49 حسناً، ناقشنا الآن فكرة "التبعية السياسية" عبر وقائع للخطاب الشرعي، ونماذج من التنظير الفقهي لمسألة الاستقلال السياسي للفقيه، وظهر من خلال هذه المعطيات عمق الاستقلال السياسي للخطاب الشرعي نظرياً وعملياً، لكن يبدو لي أننا لم ننته بعد من هذه الإشكالية، فلا يزال هناك اعتراضات جانبية لم نناقشها بعد، وهي تستحق فعلاً التحليل العلمي نظراً لشيوعها. فمن ذلك مثلاً أن بعض الناس يقول (الخطاب الشرعي يغالي في مسألة طاعة ولاة الأمور) وهذا الكلام غير دقيق، لأنه أخذ جزءاً من قواعد أهل السنة في مسألة الطاعة السياسية وترك أجزاء أخرى، فأهل السنة يقررون دوماً ثلاث قواعد متوازية: القاعدة الأولى "وجوب طاعة ولاة الأمور " لأن هذا أمر قطعي وارد في القرآن والسنة، والقاعدة الثانية "أن تكون الطاعة بالمعروف" فطاعة ولاة الأمور مربوطة بالمعروف فقط، فإذا أمروا بما يخالف الشريعة فلا طاعة لهم (ولا أدري أين الإشكال هاهنا إذا قلنا تجب الطاعة فيما لا يعارض الشريعة؟!)، والقاعدة الثالثة "وجوب الإنكار بمراتبه "، فإذا وضع ولي الأمر منكراً وجب إنكاره، وبالتالي فإذا صارت الطاعة مربوطة بالمعروف وبالإنكار، فهذا غاية التوازن، وليس في النظر المصلحي أعقل من ذلك. ثم إن قضية طاعة ولاة الأمور (بمعروف وإنكار) لا أحد يجادل فيها أصلاً ، فلا أعرف تياراً فكرياً يدعو للعصيان حتى لو وافق الشريعة! ومن الاعتراضات أيضاً أن بعض الناس يقول (انظروا إلى مشايخنا كلهم يحرمون الخروج على ولي الأمر) ثم يستدل بذلك على التبعية السياسية، وهذا الكلام غير دقيق، فرفض الخروج المسلح لا يعني التبعية السياسية، ولتوضيح ذلك تجد أن أكثر المعارضين والإ صلاحيين السياسيين يرفضون الخروج المسلح ، فهل هذا يعني أنهم تابعون للنظم السياسية؟!
عدد الصفحات ٤٩50 وأما الخطاب الشرعي فمبرراته في ذلك إنما هو الالتزام بالحكم القط عي المتواتر في تحريم الخروج المسلح ، الذي جاء في أحاديث كثيرة يبلغ المعنى ا لمشترك بينها درجة التواتر المعنوي ، لكن ذلك لا يعني عندهم أن يكون الفقه تابعاً للسياسة، كما أن الإصلاحيين السياسيين يرفضون الخروج المسلح ومع ذلك ليسوا تابعين سياسيين، بل ينتقدون أخطاء النظام. ومن الاعتراضات المتصلة بهذه القضية قول بعضهم (هناك شخصيات غيرت فتاواها طبقاً لتغير الإرادة السياسية) فقائل هذا الكلام إما أن يقصد أن ثمة شخصيات رسمية تنتسب للخطاب الشرعي وأنها تقدم من الفتاوى ما تريده النظم السياسية ، فهذه قضية ليست محل جدل أصلاً، بل طوال تاريخ الإسلام كانت هناك شخصيات تنسب نفسها للتدين وتستثمر ذلك لمصالح شخصية، بل الخطاب الشرعي يردد هذه القضية ويحذر منها، وهي التي سبق عرض كثرة تحذير الفقيه ابن عثيمين منها بعنوا ن (علماء الدولة)، والخطاب الشرعي ذاته ينتقد هذه الشخصيات ويعلم أنها تقو م بدور وظيفي بحت، ولتأكيد ذلك لنأخذ على ذلك مثلاً (حادثة اختلاط كاوست ) فحين أفتت بعض الشخصيات الرسمية بجواز الاختلاط واجهت نقداً واستهجاناً واسعاً من الخطاب الشرعي. ومن الاعتراضات أيضاً ذات الصلة قول بعضهم (هناك الكثير من دعاة وفقهاء الخطاب الشرعي يدبجون المديح والإطراء للنظام السياسي فكيف يقال إنهم مستقلون سياسياً) وهذا الكلام منتشر ويحتاج إلى قراءة دقيقة، لكن لنحاول أولاً تأجيل الحديث عن (حكم المديح السياسي) من حيث الأصل الشرعي وماجاء فيه من الأحاديث وعمل السلف، ولنحاول تحليل الواقع، أعني واقع "المديح السياسي" الذي
