81 إله إلا هو الحى القيوم. قال" فضرب في صدرى وقال: "والله ليهنك العلم أبا المنذر 1921] وأما قصتي مع هذا الحديث فهو أنني حين قرأته لأول مرة، كنت مشدوداًلجواب أبي بن كعب، كيف عرف أبيّ بمحض تأمله الشخصي أن آية الكرسي هي أعظم آية؟ كنت أقول لاحقاً ربما لو سئلت أنا مثل هذا السؤال لدار في خلدي أنها "آية الدين" لما فيها من تنظيم الحياة العامة، أو آية "يا أرض ابلعي ماء ويا سماء اقلعي" لما فيها من روعة البيان التصويري الأدبي، أو نحوها من الآيات، لكن أن تكون آي ة الكرسي فليس لدي أي خلفية توحي لي بأنها أعظم آية، لكن أصحاب النبي لما كانت تربيتهم على يدي رسول الله علموا أن "الأسماء والصفات الإلهية" هي أعظم موضوع من موضوعات القرآن، وبالتالي فالآية التي تتضمن ذلك ستكون حتماً هي أعظم آية، وهذا الحديث لا أعرف حديثاً في التدليل على عبقرية فقه أصحاب النبي وعمق فقههم في دين ا وتبحرهم في حقائق الوحي أكثر منه، ولذلك ظهر في هذه القصة التي رواها أبيّ شدة عجب النبي وفرحه بجواب أبيّ حتى أنه ضرب في صدره وقال "ليهنك العلم"، ولاحظ أنه خص "العلم" أي أن معرفة أن الأسماء والصفات الإلهية هي أعظم موضوع من موضوعات القرآن يدل على علم صاحبه. لننتقل لقصة أخرى تتحدث عن أعظم آيات القرآن وسوره وسنرى فيه ا –أيضاً - حضور موضوع الصفات الإلهية وعمق فقه الصحابة في دين الله، هذه القصة هي القصة التي تضمنت منزلة سورة الإخلاص، دعونا نطالع القصة، حيث جاء في صحيح البخاري في مطلع كتاب التوحيد: (عن عائشة أن النبي بعث رجلا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم ب "قل هو الله أحد" فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي فقال: "سلوه لأى شيء يصنع ذلك؟" فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال النبي : "أخبروه أن الله يحبه"[ )7375] هذه القصة يقشعر لها جسد المؤمن، فسورة الإخلاص بآياتها الثلاث كلها مكرسة لصفات الله، من مفتتحها إلى ختامها، فوصفت الله بأنه: أحد، صمد، نفي الوالدية والولدية، نفي المكافئ والمثيل.
عدد الصفحات ٨١82 فانظر بالله عليك كيف كان ع مق فقه هذا الصحابي في تعظيم هذه السورة لما تضمنته من الصفات الإلهية. فهذه النماذج في عناية الصحابة وتعظيمهم لسور وآيات معينة بسبب تضمنها للصفات الإلهية، ثم سرور النبي لذلك ومدحهم بكمال العلم، وإخباره عن حب الله لصنيعهم، كل ذلك يؤكد أن أصحاب النبي لا مقارنة بينهم وبين من بعدهم في الوقوف على أسرار معاني الإسلام والإيمان وأولويات الوحي، فإذا قارنت ذلك بكثرة من يتساءل اليوم متهكماً بجدوى العناية بالصفات الإلهية انكشف للباحث فعلاً حجم الفارق الفلكي بين الصحابة وبين الطوائف الفكرية في فهم الإسلام. ثم إذا تدبر المرء –أيضاً - كيف نبه النبي أصحابه على أن عامة المطالب الشرعية هي أصلاً من مقتضيات أسماء الله وصفاته، فالتشريعات هي آثار لصفات الله، ويربط النبي كثيراً بين (الصفة الإلهية) وبين (التشريعات) ليبين هذه العلاقة، ومن ذلك مثلاً أنه قال كما في البخاري: (إن الله وتر، يحب الوتر) [6410] وقال أيضاً في ربط آخر كما في مسلم: (إن الله جميل يحب الجمال) [275] فانظر في هذه النماذج كيف أن تشريع ف ضيلة الوتر إنما هو فرع عن كون الله موصوف بكونه وتر اً ، وتشريع فضيلة الجمال فرع عن كون الله سبحانه من صفاته أنه جميل، وهكذا، بل حتى (الرحم) التي أمر الله بصلتها؛ إنما هي مشتقة من اسمه تعالى كما في البخاري: (إن الرحم شجنة من الرحمن) [5988] والمراد أن هذا الربط بين (الصفة الإلهية) و (التشريع) له نظائر كثيرة في النصوص، كما أن الله يحب المؤمن القوي لأنه سبحانه موصوف بأنه القوي، ويحب المحسن لأنه سبحانه موصوف بأنه المحسن.
