المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

فتح الودود بيان آيات الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم

أحمد خضر حسنين الحسن

صفحة ٩ من ٢٥

129 مقيمين بها.لو ثبت ذلك، لقتضت حكمتنا أن نرسل إليهم من السماء ملكا رسول، يكون من جنسهم، ويتكلم بلسانهم، وبذلك يتمكنون من مخاطبته، ومن الْخذ عنه، ومن التفاهم معه لْن الجنس إلى الجنس أميل، والرسول يجب أن يكون من جنس المرسل إليهم، فلو كان المرسل إليهم ملائكة، لكان الرسول إليهم ملكا مثلهم، ولو كان المرسل إليهم من البشر، لكان الرسول إليهم بشرا مثلهم. فكيف تطلبون أيها الجاهلون - أن يكون الرسول إليكم ملكا، وتستبعدون أن يكون بشرا مع أنكم من البشر؟!! و قال الآلوس ى: " قوله : لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاا رَس ولا أى: يعلمهم ما ل تستقل عقولهم بعلمه، وليسهل عليهم الجتماع به، والتلقي منه، وأما عامة البشر فلا يسهل عليهم ذلك، لبعد ما بين الملك وبينهم " . - قال الشنقيطي : وهذا المعنى الذي وضحته الآية الكريمة - وهو أن الرسول يجب أن يكون من جنس المرسل إليهم- قد جاء ما يشبهه ويؤكده في آيات كثيرة منها قوله - تعالى-: وَقال وا لَوْل أ نْزِلَ عَلَيْهِ مَلَك ، وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاا لَق ض ِيَ الَْْمْر ث مَّ ل ي نْظَر ونَ . ( وَلَوْ جَعَلْناه مَلَكاا لَجَعَلْناه رَج لاا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِس ونَ ) .وقوله - سبحانه : ( وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّ رِجالا ن وحِي إِلَيْهِمْ، فَسْئَل وا أَهْلَ الذ ِكْرِ إِنْ ك نْت مْ ل تَعْلَم ونَ ) وقوله عز وجل: ( وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَس ول إِلَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِي بَي ِنَ لَه مْ ) 4 /ثم أمر الله- تعالى- نبيه صلى الله عليه وسلم للمرة الثانية، أن يحسم الجدال معهم، بتفويض أمره وأمرهم إلى الله- عز وجل-، فهو خير الحاكمين ف قال تعالى ( قُلم كَفَى بِالل هِ شَهِيدًا بَيمنِي وَبَيمنَكُمم إِن هُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ) أى: قل لهم في هذه المرة من جهتك، بعد أن قلت لهم في المرة السابقة من جهتنا: قل لهم- أيها الرسول الكريم - يكفيني ويرضيني ويسعدني، أن يكون الله- تعالى- هو الشهيد والحاكم بيني وبينكم يوم نلقاه جميعا فهو- سبحانه- يعلم أنى قد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، إنه- تعالى- كان وما زال خبيرا بصيرا . أى: محيطا إحاطة تامة بظواهرهم وبواطنهم، ل يخفى عليه ش يء في الْرض ول في السماء. - وفي هذه الآية الكريمة تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم من أذى، وتهديد لهم بسوء المصير، حيث آذوا نبيهم صل ى الله عليه وسل م الذي جاء لهدايتهم وسعادتهم.

عدد الصفحات ١٢٩

130 فوائد مهمة لقد ورد في القرآن الكريم الرد على تلك القترحات والجواب عن تلك الشبهات ولكن بجواب مختلف ورد بأسلوب آخر ومن ذلك ما جاء في سورتي وهما الرعد والعنكبوت وأنا سأذكر هنا تلك المواضع وكيف جاء فيه الجواب من الملك الوهاب دفاعاا عن السيد المهاب صل ى الله عليه وسل م : أولاً : ما ورد في السورة الرعد من الجواب على اقترح المشركين إنزال الآيات الكونية على خير البرية صل ى الله عليه وسل م وهو قوله تعالى : وَيَقُولُ ال ذِينَ كَفَرُوا لَوملاَ أُنزِلَ عَلَيمهِ آيَة م ِن ر ب ِهِ إِن مَا أَنتَ مُنذِر وَلِكُل ِ قَومم هَاد ) الآية (7) وإلي ك بيانها : 1( /وَيَق ول الَّذِينَ كَفَر وا لَوْل أ نْزِلَ عَلَيْهِ آيَة مِنْ رَب ِهِ ) ومرادهم بالآية: معجزة كونية كالتي جاء بها موس ى من إلقائه العص ى فإذا هي حية تسعى، أو كالتي جاء بها عيس ى من إبرائه الْكمه والْبرص وإحيائه الموتى بإذن الله - كما سبق ذكره - لْن القرآن - في زعمهم- ليس كافيا لكونه معجزة دالة على صدقه صلى الله عليه وسلم. أى: ويقول هؤلء الكافرون الذين عموا وصموا عن الحق واستعجلوا العذاب : ( لول ) لَوْل هنا حرف تحضيض بمعنى هلا. فالمعنى : هلا أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم آية أخرى غير القرآن الكريم تدل على صدقه.ولقد حكى القرآن مطالبهم المتعنتة في آيات كثيرة، منها قوله - تعالى- : وَقال وا لَنْ ن ؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْج رَ لَنا مِنَ الَْْرْضِ يَنْب وعاا .. الخ كما سبق . 2/ لقد رد الله- تعالى- عليهم هنا في هذا الموضع ببيان وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم فقال ( إِن ما أَنمتَ مُنمذِر ) أى: أن وظيفتك - أيها الرسول الكريم - هي إنذار هؤلء الجاحدين بسوء المصير، إذا ما لجوا في طغيانهم، وأصروا على كفرهم وعنادهم وليس من وظيفتك الإتيان بالخوارق التي طلبوها منك. وإنما قصر- سبحانه- هنا وظي فة النبي صلى الله عليه وسلم على الإنذار، لْنه هو المناسب لْحوال المشركين الذين أنكروا كون القرآن معجزة .

