المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

احتجاجات المناوئين للخطاب الشرعي

ابراهيم السكران

صفحة ٣ من ١٠

33 البعض غائبة هي أصلاً تندرج عندهم تحت موضوع (الحكم بما أنزل الله) ، ثم يتحدثون عن أن الحكم بما أنزل الله يتضمن الشورى والعدل والحقوق والعناية بالرعية وحفظ كرامة المسلمين ونحوها. وحين يتحدثون عن الحقوق يتحدثون عن حق الطريق ، وحق الزوجين على بعضهما ، وحق الراعي والرعية، وح قوق الحيوان في الصيد والذكاة والإ حراق ونحوها . فالمفاهيم الشرعية كالعدل والأ مانة والحقوق و إعداد القوة، وتحريم السرقة والغش وقول الزور ، هذه كلها يُ دخ ل فيها العلماء القضايا المدنية. والحقيقة إنني حين سمعت البعض يكرر أن (الخطاب الشرعي لا يعتني بالأخلاق وإنما بالشكل) عدت من جديد للمكتبة المقروءة والصوتية لرموز الخطاب الشرعي من فقهاء ودعاة وخطباء، وأخذت أتصفح مواقع المشايخ، وفهارس الخطب والدروس، ووالله العظيم إنني تفاجأت من المغالاة في النتاج الشرعي حول قضايا (بر الوالدين) (وصلة الرحم) و (الوصية بالجار) و (حقوق الزوجين) و (الصدقة على المحتاجين)، وفي كثرة التحذير والاستبشاع تجاه (الغيبة) (التنابز بالألقاب) و (الحسد) و (أكل أموال الناس بالباطل) و (الرياء) و (الغرور) و غير ذلك من قضايا أخلاقية نبيلة تتكدس فيها آلاف المحاضرات والدروس والخطب والفتاوى والكتيبات والمطويات والبحوث والدراسات. بل إنني أتحدى كائناً من كان أن يأتي بأي تيار فكري معاصر في الشرق أو الغرب ويزعم أنه تكلم عن موضوع (بر الوالدين) بما يقارب عُ شر ما تحدث به الخطاب الشرعي المعاصر! فكيف يقال بعد ذلك أن الخطاب الشرعي مغرق في التدين الشكلي؟! هذا لا يقوله إلا جاهل بهذا الخطاب، أو مصمم على التشويه لأغراض آيديولوجية.

عدد الصفحات ٣٣

34 أما حديث الخطاب الشرعي عن أخلاقيات تزكية النفوس ، كالحض على التعلق بالله ، والثقة به سبحانه، وحسن الظن بالله ، واليقين به ، والتوبة إليه، والاستخارة، والتحذير من الرياء ، والتسخط من القدر، ونحوها فهذه أمور لا يعرفها الفكر المادي الغربي والشر قي على حد سواء. والمراد أن من زعم أن علماء الخطاب الشرعي لا يتحدثون عن قضايا المدنية وقضايا الأخلاق التي تتصل بمصالح الناس، فإما أنه لا يعرف أصلاً هذا الخطاب الشرعي، وإنما يبني تصوراته من خلال مستهلكات المجالس، وإما أنه يعرف ذلك لكنه يريد إلغاء بقية الاهتمامات ويتوسل ببعضها ضد بعضها الآخر.