عدد الصفحات ٨٢83 وهكذاسائر المطالب الشرعية الأخرى تراها في حقيقتها "فرع عن صفات الله "، فتوحيد الألوهية هو مو جب أسماء الله (الأحد، الإله) ونحوها. وتوحيد التشريع، أعني إفراد الله بالحكم والتشريع ؛ ه و مو جب ومقتضى أسماء الله (الحكم، السيد) ونحوها. ورجاء الله هو مقتضى أسماء الله (الرحمن ، الرحيم ) ونحوها. والخوف من الله هو مقتضى أسماء الله (الجبار، المنتقم) ونحوها. وهذا المعنى في علاقة (الصفات الإلهية) بـ (التشريعات) وأن سائر أنواع العبودية هي من آثار صفا ت الله؛ أشار له أئمة السنة كثيرا، حتى قال ابن القيم في مدارج السالكين : (رجعت العبودية كلها إلى مقتضى الأسماء والصفات) ولذلك كله قال تعالى (وَلِلَِِّ الأسمَْاءُ الحُْسْنىَ فَادْعُوهُ بهَِا) [180] فأمرنا أن نتعبده بمقتضى أسمائه جل وعلا. ومن أشد الأمور إثارة للانتباه في موضوع الصفات الإلهية مقارنة موقف السلف من (فاعل الكبيرة) و (فاعل التأويل)، فنحن نعرف أن السلف وقفوا مدافعين ضد تكفير أصحاب الكبائر ك الزاني والمرابي وشارب الخمر ، وحشدوا النصوص الكثيرة التي تدل على أن أصحاب الكبائر لايجوز تكفيرهم. ضع هذه الصورة السابقة في ذهنك، ثم قابلها بموقف السلف حين ظهرت أفكار (تأويل الصفات الإلهية) وكيف استفظعوا الأمر وحاربوه ووقفوا جميعاً بحزم صارم ضد المؤولين ، وأطبق جماهير السلف على تكفير الجهمية، وكفّروا شخصيات أخرى اشتهرت بتعطيل الصفات. ياترى هل كان هذا التطابق في الموقف مجرد توافقٍ عرضي؟ هل يقف أئمة أتباع التابعين المنتشرون في أمصار الإسلام في الشام والحجاز ومصر وغيرها ذات الموقف الرهيب ويكون هذا شيئاً عرضياً وليس هناك مبررات موضوعية دفعته إلى الوجود؟ لماذا شنع أئمة الإسلام في توافق عجيب وأطلقوا عبارات غليظة في ش أن من أنكر صفة الكلام أو الاستواء ونحوها، ولم يقولوا عشر معشار هذه العبارات في الزاني والمرابي وشارب الخمر؟
عدد الصفحات ٨٣84 يستحيل بحسب العادة أن لايكون هناك براهين ظاهرة جداً قادتهم إلى هذا التوافق، يستحيل أن لاتكون هناك أدلة قاطعة حملتهم على تعظيم باب العلم بالله وشناعة تأويل الصفات وأن الضلال فيه أشنع من الكبائر. نحن بحاجة هاهنا إلى نماذج من مواقف السلف، ولكن نصوص السلف في هذه الإشكالية غزيرة جداً، لذلك سنكتفي بشواهد من مواقف (الأئمة الأربعة ) الذين سارت الأمة على مذاهبهم، وسنرى كيف استفظعوا تأويل الصفات الإلهية. فأما الإمام (ابوحنيفة ) فقد جاء إليه جهم بن صفوان شخصياً وتناقش معه في وجوب تأويل الصفات الإلهية لتنزيه الله فلما سمع ابوحنيفة مقالته قال له ( اخرج عني ياكافر ) [المسايرة لابن الهمام، وأصول البزدوي]. وأما عمرو بن عبيد أشهر شخصيات المعتزلة في عصره فقال عنه ابوحنيفة لعن الله عمرو بن عبيد فإنه فتح للناس الطريق إلى الكلام) [. بل نهى عن الصلاة خلف من يعطل الصفات الإلهيةفقال ابوحنيفة (من قال القرآن مخلوق فلايصلين أحد خلفه) [تاريخ بغداد للخطيب وأما الإمام (مالك بن أنس) فوصل الأمر عنده إلى الفتيا بالقتل لمن جحد الصفات، كما سئل مرة عن صفة الرؤية (قيل لمالك: إنهم يزعمون أن الله لا يرى؟ فقال مالك: السيف السيف) [] وأفتى مرة أخرى بالسجن والجلد حتى الموت (عن بن نافع قال: كان مالك بن أنس يقول: من قال القرآن مخلوق يوجع ضرباً ويحبس حتى يموت) [الاعتصام للشاطبي المالكي، الشريعة للآجري] وكان يعرف المتأثرين بأفكار التأويل ويغلظ عليهم، كما قال عبد الرحمن بن مهدي:(دخلت على مالك وعنده رجل يسأله، فقال: لعلك من أصحاب عمرو بن عبيد لعن الله عمرو بن عبيد) [ذم الكلام للهروي] وأكثر ما يلفتالانتباه في تعامل الإمام مالك مع الصفات الإلهية مايعتريه من الرهبة من الله عندما يسمع كلام المؤولين، كما في قصته المشهورة: (عن جعفر بن عبد الله قال: كنا عند مالك بن أنس فجاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله {الرَّحمَْنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْت َوَى}كيف استوى؟ فما وجد مالك من شيء ما وجد من مسألته، فنظر إلى الأرض، وجعل
