97 وأما مايتعلق بـ(الجهم بن صفوان)، وقولهم لم يعد هناك وجود لجهم ولا للجهمية، فقائل هذا الكلام واضح أنه بعيد عن حقل العقيدة، ومعرفة الاصطلاحات الفنية فيها، فكثير ممن ينكر وجود جهم والجهمية يتوهم أن هذا الوصف علَ مٌ على فرقة معينة انتهت، وهذا تصور خاطئ كلياً، فوصف الجهمية والتجهم هو المظلة العامة الذي يدخلون فيها كل فرق التعطيل ، بدأً من الجهمية المحضة وانتهاء بالجهمية الجزئية كالأشعرية والماتريدية. وفي كلام طويل للإمام ابن تيمية شرح في ه مراتب التجهم نجتزئ منه هذه العبارات: (الجهمية على ثلاث درجات، فشر ها "الغالية" الذين ينفون أسماء الله وصفاته..، والدرج ة الثانية من التجهم: هو "تجهم المعتزلة" ونحوهم، الذين يقرون بأسماء الله الحسنى في الجملة لكن ينفون صفاته..، وأما الدرجة الثالثة: فهم الصفاتية المثبتون المخالفون للجهمية لكن فيهم نوع من التجهم، كالذين يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة لكن يردون طائفة من أسمائه وصفاته الخبرية، أو غير الخبرية، ويتأولونها كما تأول الأولون صفاته كلها..، وفي هذا القسم يدخل أبو الحسن الأشعري وطوائف من أهل الفقه والكلام والحديث والتصوف الكبرى، 6/370-372] وكان الإمام ابن تيمية يشير دوماً إلى اختلاف نفاة الصفات في مراتب التجهم، كما يقول مرة: (ليس الناس في التجهم على مرتبة واحدة) [6/368] ولذلكفإن أئمة السنة اعتبروا من أنكر صفة إلهية واحدة فقد دخل التجهم، ولذلك كانوا يرددون: من قال القرآن مخلوق فهو جهمي، برغم أنها صفة واحدة وهي صفة الكلام، ومع ذلك أدخلوه في وصف التجهم. وسبب إطلاق أئمة أهل السنة وصف التجهم على التعطيل الجزئي ه و كونه ذريعة إلى التعطيل الكلي ، أي أن الجهمية الجزئية ذريعة إلى الجزئية المحضة، كما يقول الإمام ابن تيمية: (فالكلام الذي فيه تجهم هو دهليز التجهم، والتجهم دهليز الزندقة) [2/230]
عدد الصفحات ٩٧98 وبسبب مثل هذه الأوهام والتصورات المغلوطة لدى الطوائف الفكرية تجدهم يقولون (أنتم ترددون الجهمية.. الجهمية.. ولايوجد جهمية اليوم!)، حتى أن أحدهم يقول (كتاب ابن تيمية "بيان تلبيس الجهمية" لم يعد له أهمية لأن الجهمية انتهت)، ولا يعرف أن هذا الكتاب رد في الأ صل على (تأسيس التقديس) للرازي الأشعري، لكن سماه ابن تيمية رداً على الجهمية جرياً على طريقة أئمة أهل السنة في تسمية كل فرق التعطيل جهمية . هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن أصول مقالات جهم بن صفوان ثلاثة مقالات: (التعطيل والجبر والإرجاء) ، وكلها اليوم تشربتها ا لأشعرية المتأخرة ، كما يقول الإمام ابن تيمية: (والأشعرية الأغلب عليهم أنهم: مرجئة في باب الأسماء والأحكام، جبرية في باب القدر، وأما في الصفات فليسوا جهمية محضة، بل فيهم نوع من التجهم) [6/55] وأما ما يتعلق بـ(بشر المريسي)، فمن يقول أنه لا وجود اليو م للمريسي ولا للمريسية؛ فهو في الحقيقة لا يعرف بالضبط ماهي إشكالية بشر المريسي، وأنا هنا أعني ما أقول، وحاول عزيزي القارئ أن تتحقق من ذلك بنفسك، فأي شخص يقول لك لم يعد وجود اليوم لبشر المريسي، فاسأله ما هي أصلاً أقوال بشر المريسي؟ وستتفاجأ بالنتيجة! فالتأو يلات التي أخذ بها بشر المريسي وصار بسببها النزاع الشديد بينه وبين أئمة السنة في عصره، هي الآن بعينها موجودة في كتب متأخري الأشاعرة، وهذه مشكلة معقدة فعلاً، ولذلك يقول الإمام ابن تيمية: (وهذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي الناس، مثل أكثر التأويلات التي ذكر ها أبو بكر بن فورك في كتاب التأويلات، وذكرها أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي في كتابه الذي سماه "تأسيس التقديس"، ويوجد كثير منها في كلام خلق كثير غير هؤلاء، مثل أبي علي الجبائي وعبدالجبار بن أحمد الهمداني وأبي الحسين البصري وأبي الوفاء بن عقيل وأبي حامد الغزالي وغيرهم: هي بعينها تأويلات بشر المريسي التي ذكرها في كتابه..،وإن كان قد يوجد في كلام بعض هؤلاء رد التأويل وإبطاله أيضاً ولهم كلام حسن في أشياء، فإنما بينت أن عين تأويلاتهم هي عين تأويلات بشر المريسي، ويدل على ذلك كتاب الرد الذي