عدد الصفحات ١٣٠

131 3 /وقوله تعالى ( وَلِكُل ِ قَومم هاد ) أى: ولكل قوم نبي يهديهم إلى الحق والرشاد بالوسيلة التي يراها مناسبة لْحوالهم، وأنت - أيها الرسول الكريم - قد جئتهم بهذا القرآن الهادي للتي هي أقوم. والذي هو خير وسيلة لإرشاد الناس إلى ما يسعدهم في دينهم ودنياهم وآخرتهم . ثانياً : ما ورد في سورة العنكبوت من الجواب على اقترح المشركين إنزال الآيات الكونية على خير البرية صل ى الله عليه وسل م وهو قوله تعالى: قوله تعالى : وَ قَالُوا لَوملاَ أُنزِلَ عَلَيمهِ آيَات م ِن ر ب ِهِ قُلم إِن مَا الآميَاتُ عِندَ الل هِ وَإِن مَا أَنَا نَذِير م بِين (50 )أَوَلَمم يَكمفِهِمم أَن ا أَنزَلمنَا عَلَيمكَ المكِتَابَ يُتملَى عَلَيمهِمم إِن فِي ذَ لِكَ لَرَحممَةً وَذِكمرَى لِقَوم م يُؤممِنُونَ (51 )قُلم كَفَى بِالل هِ بَيمنِي وَبَيمنَكُمم شَهِيدًا يَعملَمُ مَا فِي الس مَاوَاتِ وَالأمَرمضِ وَال ذِينَ آمَنُوا بِالمبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِالل هِ أُولَ ئِكَ هُمُ المخَاسِرُونَ (52) وإليك بيانها 1 /قوله تعالى : (وَقالُوا لَوملا أُنم زِلَ عَلَيمهِ آيات مِنم رَب ِهِ ) أرادوا رؤية الآيات الكونية، كعصا موس ى، وناقة صالح. أى: وقال المبطلون للنبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التعنت والعناد، هلا جئتنا يا محمد بمعجزات حسية كالتي جاء بها بعض الْنبياء من قبلك، لكي نؤمن بك ونتبعك؟ 2/ قوله تعالى : ( قُلم إِن مَا الآمياتُ عِنمدَ الل هِ وَإِن ما أَنَا نَذِير مُبِين ) هذا إرشاد من الله- تعالى- لنبيه صلى الله عليه وسلم إلى ما يرد به عليهم.أى: قل- أيها الرسول الكريم - في ردك على هؤلء الجاهلين، إنما الآيات التي تريدونها عند الله- تعالى- وحده، ينزلها حسب إرادته وحكمته، أما أنا فإن وظيفتي الإنذار الواضح بسوء مصير من أعرض عن دعوتي، وليس من وظيفتي أن أقترح على الله- تعالى- شيئا. 3 /وقوله سبحانه: ( أَوَلَمم يَكمفِهِمم أَن ا أَنمزَلمنا عَلَيمكَ المكِتابَ يُتملى عَلَيمهِمم ) كلام مستأنف من جهته- تعالى- لتوبيخهم على جهالتهم، والستفهام للإنكار،والمعنى: أقالوا ما قالوا من باطل وجهل، ولم يكفهم أنا أنزلنا عليك هذا الكتاب الناطق بالحق، يتلى على مسامعهم صباح مساء، ويهديهم إلى ما فيه سعادتهم، لو تدبروه وآمنوا به، واتبعوا أوامره ونواهيه؟ والتعبير بقوله - سبحانه-: ( ي تْلى عَلَيْهِمْ ) يشير إلى أن هذه التلاوة متجددة عليهم، وغير منقطعة عنهم، وكان في إمكانهم أن ينتفعوا بها لو كانوا يعقلون .