عدد الصفحات ٨٤85 ينكت بعود في يده، وقد علاه الرحضاء -أي العرق-، ثم رفع رأسه ورمى بالعود، وقال ..) والقصة بطولها معروفة. [التمهيد لابن عبدالبر المالكي ] فانظر بالله عليك هذه القلوب الحية، وستعرف لم اختصهم الله بالإمامة في الدين؟! وقارن هذا التعظيم لباب العلم بالله بما تتجرأ به الطوائف الفكرية من استهتار بمنزلة هذا الباب العظيم. ويهمنا هاهنا بالطبع أن نشير إلى أن الإمام مالك نفسه نبه إلى أن الخطأ الاعتقادي أفدح من الكبائر ذاتها، كما يقول: (عن ابن نافع قال: سمعت مالكا يقول: لو أن رجلا ارتكب الكبائر كلها بعد ألاَّ يشرك بالله، ثم تخلى من هذه الأهواء والبدع دخل الجنة) [ وأما الإمام (الشافعي) رحمه ا فقد جاءه حفص الفرد وكان يتبنى –أيضاً - تأويل الصفات لتنزيه الله عن مشابهة المخلوقين، ولذلك كان يجعل ا لقرآن مخلوقاً ليسلم من إثبات كلام مسموع، فكفّره الشافعي صراحة: (سمعت الربيع يقول: لما كلم الشافعي حفص الفرد، فقال حفص: القرآن مخلوق. فقال له الشافعي: كفرت بالله العظيم) . (قال الربيع: فلقيت حفصاً ، فقال: أراد الشافعي قتلي) [تبيين كذب المفتري لابن عساكر، سير النبلاء للذه ومن أخطر الأمور التي نبه إليها الشافعي هي أن تحريف الصفات يفضي إلى اختلاف الموصوف ذاته : (قال الجارودى: ذُ كر عند الشافعي ابراهيم ابن اسماعيل بن علية، فقال: أنا مخالف له فى كل شئ، وفى قول لا إله إلا الله، لست أقول كما يقول، أنا أقول لا إله إلا الله الذى كلم موسى عليه السلام تكليما من وراء حجاب، وذاك يقول لا إله إلا الله الذى خلق كلاما أسمعه موسى من وراء حجاب) [الانتقاء فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء، لابن عبدال ونبّه الشافعي أيضاً على قضية أن التأويلات في الذات الإلهية أخطر من الكبائر، كما يقول الشافعي بعد أن تناقش مع المعطّلة: (لقد اطلعت من أهل الكلام على شئ والله ما توهمته قط، ولأن يبتلى المرء بجميع ما نهى الله عنه ما خلا الشرك بالله؛ خير من أن يبتليه الله بالكلام) [
عدد الصفحات ٨٥86 وأما الإمام أحمد فنصوصه في هذا الباب أشهر من أن تذكر، ومعروف أنه كفّر من أنكر الصفات وقال بخلق القرآن، وتعرض للاعتقال الشهير على يد ثلاثة خلفاء المأمون والمعتصم والواثق. وهذا القول ليس خاصا فقط بـ(الأئمة الأربعة ) أصحاب المذاهب التي سار عليها المسلمون، بل حتى أصحاب المذاهب الفقهية المتبوعة التي اندثرت، ولاحظ معي هذا العرض التاريخي الذي يلخصه الإمام ابن تيمية: (وقد حكى الأوزاعي وهو أحد الأئمة الأربعة في عصر تابع التابعين: الذين هم مالك إمام أهل الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث إمام أهل مصر، والثوري إمام أهل العراق؛ حكى شهرة القول في زمن التابعين بالإيمان بأن الله تعالى فوق العرش وبصفاته السمعية، وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم، ليعرف الناس أن مذهب السلف خلاف ذلك) [الفتاوى5/39] الشواهد السابقة كانت لتوضيح الموقف الجذري لـ(أئمة الفقه المتبوعين) من قضية تعطيل الصفات، وأما موقف (أئمة الحديث) فسنأخذ النماذج من أصحاب الكتب الستة التي عليها مدار الإسلام، فأما الإمام البخاري فقد ختم صحيحه بـ( كتاب التوحيد والرد على الجهمية) ، وأما الإمام مسلم فلم يضع أبواباً لصحيحه أصلاً، وأما الإمام ابوداود فقد بوب في سننه وقال (باب في الرد على الجهمية). و أما الإمام الترمذي فبعد أن ساق أحاديث الصفات الإلهية قال (وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا هذا تشبيه) ، وأما الإمام ابن ماجة فقال (باب فيما أنكرت الجهمية). فهؤلاء هم أئمة الفقه المتبوعين، وهؤلاء أئمة الحديث المعتمدون، وكلهم مطبقون على استفظاع تعطيل الصفات الإلهية، فهل يمكن أن يكون هؤلاء كلهم ضلوا في هذه القضية، ومنحوا الصفات الإلهية أكبر من حجمها؟!