عدد الصفحات ٣٤

35 رابعاًالخطاب الشرعي والعلوم غير الشرعية يرى مناوئوا الخطاب الشرعي بأننا (اليوم في تخلف مدني شديد وبحاجة ماسة إلى العلوم المدنية المعاصرة، ولكن أزمة الخطاب الشرعي أنه يزهد الشب اب المسلم في تعلم العلوم المدنية، وأنها ضياع وقت، وأنه لا ثواب فيها)، ولذلك يعتقد هؤلاء النقاد أن ضعف الجوانب المدنية في المجتمع المسلم المعاصر ليست أولاً بسبب ضعف كفاءة المسؤولين عن التعليم، وإنما بسبب الخطاب الشرعي الذي يضخ -و لا يزال - صورة منحطة عن العلو م المدنية. هل يا ترى كان الخطاب الشرعي فعلاً يشيع التزهيد في العلوم المدنية وأنه لا ثواب فيها؟ هذا تصوير غير دقيق للواقع، فرموز الخطاب الشرعي لديهم تكييف فقهي شائع جداً لا يوجد أحد منهم يخالف فيه البتة، وهي أنهم يلخصون رؤيتهم بقولهم (العلوم المدنية التي يحتاجها المسلمون في حياتهم "فرض كفاية" يج ب شرعاً أن يوجد في المسلمين من يقوم بها) هذا التكييف الفقهي لمنزلة العلوم المدنية محل الاحتياج -أعني اعتبارها "فرض كفاية" - هو كالمسَ ل مة العريقة داخل الخطاب الشرعي، وسنستعرض هاهنا شواهد مختارة على ذلك: يقول الأب العلمي للخطاب الشرعي المعاصر الإمام ابن باز عليه رحمات الله في محاضرة بعنوان (العلم وأخلاق أهله)، وهي موجودة كمادة صوتية وكنص مكتوب: (أنواع الصناعات المباحة، واستخراج المعادن، والزراعة، وغير ذلك، كلها أمور مطلوبة ومع صلاح النية تكون عبادة، ومع خلوها من ذلك تكو ن أموراً مباحة، وقد تكون "فرض كفاية" في بعض الأحيان إذا دعت الحاجة إليها)

عدد الصفحات ٣٥

36 ولننتقل إلى رمز آخر من رموز الخطاب الشرعي وهو الإمام ابن عثيمين الذي يمثل مرتبة الفقيه رقم واحد في الخطاب الشرعي المعاصر ، حيث يقول مؤكداً مفهوم "الفرض الكفائي" للعلوم المدنية التي يحتاجها المسلمون: (قال بعض أهل العلم: "إن تعلم الصناعات والطب والهندسة والجيولوجيا وما أشبه ذلك من فروض الكفايات" لا لأنها من العلوم الشرعية، ولكن لأنها لا تتم مصالح الأمة إلا بها، ولهذا أنبه الإخوان الذين يدرسون مثل هذه العلوم أن يكون قصدهم بتعلم هذه العلوم نفع إخوانهم المسلمين ورفع أمتهم الإسلامية، فالأمة الإسلامية الآن ملايين، لو أنها استغلت مثل هذه العلوم فيما ينفع المسلمين لكان في ذلك خير كثير، ولا ما احتجنا إلى الكفار في تحصيل كمالياتنا، بل وفي تحصيل ضرورياتنا أحياناً، فهذه العلوم إذا قصد بها الإنسان القيام بمصالح العباد صارت مما يقرب إلى الله، لا لذاتها ولكن لما قصد بها) [26/50] ونهى الشيخ عما يقع من البعض من ازدراء العلوم الدنيوية: (وإذا كانت العلوم التي تتعلق بالدنيا نافعة للخلق ولا تشغل عما هو أهم منها كان طلبها محموداً لما توصل إليه من النفع العام أو الخاص، ولا ينبغي لنا أن نحتقرها حتى لا نجعل لها قيمة في حال تكون مفيدة للخلق) [ ابن عثيمين،26/31] ويقول ابن عثيمين أيضاً في حكم تعلم الطب (لا شك أن لهم –أي الأطباء- أجر اً بحسب نيتهم وعملهم لأن الطب نفسه ليس مقصوداً لذاته ولكنه مقصود لغيره، لهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أن تعلم الطب "فرض كفاية"، لا بد للمسلمين أن يكون فيهم أطباء ، فألحقوه بفرض الكفاية ، لأن هذا مما تحتاجه الأمة، فإذا قصد الإنسان بعمله هذا القيام بهذا الفرض والإحسان إلى الخلق فسينال أجراً كثيراًبيب المسلم