عدد الصفحات ١٣١

132 4/ قوله سبحانها: ( إِن فِي ذلِكَ لَرَحممَةً وَذِكمرى لِقَومم يُؤممِنُونَ ) .أى: إن في ذلك الكتاب الذي أنزلناه عليك- أيها الرسول الكر يم-، والذي تتلوه عليهم صباح مساء، لرحمة عظيمة، وذكرى نافعة، لقوم يؤمنون بالحق، ويفتحون عقولهم للرشد، ل للتعنت والجحود والعناد . 5 /قوله تعالى ( قُلم كَفَى بِالل هِ بَيمنِي وَبَيمنَكُمم شَهِيدًا يَعملَمُ مَا فِي الس مَاوَاتِ وَالأمَرمضِ وَال ذِينَ آمَنُ وا بِالمبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِالل هِ أُولَ ئِكَ هُمُ المخَاسِرُونَ ) ثم أرشده- سبحانه- إلى جواب آخر يرد به عليهم فقال: قُلم كَفى بِالل هِ بَيمنِي وَبَيمنَكُمم شَهِيداً . أى: قل- أيها الرسول الكريم - لهؤلء الجاهلين: يكفيني كفاية تامة أن يكون الله- تعالى- وحده، هو الشهيد بيني وبينكم على أنى صادق فيما أبلغه عنه، وعلى أن هذا القرآن من عنده. وهو- سبحانه- يَعْلَم ما فِي السَّماواتِ وَالَْْرْضِ علما ل يعزب عنه ش يء، وسيجازينى بما أستحقه من ثواب، وسيجازيكم بما تستحقونه من عقاب. 6/ قوله تعالى وَال ذِينَ آمَنُ وا بِالمباطِلِ وأعرضوا عن الحق وَكَفَرُوا بِالل هِ ) - تعالى- مع وضوح الْدلة على أنه- سبحانه- هو المستحق للعبادة والطاعة . الذين فعلوا ذلك: ( أُولئِكَ هُمُ المخاسِرُونَ ) خسارة ليس بعدها خسارة، حيث آثروا الغي على الرشد، واستحبوا العمى على الهدى، وسيكون أمره م فرطا في الدنيا والآخرة .

عدد الصفحات ١٣٢

133 الموضع الخامس قُلِ ادمعُوا الل هَ أَوِ ادمعُوا الر حممَ نَ أَيًّا م ا تَدمعُوا فَلَهُ الأمَسممَاءُ المحُسمنَى وَلاَ تَجمهَرم بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتم بِهَا وَابمتَغِ بَيمنَ ذَ لِكَ سَبِيلاً (110) أولاً : سبب نزولها ذكر المفسرون في سبب نزول قوله - تعالى-: ق لِ ادْع وا اللَّهَ أَوِ ادْع وا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْع وا فَلَه الَْْسْماء الْح سْنى .. ذكروا روايات منها: ما أخرجه ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: وصل ى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ذات يوم فدعا الله- تعالى- فقال: يا الله، يا رحمن، فقال المشركون : انظروا إلى هذا الصابئ ينهانا أن ندعو إلهين وهو يدعو إلهين فنزلت . ثانياً : تضمنت الآية بحسب ما ورد في سبب نزولها اتهام المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه يدعو إلهين – وحاشاه - بينما هو يدعوهم إلى التوحيد والإيمان بالله تعالى الواحد الذي ليس له شريك ول نديد ، وينهاهم عبادة الْصنام ، وبنوا ذلك التهام الباطل على سماعهم إياه وهو يقول في دعائه " يا الله، يا رحمن " ثالثاً : جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم ببيان بطلان ادعاء المشركين أن الله تعالى من أسمائه الله والرحمن بل له أسماء كثيرة فقال تعالى ( قُلِ ادمعُوا الل هَ أَوِ ادمعُوا الر حممَ نَ أَيًّا م ا تَدمعُوا فَلَهُ الأمَسممَاءُ المحُسمنَى ) وإليك بيان الآية الكريمة حسب ما يقتضيه المقام: 1/ قال ابن عاشور رحمهوالكلام رد وتعليم بأن تعدد الْسماء ل يقتض ي تعدد المسمى ، وشتان بين ذلك وبين دعاء المشركين آلهة مختلفة الْسماء والمسميات ، والتوحيد والإشراك يتعلقان بالذوات ل بالْسماء . لْنه قال ( ادعوا الل ه أو ادعوا الرحمن ) ادعوا هذا السم أو هذا السم ، أي اذكروا في دعائكم هذا أو هذا ، فالمسمى واحد . 2/ وقال- سبحانه-: فَلَهُ الأمَسمماءُ المحُسمنى للمبالغة في كمال أسمائه- تعالى- وللدللة على أنه ما دامت أسماؤه كلها حسنة، فلفظ الله ولفظ الرحمن كذلك، كل واحد منهما حسن.

