المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

احتجاجات المناوئين للخطاب الشرعي

ابراهيم السكران

صفحة ٥ من ١٠

65 له، وتحدث فيها عن "غربة ا سلام" بكلام يز فر بالمعاناة، ومن هذه التهم التي وجهت له أنهم حمّلوه ونسبوا إليه تهمة "التنطع الديني" كما يقول: (وتارة أُحمل على "التزام الحرج والتنطع في الدين" وإنما حملهم على ذلك أني التزمت في التكليف والفتيا الحمل على مشهور المذهب الملتزَم لا أتعداه، وهم يتعدونه ويفتون بما يسهل على السائل ويوافق هواه وإن كان شاذاً في المذهب الملتزَم أو في غيره، وأئمة أهل العلم على خلاف ذلك وللمسألة بسط في كتاب "الموافقات"[ )1/28.] وعرض تهماً أخرى كان يبدؤها بقوله (وتارة نسبت إلى.. وتارة نسبت إلى.. ا والحقيقة أن الخلاف مع ابن لب لم يتوقف فقط عند قضية "التساهل الفقهي" ، بل تعداه إلى مشكلة تساهل ابن لب في "البدع العبادية" المنشرة بين عامة الناس في الأندلس، حيث كان ابن لب يتبنى تقسيم البدعة إلى الأحكام التكليفية الخمسة، مما يعني أن بعضها بدعة مستحبة وبعضها بدعة مباحة الخ، وهذا أوجد أرضية خصبة لترسيخ تساهل الناس في البدع العبادية التقليدية، فبعد أن رد الشاطبي في كتاب الموافقات على طريقة ابن لب في "التساهل الفقهي"، ألف الاعتصام ورد عليه فيه –أيضاً - في قضايا "التساهل العقدي" مع البدع، ولذلك كانت الإ شكالية الجوهرية في كتاب الاعتصام هي أن "ذم البدع والمحدثات عام لا يخص محدثة دون غيرها" كما هو عنوان الباب الرئيسي في الكتاب ، وهو استحضار واضح لتأصيلات ابن لب في قضايا البدع التقليدي ة. بل ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فطلاب الشاطبي أنفسهم، يردون على ابن لب انتصاراً لشيخهم الشاطبي، كما يقول المقّري :

عدد الصفحات ٦٥

66 (ولأبي سعيد ابن لب كتاب في مسألة الأدعية إثر الصلوات على الهيئة المعروفة، وقد رد عليه في هذا التأليف تلميذه أبو يحيى ابن عاصم الشهيد في تأليف نبيل؛ انتصاراً لشيخه أبي إسحاق الشاطبي) [ الطيب من غصن الأندلس الرطيب،5/514] ما سبق جزء رئيس من مك ونات السياق التاريخي/الفقهي الذي سيطر على اهتمامات الإمام الشاطبي، ويظهر فيه مناهضته لظواهر التساهل الفقهي والعقدي، ومدى معاناته من الضغوط الاجتماعية في هذا المجال. لننتقل الآن إلى فحص وتحليل الصور التي يتخيلها مناوئوا الخطاب الشرعي عن الشاطبي. -الشاطبي و تصورات المناوئين: أول التصورات الشائعة بين الطوائف الفكرية حول مقاصد الشريعة والموافقات والشاطبي ظنهم أن هذا العلم يؤدي إلى "التقليل من قيمة الجزئيات"، وبالتالي –كما يعبرون- تحرير الناس من مراعاة النصوص الجزئية، والاكتفاء بالاحتكام إلى كليات ومقاصد الشريعة العامة، بل يزيدون على ذلك برد كثير من النصوص الجزئية لأنها في نظرهم تخالف ما يرونه كلياً أو مقصداً من مقاصد وكليات الشريعة العامة، ولكن الشاطبي/المقاصدي - الذي يحتجون به - على خلاف ذلك، كما يقول الشاطبي في ضرورة مراعاة الجزئي والكلي كليهما: (كما أن من أخذ بالجزئي معرضاً عن كليه فهو مخطئ، فكذلك من أخذ بالكلي معرضاً عن جزئيه) [3/174]