عدد الصفحات ٣٦

37 ولا أعتقد أنه من المنطقيالتوسع في نقل اقتباسات أخرى ، لأن هذه القضية -أعني اعتبار العلوم المدنية التي يحتاجها المسلمون فرض كفاية - أشبه بالثابت الفقهي الراسخ. ولكن من الطريف أن نحاول التقاط الصورة من زاوية أخرى، ذلك أننا حين نتأمل كتابات المفكر ين العلمانيين العرب المعاصرين نجد أنهم كثيراً مايطرحون إشكالية للتساؤل مؤداها (أن الإسلاميين يتواجدون بكثافة في ميدان العلوم الطبيعية/التجريبية/التطبيقية كالطب والحاسب والهندسة ونحوها، ويسيطرون على أنشطتها الطلابية، بينما نجد غيابهم الفادح في حقول الإنسانيات كالفلسفة والانثروبولوجيا والقانون ونحوها؟ فهل هذا هو السبب في دوغمائيتهم؟) هذا السؤال الذي يطرحه الفكر العربي المعاصر بإلحاح يحمل داخله شهادة ضمنية بأن الخطاب الشرعي لم يكن منفّراً عن العلوم غير الشرعية كما يزعم أحياناً، ونحن هاهنا لن نناقش هذا السؤال لكن سنكتفي فقط بالتقاط مايعنينا منه وهو هذا الاعتراف الضمني الذي سبقت الإشارة إليه، وتأتي أهمية شهادة مثل هؤلاء المفكرين العلمانيين في كونهم ألد خصوم الاتجاه الإسلامي عقائدياً، وبالتالي فليسو محل تهمة في هذه الشهادة.

عدد الصفحات ٣٧

38 خامساًالخطاب الشرعي والاستفادة من الغرب يكرر كثير من مناوئي الخطاب الشرعي القول بأن: (الحضارة الغربية اليوم تثل منبع العلوم ونموذج التفوق المذهل في كل الميادين والمجالات، ومن أعظم أسباب تخلفنا أن الخطاب الشرعي اليوم يقف حجر عثرة بين المجتمع المسلم والاستفادة من الغرب، و ما لم يصحح الخطاب الشرعي موقفه الانفصالي هذا فهذا يعني أننا سنبقى في قعر التخلف) نلاحظ هاهنا أن هذا التفسير لضعف الاستفادة من منجزات العلوم المدنية الغربية لا يرده هؤلاء إلى ضعف الإنفاق الحكومي في العالم العربي على البحث العلمي، وضعف الكفاءات المسؤولة عن التعليم، وإنما يردونه إلى عنجهية الخطاب الشرعي في رفض الاستفادة من تجارب الناجحين. إلى أي مدى يا ترى يمثل هذا التفسير تفسيراً علمياً صحيحاً؟ لنحاول قراءة نماذج من مواقف فقهاء الخطاب الشرعي المعاصر تجاه الاستفادة من المنجزات الغربية: يقول الأب العلمي للخطاب الشرعي المعاصر الشيخ عبدالعزيز بن باز ر حمه الله: (إن الأفكار والنظريات المستوردة فيها الحق والباطل، فلا يجوز للمسلمين أن يقبلوها مطلقاً ، ولا أن يردوها مطلقاً ، بل الواجب هو التفصيل في ذلك، فما كان منها حقاً أو نافعاً للمسلمين مع عدم مخالفته لشرع الله سبحانه فلا مانع من قبوله و الانتفاع به) [،27/473] ويشير إلى الأساس الذي يجعلنا نستفيد من هذه المنجزات فيقول رحمه ا :