عدد الصفحات ١٣٣

134 قال الرازي : في الآية دللة على أنه تعالى حصلت له أسماء حسنة ، وأنه يجب على الإنسان أن يدعو الله بها ، وهذا يدل على أن أسماء الله توقيفية ل اصطلاحية . ومما يؤكد هذا أنه يجوز أن يقال : يا جواد ، ول يجوز أن يقال : يا سخي ، ول أن يقال يا عاقل يا طبيب يا فقيه . وذلك يدل على أن أسماء الله تعالى توقيفية ل اصطلاحية . 3/ قال ابن عاشور : ولعل سفهاء المشركين توهموا من صدع النبي صلى الله عليه وسلم بالقراءة أو بالدعاء أنه يريد بذلك التحكك بهم والتطاول عليهم بذكر الله تعالى مجرداا عن ذكر آلهتهم فاغتاظوا وسبوا ، فأمره الله تعالى بأن ل يجهر بصلاته هذا الجهر تجنباا لما من شأنه أن يثير حفائظهم ويزيد تصلبهم في كفرهم في حين أن المقصود تليين قلوبهم .والمقصود من الكلام النهي عن شدة الجهر . وعليه فقوله - سبحانه-: وَلا تَجمهَرم بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتم بِها وَابمتَغِ بَيمنَ ذلِكَ سَبِيلاً تعليم من الله- تعالى- لنبيه كيفية أفضل طرق القراءة في الصلاة. فالمراد بالصلاة هنا: القراءة فيها. والجهر بها: رفع الصوت أثناءها، والمخافتة بها:خفضه بحيث ل يسمع. يقال: خفت الرجل بصوته إذا لم يرفعه، والكلام على حذف مضاف.والمعنى : ول تجهر يا محمد في قراءتك خلال الصلاة، حتى ل يسمعها المشركون فيسبوا القرآن، ول تخافت بها، حتى ل يسمعها من يكون خلفك، بل أسلك في ذلك طريقا وسطا بين الجهر والمخافتة. ومما يدل على أن المراد بالصلاة هنا: القراءة فيها، ما رواه الشيخان وغيرهما عن ابن عباس.قال: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختف بمكة، فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقر آن، فإذا سمع ذلك المشركون، سبوا القرآن، ومن أنزله، ومن جاء به، فأمره الله بالتوسط. وقيل: المراد بالصلاة هنا: الدعاء. أى: ل ترفع صوتك وأنت تدعو الله، ول تخافت به. وقد روى ذلك عن عائشة، فقد أخرج الشيخان عنها أنها نزلت في الدعاء. ويبدو لنا أن التوجيهات التي بالآية الكريمة تتسع للقولين، أى: أن على المسلم أن يكون متوسطا في رفع صوته بالقراءة في الصلاة، وفي رفع صوته حال دعائه.

عدد الصفحات ١٣٤

135 المبحث السابع عشر ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة يونس الموضع الأول : وَإِذَا تُتملَى عَلَيمهِمم آيَاتُ نَا بَي ِنَات قَالَ ال ذِينَ لاَ يَرمجُونَ لِقَاءَنَا ائمتِ بِقُرمآن غَيمرِ هَ ذَا . الموضع الثاني : أَمم يَقُولُونَ افمتَرَاهُ قُلم فَأمتُوا بِسُورَة م ِثملِهِ وَادمعُوا مَنِ اسمتَطَعمتُم م ِن دُونِ الل هِ .

عدد الصفحات ١٣٥

136 الموضع الأول قوله تعالى :وَإِذَ ا تُتملَى عَلَيمهِمم آيَاتُنَا بَي ِنَات قَالَ ال ذِينَ لاَ يَرمجُونَ لِقَاءَنَا ائمتِ بِقُرمآن غَيمرِ هَ ذَا أَوم بَد ِلمهُ قُلم مَا يَكُونُ لِي أَنم أُبَد ِلَهُ مِن تِلمقَاءِ نَفمس ِي إِنم أَت بِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَي إِن ِي أَخَافُ إِنم عَصَ يمتُ ِي رَب عَذَابَ يَومم عَظِيم (15) قُل ل وم شَاءَ الل هُ مَا تَلَومتُهُ عَلَيمكُمم وَلاَ أَدمرَاكُم بِهِ فَقَدم لَبِثمتُ فِيكُمم عُمُرًا م ِن قَبملِهِ أَفَلاَ تَعمقِلُونَ (16) أولاً : سبب نزولها قال المفسرون : نزلت في جماعة من قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إن كنت تريد أن نؤمن لك، فأت بقرآن ليس فيه ترك عبادة اللات والعزى وليس فيه ما يعيبها. وإن لم ينزل الله- تعالى- عليك ذلك فقل أنت هذا من نفسك، أو بدله فاجعل مكان آية عذاب آية رحمة، ومكان حرام حلال، ومكان حلال حراما، . ثانياً : تضمنت الآية كم ا في سبب نزولها أن مشركي مكة لما أبت نفوسهم الإيمان والقتناع بقضية توحيد الله تعالى أرادوا أن يوجدوا لْنفسهم عذرا في عدم الإيمان بالله تعالى فاقترحوا هذا القتراح أل وهوأن يقوم النبي صلى الله عليه وسلم بتبديل القرآن وفق أهوائهم فهم يريدون قرآنا ل يذم عبادتهم للأصنام أو وقوعم في أي ش ئ حرام . ثالثاً : جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم بأن لقنه الجواب على اقتراحهم وبين لهم بطلانه كما بين لهم عظم أن القرآن منزل من عند الله تعالى فكيف يقوم بتبديله ، وإليك بيان هذه الآيات بالتفصيل لكن دون تطويل : 1 /قوله تعالى : (وَإِذَا تُتملَى عَلَيمهِمم آيَاتُنَا بَي ِنَات قَالَ ال ذِينَ لاَ يَرمجُونَ لِقَاءَنَا ائمتِ بِقُرمآن غَيمرِ هَ ذَا ) والمعنى : وإذا تتلى على أولئك المشركين آياتنا الواضحة المنزلة عليك- يا محمد- صلى الله عليه وسلم قالوا على سبيل العناد والحسد : ائت بقرآن آخر سوى هذا القرآن الذي تتلوه علينا، ( أَوم بَد ِلمهُ ) بأن تجعل مكان الآية التي فيها سب لآلهتنا، آية أخرى فيها مدح لها.