عدد الصفحات ٨٦87 وسنضطر هاهنا أن نتوقف عن عرض المزيد من الشواهد، و لكن كلي أمل في القارئ الكريم أنه إن أراد المزيد من الشواهد أن يراجع واحداً من ألذ المصادر في عرض معالجات أئمة السلف للصفات بنزعة تاريخية مرهفة، وهو كتاب (العلو) لمؤرخ الإسلام الذهبي. والمراد أننا حين نرى كيف تتابع أئمة السلف المتبوعين في التشنيع البليغ على تأويل الصفات الإلهية، و أنهم قالوا فيها مالم يقولوه في المرابي والزاني وشارب الخمرة، واعتبروها قضية في غاية الخطورة، واستحضر الإنسان مع ذلك عبقرية أولئك الأئمة، وسعة إحاطتهم بالنصوص، ودقة معرفتهم بلسان العرب، وصدقهم في البحث عن مراد الله ورسوله بعيداً عن ضغوط الأهواء الخارجية، وكمال ورعهم وتقواهم وعبوديتهم، وإطباق أمة محمد على التدين بفقههم، وشهادة الشارع لهم بأنهم خير القرون، وتوافقهم العجيب مع تباعد الأمصار على ذات الموقف، حين يجمع الباحث أطراف الصورة التاريخية، ثم ينتقل للطوائف الفكرية المعاصرة ويرى كيف يستهترون بباب الصفات الإلهية، ويستهينون بالغيرة والحمية لبا ب العلم بالله، ويتهكمون بسعي أهل السنة لإصلاح التصورات الخاطئة حول هذا الباب العظيم، إذا جمعت ذلك كله فإنك لا يمكن أن تنفك عن الشعور بالرثاء والشفق ة لهؤلاء المساكين، كيف بلغوا هذه المراتب من الجهل الفظيع في دين الله. وخلاصة ذلك أنه إذا كانت "الأسماء والصفات الإلهية" هي طريق العلم بالله الذي هو أعظم أركان الإيمان بالله، وإذا كانت أعظم آيات القرآن وسوره إنما استمدت عظمتها مما تضمنته من الصفات الإلهية، وإذا كانت العبودية كلها اتباع لمقتضى الأسماء والصفات الإلهية، وإذا كان أئمة السلف المتبوعين عظموا شأن الصفات الإلهية وقالوا في تأويلها مالم يقولوه في أصحاب الكبائر؛ فكيف يقول مسلم عاقل بأن الأسماء والصفات الإلهية موضوع هامشي لا قيمة له ولا داعي لتصحيح التصورات الخاطئة حوله؟
عدد الصفحات ٨٧88 وبعض الناس-نتيجة جهلهم بمنزلة الصفات الإلهية في الوحي - لوجاءهم رجل وأنكر (اليوم الآخر) لوقع في أنفسهم وقعاً شديداً أعظم مما لو أنكر (صفات الله) سبحانه وتعالى، وهذا بسبب غياب الوعي بتراتبية القضايا في الوحي، ولذلك يقول ابن تيمية: (إنكار صفات الله أعظم إلحاداً في دين الرسل من إنكار معاد الأبدان؛ فإن إثبات الصفات لله أخبرت به الرسل أعظم مما أخبر ت بمعاد الأبدان) [5/309] ثم استدل ابن تيمية على ذلك بأن السور التي عظمها الله ورسوله كآية الكرسي والفاتحة والاخلاص كله ا تتضمن من أسماء الله وصفاته أعظم مما تتضمن من تفاصيل اليوم الآخر. وبعض الناس يقول: (حسناً نحن نعرف أن الصفات الإلهية لها منزلة عظيمة، لكن ما علاقة ذلك بكوننا يجب أن نحارب التأويل فيها) وهذا في الحقيقة كلام غير علمي بتاتاً، فأهمية الصفات الإلهية تقتضي أهمية تنقيتها من أي تحريف تحت أي غطاء كان، وهل يعقل أن يكون الموضوع في غاية الأهمية، ويكون تحريف نصوصه في غاية الهامشية؟! ولذلك قال تعالى (وَذَرُوا الَّذِينَ ي ُلْحِدُونَ فيِ أَسمَْائِهِ180] فأي تحريف لأسماء الله إلحاد فيها، وأمر الن بحفظ الأسماء الإلهية كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: (لله تسعة وتسعون اسماً من حفظها دخل الجنة) [6985] وحفظها يتضمن حفظها من التحريف في معانيها . والحقيقة أن الاستهانة في صيانة الصفات الإلهية من التحريف لا يصدر إلا عن شخص تساهل أصلاً في قيمة الصفات الإلهية ذاتها وعظمت في قلبه شؤون دنيوية أخرى، ويستحيل أن نصدق عقلاً أن ثمة شخصاً يعظم صفات الله، ويستهين في ذات الوقت بتحريف نصوصها! هذا افتراض لا يقبله العقل. وثمة فريق آخر يقول : (أن ما جرى من الفرق العقدية المخالفة لأهل السنة في الصفات الإلهية لم يكن تحريفاً عن عمد، بل نيتهم حسنة، وإنما أرادوا تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين ، فلماذا نضخم ونشنع على أقوالهم؟) وقائل هذا الكلام لم يستوعب تفريق أهل السنة بشكل إجمالي بين الفعل والفاعل، أو بين