عدد الصفحات ٣٨

39 (و حرج علينا في أن نأخذ مما وقف عليه غيرنا من أسرار الكون واكتشف من العلوم النافعة الدنيوية التي لا تخالف الشرع المطهر، وإنما تعين على حمايته من كيد أعدائه وتغني أهله عن الحاجة إلى الغير، بل يجب ذلك ويتعين على أهل الإسلام، لا تأسياً بالكفار، بل لأن دينهم الكامل يأمرهم بالحرص على ما ينفعهم، والحذر عن كل ما يضرهم، كما تقدمت الأدلة على ذلك، وهؤلاء الكفار الذين بلغوا في الاختراع الغاية لم يزدهم ما وصلوا إليه من العلم إلا كفراً وإلحاداً وهبوطاً من الأخلاق الفاضلة) [ ابن باز،1/393] وذات مرة سألت امرأةٌ الإمام ابن باز عن حكم الاستفادة من "المنتجات التجميلية الغربية" فكان في جوابه داخلاً في هذه القاعدة العامة أيضاً، كما يقول: (نأخذ من الغرب والشرق ما ينفعنا وندع ما يضرنا، إذا جاءنا من الغرب أو الشرق شيء ينفعنا نأخذه ونستفيد منه، كما نأخذ منهم ما أخذنا من سلاح ومن طائرات ومن سيارات ومن بواخر وغير ذلك، نأخذ منهم من الدواء، ومن غير الدواء، ومن وجوه الزينة ما ينفعنا، ولا يكون فيه مشابهة لغيرنا من أعداء الله) [، 21/223] ويقول أهم مرجعية فقهية معاصرة وهو الشيخ ابن عثيم في عبارة حزينة على تضييع المسلمين لكافة أنواع العلوم والمنجزات فيقول : (وأما ما حصل في الدول الغربية الكافرة الملحدة من التقدم في الصناعات وغيرها، فإن ديننا لا يمنع منه لو أننا التفتنا إليه، لكن مع الأسف ضيعنا هذا وهذا، ضيعنا ديننا، وضيعنا دنيانا، وإلا فإن الدين الإسلامي لا يعارض هذا التقدم) [3/49]

عدد الصفحات ٣٩

40 وأنكر الشيخ ابن عثيمين أن يكون الأخذ مما عند الكفار تشبهاً فقال: (وأما الصناعات والحرف التي فيها مصالح عامة، فلا حر ج أن نتعلم مما صنعوه –أي الكفار- ونستفيد منه، وليس هذا من باب التشبه، ولكنه من باب المشاركة في الأعمال النافعة التي لا يعد من قام بها متشبها بهم.) [3/40] ولنعرض أيضاً نموذجاً لشخصية فقهية شديدة الحضور في الخطاب الشرعي وهو الشيخ صالح الفو زان حيث يقول: (الدول الغربية الآن عندها الكثير من المستجدات التي يفتقدها المسلمون، وعندهم شرور كثيرة، لهذا أرى أنه لا يجوز للمسلمين أخذ كل ما لدى الغرب أو رفضه كله، بل الواجب عليهم التمحيص وأخذ ما ينفع منه وما يوافق دينه وما أرشد إليه كتابنا، وترك ما حذر منه الدين ونهانا عنه) [فتاوى الفوزان، س206] فإذا كان هذا هو المنظور الفقهي الذي يقدمه الفوزان والذي يعتبره البعض أكثر فقهاء الخطاب الشرعي تحفظاً تجاه الأفكار الغربية، فكيف بمن هو أقل منه تحفظاً؟ يبدو لي أنه ليس من المنطقي أن نواصل استعراض نصوص بقية فقهاء الخطاب الشرعي في هذا المجال، لأن هذا الموقف "وهو الانتفاع بما لا يعارض الشريعة" ليس مجرد فتوى، بل هو أشبه بالمبدأ شديد الشيوع والعمق في الخطاب الشرعي المعاصر.

عدد الصفحات ٤٠

41 ولو رأينا انعكاسات هذه الرؤية على واقع الخطاب الشرعي لرأينا المخ تصين الشرعيين شديدي الاهتمام بالبر امج الكمبيوترية وتطبيقاتها واستعمالها في علومهم الشرعية، والكثير منهم شارك في برامج الابتعاث للدراسة في الخارج في تخصصات علمية دقيقة في شتى العلوم. ولذلك يبدو لي أن من يردد أن الخطاب الشرعي يقف حائلاً دون الاستفادة من المنجزات الغربية، فهو يقدم طرحاًًً إنشائياً غير موضوعي لا يستند للواقع النظري والتطبيقي للخطاب الشرعي، إلا إذا كان قائل هذا الكلام ينتقد على الخطاب الشرعي تفصيله بين الموافق للشريعة والمعارض لها، وأنه يريد استبعاد هذا التفصيل والتمييز وأخذ كل ما لدى الواقع الغربي، فهذا شيء آخر.