عدد الصفحات ١٣٦

137 والمراد بالآيات: الآيات القرآنية التي يطلبون تبديلها هي الآيات الدالة على وحدانية الله- تعالى- وعلى صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه، وأضافها - سبحانه- إليه على سبيل التشريف والتعظيم، وأسند التلاوة إلى الآيات بصيغة المبنى للمفعول، للإشارة إلى أن هذه الآيات لوضوحها، ولمعرفتهم التامة لتاليها، صارت بغير حاجة إلى تعيين تاليها صلى الله عليه وسلم. قال صاحب الكشاف« :فإن قلت: فماذا كان غرضهم - وهم أدهى الناس وأمكرهم - في هذا القتراح؟ قلت: الكيد والمكر . أما اقتراح إبدال قرآن بقرآن ففيه أنه من عندك وأنك قادر على مثله، فأبدل مكانه آخر، وأما اقتراح التبديل والتغيير فللطمع ولختبار الحال، وأنه إذا وجد منه تبديل، فإما أن يهلكه الله فينجوا هم منه أو ل يهلكه فيسخروا منه، ويجعلوا التبديل حجة عليه، وتصحيحا لفترائه على الله» . 2/ قوله تعالى : ( قُلم ما يَكُونُ لِي أَنم أُبَد ِلَهُ مِنم تِلمقاءِ نَفمس ِي ) هذا القول أمر من الله- تعالى- لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يرد عليهم بما يزهق باطلهم.وكلمة تِلْقاءِ مصدر من اللقاء كتبيان من البيان، وكسر التاء فيهما سماعي، والقياس في هذا المصدر فتحها كالتكرار والتطواف والتجوال . والمعنى : قل لهم- أيها الرسول الكريم - على سبيل التوبيخ: ل يصح لي بحال من الْحوال، أن أبدل هذا القرآن من عند نفس ي و من جهتها (إِنم أَت بِعُ إِلا ما يُوحى إِلَي ) أي وإنما أنا أبلغكم ما أنزل الله على منه، بدون زيادة أو نقصان، أو تغيير أو تبديل. إِن ِي أَخاف إِنْ عَصَيْت رَب ِي عَذابَ يَوْم عَظِيم 3 /وقوله : إِن ِي أَخافُ إِنم عَصَيمتُ ِي رَب عَذابَ يَومم عَظِيم تعليل لمضمون ما قبله من امتناع الإتيان بغيره أو تبديله، والقتصار على اتباع الوحى . أى: إنى أخاف إن عصيت ربي أية معصية، عذاب يوم عظيم الهول، وإذا كان شأنى أن أخشاه- سبحانه- من أية معصية ولو كانت صغيرة، فكيف ل أخشاه إن عصيت بتبديل كلامه استجابة لْهوائكم؟