عدد الصفحات ٨٨89 النوع والعين، فكون الإنسان نيته حسنة ووقع في مخالفة شرعية متأولاًفهذا لا يبرر هذه الفعلة، وإنما هذا قد ينفعه عند الله في العفو عنه، فحسن النية لا يبرر أن نترك الخطأ على ما هو عليه، وكون مقصوده "التنزيه عن مشابهة المخلوقين" لا يعني صحة عمله. ولنضرب مثلاً يوضح ذلك، لو أن إنساناً جاءنا وقال أنا أؤمن بالنبي (محمد) لكني أنكر أن يكون من صفاته أنه أسري به إلى بيت المقدس وعرج به إلى السماء في ليلة ، لأنني لو أثبت له هذه الصفة فسيفضي به ذلك لكونه يشابه الطيور، ولتنزيه النبي عن مشابهة الطيور فإ أنكر الإسراء والمعراج وأتأول الآية (سبحان الذي أسرى بعبده) بأن المراد بها سمو روحه وصفاء نفسه وامتدادها ونحو ذلك، ولغة العرب لا تأبى مثل هذه المجازات. فمثل هذا الكلام هل سيقبله العاقل؟ ! بل سيبلغ هذا الجحد في نفوس المؤمنين مبلغاً عظيماً ، وسيستبشعون أن تنكر صفات النبي التي أثبتها القرآن لمجرد توهمك أنه سيشابه من هو دونه بذلك. والمراد أنه لو قام هذا الشخص وقدم لنا مئات التأويلات لتأويل قوله تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً ) مشفوعة بعشرات القرائن الدالة على حسن نيته في هذا التأويل، لما شفع ذلك في قبح فعله عند أهل الإيمان، فكذلك من جاءنا وجحد كون الله في العلو، أو أن الله مستوٍ على عرشه، أو أن الله يتكلم، أو أن الله ينزل للسماء الدنيا ، وجاءنا بالأدلة العقلية الكثيرة لتأويل نصوص هذه الصفات مبيناً حسن نيته في تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين، لما كان ذلك كله شافعاً له في قبح هذه الفعلة، و إن كنا نكل الفاعل إلى الله. وهكذا أيضاً لو جاءنا شخص وألغى "الحدود الجنائية الشرعية" كلها كقطع السارق ورجم المحصن ونحوها، وأقام من القرائن ما لا يحصى على أن مقصوده حسن، وإنما أراد دفع الشناعة عن الإسلام بأنه دين وحشي ونحو ذلك، فهل نيته الحسنة تبرر فعلته وتأويلاته تلك؟ والمراد أن حسن نية المؤولين لاتشفع لهم في ترك التأويلات على ما هي عليه.
عدد الصفحات ٨٩90 والحافظ ابن حجر حين رأى أئمة القرن الثالث الذين رجع الناس إليهم في الفتيا مطبقين على التشنيع على هذه التأويلات احتج بذلك على رفض التأويل إجمالاً في عبارة تضمنت تصويراً تاريخياً أخاذاً كما يقول في فتح الباري : (وقد تقدم النقل عن أهل العصر الثالث، وهم فقهاء الأمصار كالثوري والأوزاعي ومالك والليث ومن عاصرهم، وكذا من أخذ عنهم من الأئمة؛ فكيف لا يوثق بما اتفق عليه أهل القرون الثلاثة، وهم خير القرون بشهادة صاحب الشريعة) وجوهر المسألة كلها وسرها الدقيق أن تحريف الصفات الإلهية تحريف لباب العلم بالله، والعلم بالله أشرف وأجل مطلوب للعباد، وكلما عظم الموصوف عظمت صفاته، وكلما عظمت الصفات عظم شأن التحريف فيها، فإذا كان الم لك من ملوك الأرض لا يرضى تحريف أوصافه ومناقبه، فكيف بملك الملوك – ولله المثل الأعلى- أن يرضى بتحريف صفاته جل وعلا. حسناً، انتهينا الآن من الإشكالية الأولى في الصفات الإلهية وهي (منزلة الصفات الإلهية في الإسلام)، لننتقل الآن إلى إشكالية الفريق الثاني الذي يقر بأهمية الصفات الإلهية وتنقيتها من التصورات الخاطئة، ولكنه ينكر وجود المخالف في هذه القضايا في عالم اليوم . -هل هناك معطلة للصفات في هذا العصر؟ هذا الفريق الذي ينكر وجود المعطلة في هذا العصر يردد دوماً: أن قضية (خلق القرآن) صارت جزءاً من التاريخ والماضي ، ولم يعد أحد في عالم اليوم يدعو أو يكتب أو يقرر مسألة (خلق القرآن)، ويقول بعضهم: (أنتم تصارعون المقابر، فكل الذين يقولون بخلق القرآن قد واراهم الثرى منذ قرون)، ويؤكد هؤلاء أيضاً أنه لم يعد هناك جهم ولا جهمية، ولابشر المريسي، إلخ. وقد لاحظت شخصياً أن أكثر مثال يشنعون به على قضية الصفات الإلهية هي مسألة (خلق القرآن) وأنها قضية ولدت في قصر المأمون وقبرت في قصر المتوكل.