عدد الصفحات ٦٦

67 وأكد على ضرورة مراعاتهما كليهما فقال (الكلي لا يعتبر بإطلاقه دون اعتبار الجزئي، وهذا كله يؤكد لك أن المطلوب المحافظة على قصد الشارع ، لأن الكلي إنما ترجع حقيقته إلى ذلك الجزئي كذلك أيضاً ، فلا بد من اعتبارهما معاً في كل مسألة) [3/176] وله من العبارات المتناثرة في ثنايا الكتاب في التأكيد على قيمة الجزئيات الكثير ومن ذلك (فالجزئيات مقصودة معتبرة في إقامة الكلي2/96] (الجزئيات داخلة مدخل الكليات في الطلب والمحافظة عليها2/96] (الجزئيات لو لم تكن معتبرة مقصودة في إقامة الكلي، لم يصح الأمر بالكلي من أصله2/96] وأما في حالة تعارض الكلي والمقصد الشرعي العام مع نص جزئي، فليس صحيحاً أن الشاطبي/المقاصدي يشطب النص الجزئي ويلغيه مباشرة، بل يجمع بينهما كما هي طريقة أئمة الإسلام جميعاً، كما يقول يقول رحمه الله: (إذا ثبت بالاستقراء قاعدة كلية، ثم أتى النص على جزئي يخالف القاعدة بوجه من وجوه المخالفة؛ فلا بد من الجمع في النظر بينهما، لأن الشارع لم ينص على ذلك الجزئي إلا مع الحفظ على تلك القواعد، [إذ كلي ة]هذا معلومة ضرورة بعد الإحاطة بمقاصد الشريعة؛ فلا يمكن والحالة هذه أن تخرم القواعد بإلغاء ما اعتبره الشارع، وإذا ثبت هذا؛ لم يمكن أن يعتبر الكلي ويلغى الجزئي3/176] ويظن هؤلاء أن المقاصد والشاطبي يتضمنان "تضخيم شأن المصالح الدنيوية" لتخليص الخطاب الشرعية من مركزية النظرة الأخروية ، وسبب وهمهم أنهم يقرؤون بعض العبارات المنقولة عن الشاطبي في أن الشريعة

عدد الصفحات ٦٧

68 موضوعة لمصالح العباد، فيظنون أن المقصود هي المصالح المادية الدنيوية، بينما الشاطبي ليس هذا مقصوده، بل المصلحة عنده هي المصالح الدنيوية والأخروية، والمصالح الدنيوية ليست إلا وسيلة للمصالح الأخروية، كما أن المصدر في تعيين المصالح ليس ميولنا ورغباتنا الشخصية بل الشريعة هي التي تعين المصالح، كما يقول الشاطبي: (المصالح المجتلبة شرعاً والمفاسد المستدفعة؛ إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية أو درء مفاسدها العادية، والدليل على ذلك أمور، أحدها: ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى من أن الشريعة إنما جاءت لتخرج المكلفين عن دواعي أهوائهم حتى يكونوا عباداً لله، وهذا المعنى إذا ثبت لا يجتمع مع فرض أن يكون وضع الشريعة على وفق أهواء النفوس وطلب منافعها العاجلة كيف كانت2/63] ولذلك فإن الشاطبي يؤكد في مواضع كثيرة من الموافقات بأن الأصل العام أن مصلحة حفظ الدين مقدمة على مصلحة حفظ الأموال أو النفس ونحوها، ومن أمثلة أقواله: (واعتبار الدين مقدم على اعتبار النفس وغيرها في نظر الشرع 2/265] (وجد الدين أعظم الأشياء، ولذلك يهمل في جانبه النفس والمال وغيرهما2/511] وهذه الهرمية ال يقررها الشاطبي استنبطها من استقراء الأحكام الشرعية كالجهاد الذي فيه قتل النفوس من أجل إعلاء كلمة الله، وقتل نفس المرتد من أجل مصلحة الدين، وقتال نفوس تاركي الزكاة من أجل الحفاظ على ظهور هذه الشعيرة، ونحو هذه التطبيقات الشرعية التي تتضمن أن مصلحة حفظ الدين أعظم من بقية المصالح، وقد أشار لذلك في مواضع كثيرة، وكان يكرر أن حفظ الدين أعظم من حفظ النفس، وحفظ النفس أعظم من حفظ المال، على هذا الترتيب، ومن ذلك مثلاً قوله: (النفوس محترمة محفوظة ومطلوبة الإحياء، بحيث إذا دار الأمر بين إحيائها وإتلاف المال عليها، أو إتلافها وإحياء المال؛ كان إحياء النفوس أولى. فإن عرض إحياؤها إماتة الدين؛ كان إحياء الدين أولى وإن أدى إلى إماتتها، كما جاء في جهاد الكفار، وقتل المرتد، وغير ذلك2/64]

