المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

فتح الودود بيان آيات الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم

أحمد خضر حسنين الحسن

صفحة ١٠ من ٢٥

145 طائفة من أبناء هذه الْمة الإسلامية باستظهاره وحفظه والذب عنه إلى أن يرث الله الْرض ومن عليها. قاله في التفسير الوسيط. قال صاحب الكشاف: " قوله إِنَّا نَحْن نَزَّلْنَا الذ ِكْرَ رد لإنكارهم واستهزائهم في قولهم يا أَي هَا الَّذِي ن ز ِلَ عَلَيْهِ الذ ِكْر إِنَّكَ لمََجْن ون ، ولذلك قال: إنا نحن، فأكد عليهم أنه هو المنزل على القطع والبتات، وأنه هو الذي بعث به جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم ومن بين يديه ومن خلفه رصد حتى نزل وبلغ محفوظا من الشياطين، وهو حافظه في كل وقت من كل زيادة ونقصان" وقال الفخر الرازي : الضمير في قوله : ( له لحافظون ) إلى ماذا يعود ؟ فيه قولن : القول الأول : أنه عائد إلى الذكر - القرآن - يعني : وإنا نحفظ ذلك الذكر من التحريف والزيادة والنقصان ، ونظيره قوله تعالى في صفة القرآن : ( ل يأتيه الباطل من بين يديه ول من خلفه [ ) فصلت : 42 ]وقال : ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [ )النساء : 82 ] . والقول الثاني : أن الكناية -الضمير - في قوله : ( له ) راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، والمعنى : وإنا لمحمد لحافظون وهو قول الفراء ، وقوى ابن الْنباري هذا القول فقال : لما ذكر الله الإنزال والمنزل دل ذلك على المنزل عليه فحسنت الكناية عنه ، لكونه أمرا معلوما كما في قوله تعالى : ( إنا أنزلناه في ليلة القدر [ )القدر : 1 ]فإن هذه الكناية عائدة إلى القرآن مع أنه لم يتقدم ذكره وإنما حسنت الكناية للسبب المعلوم فكذا ههنا ، إل أن القول الْول أرجح القولين وأحسنهما مشابهة لظاهر التنزيل . والله أعلم . قلت : ول تعارض بين القولين فحفظ الذكر يتطلب حفظ المنزل عليه صلى الله عليه وسلم ، على الْقل إلى أن ينتهي تنزيله كاملاا وتبلغيه إلى العالمين من غير نقص ول زيادة ، وهذا ما وقع في حياته صلى الله عليه وسلم وعايش المشركون ذلك رغم أنوفهم بل هناك من خضع له وآمن به بعد طول كفر وعناد . ثم إنه تعالى حفظ سنة النبي صلى الله عليه وسلم بعد انتقاله إلى الرفيق الْعلى والسنة وحي كما قال تعالى (وَمَا يَنطِق عَنِ الْهَوَىَٰ (3 )إِنْ ه وَ إِلَّ وَحْي ي وحَىَٰ (4) سورة النجم ، و أعلم .