عدد الصفحات ٩٠91 والحقيقة لا أخفي أن مناقشة هذا الفريق تسبب لي شيئاً من الحساسية والحرج، لأن ذكر واقع التعطيل المعاصر يجرنا إلى ذكر شخصيات لها فضل وجهود في أب واب فقهية ودعوية أخرى، وذكرها هاهنا قد يفهم منه التقليل من قدر جهودها الأخرى، لكني أثق كثيراً بسعة أفق القارئ الكريم بأن يضع هذا الكلام في سياقه العلمي دون أية امتدادات أخرى. لو أجرينا استطلاعاً سريعاً لواقع التعليم في المعاهد الشرعية التقليدية في العالم الإسلامي اليوم لرأينا (تعطيل الصفات الإلهية) منتشراً بشكل واسع ومؤلم جداً، ففي الأزهر والزيتونة ونحوها من معاهد العلم العريقة ينتشر تعطيل الصفات بسبب الاعتماد على متون كلامية في مناهج التعليم الرسمية مثل جوهرة التوح يد وأساس التقديس ونحوها من كتب التعطيل . وأما قول من يقول بأن "خلق القرآن" قضية تاريخية طواها إيوان المتوكل ولم يعد لها ذكر اليوم، فهذا كلام شخص بعيد كلياً عن متابعة الرموز الدينية في العالم الإسلامي، وسنذكر بعض النماذج على مضض: فهذا الإمام العلامة الطاهر ابن عاشور يرى أن القرآن الذي سمعه جبريل، وكلام الله الذي سمعه موسى، أنه مخلوق، كما يقول: (يجوز أن يخلق الله الكلام في شيء حادث سمعه موسى) [8/274 ] ولكن ابن عاشور كان يتوهم –غفر الله له اللهم آمين- أن أئمة أهل السنة لم يصرحوا بأن القرآن مخلوق لكي لا يشوشوا على العامة فقط، كما يق ول: (وهذا –أي كلام الله - لا يمتري في حدوثه من له نصيب من العلم في الدين، ولكن أمسك بعض أئمة الإسلام عن التصريح بحدوثه، أو بكونه مخلوقاً ، في مجالس المناظرة التي غشيتها العامة) [ 4/320]
عدد الصفحات ٩١92 وهذا الإمام الجهبذ محمدأبو زهرة، كان يتوهم أيضاً صحة القول بـ(خلق القرآن) فيقول غفر الله له: (ولكن إن نظرنا من وجهة الحكم في القضية، من حيث كون القرآن مخلوقاً أو غير مخلوق، فإن الأدلة التي ساقها ابن أبي دؤاد في تلك الكتب، والعقل والبداهة؛ تحملنا على الحكم للمعتزلة بصحة نظرهم، فإن القرآن وإن كان كلام الله؛ مخ لوق67] وهذا الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي وهو أكثر الشخصيات الفقهية نفوذاً في بلاد الشام، ردد في مواضع كثيرة ظنه بأن القرآن مخلوق، و يقول في كتابه واسع الانتشار ، والذي تعاد طباعته دورياً ، والمسمى "كبرى اليقينيات"؛ مقرراً صحة القول بـ"خلق القرآن" ما يلي: (وأما الكلام الذي هو اللفظ، فاتفقوا -أي المعتزلة والأشاعرة- على أنه "مخلوق" وعلى أنه غير قائم بذات الله سبحانه، باستثناء أحمد بن حنبل وبعض أتباعه) [كبرى اليقينيات، البوطي،126] وهذا الشيخ الفاضل المفسر عبدالرحمن حبنكة الميداني يقول كتابه الشهير (العقيدة الإ سلامية وأسسها) مقرراً "خلق القرآن" ما يلي: (النوع الثاني –أي من الوحي- ما كان بواسطة إسماع الكلام الإلهي من غير أن يرى السامع من يكل مه، كأن يخلق الله الأصوات في بعض الأجسام من حجر أو شجر، ومن هذا النوع ما كان لموسى عليه السلام حين مناجاته ربه في جانب الطور، وهذا النوع الثاني هو ما أشار إليه الله بقوله في الآية "أو من وراء حجاب" أي وحياً من وراء حجاب، بواسطة خلق الله الأصوات كما ذكرنا، أو بصورة أخرى يختارها الله عز وجل) [2/249] فالشيخ حبنكة هاهنا–عفى الله عنه- يعتبر تكليم الله لموسى صوت خلقه الله في الشجر والحجر وسمعه موسى، وليس الكلام الذي سمعه موسى هو كلام الله حقيقة، فهوكلام مخلوق.