عدد الصفحات ٦٨

69 ومن تص وراتهم الشائعة ظنهم أن المقاصد والشاطبي يؤديان إلى توسيع "سلطة العقل" على حساب النصوص، بينما الشاطبي/المقاصدي يضع العقل في "مرتبة تبعية" للنصوص، كما يقو ل الشاطبي: (إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية؛ فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعاً ، ويتأخر العقل فيكون تابعاً ، فلا يسرح العقل في مجال النظر إلا بقدر ما يسر ِحه النقل1/125] بل إن الشاطبي/المقاصدي يشكك في قدرة العقل على معرفة المصالح بالاستقلال عن النصوص الشرعية كما يقول: (العادة تحيل استقلال العقول في الدنيا بإدراك مصالحها ومفاسدها على التفصيل، اللهم إلا أن يريد القائل "إن المعرفة بها تحصل بالتجارب وغيرها بعد وضع الشرع أصولها" فذلك لا نزاع فيه2/78] ويظن هؤلاء أن المقاصد والشاطبي تدفع باتجاهتضيق سلطة النصوص" على الحياة العامة، والتخلص من ما يسمونه "المغالاة في تديين الحياة العامة"، بينما الشاطبي/المقاصدي يرى عكس ذلك كما يقول: (ليس ثم مسكوت عنه بحال؛ بل هو إما منصوص، وإما مقيس على منصوص1/274] ويقول أيضاً (لا عمل يُفرض، ولا حركة ولا سكون يدعى، إلا والشريعة عليه حاكمة، إفراداً وتركيباً ، وهو معنى كونها عامة1/108] ويظن هؤلاء أن المقاصدوالشاطبي تعني "فتح باب الاجتهاد" للجميع بمجرد النظر الشخصي الخاص في النصوص، بينما الشاطبي كان يدفع باتجاه تضييق باب الاجتهاد إلا لمن ملك أهلية دقيقة جداً، حتى أنه أوجب بلوغ مرتبة الاجتهاد في لغة العرب للمجتهد في الشريعة كما يقول: (لا غنى للمجتهد في الشريعة عن بلوغ درجة الاجتهاد في كلام العرب5/57]

عدد الصفحات ٦٩

70 وتحدث عن هؤلاء الذين ينظرون في النصوص بلا دراسة لكلام العرب (فإن كثيراً من الناس يأخذون أدلة القرآن بحسب ما يعطيه العقل فيها، لا بحسب ما يُفهم من طريق الوضع، وفي ذلك فساد كب1/39] ويظن هؤلاء أن المقاصد والشاطبي تحرر المسلم المعاصر من "سلطة السلف"، بينما الشاطبي/المقاصدي يغالي في ترسيخ مرجعية السلف في مواضع كثيرة متناثرة في الموافقات سنلتقط منها هذه الشواهد: (وليس ثم إلا صواب أو خطأ، فكل من خالف السلف الأولين؛ فهو على خطأ3/281] (كل ما جاء مخالفاً لما عليه السلف الصالح فهو الضلال بعينه3/284] (الحذر الحذر من مخالفة الأولين، فلو كان ثم فضل لكان الأولون أحق به3/280] (فإن ظواهر الأدلة إذا اعتبرت من غير اعتماد على الأولين فيها مؤدية إلى التعارض والاختلاف) [3/288] وغيرها كثير من هذا النمط ومن الاعتبارا ت التي دفعت الشاطبي للتمسك بـ"مرجعية السلف" في فهم النصوص إيقاف دائرة التأويل الباطل للنصوص و تضييقها، كما يقول الشاطبي: (لا تجد فرقة من الفرق الضالة، ولا أحداً من المختلفين في الأحكام، لا الفروعية ولا الأصولية؛ يعجز عن الاستدلال على مذهبه بظواهر من الأدلة، بل قد شاهدنا ورأينا من الفساق من يستدل على مسائل الفسق بأدلة ينسبها إلى الشريعة المنزهة، وفي كتب التواريخ والأخبار من ذلك أطراف ما أشنعها في الافتئات على الشريعة، فلهذا كله يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون) [3/289]