عدد الصفحات ١٣٧

138 4 /ثم لقن الله- تعالى- رسوله صلى الله عليه وسلم ردا آخر عليهم، زيادة في تسفيه أفكارهم فقال- تعالى-:( قُلم لَوم شاءَ الل هُ ما تَلَومتُهُ عَلَيمكُمم، وَلا أَدمراكُمم بِهِ ) أى: بهذا القرآن . يقال: دريت الش يء وأدرانى الله به، أى أعلمنى وأخبرنى به. والمعنى : قل لهم- أيضا- أيها الرسول الكريم - لو شاء الله- تعالى- أن ل أتلوا عليكم هذا القرآن لفعل، ولو شاء أن يجعلكم ل تدرون منه شيئا، لفعل- أيضا-، فإن مرد الْمور كلها إليه، ولكنه - سبحانه- شاء وأراد أن أتلوه عليكم، وأن يعلمكم به بواسطتى، فأنا رسول مبلغ ما أمرنى الله بتبليغه.والمعنى : لو شاء الله لْعلمكم به من غير أن أتلوه عليكم فهي لم التأكيد دخلت على ألف أفعل . 5 /وقوله : ( فَقَدم لَبِثمتُ فِيكُمم عُمُراً مِنم قَبملِهِ ) تعليل للملازمة المستلزمة لكون عدم التلاوة وعدم العلم منوط بمشيئة الله- تعالى- وقوله : ع م راا منصوب على الظرفية وهو كناية عن المدة الطويلة. أى: فأنتم تعلمون أنى قد مكثت فيما بينكم، مدة طويلة من الزمان، قبل أن أبلغكم هذا القرآن، حفظتم خلالها أحوالى، وأحطتم خبرا بأقوالى وأفعالى، وعرفتم أنى لم أقرأ عليكم من آية أو سورة مما يشهد أن هذا القرآن إنما هو من عند الله- تعالى-. والهمزة في قوله أَفَلا تَعْقِل ونَ داخلة على محذوف. وهي للاستفهام التوبيخي. والتقدير : أجهلتم هذا الْمر الجلى الواضح، فصرتم ل تعقلون أن أمثال هذه القتراحات المتعنتة التي اقترحتموها ل يملك تنفيذها أحد إل الله- تعالى-. قال الإمام الرازي ما ملخصه« :أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم بما جاء في هذه الآية وتقريره : أن أولئك الكفار كانوا قد شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول عمره إلى ذلك الوقت، وكانوا عالمين بأحواله . وأنه ما طالع كتابا ول تتلمذ على أستاذ ول تعلم من أحد، ثم بعد انقراض أربعين سنة على هذا الوجه، جاءهم بهذا الكتاب العظيم المشتمل على نفائس علم الْصول ودقائق علم الْحكام، ولطائف علم الْخلاق، وأسرار قصص الْولين، وعجز عن معارضته العلماء والفصحاء والبلغاء، وكل من له عقل سليم فإنه يعرف أن مثل هذا ل يحصل إل بالوح ي والإلهام من الله- تعالى- .

عدد الصفحات ١٣٨

139 الموضع الثاني قوله تعالى : أَمم يَقُولُونَ افمتَرَاهُ قُلم فَأمتُوا بِسُورَة م ِثملِهِ وَادمعُوا مَنِ اسمتَطَعمتُم م ِن دُونِ الل هِ إِن كُنتُمم صَادِقِينَ (38) أولاًسبب النزول : تكررمن المشركين الدعاء بأن القرآن ليس من عند الله تعالى بل هو من عند محمد صلى الله عليه وسلم ، فنزلت الآية لدفع هذه الفرية . ثانياً : جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم ببيان بطلان ادعاء المشركين بأن القرآن مختلق وليس من عند الله فقال سبحانه لهم ( أَمم يَقُولُونَ افمتَرَاهُ قُلم فَأمتُ وا بِسُورَة م ِثملِهِ وَادمعُوا مَنِ اسمتَطَعمتُم م ِن دُونِ الل هِ إِن كُنتُمم صَادِقِينَ (38) وفي هذه الآية رد بليغ وإعجاز لكلك من قال بتلك الفرية ، وإليك بعض معانيها : 1/ قال ابن عاشور قد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم عن دعوى الفتراء بتعجيزهم ، وأن يقطع الستدلل عليهم ، فأمرهم بأن يأتوا بسورة مثله . والْمر أمر تعجيز ، وقد وقع التحدي بإتيانهم بسورة تماثل سور القرآن ، أي تشابهه في البلاغة وحسننِ النظم . ووجه ذلك أن القرآن قد اشتطت ألفاظه ومعانيه على ما لو تدبره العقل السليم لجزم بكونه من عند الله تعالى فإنه جاء على فصاحة وبلاغة ما عهدوا مثلهما من فحول بلغائهم ، وهم فيهم متوافرون متكاثرون حتى لقد سجد بعضهم لبلاغته واعترف بعضهم بأنه ليس بكلام بشر . وقد اشتمل من المعاني على ما لم يطرقه شعراؤهم وخطباؤهم وحكماؤهم ، بل وعلى ما لم يبلغ إلى بعضه علماء الْمم . 2 /وقوله : (وادمعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين) هو كقوله في البقرة ( 23 : )( وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ) ، ومعنى {صادقين }هنا ، أي قولكم أنه افترى ، لْنه إذا أمكنه أن يفتريه أمكنكم أنتم معارضته فإنكم سواء في هذه اللغة العربية . 3 /قال ابن كثير :إن ادعيتم وافتريتم وشككتم في أن هذا من عند الله ، وقلتم كذبا ومينا : " إن هذا من عند محمد " ، فمحمد صلى الله عليه وسلم بشر مثلكم ، وقد جاء فيما زعمتم بهذا