عدد الصفحات ٤١

42 سادساً: الخطاب الشرعي والاستقلال السياسي من الأمور التي يشيعها بعض مناوئي الخطاب الشرعي قولهم: (الخطاب الشرعي المعاصر مجرد تابع للنظم السياسية يحركها كيف يشاء، فيبيحون ما أراد السياسي إباحته، ويحرمون ما يريد السياسي تحريمه) ، وبعضهم يقول بلهجة دارجة (مشايخنا الله يخلف عليهم ورا الحكومة اللي تبيه يقولونه)، ويذكرون لذلك بعض النماذج التاريخية لفتاوى تغيرت بهدف تدعيم رؤيتهم هذه. نريد هاهنا أن نختبر حجم (الدقة العلمية) لهذا التصوير للخطاب الشرعي؟ هل فعلاً الخطاب الشرعي مجرد تابع وذيل للنظام السياسي كما يرى هؤلاء النقاد؟ دعونا أولاً نتأمل بعض الوقائع، ثم ننتقل إلى استعراض بعض النصوص النظرية : أقر صانع القرار النظام البنكي الربوي ووضع له واحداً من أقوى الأجهزة الإشرافية وزوده بصلاحيات واسعة، ووضع له نظاماً بعنوان "نظام البنوك"، ومع ذلك فإن الجميع يتذكر كيف قام فقهاء الخطاب الشرعي ودعاته وخطباؤه بحملة تاريخية طويلة الأجل للتعبئة الاجتماعية ضد البنوك الربوية، وتحريم العمل فيها، وتحريم فوائدها. كما أن النظام السياسي أتاح بيع السجائر، واستمر الفقهاء في إشاعة الموقف السلبي الغليظ ضدها، كما أن النظام السياسي أتاح نشر المجلات الماجنة وتو زيعها ، واستمر فقهاء الخطاب الشرعي في بث استبشاعها، وأيامها نشر ابن عثيمين رسالة بعنوان "فتن المجلات"، كما أن النظام السياسي أتاح إقامة كثيرٍ من "الفعاليات الغنائية " في الاحتفالات الرسمية السنوية والمناشط السياحية، ومع ذلك استمر

عدد الصفحات ٤٢

43 الخطاب الشرعي يصدر الكثير من الخطب والدروس والبحوث في مهاجمة المعازف، وابتهج النظام السياسي بالمئوية التي تثل بالنسبة له أعظم رمز لكيانه السياسي ، ومع ذلك تحرك الخطاب الشرعي معارضاً ذلك باعتباره عيداً غير مشروع حتى تم ترك كثير من المظاهر وإعلان ذلك رسمياً، وفرض النظام السياسي -بشيء من القوة والحساسية تجاه الممانعين- التوسعة الأفقية للمسعى ومع ذلك بقي كثير من فقهاء الخطاب الشرعي يمانعون "التوسعة الأفقية" ويرون جواز "التوسعة العمودية" فقط، بل ويحذرون الناس من السعي في التوسعة الأفقية الجديدة، وفرض الفريق الوزاري الليبرالي المحيط بالنظام السياسي - بشيء من الصلف والعنجهية التي تصل لحد التشويه الإعلامي والإقالة من الوظيفة للمانعين- الاختلاط في جامعة كاوست، ومع ذلك قاد كثير من فقهاء الخطاب الشرعي حملة ممانعة وكتبوا في ذلك بعض الفتاوى والأبحاث ومئات المقالات على الشبكة. ومن المعلوم أن النظام السياسي المحلي حريص جداً على بقاء صورته كنظام متميز في عالم اليوم بتحكيم الشريعة، فهذه الصورة بالنسبة له مكتسب تاريخي وواحد من أهم أسس الشرعية السياسية بحيث لا يمكن التفريط فيه ا، ومثل هذه المعارضة الفقهية تشوش هذا المكتسب، خصوصاً أن خلايا العنف كانت تستغل هذه المظاهر المخالفة للشريعة لتزو د أفعالها وتفجيراتها بالشرعية المطلوبة، ومع ذلك كله بقي رموز الخطاب الشرعي يعارضون ما يرونه مخالفاً للنصوص الشرعية. السؤال الذي يطرحه الباحث العلمي على نفسه هاهنا: لو كان الخطاب الشرعي مجرد أزرار تحت يد السياسي كما يقول هؤ لاء النقاد، فما الذي يمنع السياسي إذن من توجيه هؤلاء الفقهاء لإنهاء هذه الملفات المزعجة ، والفتيا بموافقة ما هو واقع، وتغطية القرارات السياسية بفتاوى فقهية ، وتخليص صورته الشرعية من هذه الإحراجات ؟!