عدد الصفحات ٧٠

71 ويظن هؤلاء أن المقاصد والشاطبي ستحرر الناس من "سلطة الشيخ" التي كبلت المسلمين كما يقولون، بينما الشاطبي/المقاصدي يتوسع كثيراً في تأسيس سلطة علماء الشريعة بما لا يوجد عند غيره من علماء المسلمين أصلاً ، حتى أنه جعل العالم في الأمة يقوم مقام النبي  فيهم، كما يقول (المسألة الأولى: المفتي قائم في الأمة مقام النبي  )[5/253] ثم ذكر الأدلة الشرعية من آيات وأحاديث على ذلك بل واعتبر المفتي يقوم بدور تشريعي ولذلك يجب التسليم له كما يقول: (المفتي شارع من وجه، لأن ما يبلغه من الشريعة؛ إما منقول عن صاحبها، وإما مستنبط من المنقول؛ فالأول: يكون فيه مبلغاً ، والثاني: يكون فيه قائماً مقامه في إنشاء الأحكام، وإنشاء الأحكام إنما هو للشارع، فإذا كان للمجتهد إنشاء الأحكام بحسب نظره واجتهاده؛ فهو من هذا الوجه شارع واجب اتباعه والعمل على وفق ما قاله، وهذه هي الخلافة على التحقيق5/255] و ختام هذا الفصل الذي كرسه لـ"مرجعية علماء الشريعة" ختمه بهذه الخلاصة: (وعلى الجملة: فالمفتي مخبر عن الله كالنبي، وموق ِع للشريعة على أفعال المكلفين بحسب نظره كالنبي، ونافذ أمره في الأمة بمنشور الخلافة كالنبي، ولذلك سموا أولى الأمر، وقرنت طاعتهم بطاعة الله ورسوله) [5/257] بل إنه نهى عن "الاعتراض على العلماء" ووضع لذلك فصلاً مستقلاً فقال (المسألة الثالثة: ترك الاعتراض على الكبراء محمود، سواءً كان المعترَض فيه مما يُفهم أو لا يُفهم5/393] ثم ساق منظومة من الآيات والأحاديث للاستدلال على هذه القاعدة ثم قال:

عدد الصفحات ٧١

72 (فالذى تلخص من هذا أن العالم المعلوم بالأمانة والصدق، والجري على سنن أهل الفضل والدين والورع، إذا سئل عن نازلة فأجاب، أو عرضت له حالة يبعد العهد بمثلها، أو لا تقع من فهم السامع موقعها؛ أن لا يواجَ ه بالاعتراض والنقد، فإن عرض إشكال فالتوقف أولى بالنجاح5/400] ويظن هؤلاء بربط في غاية الغرابة أن الشاطبي امتداد لابن رشد"، ويضعونهما في منظومة تشريعية وفلسفية واحدة، ويقول بعضهم أن منهج الشاطبي في "أصول الفقه" هو العمل المكمل لمنهج ابن رشد في "الفلسفة"، وأنهما يشكلان منظومة تشريعية جديدة، وهذا الكلام عكس الواقع تاماً، فالشاطبي مارس قطيعة مع ابن رشد وليس امتداداً له، وفكرة أنه امتداد له لا يقولها من قرأ الموافقات فعلاً، فالشاطبي لديه موقف حاسم في رفض طريقة ابن رشد، وكان الشاطبي يحتج في مناهضة طريقة ابن رشد بمنهج السلف، ومن ذلك قول الشاطبي: (وزعم ابن رشد الحكيم في كتابه الذي سماه ب "فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال" أن علوم الفلسفة مطلوبة؛ إذ لا يفهم المقصود من الشريعة على الحقيقة إلا بها، ولو قال قائل "إن الأمر بالضد مما قال" لما بعد في المعارضة، وشاهد ما بين الخصمين شأن السلف الصالح في تلك العلو م، هل كانوا آخذين فيها، أم كانوا تاركين لها أو غافلين عنها؟ مع القطع بتحققهم بفهم القرآن، يشهد لهم بذلك النبي  والجم الغفير؛ فلينظر امرؤ أين يضع قدمه4/198] بل اعتبر أن البحث الفلسفي يزيد المرء إلا خبالاً كما يقول: (ونشأت مباحث لا عهد للعرب بها وهم المخاطبون أولاً بالشريعة؛ فخالطوا الفلاسفة في أنظارهم، وباحثوهم في مطالبهم التي لا يعود الجهل بها على الدين بفساد، ولا يزيد البحث فيها إلا خبالاً ) [5/404] واعتبر الشاطبي أن البحوث النظرية إنما هي طريقة الفلاسفة المخالفة لطريقة المسلمين كلهم، كما يقول (تتبع النظر في كل شيء، وتطلب علمه؛ من شأن الفلاسفة الذين يتبرأ المسلمون منهم، ولم يكونوا كذلك إلا بتعلقهم بما يخُالف السنة؛ فاتباعهم في نحلةر هذا شأنهُ ا خطأ عظيم، وانحراف عن الجادَّة .[ )1/54 ]