عدد الصفحات ٥٠51 تطرح حوله الإشكالية. لو قرأنا واقع الخطاب الشرعي بطريقة علمية محايدة لاكتشفنا عدة ملاحظات مفيدة في فهم هذه القضية: أولها: أن من يستعمل "المديح السياسي" إنما هم فريق محدود جداً من المحتسبين، و أما جماهير طلاب العلوم الشرعية فهم معرضون عن هذا الم وضوع من الأصل فلا مديح و لا هجوم، وهذه الشريحة المحتشمة عن إراقة المديح السياسي هي الأكثر والأوسع. وثانياً: هؤلاء الذين يستعملون "المديح السياسي" هل يستعملونه لمصلحة خاصة (كمنصب أو مال أو نحوه) أو يستعملونه لتحقيق مصلحة دعوية (كمقاومة منكر شرعي)؟ هذا سؤال ج وهري وفي غاية الأهمية، فإن كان هؤلاء الذين يستعملون "المديح السياسي" يستخدمونه لتحقيق مصالح شخصية فهم قطعاً محل إدانة وهذا نوع من التسول العلني الممقوت. وأما إن كانوا يستعملونه لتحقيق "مصلحة دعوية" فنحن هاهنا سنكون أمام "أسلوب مشترك" تستخدمه جميع التيارات بلا استثناء ولم ينفرد به هؤلاء المادحون . ولنضرب على ذلك مثلاً: أكثر من يشنع على بعض المحتسبين بالمديح السياسي هم الإصلاحيون السياسيون، فهل كانوا يا ترى بعيدين عن المديح السياسي؟ لو نظرنا إلى أول وأشهر بيان لهم وهو "بيان الرؤية" المعروف؛ لرأيناهم يستفتحونه بتدبيج المديح لولي الأمر بقولهم (لقد أثلج صدور المواطنين أسلوب الشفافية الذي انتهجتموه في تلمس مشكلات الوطن وحلولها). ثم في البيان الذي أعقبه والذي كان بعنوان "الإ صلاح الدستوري أولاً" دبجوا فيه الدعاء لولي الأمر و إخوانه أيضاً بقولهم (ونسأل الله أن يوفق القيادة السياسية، ممثلة بكم وإخوانكم).
عدد الصفحات ٥١52 وفي البيان الثالث الذي أعقبه والذي كان بعنوان "معالم في طريق الملكية الدستورية" استفتحوا البيان بثلاث نصوص للملك ثم أعقبوها مديحاً واستنباطاً فقالوا عن عباراته الثلاث (وهذه الكلمات والمواقف المضيئة) ، (هذا التصور الواعي لطبيعة التعاقد السياسي) إلخ. ثم ختموا هذه المرة بالدعاء لإمام المسلمين كما قالوا (وفي الختام ندعو الله للقيادة والإمام بالسداد والصلاح). وفي بياناتهم اللاحقة صاروا يستفتحون ويتغنون بعبارة الملك (سأضرب بالعدل هامة الظلم) ويصدرون بها بياناتهم وكأنها وحي منز ل، بل وختموا أحد بياناتهم بالدعاء لولاة الأمور بلغة تبجيلية (وسد د الله خطى قائد مسيرتها المباركة خادم الحرمين الشريفين). ولم يكن (المديح السياسي) الذي استعمله الإصلاحيون السياسيون مختصاً بالملك فقط، بل أثنوا على عبارة أحد المسؤولين السياسيين بشأن تسليم العراق لإيران، وأثنوا على توجهات الأمير طلال وشرفوه في بياناتهم قبل غيره، بل وبعضهم صار يثني على أشد الوزراء استبداداً باعتبار أنه يقوم بدور تنموي عميق داخل النظام!، وغير ذلك من الشواهد التي تؤكد أن الإ صلاحيين السياسيين ذاتهم استخدموا (المديح السياسي) فيما يخص قضاياهم التي يسعون من أجلها. وأما الليبراليون فلا حاجة لذكر الشواهد، لأنه م لا يستخدمون المديح لتحقيق مصلحة فكرية أصلاً، وإنما يستخدمون المديح السياسي لتحقيق مصالح شخصية تتعلق غالباً بالمناصب الإعلامية. وبالتالي فالقول بأن بعض الدعاة والمحتسبين استعملوا المديح السياسي لتحقيق مصلحة دعوية ليس شيئاً انفردوا به أصلاً.