عدد الصفحات ٩٨99 صنفه عثمان بن سعيد الدارمي -أحد الأئمة المشاهير في زمان البخاري- صنف كتابا سماه "رد عثمان بن سعيد على الكاذب العنيد فيما افترى على الله في التوحيد"، حكى فيه هذه التأويلات بأعيانها عن بشر المريسي، بكلام يقتضي أن المريسي أقعد بها وأعلم بالمنقول والمعقول من هؤلاء المتأخرين الذين اتصلت إليهم من جهته وجهة غيره، ثم رد ذلك عثمان بن سعيد بكلام إذا طالعه العاقل الذكي : علم حقيقة ما كان عليه السلف، وتبين له ظهور الحجة لطريقهم، وضعف حجة من خالفهم، ثم إذا رأى الأئمة - أئمة الهدى - قد أجمعوا على ذم المريسية، وأكثرهم كفروهم أو ضللوهم، وعلم أن هذا القول الساري في هؤلاء المتأخرين هو مذهب المريسي: تبين الهدى لمن يريد الله هدايته ولا حول ولا قوة إلا بالله) [5/23] حسناً، انتهينا الآن من ذكر الإشكاليتين الأوليين في موضوع الصفات الإلهية وهما شرعية مبحث الصفات الإلهية، وغياب التعطيل في هذا العصر، لنناقش الآن الإشكالية الثالثة، وهي إشكالية الفريق الذي يستنكر فقط الجهود العقدية المبذولة لمقاومة بدع الصفات بأنها تفوق الاحتياجات الفعلية. -الجهود الصفاتية وحجم الاحتياجات: الحقيقة أننا حين نحاول تحليل أنشطة الخطاب الشرعي كالدروس والخطب والبرامج الد عوية التلفزيونية والإذاعية ونحوها، نلاحظ بشكل واضح أن قضية "الصفات الإلهية" لا تلك إلا حضور اً ثانوياً تاماً. فالدروس العلمية الشرعية –مثلاً - متنوعة بين دروس العقيدة، والفقه (وخصوصاً فقه المعاملات المالية المعاصرة) والحديث ، والمصطلح، وأصول الفقه، وقواعد الفقه، ونحوها. وأما دروس العقيدة فهي ليست كلها في "الصفات الإلهية"، فبعضها في كتب الألوهية (كتاب التوحيد، كشف الشبهات، الأصول الثلاثة، ونحوها) وبعضها في كتب العقيدة العامة (الطحاوية الواسطية ونحوها)، وما يجُ عل للعقيدة العامة ليس كله في الصفات الإلهية، بل يعم مباحث القدر، والصحابة،
عدد الصفحات ٩٩100 وأمور البرزخ، وأمور المعاد (كالحوض والشفاعة والميزان والصراط )، والأسماء والأحكام (التكفير) وطاعة ولاة الأمور، وأشراط الساعة (الدجال وعيسى والدابة وخروج الشمس من مغربها ونحوها) وأمثال هذه المسائل. والشاهد من ذلك أن الصفات الإلهية لا تشكل إلا مبحثاً واحداً من مباحث العقيدة، ودروس العقيدة لا تشكل إلا فناً واحداً من فنون الشريعة. وأما الخطب، فأكثر الخطباء يهتم ون بموضوعات المواسم كرمضان، وعشر ذي الحجة والحج، والاختبارات، والإجازة الصيفية، وأحداث العنف، ونحوها، ويندر أن تجد خطيباً مهموماً بقضية الصفات الإلهية. وأما البرامج الشرعية التلفزيونية فأكثرها حول قضايا العلاقة الزوجية والإيمانيات وقصص السيرة والتاريخ ونحوها، وأما برامج الفتيا فهي مرتبطة بأسئلة عامة الناس في الطهارة والصلاة والبيوع وأحكام الزينة والتجمل للنساء، ونحوها. وأما مجالس المتخصصين العقديين فأكثرها تدور حول الرافضة والعلمانيين والليبرالية وحوار الأديان ونحوها. فلا أدري أين هذه الكثافة في التعبئة الصفاتية كما يقولون؟ بل إن من تأمل حال المعاهد الفقهية التقليدية في العالم الإسلامي وما فيها من مناهج كلامية عريقة تبث التعطيل ، ثم رأى الجهود المبذولة في قضايا الصفات؛ تأكد له قطعاً أن هناك تقصير اً فادحاً في إصلاح التصورات في أعظم أركان الإيمان وأعظم مطلوب للبشرية كافة.