عدد الصفحات ٧٢

73 بل اعتبر الشاطبي أن كل العلوم النظرية ال ينبني عليها ثمرة ت كليفية أنها سبب للفتنة كما يقول: (فإن عامة المشتغلين بالعلوم التي لا تتعلق بها ثمرة تكليفية تدخل عليهم فيها الفتنة والخروج عن الصراط المستقيم1/53] ولذلك ذم علم المنطق وقرر أنه حاجة له أصلاً في فهم الشريعة، كما يقول الشاطبي في عبارات كثيرة هذا بعضها: (لا احتياج إلى ضوابط المنطق في تحصيل المراد في المطالب الشرعية5/421] (التزام الاصطلاحات المنطقية والطرائق المستعملة فيها مبعد عن الوصول إلى المطلوب في الأكثر؛ لأن الشريعة لم توضع إلا على شرط الأمية5/418] ويظن هؤلاء أن المقاصد والشاطبي تعني التخلص من "أغلال سد الذرائع" ومنح الحياة فسحة كما يقولون، بينما الشاطبي/المقاصدي يعتبر "سد الذرائع" أحد أعظم مقاصد الشريعة، وخصص له فصولاً طويلة ساق فيها الأدلة عليه، بل هو لا يسيغ المخالفة فيه باعتباره عنده أصلاً مقطوعاً به كما يقول: (سد الذرائع مطلوب مشروع، وهو أصل من الأصول القطعية في الشرع 3/263] ويظن هؤلاء أن المقاصد والشاطبي تدفع باتجاهتحجيم أدلة الشريعة" ليتسع للناس حرية الحركة في الحياة العامة كما يقولون، والواقع أن الشاطبي/المقاصدي ليس كذلك، بل إن الشاطبي يتوسع في الأدلة لدرجة أنه يعتبر "عمل الصحابة" نوعاً من السنة النبوية، كما يقول:

عدد الصفحات ٧٣

74 (ويطلق أيضا لفظ "السنة" على ما عمل عليه الصحابة، وجد ذلك في الكتاب أو السنة أو لم يوجد؛ لكونه اتباعاً لسنة ثبتت عندهم لم تنقل إلينا، أو اجتهاداً مجتمعاً عليه منهم أو من خلفائهم؛ فإن إجماعهم إجماع، وعمل خلفائهم راجع أيضاً إلى حقيقة الإجماع من جهة حمل الناس عليه4/290] ثم قال في تلخيص ذلك (وإذا جمع ما تقدم؛ تحصل منه في الإطلاق أربعة أوجه: قول النبي  وفعله وإقراره..، وهذه ثلاثة، والرابع: ما جاء عن الصحابة أو الخلفاء4/293] ويظن هؤلاء أن المقاصد والشاطبي تدفع باتجاه "التساهل الفقهي"، بينما الشاطبي بضد ذلك كلياً، ومن أمثلة فتاواه أنه اعتبر تارك صلاة الجماعة لا تقبل شهادته كما يقول: (صلاة الجماعة، من داوم على تركها يجرح، فلا تقبل شهادته؛ لأن في تركها مضادة لإظهار شعائر الدين، وقد توعد الرسول  من دوام على ترك الجماعة؛ فهم أن يحرق عليهم بيوتهم1/211] واعتبر أن كشف الرجل لرأسه إذا جرت العادة بتغطيته قادح في عدالة الرجل كما يقول (كشف الرأس، فإنه يختلف بحسب البقاع في الواقع، فهو لذوي المروءات قبيح في البلاد المشرقية، وغير قبيح في البلاد المغربية، فالحكم الشرعي يختلف باختلاف ذلك، فيكون عند أهل المشرق قادحاً في العدالة، وعند أهل المغرب غير قادح3/489] بل ويرى الشاط بي أن "النهي عن المنكر" لن يخلو من الإساءة للآخرين عرضاً، ومع ذلك فإن هذا لا يقدح في شرعيته، كما يقول: (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإنه أمر مشروع لأنه سبب لإقامة الدين وإظهار شعائر الإسلام، وإخماد الباطل على أي وجه كان، وليس بسبب في الوضع الشرعي لإتلاف مال أو نفس، ولا نيل من