عدد الصفحات ٩٢93 والمراد أن تعطيل الصفات الإلهية الواردة في نصوص القرآن والسنة وقع من كثير من المعاصرين المنتسب للفقه والحديث والتفسير والدعوة، ومن ذلك الشيخ المفسر الصابوني في تفاسيره الكثيرة الشائعة، ومنهم الشيخ المحدث عبدالفتاح أبو غدة، ومنهم الشيخ الداعية الحركي سعيد حوى في كتابه "الله جل جلاله"، ومنهم الشيخ حسن أيوب صاحب الكتاب المنتشر بين عامة الناس في العالم الإسلامي المسمى "تبسيط العقائد الإسلامية"، وغيرهم. بل هذه الأيام القريبة تفاجأ أهل السنة بصدور كتاب جديد بعنوان ( القول التمام في إثبات التفويض مذهباً للسلف الكرام) يدعي أن أئمة السلف رضوان الله عليهم لم يكونوا يعرفون معاني الصفات أصلاً (=التفويض)، وقد استاء الكثير من المحبين أن يكون قدم للكتاب الدكتور ال فاضل يوسف القرضاوي وأثنى عليه، فكيف يقدم لكتاب يحرف أعظم مطلوب للعباد، وهو العلم بالله ، وعهدنا بالدكتور يوسف أنه كان إذا رأى أهل السنة يتكلمون في هذه المباحث أوصاهم بأن لا يشغلوا الأمة في قضايا لا جدوى منها، ثم نراه اليوم يساهم في ترويج كتاب يخلط الأمور وي عيد دعوى التفويض من جديد! لست أفهم كيف يدعونا الدكتور الفاضل يوسف القرضاوي إلى ترك الانشغال بتصحيح التصورات العقدية في باب الصفات الإلهية، ثم نراه يشارك في نقيض ذلك، أي يشارك في دعم بدعة ضلالة في أعظم باب من أبواب الدين وهو باب صفات ملك الملوك سبحانه وتعالى، فلا هو الذي ساهم في تصحيح التصورات، ولا هو الذي ترك الباب كله من أصله، بل ذهب يعزز أحد أنواع الخلل في هذا الباب، ألا سامحك الله وغفر لك يا شيخ يوسف. هذه نماذج ولا نريد أن نتوسع أكثر من ذلك. وأمثال هذه النماذج المذكورة –حفظ الله الأحياء ورحم الله الأمو ات- هم أهل فضل ولهم جهود في أبواب شرعية أخرى، وما نشروه من تعطيل الصفات (سواء تعطيلاً صريحاً كما في التأويل، أو تعطيلاً ضمنياً كما في التفويض) لم يكن مقصوداً لهم –إن شاء الله- بالأصالة بل كان شيئاً عرضياً لمشروعاتهم،
عدد الصفحات ٩٣94 ولذلك يزال أهل السنة يأملون أن يجتمع الجميع على طريقة أصحاب النبي ومن تبعهم بإحسان من التابعين وأئمة الأمصار، في تعظيم (الصفات الإلهية) ومقاومة كل أشكال تحريفها تحت أ ي غطاء كان، ليسلم لنا باب العلم بالله نقياً صحيحاً وهو أشرف معلوم. وفي النماذج السابقة إنما تداولنا أسماء شخصيات فاضلة لها حضور وقراء ، وهي تتبنى تعطيل الصفات أو القول بخلق القرآن أو تجويز القول بأن الصحابة كانوا يجهلون معاني الصفات، وقد أعرضنا عن ذكر (الأشاعرة العدوانيين) كسعيد فودة والسقاف وأضرابهم ، ممن يصرحون بتسفيه أئمة السلف، ويحتقرون الإمام الدارمي ويبالغون في الإزراء به (بسبب تأثر ابن تيمية بطريقة الدارمي في كتابه النقض على المريسي) ولهم اليوم مواقع إلكترونية، وحضور على بعض الفضائيات، ومطبوعات متنوعة، يصرحون فيها بتضليل الإمام ابن تيمية وابن القيم واعتبارهما منحرفين، نسأل الله العافية. و المعاصرون الذين صرحوا بالقول بـ"خلق القرآن" تسرب إليهم هذا القول من كتب متأخري الأشعرية الذين وثقوا فيهم، لكن المشكلة أن متأخري الأشعرية انحرفوا كثيراً كثيراً عن الأشعرية المتقدمين ، فالأشعرية المتقدمون كالبيهقي و ابن عساكر ونحوهم كانوا قريبين من السنة، ولم يبلغ خطؤهم هذا المبلغ، ولكن الأشعرية المتأخرين بلغوا مراحل في غاية الخطورة، وخصوصاً بعدما أدخل عليهم الرازي إلهيات ابن سينا متظاهراً بأنه يرد عليه، ولذلك وصل متأخروا الأشعرية إلى القول بـ"خلق القرآن" بكل صراحة كما يقول الإيجي في المواقف: (فاعلم أن ما يقوله المعتزلة وهو خلق الحروف والأصو ات فنحن نقول به ولا نزاع بيننا وبينهم في ذلك) [ 294] والأشاعرة المتأخرون يعلمون حساسية هذا الموضوع، وهو أن يعيدوا قول المعتزلة في خلق القرآن، ولذلك قال البيجوري شارح الجوهرة: (لكن يمتنع أن يقال "القرآن مخلوق" إلا في مقام التعليم[ )شرح الجوهرة، ص 73]