عدد الصفحات ١٠٠101 تاسعاً: خلاصات واستنتاجات ناقشنا سوياً في الجولات الثمان السابقة حزمةً من أشهر "المقولات النقدية" التي ترفع عادةً في وجه الخطاب الشرعي، وحاولنا أن نقوم باختبار مدى دقة هذه المقولات النقدية بناء على الفحص العملي لمنتجات الخطاب الشرعي من (دروس، محاضرات، خطب، بحوث، إ لخ)، ويجوز لنا منهجياً أن نتساءل الآن: من أين تنبع هذه الأفكار المناوئة للخطاب الشرعي؟ ومن الذي يخلق هذ ه الشائعات ويروجها؟ والحقيقة أن هذه "المقولات النقدية" التي ترفع في وجه الخطاب الشرعي دوماً تصدرها وتبثها "طوائف فكرية" مختلفة ومتباينة ، باتت معروفة في الساحة المحلية اليوم بنغمتها هذه. وهذه الطوائف الفكرية المنتشرة في الساحة المحلية، وما تفرع عنها من جيوب فكرية وانشقاقات حزبية خاصة، ليست متطابقة في أفكارها، ولا يجوز بتاتاً وضعها في سلة واحدة، ويوجد بينها -ولا شك- فروق جوهرية، ولكن مع ذلك يوجد بينها قسمات مشتركة كثيرة، وأهم اتفاق بين كافة هذه الطوائف الفكرية إجماعهم على رفض (منهج أهل السنة في الإصلاح والنهض ة وعمارة الدنيا) وإن كان بعضهم يوافق أهل السنة في بعض الأبواب الأخرى . وسنحاول في الفقرات القادمة أن نقدم (مستخلصاً) لأهم ما توصلنا إليه سوياً في هذه الورقة بخصوص المقولات النقدية التي توجه ضد الخطاب الشرعي، وسأتبعه ببعض (الاستنتاجات) التي لاحظتها حول خطاب هذه الطوائف الفكرية بشكل عام:
عدد الصفحات ١٠١102 1- ما يردده كثير من هذه الطوائف الفكرية من أن البحث الشرعي المعاصر غائب عن القضايا الفعلية المتصلة بحياة الناس كالأسئلة الاقتصادية والطبية والحقوقية والسياسية ونحوها ظهر لنا جميعاً أنه مجرد شائعة فكرية لا تصمد أمام الدراسة ال علمية لواقع البحوث والدراسات الشرعية، بل إنه تبين لي شخصياً من خلال محاورات وماقشات كثيرة جداً أن كثيراً ممن يردد دعوى جهل الباحثين الشرعيين بالإشكاليات الاقتصادية والطبية والقانونية ونحوها أنه هو ذاته من أجهل الناس بها، وقد جربت ذلك فعلاً في مرات كثيرة، حتى أن أحدهم حين اعترض بمثل هذا الاعتراض الشائع قلت له: هل سبق لك أن قمت بأي استعراض بسيط للدراسات الشرعية في المكتبات المتخصصة كمكتبة الملك فهد وفيصل وجامعة الإ مام وجامعة أم القرى والمعهد العالي للقضاء؟ فكان الجواب بالنفي طبعاً. وشخص آخر قال مرةً: (مشايخك ذولا مايدرون راسهم من ساسهم في قضايا الاقتصاد!) قلت له: يا عزيزي لو حضرت مرةً أي ندوة فقهية يشارك فيها فقهاء المعاملات (من أمثال د.الأطرم و د.الشبيلي ود.العصيمي ود.خالد المصلح ونحوهم) ورأيت نقاشاتهم الفقهية المالية في قضايا فنية متخصصة من مثل: أثر التضخم النقدي وانكماش العملة على العقود الإقراضية، وعقود التحوط (هيجينج)، وصيغ التصكيك والتوريق، والتمويل بالهامش (المارجين) ، وإشكاليات التسوية في بيوع العملات والأسواق المالية (سيتيلمنت)، والمشاركة المتناقصة، والقيود الابتدائية في العملات، وصيغ العلاقة بين أطرا ف البطاقة الائتمانية، ومنتجات الخزينة، ونحو هذه المفاهيم المالية المعاصرة لعلمت أنك لا تفهم أنت في هذه القضايا إلا كما يفهم كتّاب الأعمدة الليبرالية في المستصفى للغزالي! فلا أدري كيف استطعت أن تخدع نفسك بكل هذا الأوهام المعرفية؟!