عدد الصفحات ٥٢53 وثالثاً: هذا الفريق من المحتسبين الذين استعملوا "المديح السياسي" هل بدلوا الأحكام الشرعية تلقاً وتزلفاً، أم أنهم مدحوا من باب الاستقواء بالسياسي لحماية المفاهيم الشرعية ؟ أي: هل غيروا الشريعة لأجل المديح، أم مدحوا لحفظ الشريعة من التغيير؟ هذا السؤال يقودنا إلى فهم أفضل وأكثر إنصافاً مع هذا الفريق. هذا بالنسبة لواقع المديح السياسي الذي استعمله بعض الدعاة مؤخراً، وأما مايتعلق بعمل السلف تجاه المديح السياسي، فالذي لاحظته شخصياً أن السلف يحتشمون عن الإطراء والمديح، وإذا احتاجوا إلى المداراة تبلغوا منها بالحد الأدنى، بحق وبلامغالاة، وليس هذا محل التفصيل، وإنما القضية الأهم هاهنا أنه يجب نكون منصفين وموضوعيين في قراءة موقف بعض المحتسبين الذين استعملوا المداراة لتحقيق مكتسبات دعوية، ولنواصل الآن بقية الاعتراضات ذات الصلة بقضية التبعية السياسية. يتحدث البعض معترضاً بالقول بأن (الخطاب الشرعي لا يتحدث عن احتياجات الناس والحقوق المالية، و مفهوم الفساد المالي، وكل ذلك مراعاة للسياسي ، مما يدل على عدم الاستقلال) فهذا أيضاً غير دقيق، فبالإضافة إلى ما سبق من نماذ ج البحوث عن "المال العام" التي سبق ذكرها في فقرة (الخطاب الشرعي والفقه السياسي)، وما سبق ذكره من نماذج دروس العلماء والدعاة في "الأخلاق المالية "، وما سبق الإشارة إليه من طريقة تعاطي العلماء مع مفاهيم "العدل والحقوق " حيث يعرضونها بشكل عام ثم يستعرضون تطبي قاتها في كل المجالات، وكثرة ما تتعرض له الخطب الشرعية من تحريم " الرشوة والغش والسرقة وعدم الوفاء بالعقود" ونحوها، إلا أننا نشعر أنه من المناسب إضافة المزيد من الشواهد حو ل هذه القضية، ولنأخذ هاهنا أربعة نماذج من الأحداث العامة:
عدد الصفحات ٥٣54 في بداياتكارثة العنف" تحدث كث ير من علماء ودعاة الخطاب الشرعي عن جملة من القضايا ذات الصلة بالموضوع ، ومن ضمنها الحقوق المالية للناس، ولنأخذ على ذلك بعض النماذج من دعاة الخطاب الشرعي : -(الإصلاح للواقع من كافة الجوانب، ولتكن المبادرة بالإصلاح السياسي والاقتصادي ) [ الله الزايدي، رؤية حول أعمال التفجير] -(ووجد بين المسؤولين من يبخس الناس حقوقهم، ويأكل أموالهم بالباطل، و يتعاطى الرشوة والتي لعن رسول الله الساعي فيها ودافعها وآخذها) [ -(البطالة، والفساد الإداري والمالي ، وانتشارُ الجرائم ، وتفشي المنكرات، تحمل بعض الشباب على التسخط على الأوضاع، وتذكي في قلبه نارَ الحنقِ والحقدِ على المجتمع والنظام جميعاً ، فيجد في هذه الأعمال التخريبية متنفَّساً للتشفي والشماتة، لأنه يرى أن المجتمع قد خذله ولم ينصر قضيته [) الماجد، وقفات حول حادثة التفج. ومثل هذا النمط من التنبيه على إصلاح الجوانب المالية كجزء من الإ صلاح الشامل تتلئ به مقالات دعاة الخطاب الشرعي ومواقفهم في تلك المرحلة التي ولدت فيها ظاهرة العنف ، وأتذكر في تلك الحقبة أن كثيراً من الدعاة كان يصر على أن ظاهرة العنف لها أسباب اقتصادية وحقوقية ونحوها توفر المناخ اللازم لدعمها، بينما كان التيار الممسك بزمام الإعلام يصر على أن القضية (ثقافية) بحته مرتبطة بالخطاب الديني، ويرى أن القول بأن الأزمة لها ارتباطات مدنية إنما هو نوع من التضليل. ولكن من الموضوعية –أيضاً - أن نقر بأن حديث الدعاة في تلك الأيام عن (الفساد المالي) لم يكن هو موضوعهم الوحيد، بل هو جزء من اهتماماتهم، وهذا هو الفرق بين دعاة الخطاب الشرعي وبين غيرهم