عدد الصفحات ٧٤

75 عرض، وإن أدى إلى ذلك في الطريق، وكذلك الجهاد موضوع لإعلاء كلمة الله، وإن أدى إلى مفسدة في المال أو النفس1/374] وقرر أيضاً منع ارأة من الولاية العامة، ومنع المرأة من ولاية إنكاح نفسها، كما يقول في المصالح التي راعتها الشريعة في جانب المعاملات ما يلي: (وفي المعاملات، كالمنع من بيع النجاسات، وسلب العبد منصب الشهادة والإمامة، وسلب المرأة منصب الإمامة وإنكاح نفسها2/23] ويظن هؤلاء أن المقاصد والشاطبي تتضمن "ترسيخ ظاهرة الاختلاف " واعتباره ظاهرة صحية، بينما الشاطبي/المقاصدي أكثـَ رَ من الحط على الاختلاف في فهم الشريعة واعتباره ظاهرة مرضيّ ة، كما يقول في بعض معالجاته لهذه القضية: (فإنه –أي الشارع - رد المتنازعين إلى الشريعة، وليس ذلك إلا ليرتفع الاختلاف، ولا يرتفع الاختلاف إلا بالرجوع إلى شيء واحد5/60] (والآيات في ذم الاختلاف والأمر بالرجوع إلى الشريعة كثيرة، كلها قاطعة في أنها لا اختلاف فيها، وإنما هي على مأخذ واحد وقول واحد5/61] وعندما عرض عبارة "اختلاف العلماء رحمة" رد عليها من خلال الداخل المذهبي نفسه، كما يقول : (وأما قول من قال "إن اختلافهم رحمة وسعة" فقد روى ابن وهب عن مالك أنه قال: "ليس في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سعة، وإنما الحق في واحد") [5/75]

عدد الصفحات ٧٥

76 هذه جولة خاطفة في المقارنة بين الصورة التي يتم ترويجها حول الش اطبي، والشاطبي الفعلي كما هو، وكل من سمع كلام هؤلاء عن المقاصد والشاطبي، ثم قرأ كتابه، فإنه سيكتشف حتماً أن هناك شاطبيين وليس شاطبياً واحداً ، هناك الشاطبي الحقيقي الذي كتب الموافقات، وهناك الشاطبي المزيف الذي تت دبلجته في المعامل الفرانكفونية وتسويقه كنسخ ة مقرصنة للمستهلك الكسول الذي لا يفحص مدى موثوقية ما يسمع. هذا يعني أن الشاطبي تعرض لحملة تغريب مكثفة، ونجحت هذه الحملة –للأسف- لأننا أمام جيل يستهلك الشائعات الفكرية عن التراث الإ سلامي دون أي حس علمي في تحيصها، وهذا يعني أيضاً أن (علم مقاصد الشريعة) و (ا لموافقات) و (الشاطبي) بحاجة لحملة مضادة لاستنقاذها من عمليات التزييف المنظم، والحيلولة دون استغلالها في تبرير مفاهيم الإباحية الفقهية. هذا هو المحور الأول وهو تحليل حقيقة الشاطبي وكتابه وعلم المقاصد الذي توسع في شرحه، لننتقل الآن إلى المحور الثاني لهذه الإشكالية: هل يعرف الخطاب الشرعي المعاصر أبحاث المقاصد؟ الحقيقة أنه إذا اتضحت حقيقة المقاصد والشاطبي فيبدو أننا لسنا بحاجة لهذا السؤال الثاني أصلاً، ولكن مع ذلك سنشير لبعض النماذج من دراسات الباحثين الشرعيين في علم المقاصد: (المختصر الوجيز في مقاصد التشريع) عوض القرني، (مقاصد الشارع الضرورية: دراسة نظرية تطبيقية) محمد بن علي المري، ( اعتبار المقاصد في الشريعة) عبدالعزيز بن عبدالرحمن السعيد، (تهذيب الموافقات) للجيزاني، (مقاصد الشريعة في حفظ المال وتنميته) محمد سعد المقرن. فضلاً عن الدروس الشرعية المنتشرة والمسجلة في شرح كتاب الموافقات للشاطبي (وممن لهم شروح على الموافقات: الشيخ ابن غديان، الشيخ عبدالكريم الخضير، د.مساعد الطيار، د.يوسف الغفيص، وغيرهم).