عدد الصفحات ١٠٢103 لو جاءنا عالمٌ في حقل مع وازدرى نظراءه من العلماء في ذات الحقل لاستهجنا هذا المستوى من الغرور، فكيف يأتينا شخص جاهل أصلاً ويزدري العالم في نفس الحقل، إننا نصبح هاهنا أمام ظاهرة استعلاء مجوفة لا نملك أمامها إلا التبسم فقط، هذا غاية ما يمكن أن نصنع. 2-ما تردده هذه الطوائف الفكرية من أن قضايا الحقوق بعامة، والحقوق المالية بشكل خاص، لا تثل جزءاً من اهتمامات الخطاب الشرعي، إنما هو مجرد دعوى تتناقض مع واقع الدراسات الشرعية وبيانات الدعاة ومقالاتهم، والتي تضمنت الكثير من المواد حول حقوق المتهم، والفساد المالي، وقضايا الرشوة والتزوير والغش والسرقة وأكل أموال الناس بالباطل ونحوها. 3-ما تردده هذه الطوائف الفكرية من أن الخطاب الشرعي لا يعتني بالقضايا الأخلاقية حتى تحول الدين إلى قضايا شكلية؛ مجرد مزاعم تتناقض بشكل صارخ وحاد مع كثرة منتجات الدعاة والخطباء في الترغيب في بر الوالدين، وصلة الر حم، والوصية بالجار، وكفالة اليتيم، وعيادة المريض، وتشييع الجنازة، وإفشاء السلام، وتبسمك في وجه أخيك صدقة، وتقديم النفع المتعدي على النفع الخاص، والمؤمن للمؤمن كالبنيان، ومن كان في حاجة أخيه المسلم، وإصلاح ذات البين، وأداء الأمانة، وتوقير كبار السن. فضلاً عن كثرة الدروس العامة في آداب اللباس، وآداب النوم والاستيقاظ، وآداب الطعام، ونحوها. صحيح أنني اكتشفت بطلان عامة دعاوى مناوئي الخطاب الشرعي، لكن دعواهم هذه –أعني أن الخطاب الشرعي لا يعتني بقضايا الأخلاق- على سبيل الخصوص هي أشد ما وجدت زيفاً وكذباً وتناقضاً مع واقع الخطاب الشرعي، بل الخطاب الشرعي يفوق كل التيارات الفكرية –بلا استثناء- في الحديث عن تفاصيل الأخلاق والآداب الشرعية، ولا يستطيع أحد أن يزايد عليه في هذا المجال إطلاقاً، وكلي أمل من القارئ الكريم إذا أتيحت له فرصة زيارة متاجر الصوتيات الإسلامية أن يقو م باستطلاع
عدد الصفحات ١٠٣104 عام على المواد الصوتية المسجلة للدعاة والخطباء وسيرى غزارة ملفتة للانتباه في الحديث عن قضايا الأخلاق، وإذا وجدت فرصة أخرى مناسبة فأتنى أن تزور المكتبات المتخصصة في الكتب الشرعية وسيذهلك حجم المطبوعات التي تدور حول قضايا الأخلاق والسلوك والإيمانيات والرقائق وحسن الصلة بالله ونحوها، فكيف يقال إن الخطاب الشرعي ينتج تديناً شكلياً مجوفاً؟! هذه الدعوى هي أكثر دعاوى المناوئين للخطاب الشرعي نصباً واحتيالاً. 4-لم يستوعب كثير من الطوائف الفكرية نمط معالجة الفقهاء للاحتياجات المدنية، فهم يظنون أنه يجب أن تفرد هذه المشاكل حسب أوعيتها وتصنيفها المعاصر، وفقهاء الخطاب الشرعي لا يلتزمون في معالجتهم للاحتياجات المدنية هذه الأوعية، بل يدرجون كل قضايا الواقع واحتياجاته تحت المفاهيم الشرعية، فإذا تحدثوا عن (فريضة العدل) سواء حين تر في الآيات القرآنية في دروس التفس ير أو في الأحاديث النبوية في دروس الحديث ، فإنهم يتحدثون عن تطبيقاتها عامة ، فيستعرضون عامة المظالم كالغش والرشوة وسرقة المال العام والخاص، ونحوها، وهكذا بقية المفاهيم الشرعية ذات الصلة ، فإنهم يتحدثون عنها بحسب مرورها في دروسهم في تفسير القرآن والحديث. 5-ما تقوله هذه الطوائف الفكرية عن كون الخطاب الشرعي يشيع الاستهانة بالعلوم غير الشرعية كالطب والاقتصاد والعلوم التقنية ونحوها بما سبب لنا تخلفاً مدنياً؛ هذا كله غير صحيح إطلاقاً، وإنما الخطاب الشرعي لأهل السنة فيه مبدأ واضح وهو أن (العلوم غير الشرعية التي تحتا جها الأمة فرض كفاية)، فكيف أصبحوا يزهدون في ذلك وهم يقولون أنه فرض كفاية؟! من أراد أن يزهد في الش يء قال