عدد الصفحات ١٣٩

140 القرآن ، فأتوا أنتم بسورة مثله ، أي : من جنس القرآن ، واستعينوا على ذلك بكل من قدرتم عليه من إنس وجان . وهذا هو المقام الثالث في التحدي ، فإنه تعالى تحداهم ودعاهم ، إن كانوا صادقين في دعواهم ، أنه من عند محمد صلى الله عليه وسلم ، فلتعارضوه بنظير ما جاء به وحده واستعينوا بمن شئتم وأخبر أنهم ل يقدرون على ذلك ، ول سبيل لهم إليه ، فقال تعالى : ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ل يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا [ ) الإسراء : 88 ]، ثم تقاصر معهم إلى عشر سور منه ، فقال في أول سورة هود : ( أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين [ ) هود : 13 ]، ثم تنازل إلى سورة ، فقال في هذه السورة : ( أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ) وكذا في سورة البقرة - وهي مدنية - تحداهم بسورة منه ، وأخبر أنهم ل يستطيعون ذلك أبدا ، فقال : ( فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار ) الآية [ :البقرة : 24 ] . 4/ ادعوا هذا الدعاء وافتروا هذا على القرآن مع أنهم قد كانت الفصاحة من سجاياهم ، وأشعارهم ومعلقاتهم إليها المنتهى في هذا الباب ، ولكن جاءهم من الله ما ل قبل لْحد به ، ولهذ ا آمن من آمن منهم بما عرف من بلاغة هذا الكلام وحلاوته ، وجزالته وطلاوته ، وإفادته وبراعته ، فكانوا أعلم الناس به ، وأفهمهم له ، وأتبعهم له وأشدهم له انقيادا ، كما عرف السحرة ، لعلمهم بفنون السحر ، أن هذا الذي فعله موس ى ، عليه السلام ، ل يصدر إل عن مؤيد مسدد مرسل من الله ، وأن هذا ل يستطاع لبشر إل بإذن الله . وكذلك عيس ى ، عليه السلام ، بعث في زمان علماء الطب ومعالجة المرض ى ، فكان يبرئ الْكمه والْبرص ، ويحيي الموتى بإذن الله ، ومثل هذا ل مدخل للعلاج والدواء فيه ، فعرف من عرف منهم أنه عبد الله ورسوله ؛ ولهذا جاء في الصحيح ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما من نبي من الْنبياء إل وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا .

عدد الصفحات ١٤٠

141 5/ قال الآلوس ى« :هذه الآية دللة على إعجاز القرآن، لْنه صلى الله عليه وسلم تحدى مصاقع العرب بسورة ما منه، فلم يأتوا بذلك، وإل فلو أتوا بذلك لنقل إلينا، لتوفر الدواعي على نقله»

عدد الصفحات ١٤١

142 المبحث الثامن عشر ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الحجر الموضع الأول : وَقَالُوا يَ ا أَي هَا ال ذِي نُز ِلَ عَلَيمهِ الذ ِكمرُ إِن كَ لمََجمنُون . الموضع الثاني : فَاصمدَعم بِمَا تُؤممَرُ وَأَعمرِضم عَنِ الممُشمرِكِينَ .