عدد الصفحات ٧٦

77 يبدو الآن أننا انتهينا من مناقشة أهم ما يتصل بإشكالية علاقة الخطاب الشرعي بعلم المقاصد والشاطبي، لننتقل الآن إلى إشكاليات أخرى.

عدد الصفحات ٧٧

78 ثامناًالخطاب الشرعي ومعارك الصفات تتفق جمهور الطوائف الفكرية المعاصرة على نقد علاقة الخطاب الشرعي بم باحث "الأسماء والصفات الإلهية"، ويرون أن الخطاب الشرعي يقيم معارك لا داعي لها حول قضايا المعطلة والممثلة ونحوهم، في زمن نحن بأمس الحاجة فيه إلى تكثيف الجهود في قضايا المدنية والحقوق والأخلاق. ولكن هذا الاتفاق العام بين هذه الطوائف الفكرية على إدانة الخطاب الشرعي في علاقته بمباحث الصفات يخفي خلفه تفاوتاً جوهرياً في طرح رؤيتهم حول قضية "الأسماء والصفات والإلهية"، وعبر حوارات متعددة مع هذه الأطياف الفكرية اتضح لي أنهم ليسوا على مرتبة واحدة في النظر لهذه القضية، بل هم –حتى نكون موضوعيين أكثر- يتفاوتون إلى ثلاث مراتب، كل مستوى منها يطرح الإشكالية بمنظور مختلف، وهذه الإشكاليات الثلاث هي: عدم شرعية المبحث، وغياب المخالف، ومغالاة الجهد المبذول. وللتوضيح أكثر، فالمرتبة الأولى منهم يرون أن مبحث الصفات الإلهية من الأساس هو مبحث ترفي لا قيمة له، وأن اشتغال أئمة السلف به كان من الأصل خطأً تاريخياً يجب ألاّ نكرره. وأما المرتبة الثانية: فيرون أن هذا المبحث مشروع ومحترم، وأن اشتغال أئمة السلف به كان اشتغالاً مبرراً ويعكس عمق فقههم في دين الله، ولكننا في عصرنا اليوم لا نحتاجه لغياب المخالف فيه، فلم يعد لدينا اليوم "جهم بن صفوان" ولا "المريسي"، ولا يوجد أحد في عالم اليوم كله يتبنى "خلق القرآن". وأما المرتبة الثالثة: فيرون أن هذا المبحث مشروع ومبرر، وأن المخالف فيه موجود وحاضر في عالم اليوم، لكنهم ينتقدون الخطاب الشرعي باعتبار أنه أولى هذا الموضوع أكبر من حجمه، فحج م التعبئة الصفاتية يفوق حجم المخالف في الصفات في عالم اليوم، فهم لا يد عون إلى إلغائه، وإنما إلى تقليص الجهود العقدية فيه لتتناسب مع حجم المخالف.