عدد الصفحات ١٠٤105 إنه مكروه أو مباح، أو مستحب على أقل الأحوال، فأما من يجعله فرض كفاية، بما يعني أن المسلم يأثمون إذا لم يوجد فيهم من يتعلمه، فكيف يقال أن هذا تزهيد وتن فير عن العلوم غير الشرعية؟! ثم إن هذه الفرضية الكفائية ليست أصلاً حكماً تنفرد به العلوم غير الشرعية، بل حتى العلوم الشرعية يقسمونها إلى مرتبتين: (ما لا يقوم دين المرء إلا به) مثل كيفية وضوئه وصلاته وحجه (إذا أراد الحج) والتي افترضها الله عليه، فهذه المرتبة من العلم الشرعي فرض عين، وطلب هذه المرتبة من العلم أشرف وأولى من كل ما على الأرض من أنواع العلوم والثروات المادية، ومن شك في شرف هذه المرتبة فلديه مشكلة مع الإسلام ذاته وليس مع قضاياه التفصيلية، ومن كان يجهل هذه المرتبة من العلم الشرعي بمعنى أنه يجهل كيف يتوضأ ويصلي ويصوم تفريطاً وتهاوناً ، فهو في أحط المراتب البشرية ، وإن كان يملك من العلوم الدنيوية ما تنحني له الأكاديميات الغربية، والإنسان قبل هذه المرتبة من العلم كالميت في ظلمات الأرض، وهذا النور الشرعي يحييه ويض يء له الطريق ، فهو التنوير الحقيقي، كما قال تعالى في هذه المقارنة الأخاذة (أَوَمَنْ كَانَ مَي ْتًا فَأَحْي َي ْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يمَْشِي بِهِ فيِ النَّاسِ كَمَنْ مَث َلُهُ فيِ الظ لُمَاتِ لَيْسَ بخَِارِجر مِن ْهَا) [122]. فمن شك في انحطاط هذا الإنسان الجاهل بمعاني الوحي التي يحتاجها فهو مرتاب في مثل هذه القواطع القرآنية. وأما المرتبة الثانية من العلوم الشرعية، فهي (العلوم الشرعية التفصيلية) كاستيعاب الأحاديث النبوية، ومعرفة قواعد القبول والرد وتييز العلل، والعلم بلسان العرب وأوجه تصرفها فيه، وتييز مواضع الإجماع من مواضع الاختلاف، و نحوها من العلوم الشرعية التفصيلية فهذه أصلاً "فرض كفاية" ولا يجب على كل مسلم تعلمها، بل لو انصرف جميع المسلمين لتعلم العلوم الشرعية على التفصيل لفاتت على المسلمين مصالحهم المدنية الكفائية الأخرى، ولذلك أشار القرآن في قوله (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِي َنْ فِرُوا كَافَّةً ف َلَوْلا ن َفَرَ مِنْ كُل ِ فِرْقَةر مِن ْهُمْ طَائِفَة لِي َت َفَقَّهُوا فيِ الد ِينِ) [122].
عدد الصفحات ١٠٥106 والمراد أن هذين النوع ين من العلوم ( العلوم غير الشرعية التي تحتاجها الأمة ) ، و (العلوم الشرعية التفصيلية) أنهما كل يهما فرض كفاية، وأما المفاض لة بينهما فتختلف من المفاضلة الذاتية (لما في ذات الأمر) والمفاضلة الاعتبارية (أي باعتبار كل شخص وما تأهل له) وليس هاهنا موضع تفصيل ذلك. والخلاصة أن القول بأن الخطاب الشرعي هو المسؤول عن تخلف العلوم المدنية في المجتمع المسلم ، هذا كله لا يقوله إلا من هاب مواجهة المسؤول الحقيقي عن ضياع مصالح المسلمين المدنية، فصار يرمي المسؤولية فوق ظهر الخطاب الشرعي متظاهراً بالشجاعة النقدية في عصر المقلدين! 6-ما تشيعه الطوائف الفكرية من أن الخطاب الشرعي يرفض الاستفادة من المنجزات الغربية، تبين لي أنهم لا يقصدون العلوم الاقتصادية والطبية والإدارية ونحوها مما ثبت عدم معارضته للشريعة، لأن هذه يعرفون جيداً أن الخطاب الشرعي دائم الإشادة والتنويه بها، ويعرفون أن أكثر الإسلاميين ليسوا أصلاً في تخصصات فقهية، بل أكثر الإسلاميين في تخصصات مدنية، وإنما تبين لي أنهم يقصدون "الجزء المعار ض للشريعة" ، ولكنهم لصعوبة مواجهة الناس بذلك، يفضلون الغمغمة واستخدام الشعارات المجملة. فمثلاً حين يقول: (لماذا لا تستفيدون من العلو م الاقتصادية الغربية ؟) تقول له: (هذه المصرفية الإسلامية أخذت كثيراً من صيغ وأنماط الاقتصاد الغربي) فيقول لك: (ولكنهم لا زالوا يرفضون نظام الفائدة الذي تقوم عليه بنوك العالم كله، ولا زالوا يرفضون كثيراً من العقود متعللين أن فيها غرراً ، ونحو ذلك). فهو في الحقيقة لا يقصد الاستفادة مما ثبت عدم معارضته للشريعة، وإنما يقصد الجزء المتعارض مع الشريعة، لكن لأنه يجد صعوبة اجتماعية في أن يقول: (لماذا لاتأخذون الاقتصاد الغربي بخيره وشره ؟) فإنه يقول: (لماذا أنتم ضد الاستفادة من الغرب ؟). وهكذا من يقول : (لماذا لا تستفيدون من آليات التفوق