عدد الصفحات ٥٤55 من المنتسبين للإصلاح السياسي، فالدعاة في مقالاتهم يرون أنه يجب الحديث عن (إصلاح شامل) فيذكرون الفساد العقدي وفساد الأعراض والفساد المالي، وأما غير هم من المنتسبين للإصلاح السياسي فلا يتحدثون إلا عن (الفساد المالي)، والاختلاف بين الفريقين راجع لاختلاف منهجي لسنا الآن في صدد مناقشته، ولكن لنؤجله إلى القسم الأخير الذي بعنوان (خلاصات واستنتاجات) ولنستكمل الآن نماذج الأزمات. بعد كارثة العنف جاءت "كارثة الأسهم" و تحدث فيها –أيضاً - كثير من علماء ودعاة الخطاب الشرعي عن عدد من القضايا الشرعية ومن ضمنها (الحقوق المالية للناس) ومن ذلك: (انتهى السوق إلى سرقة كبرى لشعب أعزل من كل وسائل الدفاع عن نفسه..، فمع طول ما بحثت ونقبت وسألت ونظرت في التاريخ والحاضر؛ لم أجد أحداً سرق تريليون ونصف من شعب بأكمله في سوق واحدة وخلال مدة لم تتجاوز شهرين![ ) وأمثال هذا النمط من المقالات التي كتبها متخصصون شرعيون وتتلئ بالحزن على وضع الناس المالي كثير ة جداً، ونحن قريبو العهد بالأسهم وكارثتها، والجم يع يعلم كيف شارك الجميع في شجب ضعف العناية بالحقوق المالية للناس أيامها، لنواصل الحديث عن أزمات أخرى . في "كارثة الغلاء" أصدر مجموعة واسعة ومتنوعة من علماء ودعاة الخطاب الشرعي بياناً واضحاً كله في "الحقوق" المالية للناس، ومن جملة ما ذكروا فيه مختصراً قولهم وفقهم الله: (على ولاة الأمر أن يسعوا في معالجة هذه الأزمة بما يخفف على الناس معاناتهم، وهذه بعض المقترحات : دعم السلع الأساسية التي يحتاج إليها الناس مثل الأدوية والمواد الغذائية، صرف مبلغ مقطوع لكل مولود يساعد على تخفيف التكاليف المناطة بولي الأسرة، وقد خصص عمر رضي الله عنه رواتب ثابتة للمواليد
عدد الصفحات ٥٥56 فجعل للمولود أول ما يولد مائة درهم فإذا ترعرع جعلها مئتين فإذا بلغ زاده "رواه أبو يوسف في الخراج وأبو عبيد في الأموال"، مساعدة الأسر المحتاجة وبالذات الذين ليس لهم مورد ثابت أو رواتب، إعادة النظر في رسوم بعض الخدمات كالكهرباء، معالجة مشكلة السكن التي يعاني منها نسبة كبيرة من الناس من خلال تخطيط المدن، وتوزيع المخططات على المحتاجين، ودعم صندوق التنمية العقاري ودعم مواد البناء[ )نشر البيان أساساً في موقع الشيخ ناصر العمر ووقع على هذا البيان مجموعة واسعة و متنوعة من الشخصيات الشرعية ، وتداوله الناس حينها. وفي "كارثة سيول جدة" أصدر مجموعة أخرى من علماء ودعاة الخطاب الشرعي بياناً واضحاً تضمن تركيزاً على الحقوق المالية للناس ومن ضمن ما جاء فيه قولهم وفقهم الله: (إن من أسباب الكارثة: "عدم التخطيط الجيد" لمحافظة جدة في عدة مجالات منها تصريف السيول والصرف الصحي وعدم مراعاة أماكن الأودية وغيرها، ومن الأسباب أيضاً : "الفساد الإداري" وما ينتج عنه من صرف للمال