عدد الصفحات ٤٣

44 وثمة أيضاً صور كثيرة جداً من هذا القبيل، واستعراضها وتحليل مضامينها يكشف للباحث الموضوعي الضعف العلمي لفكرة أن "الخطاب الشرعي مجرد تابع لرغبات وميول النظام السياسي". حسناً، ما سبق هي نماذج واقعية تتناقض جذرياً مع تهمة التبعية السياسية، لننتقل الآن إلى النصوص النظرية التي تصب أيضاً في هذا المسار، وهو وجوب استقلال الخ طاب الشرعي عن الرغبات السياسية، فمن ذلك: أن الشيخ الإمام ابن عثيمين –وهو أهم مرجعية فقهية سنية معاصرة على الإطلاق - كان لديه مصطلح يكرره كثيراً في دروسه، ويربي طلابه عليه، ويعمقه في نفوسهم، وقد رأيته في كتبه ومحاضراته في عشرات المواضع، وهو مصطلح "علماء الدولة"، ويعني بهم الشيخ ابن عثيمين رحمه الله المنتسبين للعلم الذين يفتون بموجب ما يريده النظام السياسي ، ولنقرأ تعري ف الشيخ نفسه لهذا المصطلح، حيث يقول الشيخ: ("عالم دولة": هو الذي ينظر ما تشتهيه الدولة ، فيلوي أعناق النصوص إلى ما تريد) [ السنة، ابن عثيم. ويعرفه في موضع آخر من كتبه فيقول : ("علماء الدولة" هم الذين ينظرون ماذا تريد الدولة فيلتمسون له أدلة متشابهة، فيتبعون ما تشابه من الأدلة إرضاء للدولة، ولهم أمثلة كثيرة في غابر الزمان وحديثه) [9/463] وعرفهم في موضع آخر من كتبه أيضاً فقال: (وأما "علماء الدولة" فينظرون ماذا يريد الحاكم، يصدرون الأحكام على هواه، ويحاولون أن يلووا أعناق النصوص من الكتاب والسنة حتى تتفق مع هوى هذا الحاكم، وهؤلاء علماء دولة خاسرون) [الباب المفتوح ، ل 49]

عدد الصفحات ٤٤

45 ويكثر من التشنيع على هذا المفهوم فيقول مثلاً (عالم الدولة: الذي ينظر ماذا تريد الدولة فيفتيهم مباشرة، ينظر ماذا يقول الرئيس أو الوزير وما أشبه ذلك، ما أحله الرئيس فهو حلال، وما حرمه فهو حرام، هذا عالم الدولة) [الباب المفتوح ، ل210]. ويستحضر الشيخ هذا المفهوم في كلامه كلما ثار موضوع ذي صلة به ، لتر سيخ الوعي بالاستقلال في نفوس طلابه، فيقول مثلا في الربا والجمارك: (يوجد بعض العلماء وإن كانوا مخطئين يقولون: إن مسألة المعاملات لا تعلق لها بالشرع، بل ترجع إلى ما يصلح الاقتصاد في كل زمان بحسبه، فإذا اقتضى الحال أن نضع بنوكاً للربا أو ضرائب على الناس؛ فهذا لا شيء فيه. وهذا لا شك في خطئه؛ فإن كانوا مجتهدين غفر الله لهم، وإلا فهم على خطر عظيم، واللائق بهؤلاء أن يلقبوا بأنهم من "علماء الدولة" لا علماء الملة) [القول المفيد، 2/161] وقال مرة في مسألة الحكم بغير ما أنزل ا : (علماء الدولة، يحرفون الكلم عن مواضعه من أجل إرضاء الحاكم، فيقولون مثلاً : إن مسائل الدنيا اقتصادياً وزراعياً وأخذاً وإعطاءً موكول إلى البشر؛ لأن المصالح تختلف، ثم يموهون عليه بقوله صلى الله عليه وسلم "أنتم أعلم بأمور دنياكم". وغالب الحكام الموجودين الآن جهلة، لا يعرفون شيئاً، فإذا أتى إنسان كبير العمامة طويل الأذيال واسع الأكمام وقال له: هذا أمر يرجع إلى المصالح، والمصالح تختلف بحسب الزمان والمكان والأحوال، والنبي  قال: "أنتم أعلم بأمور دنياكم"، ولا بأس أن تغيروا القوانين التي كانت مقننة في عهد الصحابة وفي وقت مناسب إلى قوانين توافق ما عليه الناس في هذا الوقت، فيحللون ما حرم الله) [87]