عدد الصفحات ١٠٦107 الإعلامي الغربي) تجده يقصد التساهل في تبرج المرأة والمعازف ونحوها، وليس يقصد الآليات الإيجابية ال تضمن للإعلام مهنية وجاذبية. 7-ما تكرره الطوائف الفكرية من أن الخطاب الشرعي مجرد ذيل وتابع للسياسي يتناقض جذرياً مع الواقع التاريخي للخطاب الشرعي، فقضايا البنوك الربوية، وحوار الأديان، والفعاليات الغنائية، والتوسعة الأفقية للمسعى، واختلاط كاوست، ونحوها من الأمثلة كلها كانت قضايا حساسة بالنسبة للنظام السياسي المحلي، ومع ذلك تسك عامة رموز الخطاب الشرعي فيها بالتحريم، وأنا إلى هذه الساعة - على كثرة ما تابعت من تاريخ الخطاب الشرعي - لا أعرف مسألة واحدة بدّل الخطاب الشرعي فيها حكم الله ورسوله لأجل صفقة سياسية مع السياسي. وأما ما يقال من أن دعاة الخطاب الشرعي لا يطالبون بالحقوق المالية للناس، فهذا غير صحيح، فالحديث عن الحقوق المالية والفساد المالي صار اليوم شأناً مشتركاً يكتب فيه الجميع، وما أكثر ما شارك الكتّاب الإسلاميون غيرهم من الناس في الكتابة عن مشكلات سوء القطاع الخدماتي كوزارة الصحة، وانتشار الرشوة في بعض الدوائر الحكومية، وكارثة لصوص سوق المال، وكارثة الغلاء، ونحوها. وأما ما يقال من أن بعض المحتسبين استعملوا (المديح السياسي) فهذا الأسلوب –أعني أسلوب الاستقواء بالسياسي لتعزيز القضايا محل الاهتمام - هو اليوم أسلوب مشترك تستعمله جميع التيارات الفكرية بلا استثناء، حتى الإ صلاحيون السياسيون أنفسهم، فقد دبجوا المديح لرأس الهرم في كثير من افتتاحيات بياناتهم الإصلاحية، و أثنوا على شخصيات سياسية رفيعة أخرى تشاركهم اهتماماتهم. على أن القضية الأهم في إشكالية (المديح السياسي) هي: هل كان المديح لتحقيق (مصلحة شخصية)
عدد الصفحات ١٠٧108 كمنصب وأعطيات ونحوه؟ فهذا تزلف وتلق ممقوت، أم أن المديح لتحقيق (مصلحة دعوية) كمقاومة منكر ونحوه؟ فهذا اجتهاد لبعض الدعاة ويحكون فيه أدلتهم. 8-من الملاحظات الطريفة أن كثيراً ممن يتهم الخطاب الشرعي بأنه خاضع للسياسي، أنه هو ذاته ضحية لـ(الإعلام المسيّس)، وسأضرب لذلك أمثلة يعتبر بها ماكان من جنسها: تجد أهل العلم عندنا يتكلمون ويفتون في الفكر الشيعي منذ عقود في دروسهم، فإذا كانت الظروف السياسية تيل للتهدئة مع القوى الفارسية غيّب الإعلام المسيس هذه الفتاوى، وإذا توترت الأجو اء التقط الإعلام المسيس تلك الفتاوى وضرب بها صدر صفحاته بالبنط العريض ، وبشكل متتابعٍ مكثفٍ يومي، فيأتي البسطاء ويقولون: مشايخنا تبع للاتجاهات السياسية، أين هم عن الشيعة، لماذا انهمرت فتاواهم هذه الأيام؟! وماعلم هذا المسكين أنه هو الذي وقع ضحية أدوات الهيمنة الإعلامية السياسية! ومثال آخر: تجد أن العلماء أفتوا في مسائل متنوعة مما يهم شؤون المسلمين العامة وبفتاوى كثيرة جداً، فيغيبها الإعلام المسيس، ثم يأتي سائل ويسأل العماء عن حكم لعبة (البوكيمون) فيفتون هذا السائل كما هي عادتهم بفتوى واحدة في وقتها وينتهي الأمر بالنسبة لهم، فيأتي (الإعلام المسيس) ويصنع دوياً لهذه الفتوى الوحيدة ، ويستكتب نائحاته المستأجرات، ويتفجّعون أياماًًَ على قضايا الأمة التي ضيعت وانشغلنا بالبوكيمون ، ويمضي المأتم يزداد عويلاً يوماً بعد يوم، فيأتي المستهلك الضحية ويبتلع الطعم ويقول: لماذا علماءنا مشغولون بالبوكيمون؟ أين هم عن قضايا الأمة الكبرى؟! وماعلم هذا المغدور أنه ضحية للإعلام المسيّس الذي أظهر فتوى حول لعبة، وغيب مجلدات حول قضايا أخرى، فهذا التحكم الإعلامي المنظم في الحاضر والغائب من فتاوى العلماء بهدف التأثير السلبي