عدد الصفحات ٧٨

79 هذهثلاثة مراتب من النقاد يتفاوتون هرمياً في نمط النظرة إلى قضية الصفات، فبعضهم ينكر شرعية المبحث من الأساس، وبعضهم يثبت شرعية المبحث وينكر وجود المخالف، وبعضهم يثبت شرعية المبحث ووجود المخالف لكن ينكر تضخيم الجهود بما يفوق الاحتياج الفعلي. يبدو لي أنه لا يمكن أن نناقش هذه القضية إلا بفرز المناقشة حسب هذه المراتب الهرمية الثلاث، وهذا ما سنحاوله في الفقرات التالية. -شرعية مبحث الصفات: فأما الإشكالية الأولى المتعلقة بجدوى هذا المبحث العلمي من الأساس فهي تقودنا إلى التساؤل حول قيمة الصفات الإلهية ذاتها، أين تقع "الصفات الإلهية" في جدول أولويات الوحي؟ أو ما الموقع الذي تحتله "الصفات الإلهية" من الإسلام؟ حسناً ، حين نتأمل (أركان الإيمان الستة) التي يقوم عليها الدين كله نجد أ ن أعظم ركن من أركان الإيمان هو (الإيمان بالله) والإيمان بالله ليس إيماناً مجرداً، أي ليس إيماناً بجهل أو تحريف، بل هو إيمان مبني على العلم بالله، وبأسماء الله، وصفات الله التي تليق به و الصفات التي لا تليق به، فلو أن إنساناً يؤمن بالنبي محمد  لكنه يحرف أوصاف ه فيصفه بصفات لا تليق به، أو يجحد صفات الكمال التي اختص بها نبينا محمد ؛ فإن إيمانه بالن  يكون إيماناً مقدوحاً فيه بقدر ما جحد من أوصافه صلى الله عليه وسلم، وكل من كان بأوصاف النبي  أعلم فإنه في الإيمان به أكمل وكذلك (ركن الإيمان بالملائكة)، فلو أن إنساناً يؤمن بالملائكة لكن ينسب إليهم أعمالاً وأوصافاً لا تليق بهم، أو يجحد أوصافهم اللائقة بهم والتي أتت في النصوص؛ فإن إيمانه بالملائكة يكون مقدوحاً فيه بقدر ما جحد، وكل من كان بأوصاف الملائكة اللائقة أعلم كان إيمانه بهم أكمل.

عدد الصفحات ٧٩

80 وهكذا (ركن الإيمان با ولله سبحانه المثل الأعلى، فكل من كان بأوصاف الله اللائقة به أعلم كان إيمانه أكمل، وكل من جحد شيئاً من صفات الله اللائقة به نقص إيمانه بقدر ما جحد. و حين نحاول تحليل مبحث "الصفات الإلهية" نجد أنه ببساطة يدور كله حول ركن الإيمان بالله، أي حول تحقيق الصفات الإلهية اللائقة بالله، والرد على التحريفات والشبه التي تريد جحد شيء من هذه الصفات العظيمة، ولم يأخذ هذا المبحث وزنه عند السلف إلا لتعلقه بأعظم أركان الإيمان وهو الإيمان بالله، وكل مساس بالصفات فهو مساس بالموصوف جل وعلا. فهل يمكن أن يكون العلم المسؤول عن أعظم أركان الإيمان "الإيمان بالله" مبحثاً ترفياً لا قيمة له؟ ثم إذا تدبر المرء كتاب الله فلا بد أن يلفت انتباهه عناية القرآن الشديدة بتضمين أغلب الآيات شيئاً من أسماء الله وصفاته، فكثير من الآيات تختم بمثل قوله تعالى (السميع البصير) ، (عليم خبير) ، (غفور شكور) ، إلخ. فهل يمكن أن يكون حضور الأسماء والصفات الإلهية بمثل هذه الكثافة في القرآن وتكون شيئاً ثانوياً لا قيمة له؟ ثم إذا تدبر المرء الآيات والسور التي عظمها رسول الله ، و التي بين أنها أعظم القرآن، رأى ذلك راجعاً لما تضمنته من الصفات الإلهية، وسنشير لبعض الأمثلة: فأعظم آية في كتاب الله هي آية الكرسي، وإذا حاول القارئ تحليل مضامين آية الكرسي وجدها من أولها إلى آخرها في توصيف الله سبحانه وتعالى، بل الآية أصلاً مخصصة لسرد أوصاف الله جل وعلا، فذكرت من أوصافه جل وعلا إثباتاً أو سلباً : الألوهية، الحياة، القيومية، نفي السنة والنوم، ملك السماوات والأرض، العلم، نفي الأود، العلو، العظمة. والحديث الذي بين فيه النبي  أن هذه الآية أعظم آية؛ كان لي معه قصة طريفة، لنقرأ الحديث سوياً، حيث جاء في صحيح مسلم: (عن أبى بن كعب قال قال رسول الله: "يا أبا المنذر أتدرى أي آية من كتاب الله معك أعظم؟" قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال "يا أبا المنذر أتدرى أي آية من كتاب الله معك أعظم؟" قال: قلت: الله لا

عدد الصفحات ٨٠