عدد الصفحات ٤٥

46 وهذا الاستحضار الكثيف من الشيخ ابن عثيمين بشكل سلبي متكرر لمفهوم "علماء الدولةله آثار تربوية عميقة جداً في نفوس طلابه ومستمعيه والمتأثرين به، حيث يصبح "استقلال الفقيه" عن الإملاءات السياسية وارتباطه بالوحي قيمة مركزية في وعيهم. على أية حال.. تبعاً لهذا المبدأ الشرعي عند الشيخ ابن عثيمين فإنه انعكس على فقهه بشكل رئيس، فلم ينجرّ الشيخ رحمه الله لتقديم غطاء فقهي للقرارات السياسية إذا كان ذلك مخالفاً للأحكام الشرعية، وقد سبق ذكر بعض النماذج، لكننا نفضل هاهنا أن نعرض نماذج أخرى لربط هذه التطبيقات بهذا المبدأ الذي سبقت الإشارة إليه. فمن ذلك مثلاً أن النظام السياسي من أجل تنظيم المرور وضع رسوماً على إصدار رخص القيادة، وهي مسألة اجتهادية و لا شك، ولكن لأن الشيخ كان يرى تحريم ذلك فقد جهر به ولم يجامل في هذه المسألة الشرعية، حيث جاء في فتاواه: (فضيلة الشيخ، الرسوم التي تؤخذ لتجديد الاستمارة أو الرخصة هل تعتبر من الضرائب؟ إي نعم، كل شيء يؤخذ بلا حق فهو من الضرائب، وهو محرم، ولا يحل للإنسان أن يأخذ مال أخيه بغير حق) [ الباب المفتوح، ل 65]. طبعاًن هاهنا لسنا في معرض التحرير الفقهي لحكم الرسوم الإدارية، ولكن المهم في المثال السابق هو توضيح استقلال الشيخ الفقهي، وعدم مجاملته في المسائل الشرعية . ومن النماذج -أيضاً - أن النظام السياسي وضع نظاماً جمركياً ضخماً وشرع له الأنظمة وأقام له المؤسسة المعنية، ومع ذلك استمر الشيخ يرى تحريم "الضرائب الجمركية" ، ولم يلتفت لضغوط الواقع السياسي، حيث يقول الشيخ:

عدد الصفحات ٤٦

47 (و المكوس ظلم، وهذا يعني أن الجمارك ظلم) [ وقال مرة في التخلص من الجمارك : (أصحاب الجمارك لو قدرنا أنك تعطيهم مالاًًَ ليكفوا عن أخذ الجمرك فلا بأس؛ لأن هذا دفع للظلم، مع أن الأفضل في هذا الحال أن تخضع، لكنه لما لم يكن به منابذة صار جائزاًلقاء الباب المفتوح ، ل106]. بل إن الشيخ حرم على ولي الأمر أن يقاتل البغاة، بل أوجب عليه أولاً أن يحاورهم، كما يقول الشيخ (لو قال –أي ولي الأمر- مثلا: ارجعوا وراءكم أنا الإمام، ولا لأحد علي اعتراض، لا أسأل عما أفعل، وأنتم تسألون، فماذا نقول؟ نقول: هذا لا يجوز، وحرام عليه أن يقول هذا القول) [الشرح الممتع، 14/401] ومن أصو ل الشيخ في باب السياسة الشرعية (س د الذريعة لفساد السلاطين )، ولذلك فإنه لما قال بعض متأخري ال فقهاء في كتاب الجنايات بأن "القاتل إذا كان سلطاناً فإنه لا يقتل ولا قصاص عليه"، وعللوا ذلك بأن"قتل السلطان يترتب عليه فتنة وفوضى وضياع الأمة"، فرد عليهم الشيخ محمد -ر حمه الله- بعبارة جازمة وقال : (أرى أن تعليلهم عليل؛ لأن النصوص الواردة عامة، ولو فتح الباب للسلاطين الظلمة لاعتدوا على الناس يقتلونهم عمداً وعدواناً ، وبدون أي سبب، وبكل جرأة على الله وعلى خلقه والعياذ [ )للهبا الممتع، 14/45]

عدد الصفحات ٤٧

48 أما ما يقوله بعض الناس إن الشيخ ابن عثيمين كان يرفض الإنكار العلني ويرى حصر الأمر في الإنكار السري، فهذا غير دقيق، و من قال هذا الكلام لم يستوعب نصوص الشيخ ابن عثيمين وليس له بها خبرة، فالشيخ محمد له قو اعد في هذا الباب أراد بها تحقيق التوازن بين أصول الشريعة، فمن أصوله أن "الإنكار العلني مرتبط بمصلحة الإنكار ذاته"، وليس لدى الشيخ إطلاقات عامة في هذا الباب، بل هي موازنات، حيث يقول الشيخ في شرح هذا المبدأ: (فإذا رأينا أن الإنكار علناً يزول به المنكر ويحصل به الخير فلننكر علناً، وإذا رأينا أن الإنكار علناً لا يزول به الشر ولا يحصل به الخير بل يزداد ضغط الولاة على المنكرين وأهل الخير، فإن الخير أن ننكر سراً، وبهذا تجتمع الأدلة، فتكون الأدلة الدالة على أن الإنكار يكون علناً فيما إذا كنا نتوقع فيه المصلحة، وهي حصول الخير وزوال الشر، والنصوص الدالة على أن الإنكار يكون سراً فيما إذا كان إعلان الإنكار يزداد به الشر ولا يحصل به القاء الباب المفتوح ، ل62] وبهذا التفصيل الذي شر حه الشيخ في عدة مواضع تلتقي أقواله رحمه الله، فإنه في بعض المواضع نهى عن الإنكار العلني، وفي مواضع أخرى -أكثر وأشهر- أنكر علناً في كل المنكرات التي وقعت ولم يجامل، فالجمع بين موقفي الشيخ أنه يرى أن الإ نكار العلني مرتبط بظهور المصلحة الراجحة، فإذا كان الإ نكار العلني فيه بيان الحق للناس وليس فيه مفسدة الإضرار بالدعوة شرع الإنكار العلني، وأما إذا رجحت مفسدة الإضرار بالدعوة على مصلحة بيان الحق في هذا المنكر يرى الشيخ أن الراجح أفضلية الإنكار سراً، وهذا من عمق الشيخ ودقته في مراعاة الأصول الشرعية وص دق الرغبة في الحفاظ على الشريعة. ونحن هاهنا منحنا مواقف ابن عثمين المزيد من الأهمية والتحليل لأنه يعتبر أهم مرجعية فقهية سنية معاصرة على الإطلاق، وهو أصدق ممثل نموذجي للخطاب الشرعي المعاصر، بل إن كثيراً من الناس لا يعرف أن طلاب العلم الذين يفتون للناس إنما عنايتهم الش ديدة بما في الشرح الممتع للشيخ رحمه الله، نظراً لخصائص فقهية تيز بها ليس هذا محل عرضها، لكن أهمها هو : الاطراد الفقهي، واستخلاص توازنات المعطيات الشرعية، بالإضافة إلى التفوق المذهل في "مهارات التعليم الفقهي" كحسن العرض والتمثيل وتحريك أذهان الطلبة ونحوها.

عدد الصفحات ٤٨