عدد الصفحات ١٠٨109 طويل المدى على صورة الفقيه الشرعي في الوعي الاجتماعي صار له ضحايا كثيرون للأسف الشديد، وهم يتوهمون أنهم خارج الطبخة السياسية ، بينما هم يحر كون داخل الق در منذ سنوات. 9-تبين لي أن جماهير الطوائف الفكرية الذين يتحدثون عن الشاطبي والموافقات ومقاصد الشريعة، ودورها في إعادة صيا غة العقل الشرعي المعاصر؛ تبين لي أنهم لم يقرؤوا الموافقات أصلاً، ولا يعرفو ن السيرة الذاتية للشاطبي، ويبدو لي أنهم رأو ا (الشاطبي) يتلقى الإطراء الفكري الهائل في الكتب الفرانكفونية، ويعرض كمخل ص لأزمة الخطاب الشرعي المعاصر، فقاموا بربط تلقائي بين ما يطالبون به وما كتبه الشاطبي، حتى أن بعضهم إذا نقلت له أقوال الشاطبي في تعظيم الجزئيات الشرعية، وجعل مصلحة حفظ الدين مقدمة على مصلحة حفظ الأموال والنفوس، وتشنيعه المستمر على الأخذ بالأيسر في الخلافيات وتتبع رخص المذاهب الفقهية، وانتصاره لقاعدة سد الذرائع بأدلة وبر اهين كثيرة، واعتباره أن سد الذرائع جزء من مقاصد الشريعة، ووضعه العقل في مرتبة تبعية للنص، واعتباره العقل غير قادر على معرفة تفاصيل المصالح، وتكريسه لمرجعية السلف وتشنيعه على كل التفسيرات والقراءات المعارضة لطريقة السلف، وكثرة الحط على الاختلاف وذمه، وترسيخ ه العجيب لمرجعية العلماء وأنهم قائمون في الأمة مقام النبي وأنه ينبغي الاعتراض عليهم، ونحو ذلك من أصول وقواعد الشاطبي المقاصدية التي عرضها في الموافقات، أقول إذا رأى هؤلاء مثل هذه النصوص تصيبهم دهشة وحيرة في غاية الغرابة، بل بعضهم يعود ويسألك: أنت متأكد أن هذه النصوص قالها الشاطبي؟! بل أحدهم وكان منهمكاً كلياً طيلة عدة سنوات بصياغة تأصيلات فقهية يدعم فيها ما يسميه التسامح الفقهي (وهو في الحقيقة تساهل محض) قال لي صراحة: (الجابري خدعنا بالشاطبي! ) هكذا والله بكل وضوح، فيا ضيعة الأعمار
عدد الصفحات ١٠٩110 أن تذهب الطاقات والجهود ضحية كذبات أطلقها مسترخٍ على طرف مكتبه في جامعة محمد الخامس بالرباط! 10-اكتشفت أن هناك هناك ظاهرة جديدة اسمها (الإيمان بكليات الإسلام والكفر بجزئياته) وهذه الظاهرة الجديدة خلاصة معتقدها أنهم يرددون دوما (الإسلام دين العدل والحقوق والحرية والحضارة والتسامح الخ) وهذا الكلام كله حق، فهذه المعاني كلها موجودة في الإسلام، فإذا قلت لهم وهل تؤمنون بحد الردة؟ قالوا: لا، وهل تؤمنون بالبراء من الكفار؟ قالوا لا، وهكذا، فصارت عقيدتهم الإيمان بالمعاني الإجمالية والكفر بالأحكام التفصيلية. 11-ما تردده هذه الطوائف من التزهيد في (علم الصفات الإلهية) ناشئ إما من الجهل بقيمة الصفات الإلهية، وكونها متعلقة بأعظم أركان الإيمان وهو الإيمان بالله، وشدة حضورها في القرآن، وكون أعظم آيات القرآن وسوره فرع عن تضمنها لصفات الله، وكون التشريعات وأنواع العبودية كلها من مقتضيات أسماء الله وصفاته، وبالتالي فالمساس بالصفات الإلهية مساس بالموصوف جل وعلا، والتحريف في نصوص الصفات أعظم من التحريف في نصوص التشريعات كالحدود أو الربا ونحوها ، وكون أئمة السلف في شتى الأمصار –وهم أعلم بالإسلام من المنتسبين للفكر المعاصر- أطبقوا على التشنيع على تأويل الصفات وقالوا فيها مالم يقولوه في فاعل الكبائر كالزاني والمرابي وشاب الخمر. وإما ناشئ من الجهل بوجود المخالف في هذا العصر في قضايا خلق القرآن والتجهم ونحوها، وخصوصاً أنهم لا يعرفون ماذا يعني مصطلح (التجهم) ولا ما هي أفكار (بشر المريسي)، ولا يدرك هؤلاء أن غالب