العام بغير وجه حق من جهة، وتضييع لحقوق المواطنين من جهة أخرى) [البيان منشور في المواقع الإخبارية على الشبكة ما مضى هو منظومة من مواقف الخطاب الشرعي في الأزمات فيما يتصل بقضايا الحقوق المالية للناس، وأما معالجة هذه القضية في ثنايا الدروس والخطاب والمقالات فهو كثير جداًًَ، لكن لنأخذ نماذ ج إضافية على ذلك: فمن خطب الداعية واسع الانتشار "محمد المنجد" خطبة بعنوان (رواسب الجاهلية) عالج فيها جزءاً من قضايا الحقوق المالية، ومن ذلك قوله وفقه الله:
عدد الصفحات ٥٦57 (ألسنا قد نعتدي على المال العام، فنأخذ منه، بحجج مزيفة؟ ونعتدي على حقوق النشر والطبع المحفوظة للآخرين، وربما قال بعضنا: هذا للكفار، وهل كل أموال الكفار مباحة، أم أموال الكفار الحربيين هي المستباحة؟ فنعتدي بحجج واهية، أليس الواحد منا إذا صار في مكان أو وظيفة مهمة، ربما استكبر ومدح فاسقاً، وتعالى على الخلق وظلم، وربما هو يظهر شيئاً من علامات الدين؟) ومن نماذج المرجعيات التربوية الداعية المعروف عبدالعزيز الجليل ، ومن معالجاته لهذا الموضوع مقالة نش رها في المجلة ذائعة الصيت داخل الخطاب الشرعي وهي "مجلة البيان" ، حيث يقول الشيخ وفقه الله حين تعرض لمفهوم الظلم: (من صور ظلم العباد في أموالهم : الاعتداء على أموال المعصومين سواء بسرقة أو إتلاف أو بالتحايل والخداع ، وسواء كان المسروق عيناً أو نقداً . ويدخل في ذلك السرقة من الأموال العامة للمسلمين كبيت المال..، ويشتد الإثم إذا كان الاعتداء أو التفريط في حفظ المال العام). ومن متخصصي الخطاب الشرعي المعنيين بكتابة المقالات العامة د.يوسف القاسم -عضو هيئة التدريس في المعهد العالي للقضاء وهو متخصص في الفقه المقارن - وقد أنتج مقالات عامة كثيرة كان جزء منها يدور حول قضايا الحقوق المالية للناس، ومن كتاباته في هذا المجال: (دعم السلع..رؤية شرعية) ، (المحافظة على الموارد) ، (حماية الريال من التضخم) ، (خداع المستهلك) ، (تأخير البت في القضايا: الواقع والحلول) ، (أزمة الدقيق ) ، وغيرها من نفس هذا النمط، وكلها منشورة على شبكة الإ نترنت.
عدد الصفحات ٥٧58 أعتقد أنني أطلت على القارئ الكريم بهذه النماذج، لكني وجدت نفسي محتاجاً لذلك لأن مثل هذه الشائعة غير العلمية تزايد ضحاياها في الفترة الأخيرة، وما تركت من العينات أضعاف ذلك، ف أمثال هذه المعالجات لم وضوع الحقوق المالية ، والمال العام، والمنتشرة في الدروس والخطب والمحاضرات التي ينتجها الخطاب الشرعي ؛ كثيرة جداً بحيث يعسر ضبطها، بل لا يوجد فقيه ولا داعية واحد –وأنا أعني ما أقول بهذا التعميم- إلا وسبق أن طرح عدة معالجات شرعية في التحذير من منظومة المنكرات المالية مثل (الرشوة ، والغش، والسرقة، وأكل أموال الناس بالباطل) ونحوها. وبالتالي فإن القول بأن "الحقوق المالية" ليست جزءاً من مضامين الخطاب الشرعي، لا يعدو إلا أن يكون مجرد شائعة غير علمية ولا يسعفها البرهان الواقعي. يبدو لي أننا انتهينا الآن من مناقشة أشهر الشائعات غير العلمية حول الاستقلال السياسي للخطاب الشرعي، وعلاقته بالحقوق المالية للناس، لنغادر الآن إلى محور مختلف نوعاً ما.