عدد الصفحات ٩٤95 وأما في الداخل السعودي فيوجد في بعض مناطق المملكة اليوم مايسمى (المدارس الشرعية) تدرس فيها تقاليد بعض المذاهب الفقهية كالمالكية والشافعية ونحوهم، ويدرس في هذه المدارس تعطيل الصفات الإلهية، كما كتب الأستاذ الباحث (حسن فرحان المالكي) عدة كتب يرى فيها أن طريقة نفي الصفات أصح من طريقة أهل السنة في إثباتها، كما أنني قرأت عدة أبحاث نشرت في الشبكة الليبرالية كتبها كتّاب سعوديون (يغلب على الظن أنهم من الشيعة) يستدلون فيها على وجوب نفي الصفات الإلهية الواردة في القرآن. وبصورة بعامة فإن كثيراً من الفرق العقائدية المعاصر ة تتبنى تعطيل الصفات الإلهية عن معانيها، ولذلك تلجأ إلى القول بخلق القرآن، ومن ذلك الإباضية في عمان وفي المغرب العربي، كما يقول الخليلي مفتي عمان: (إن المحقق الخليلي رحمة الله عليه قال: قد اتفقنا نحن والأشعرية أنه مخلوق، واتفق عليه أصحابنا المغاربة، وفاقاً للمعتزلة، ولا منكِ ر ذلك فيما قيل إلا بعض الحنابلة113] هذا ما يتعلق بقضية (خلق القرآن)، وأنها نتيجة وثمرة لتعطيل الصفات، فمن أنكر أن يكون الله متكلماً فإنه سيلجأ إلى أن يجعل القرآن مخلوقاً وأن الله لم يتكلم به، ولذلك فإن تكليم الله لموسى يعتبرونه صوتاً خلقه في الشجرة فسمعه موسى (كما سبق النقل عن ابن عاشور و الشيخ عبدالرحمن حبنكة الميداني عفا الله عنهم اللهم آمين)، ونحو هذه التأويلات. وإذا تأمل المرء الآيات التي تدّح الله فيها بكلامه، وفخم شأن كلامه سبحانه وتعالى كقوله: (وَلَوْ أَنمََّا فيِ الأَْرْضِ مِنْ شَجَرَةر أَقْلاَم وَالْبَحْرُ يمَُد هُ مِنْ ب َعْدِهِ سَب ْعَةُ أَبحُْرر مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ الِلَِّ) لقمان:27 ومثل قوله تعا:(قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبي ِ لَنَفِدَ الْبَحْرُ ق َبْلَ أَنْ ت َن ْفَدَ كَلِمَاتُ رَبي ِ ) الكهف،109 فإنه يحزن لحال كثير ممن آثر تقليد المذاهب الكلامية وسلب الله تعالى هذه الصفة العظيمة التي يحبها
عدد الصفحات ٩٥96 ولكن من الموضوعية أن نثبت هاهنا أنه برغم اتفاق المعتزلة والأشاعرة على القول بخلق القرآن، إلا أن بينهم فرقاً دقيقاً وهو أن الأشاعرة يجعلون لله (كلاماً غير مسموع) ، فيثبتون لله كلاماً لايسمعه أحد يسمونه الكلام النفسي، فإذا سئلوا عما سمعه جبريل وموسى ومحمد ليلة المعراج قالوا هذه أصوات مخلوقة خلقها الله في الشجر أو الحجر أو السحاب أو غير ذلك وليست كلام الله، لأن كلام الله لاصوت له فلا يسمع، ووالله لا أدري كيف يتجرأ المرء على الذات الإلهية ويتحدث عن الله وكأنه مجال للتنظيرات والفرضيات. ومن أخطر نتائج هذا التأويل الذي ذهبت إليه الأشاعرة أنه يتضمن الإساءة إلى الذات الإلهية، ذلك أن الله جل وعلا احتج على بطلان آلهة المشركين بكونها لاتتكلم بصوت يسمعونه فقال: (وَاتخََّذَ ق َوْمُ مُوسَى مِنْ ب َعْدِهِ مِنْ حُلِي ِهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَار أَلمَْ ي َرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَل ِمُهُمْ) الأعراف، 148 وجاء في القرآن في موضع آخر يعيب آلهة المشركين بكونها لاتتكلم بصوت مسموع (فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا ي َنْطِقُونَ) الأنبياء، 63 فإذا كان الله جل وعلا يعتبر عدم الكلام المسموع بصوت صفة عيب و نقص وقصور يكشف بطلان آلهتهم، فكيف ننسب هذا العيب و النقص والقصور إلى الله؟! الله سبحانه يعيب آلهة المشركين بكونها (لاتتكلم بصوت مسموع )، ثم نأتي نحن ونقول (إن الله لايتكلم بصوت مسموع) !، كيف ننسب صفة النقص هذه إلى الله؟! أين ذهب توقير الله من القلوب؟! والله إن القلب الحي المؤمن المعظّم لله -جل وعلا- إذا رأى مثل هذه اللوازم البشعة فإنه لابد أن يجد في نفسه وحشة ونفوراً من التأويل، والحقيقة أن هذا شأن شائع في غالب تأويلاتهم حيث يلزم عليها الإساءة للذات الإلهية ولاحول ولاقوة إلا بالله. وبالتالي فإن من يقول أن (تأويل الصفات) وجهة نظر يجب أن لانتوتر إزاءه، هو كمن يقول أن (الإساءة إلى الذات الإلهية) إذا كان بتأويل فهو وجهة نظر يجب أن لانتوتر تجاهها!
عدد الصفحات ٩٦