأنه جزء من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكل فقهاء ودعاة الخطاب الشرعي –بلا استثناء- مارسوا شيئاً من النقد والتصحيح والتصويب كلٌ في مجاله، فالفقهاء ينتقدون دوماً الأخطاء الفقهية، والتربويون ينتقدون دوماً السلوكيات الخاطئة، وهكذا. ولكن هذا النقد مشر وط دوماً بأن يكون نقداً علمياً مبرهناً، وليس شائعات مجالس يستهلكها كسالى المعرفة وضحايا الإعلام المسيس.

عدد الصفحات ١٢٨