عدد الصفحات ٥٨59 سابعاًالخطاب الشرعي ومقاصد الشريعة تعتقد الطوائف الفكرية المعاصرة المناوئة للخطاب الشرعي بأن الخطاب الشرعي غائب تاماً عن مقاصد الشريعة، ويرددون دوماً بأن الخطاب الشرعي لو تبنى "الشاطبي" لكنا في غير الحال التي نحن فيها الآن، وحين يحاول الباحث تحديد النتائج التي يعولون على الشاطبي والموافقات ، وما المخرجات التي يراهنون عليها من توسيع وجود الشاطبي وموافقاته في العقل المسلم ، يجد أنها تدور حول محورين: الأول: أنهم يعتقدون أن تواجد الشاطبي في العقل الفقهي سيدفع باتجاه " تكثيف حضور المصالح الدنيوية" في الخطاب الشرعي ، باعتبار أن مقاصد الشريعة تتضمن أولوية الحفاظ على النفس، والحفاظ على المال، ونحوها، ومثل هذه الأمور لا يوفرها الفقه التقل يدي. والثاني: أنهم يعتقدون أن الشاطبي ومقاصد الشريعة سيولدان ثورة فقهية لـ" تحرير العقل المسلم" من التعقيدات الفنية الفقهية، لأن علم مقاصد الشريعة يدور حول "كليات عامة" يستطيع الجميع المشاركة فيها، وبالتالي ستضمن هذه المنهجية التخلص من سلطة النصوص الجزئية، وسلطة السلف، وسلطة الشيخ، وسلطة سد الذرائع، ونحوها من السلطات التي كبلت العقل المسلم، وهذا ما يفتح المجال واسعاً لدور العقل، والرحابة مع الاختلاف، والتسامح الفقهي، ونحوها. هذان المحوران (تكثيف حضور المصالح الدنيوية، وتحرير العقل المسلم من السلطات الفقهية ا لتقليدية)، هما أبرز الرهانات التي دفعت الطوائف الفكرية المعاصرة لكثرة استحضار الشاطبي والموافقات ومقاصد الشريعة، ونقد الخطاب الشرعي المعاصر بأنه يقوم بعملية مقاطعة صامتة للشاطبي وموافقاته. ما مدى يا ترى صحة هذا النقد؟ وما مدى علمية هذه الرهانات؟
عدد الصفحات ٥٩60 لن أذيع سراً إن قلت للقارئ الكريم أنني لم ألتق بأحدٍ من مناوئي الخطاب الشرعي الذين يتحدثون عن الشاطبي إلا وسألته: هل قرأت الموافقات؟ فهل تصدق أن الجواب يأتي دوماً برفض خجول! و أنا إلى هذه الساعة لم أقابل أحداً ينتقد الخطاب الشرعي بعدم تبنيه للشاطبي وهو قد قرأ فعلاً الموافقات للشاطبي. في كل مرة أحاور شخصاً من مناوئي الخطاب الشرعي عن الشاطبي والموافقات لا أستطيع كظم تبسمي، لأن هؤلاء لو قرؤوا الشاطبي والموافقات فعلاً لفروا منها فرار المستجير من الرمضاء بالنار. الشاطبي أصلاً يقع في الجناح المحافظ من الفقهاء، وحياته رحمه الله كانت صراعاً مع ظاهر ة التساهل الفقهي والعقدي، وكتابه الموافقات من أعنف الكتب في تقويض الأطروحات العلمانية والليبرالية والتنويرية واليسارية في قراءة الإ سلام، لما يتضمنه من فصول رصينة التصميم والبرهنة في ترسيخ تعظيم النصوص الجزئية، ومرجعية السلف في فهم الإ سلام، ومركزية الآخرة، ونحوها من أصول أهل السنة المصادمة لطريقة الطوائف الفكرية المعاصرة. فكيف لا أتبسم وأنا أرى مدعياً يختار أقسى القضاة عليه؟! حسناً، لنحاول أولاً أن نفهم من هو الشاطبي عبر التعرف على السياق الفقهي/التاريخي الذي تحرك فيه، ثم نعرض ج زءاً من مفهومه وتصوره لمقاصد الشريعة، ونختم هذا الفصل بعرض شيء من منتجات الخطاب الشرعي المعاصر في علم المقاصد.