عدد الصفحات ١٤٢

143 الموضع الأول قوله تعالى : وَقَالُوا يَا أَي هَا ال ذِي نُز ِلَ عَلَيمهِ الذ ِكمرُ إِن كَ لمََجمنُ ون (6 )ل وم مَا تَأمتِينَا بِالممَلاَئِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الص ادِقِينَ (7 )مَا نُنَز ِلُ الممَلاَئِكَةَ إِلا بِالمحَق ِ وَمَا كَانُوا إِذًا م نظَرِينَ (8) إِن ا نَحمنُ نَز لمنَا الذ ِكمرَ وَإِن ا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) أولاً : سبب نزولها قال المفسرون : حكى- سبحانه- سوء أدب هؤلء الكافرين مع رسولهم صلى الله عليه وسلم فقال- تعالى- وَقال وا يا أَي هَا الَّذِي ن ز ِلَ عَلَيْهِ الذ ِكْر إِنَّكَ لمََجْن ون . لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَْلائِكَةِ إِنْ ك نْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ والقائلون هم بعض مشركي قري ش. قال مقاتل: نزلت الآيتان في عبد الله بن أمية، والنضر بن الحارث، ونوفل بن خويلد، والوليد بن المغيرة . ثانياً : تضمنت الآية حسب سبب النزول استهزاء المشركين بسيد العالمين صلى الله عليه وسلم فنادوه بقولهم (يا أَي هَا الَّذِي ن ز ِلَ عَلَيْهِ الذ ِكْر إِنَّكَ لمََجْن ون ) مع أنهم ل يعتقدون أن الله أنزل قرآناا بل هو من كلام المجانين – وحاشاها – فكان هذا الكلام منهم كفراا وكذباا واستهزاءاا ،وقولهم ( إنك لمجنون) كما قال ابن عاشور : وإنما وصفوه بالجنون لتوه مهم أن ادعاء نزول الوحي عليه ل يصدر من عاقل ، لْن ذلك عندهم مخالف للواقع توه ماا منهم بأن ما ل تقبله عقولهم التي عليها غشاوة ليس من شأنه أن يقبله العقلاء ، فالداعي به غير عاقل . ولم يكتف المشركون بهذا كله بل طلبوا منه توغلاا منهم في السخرية والستهزاء ( ل وم مَا تَأمتِينَا بِالممَلاَئِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الص ادِقِينَ ) أي هلا إن كنت صادقا في دعواك، أن تحضر معك الملائكة، ليخبرونا بأنك على حق فيما تدعيه، وبأنك من الصادقين في تبليغك عن الله- تعالى- ما أمرك بتبليغه؟ قال الآلوس ي : فأنت ترى أن الآيتين الكريمتين قد حكتا ألوانا من سوء أدبهم، منها: مخاطبتهم له صلى الله عليه وسلم بهذا الْسلوب الدال على التهكم والستخفاف، حيث قالوا « :يا أيها الذي نزل عليه الذكر» ، مع أنهم ل يقرون بنزول ش يء عليه.ووصفهم له بالجنون، وهو صلى الله عليه وسلم أرجح الناس عقلا، وأفضلهم فكرا

عدد الصفحات ١٤٣

144 ثالثاً : جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم ضد أولئك المستهزئن و رد الله- تعالى- عليهم بما يكبتهم ويخرس ألسنتهم وذلك من خلال ثلاثة أمور : الأول : (ما نُنَز ِلُ الممَلائِكَةَ إِلا بِالمحَق ِ ) . والثاني : ( وَما كانُوا إِذاً مُنمظَرِينَ ) أي سيحل بكم العذاب أيها المشركون في حالة إنزال الملائكة . والثالث : ( إِن ا نَحمنُ نَز لمنَا الذ ِكمرَ وَإِن ا لَهُ لَحَافِظُونَ ) وإليك بيان تلك الآيات بما يقتضيه المقام :: الأول : قوله تعالى : (ما نُنَز ِلُ الممَلائِكَةَ إِلا بِالمحَق ِ ) أى: ما ننزل الملائكة إل تنزيلا ملتبسا بالحق، أى: بالوجه الذي تقتضيه حكمتنا وجرت به سنتنا، كأن ننزلهم لإهلاك الظالمين، أو لتبليغ وحينا إلى رسلنا، أو لغير ذلك من التكاليف التي نريدها ونقدرها، والتي ليس منها ما اقترحه المشركون على رسولنا صلى الله عليه وسلم من قولهم لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَْلائِكَةِ إِنْ ك نْتَ مِنَ الصَّادِ قِينَ، ولذا اقتضت حكمتنا ورحمتنا عدم إجابة مقترحاتهم . الثاني : قوله تعالى : ( وَما كانُوا إِذاً مُنمظَرِينَ ) بيان لما سيحل بهم فيما لو أجاب الله- تعالى- مقترحاتهم . وهذه الجملة جواب لجملة شرطية محذوفة، تفهم من سياق الكلام، والتقدير : ولو أنزل - سبحانه- الملا ئكة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وبقي هؤلء المشركون على شركهم مع ذلك، لعوجلوا بالعقوبة المدمرة لهم، وما كانوا إذا ممهلين أو مؤخرين، بل يأخذهم العذاب بغتة. قال ابن عاشور : ويفهم من هذا أن الله منظرهم ، لْنه لم ي رد استئصالهم ، لْنه أراد أن يكون نشر الدين بواسطتهم فأمهلهم حتى اهتدوا ، ولكنه أهلك كبراءهم ومدبريهم . وشبيه بهذه الآية قوله تعالى: (وَقالُوا لَوملا أُنمزِلَ عَلَيمهِ مَلَك ، وَلَوم أَنمزَلمنا مَلَكاً لَقُض ِيَ الأمَممرُ ثُم لا يُنمظَرُونَ ) . الثالث : ( إِن ا نَحمنُ نَز لمنَا الذ ِكمرَ وَإِن ا لَهُ لَحَافِظُونَ ): أى: إنا نحن بقدرتنا وعظم شأننا نزلنا هذا القرآن الذي أنكرتموه على قلب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وَإِنَّا لهذا القرآن لَحافِظ ونَ من كل ما يقدح فيه، كالتحريف والتبديل، والزيادة والنقصان والتناقض والختلاف، ولحافظون له بالإعجاز، فلا يقدر أحد على معارضته أو على الإتيان بسورة من مثله، ولحافظون له بقيام

عدد الصفحات ١٤٤