عدد الصفحات ١١٠111 المعاهد الفقهية التقليدية في العالم الإسلامي متأثرة إما بالأشعرية أو الإباضية أو الشيعة، وأن جماه هؤلاء لا زالوا يقررون في كتبهم ودروسهم أن (القرآن مخلوق)، أي أن ال قرآن الذي سمعه جبريل من الله أنه مخلو ق، وأن الكلام الذي سمعه موسى مخلوق إما في الشجر أو الحجر أو نحوها. وهذا كله تجر ؤ على صفة إلهية عظيمة بالتحريف المناقض لطريقة السلف في الإثبات والتسليم، وطريقة أئمة السلف طريقة سهلة قريبة ، خلاصتها أن (القول في الصفات فرع عن القول في الذات) فكما أنكم يا معاشر الفرق العقدية جميعاً تثبتون لذات الله صفة (الوجود) على وجه يليق به، فلتثبتوا له كل صفة أثبتها لنفسه على وجه يليق به، ولا داعي للتدخل والتجرؤ على الذات الإلهية بالتحليلات الذهنية المجردة، فإن مثل هذا مما يضعف توقير الله في القلب، وهذا أمر مشاهد محسوس، وكثير من هؤلاء المعاصرين فيهم فضل وخير، ولهم جهود فقهية ودعوية وإيمانية مشكورة انتفعت بها أمم من الناس، لكنهم -عفى الله عنهم- وثقوا في الكتب الكلامية للمتأخرين، والله وحده المأمول أن يبهجنا باجتماع المسلمين جميعاً على طريقة أئمة السلف في فهم الإسلام والوحي. 12-تلاحظ في هذه الطوائف الفكرية اشتراكها في الت هكم بكثير من التصورات العقدية والفقهية عند أهل السنة، ومن الأمثلة على ذلك اتفاق هذه الطوائف الفكرية جميعاً على الاستهانة بباب الصفات الإلهية في العقيدة، والتبرم بقاعدة سد الذرائع في أصول الفقه، والتهاون في الوزن الثبوتي لصحيحي البخاري ومسلم في علم الحديث، ونحوها من الأصول العقدية والفقهية والحديثية والمنهجية التي اتفق عليها أهل السنة، بينما اتفقت هذه الطوائف الفكرية جميعاً على مخالفتهم فيها.
عدد الصفحات ١١١112 13-لاحظت أن من أهم أسباب الخلل عند الطوائف الفكرية جميعاً هو (التفسير المادي للإسلام) أو التفسير المادي لمفاهيم الو حي، فيأتون إلى مفاهيم قرآنية نبوية، ثم يفسرونها مادياً، أي يبرزون الجوانب المادية منها، ويستبعدون بقية المحتويات العقدية والفقهية، ثم يستحضرون النصوص التي تعظم هذه المفاهيم ويتساءلون لماذا أهدر الخطاب الشرعي هذه الجوانب ولم يولها العناية التي أولتها النصوص الشرعية؟! وسأضرب أمثلة لتوضيح ذلك، وليكن المثال مما يكررونه هم كثيراً، ألا وهو قضية العدل والظلم، فهم يأتون لمفهوم (العدل والظلم) ويختزلونها في العدل المالي، والمظالم المالية، ثم يأتون للنصوص التي تعظم العدل وتشنع الظلم ويحملونها على تفسيرهم، ثم يحاججون الخطاب الشرعي ويقولون لماذا أهملتم العدل المالي والمظالم المالية برغم أن النصوص جعلت العدل أعظم قيمة، وجعلت الظلم أشنع رذيلة؟! وهذه قضية سمعتها وقرأتها كثيراً، وهي قولهم إن الخطاب الشرعي غائب كلياً عن قضايا العدل والظلم. ومصدر الخلل هاهنا أنهم فسروا (العدل والظلم) بحسب أهوائهم، لا بحسب تفسير بقية النصوص لمعنى العدل والظلم، والإنسان الصادق في البحث عن مراد الله يرجع في تفسير المفاهيم الشرعية للنصوص لا إلى هواه الشخصي، وهذا واحد من أبجديات أسس البحث العلمي، وهو الرجوع إلى صاحب النص في تفسير نصوصه، لا إسقاط أغر اضك الشخصية على مفاهيم الآخرين! فإذا قرأ الإنسان القرآن وجد أن العدل مفهوم شامل لكل مطالب الشريعة، والظلم مفهوم شامل لكل مناهي الشريعة، وهذه قضية شرحها أهل السنة كثيراً، ولنقرأ سوياً حواراً دار بين النبي والصحابة تفسير جزء من معنى الظلم والعدل الوارد في النصوص، حيث جاء في البخاري:
عدد الصفحات ١١٢