عدد الصفحات ٦٠61 -أزمة الشاطبي مع ظاهرة التساهل الفقهي كان الشاطبي في "بداية طلب العلم" يدرس عند الشيخ أبي سعيد ابن لب (782هـ) خطيب جامع غرناطة في الأندلس، وك ان الشيخ ابن لب معروف بـ"التساهل الفقهي" في الفتيا في بعض الأحيان، فإذا جاءه مستفتٍ في مسألة خلافية لم يبحث في الأرجح دليلاً بل يفتي بأهون القولين على المستفتي، وهي طريقة "أخذ الأهون على الناس في الخلافيات"، وكان الطالب إبراهيم بن موسى الشاطبي غير مقتنع في بداية الأمر بهذه الطريقة، وتحاور الشيخ مع طلابه –بمن فيهم الشاطبي- وانفض المجلس ولم يقتنعوا بطريقته، فدعاه شيخه هو ومجموعة من الطلبة ذات يوم وناقشهم طويلاً حتى أقنعهم بقضية "تخيير المستفتي في المسائل الخلافية"، وقد روى الشاطبي نفسه هذه القصة في كراسة صغير ة كتبها أثناء بداية الطلب وكان اسمها "الإفادات والإنشادات" (وهي مطبوعة حالياً) وأكثر فيها من الفوائد عن شيخه أبي سعيد بن لب هذا، سندع الآن الشاطبي يحكي لنا هذه الواقعة، وأعتذر مسبقاً عن نقل النص بطوله ولكن قيمته التاريخية أجبرتني على ذلك، يقول الشاطبي: (إفادة: كنت يوماً سائراً مع بعض الأصحاب إذ لقينا شيخنا الأستاذ المشاور أبا سعيد بن لب -أكرمه الله- بقرب المدرسة، فسرنا معه إلى بابها ثم أردنا الانصراف، فدعانا إلى الدخول معه إلى المدرسة، وقال أردت أن أطلعكم على بعض مستنداتي في الفتوى الفلانية وما شاكلها، وأبين لكم وجه قصدي إلى التخفيف فيها -وكان قد أطلعنا على مكتوب بخطه جواباً عن سؤال في يمين أفتى فيها بمراعاة اللفظ والميل إلى جانبه، فنازعناه فيه في ذلك اليوم، وانفصل المجلس على منازعته- فأرانا مسائل في "النهاية" و "أحكام ابن الفرس" وغيرهما، وبسط لنا فيها بما يقتضي الاعتماد على لفظ الحالف وإن كان فيه خلاف ما لنيته، بناء على قول من قال بذلك من أهل المذهب وغيرهم، وقال: أردت أن أنبهكم على قاعدة في الفتوى وهي نافعة جداً ومعلومة من سنن العلماء وهي أنهم ما كانوا يشددون على السائل في الواقع إذا جاء مستفتياً. وكنت قبل هذا المجلس تترادف علي وجوه الإشكالات في أقوال مالك وأصحابه، فلما كان
عدد الصفحات ٦١62 بعد ذلك المجلس شرح الله بنور ذلك الكلام صدري، فارتفعت ظلمات تلك الإشكالات دفعة واحدة، لله الحمد على ذلك ونسأله تعالى أن يجزيه عنا خيراً وجميع معلمينا بفضلهفادات والإنشادات، ص153] ثمشاء الله سبحانه وتعالى أن يواصل الطالب إبراهيم بن موسى الشاطبي طلبه للعلم، ويتبحر في الاطلاع على أقوال السلف وفحص النصوص الشرعية، فاكتشف أن طريقة شيخه أبي سعيد بن لب في "الأخذ بالأيسر في الخلافيات" أنها طريقة مناقضة لأصول الشريعة، فلما صار الإمام الشاطبي م عدوداً من "أهل الفتيا" في الأندلس في زمن شيخه أبي سعيد بن لب ذاته، صار لا يفتي الناس بهذه الطريقة التي اعتاد شيخه أن يفتي الناس بها، بل صار يحمل الناس –في المسائل الخلافية- على الأرجح وليس على الأيسر، وصار ينافح عن هذا المنهج عبر التنظير الفقهي والتطبيق الفتوي. ثم كتب كتابه الموافقات، وسيطر عليه في جزء كبير من الكتاب الرد على طريقة أبي سعيد بن لب، فعقد فصولاً كثيرة كلها تدور حول نقض هذه الطريقة، أي نقد طريقة "التيسير على المستفتي بالأهون في الخلافيات"، ومن الفصول التي عقدها لذلك: تتبع رخص المذاهب، أن مقصد ا لشارع إخر اج المكلف عن داعية هواه، وغيرها. ثم لما انتهى من الفصول النظرية لنقض هذه الطريقة التيسيرية، عقد فصلاً آخر جاء في مطالعه قوله: (ولقد وجد هذا في الأزمنة السالفة، فضلاً عن زماننا؛ تتبع رخص المذاهب اتباعاً للغرض والشهوة5/84] وحكى في هذا الفصل من حك ايات وطرائف المفتين الذين يتساهلون في الفتيا على أساس الخلاف.
عدد الصفحات ٦٢63 ومع براعة هذه الفصول التي عرضها الشاطبي، وقوة البرهنة فيها، إلا أنه يبدو لي شخصياً أن أعمق برهان عرضه هو توضيحه بأن هذه الطريقة التيسيرية تجعل "الخلاف" أقوى حجية من "الوحي" فيصير الخلاف حاكماً على الوحي، وليس العكس، كما يقول الشاطبي: (مما في اتباع "رخص المذاهب" من المفاسد: الانسلاخ من الدين بترك "اتباع الدليل" إلى "اتباع الخلاف"، وكالاستهانة بالدين إذ يصير بهذا الاعتبار سيالاً لا ينضبط5/102] وشرح تساؤلات أصحاب هذه الطريقة التيسيرية التي تتذرع بالخلاف فقال: (فصل: وقد زاد هذا الأمر على قدر الكفاية؛ حتى صار "الخلاف في المسائل" معدوداً فى حجج الإباحة، ووقع فيما تقدم وتأخر من الزمان الاعتماد فى جواز الفعل على كونه مختلفاً فيه بين أهل العلم..، فربما وقع الإفتاء فى المسألة بالمنع؛ فيقال "لمَِ تمنع والمسألة مختلف فيها؟" فيجعل الخلاف حجة فى الجواز لمجرد كونها مختلفاً فيها، لا لدليل يدل على صحة مذهب الجواز، ولا لتقليد من هو أولى بالتقليد من القائل بالمنع، وهو عين الخطأ على الشريعة5/92] وأشار الشاطبي إلى احتجاج أصحاب "التيسير على أساس الخلاف" بذريعة أ ن "الخلاف رحمة" وتلمس من حكايته لأقوالهم ما عايشه معهم من مواجهات في هذه القضية كما يقول: (جعل بعض الناس "الاختلاف رحمة" للتوسع فى الأقوال، وعدم التحجير على رأي واحد، ويقول "إن الاختلاف رحمة"، وربما صرح صاحب هذا القول بالتشنيع على من لازم القول المشهور، أو الموافق للدليل، أو الراجح عند أهل النظر والذي عليه أكثر المسلمين، ويقول له "لقد حجرت واسعًا، وملت بالناس إلى الحرج، وما فى الدين من حرج" وما أشبه ذلك، وهذا القول خطأ كله، وجهل بما وضعت له الشريعة5/94]
عدد الصفحات ٦٣64 ويشير الشاطبي إلى أن التذرع بالخلاف للتيسير يفضي إ لى الإباحة المطلقة كما يقول: (إذا أفتى بالقولين معا على التخيير فقد أفتى فى النازلة بالإباحة وإطلاق العنان5/95] وعرض الشاطبي هذا الأمر في صورة إيمانية مؤثرة جداً حيث يقول (إذا عرض العامي نازلته على المفتي؛ فهو قائل له "أخرجني عن هواي ودلني على اتباع الحق" فلا يمكن والحال هذه أن يقول له: "فى مسألتك قولان فاختر لشهوتك أيهما شئت؟" فإن معنى هذا تحكيم الهوى دون الشرع..، وتسليط المفتي العامي على "تحكيم الهوى" بعد أن طلب منه إخراجه عن هواه؛ رمي في عماية، وجهل بالشريعة5/96] ونتيجة لهذا الواقع الفقهي المتدهور فقد اعتنى بشكل كبير بإشكالية "مسائل الخلاف" وخطورتها على سلطة الوحي، ومن معالجاته لها قوله: (فإن في مسائل الخلاف "ضابطاً قرآنياً" ينفى اتباع الهوى جملة، وهو قوله تعالى{ :فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول}، وهذا المقلد قد تنازع في مسألته مجتهدان؛ فوجب ردها إلى الله والرسول، فاختياره أحد المذهبين بالهوى والشهوة مضاد للرجوع إلى الله والرسول [ )5/81] ولما صار الشاطبي يحارب طريقة "التيسير على أساس الخلاف" من خلال التأصيل الفقهي والعمل الفتوي؛ نشبت بينه وبين أستاذه أبي سعيد بن لب وحشة وم نافرة، وصار أستاذه ابن لب يتهم الشاطبي بـ"التزمت الفقهي"، وانتشرت هذه التهمة بين طلاب أبي سعيد بن لب وعامة مستمعيه في دروسه، فكتب الشاطبي بعد ذلك كتابه "الاعتصام" ، وخصص له مقدمة حزينة روى فيها مجموع التهم التي توجه
عدد الصفحات ٦٤