عدد الصفحات ١٤٥

146 فائدة مهمة قال في التفسير الوسيط : هذا ونحن ننظر في هذه الآية الكريمة، من وراء القرون الطويلة منذ نزولها فنرى أن الله- تعالى- قد حقق وعده في حفظ كتابه، ومن مظاهر ذلك: 1/ أن ما أصاب المسلمين من ضعف ومن فتن، ومن هزائم، وعجزوا معها عن حفظ أنفسهم وأموالهم وأعراضهم .. هذا الذي أصابهم في مختلف الْزمنة والْمكنة، لم يكن له أي أثر على قداسة القرآن الكريم، وعلى صيانته من أى تحريف . ومن أسباب هذه الصيانة أن الله- تعالى- قيض له في كل زمان ومكان، من أبناء هذه الْمة، من حفظه عن ظهر قلب، فاستقر بين الْمة بمسمع من النبي صلى الله عليه وسلم، وصار حفاظه بالغين عدد التواتر في كل مصر وفي كل عصر. قال الفخر الرازي : " فإن قيل: فلماذا اشتغل الصحابة بجمع القرآن في المصحف، وقد وعد الله بحفظه، وما حفظه الله فلا خوف عليه؟ فالجواب : أن جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله- تعالى- إياه، فإنه- سبحانه- لما أن حفظه قيضهم لذلك ". 2/ أن أعداء هذا الدين- سواء أكانوا من الفرق الضالة المنتسبة للإسلام أم من غيرهم - امتدت أيديهم الْثيمة إلى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فأدخلوا فيها ما ليس منها، وبذل العلماء العدول الضابطون ما بذلوا من جهود لتننقية السنة النبوية مما فعله هؤلء الْعداء . ولكن هؤلء الْعداء، لم يقدروا على ش يء واحد، وهو إحداث ش يء في هذا القرآن، مع أنهم وأشباههم في الضلال، قد أحدثوا ما أحدثوا في الكتب السماوية السابقة.. قال بعض العلماء. سئل القاض ي إسماعيل البصري عن السر في تطر ق التغيير للكتب السالفة، وسلامة القرآن من ذلك فأجاب بقوله : إن الله أوكل للأحبار حفظ كتبهم فقال: ( بما استحفظوا من كتاب الله ) وتولى- سبحانه- حفظ القرآن بذاته فقال: إِن ا نَحمنُ نَز لمنَا الذ ِكمرَ وَإِن ا لَهُ لَحافِظُونَ ).

عدد الصفحات ١٤٦

147 وقد ذكر الإمام القرطبي ما يشبه ذلك نقلا عن سفيان بن عيينة في قصة طويلة . والخلاصة، أن سلامة القرآن من أى تحريف - رغم حرص الْعداء على تحريفه ورغم ما أصاب المسلمين من أحداث جسام، ورغم تطاول القر ون والدهور - دليل ساطع على أن هناك قوة خارقة- خارجة عن قوة البشر- قد تولت حفظ هذا القرآن، وهذه القوة هي قوة الله- عز وجل- ول يمارى في ذلك إل الجاحد الجهول

عدد الصفحات ١٤٧

148 الموضع الثاني فَاصمدَعم بِمَا تُؤممَرُ وَأَعمرِضم عَنِ الممُشمرِكِينَ (94 )إِن ا كَفَ يمنَاكَ الممُسمتَهمزِئِينَ (95) أولاً : سبب نزولها قال ابن كثير : " قال محمد بن إسحاق : كان عظماء المستهزئين - كما حدثني يزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير - خمسة نفر ، كانوا ذوي أسنان وشرف في قومهم ، من بني أسد بن عبد العزى بن قص ي : الْسود بن المطلب أبو زمعة كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - قد دعا عليه ؛ لما كان يبلغه من أذاه واستهزائه [به ]فقال : اللهم ، أعم بصره ، وأثكله ولده . ومن بني زهرة : الْسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة . ومن بني مخزوم : الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم . ومن بني سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي : العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سعد . ومن خزاعة : الحارث بن الطلاطلة بن عمرو بن الحارث بن عبد عمرو بن ملكان - فلما تمادوا في الشر وأكثروا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - الستهزاء ، أنزل الله تعالى : ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين ) إلى قوله : ( فسوف يعلمون ) ثانياً : لما كثر استهزاء أولئك المذكورين بخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم عجل الله تعالى إنزال العقوبة عليهم في الدنيا قبل الآخرة ليكونوا عبرة لغيرهم وعظة لسوا هم ، فكان ذلك دفاعاً عن حبيبه ومصطفاه محمد صلى الله عليه وسلم ، وإليك بيان ذلك من خلال ما نزل من الآيات : 1/ قال تعالىفَاصمدَعم بِمَا تُؤممَرُ وَأَعمرِضم عَنِ الممُشمرِكِينَ ) : قال القرطبي : (فَاصمدَعم بِمَا تُؤممَرُ )أي بلغ رسالة الله جميع الخلق لتقوم الحجة عليهم ، فقد أمرك الله بذلك . وقوله فَاصْدَعْ .. من الصدع بمعنى الإظهار والإعلان . ومنه قولهم : انصدع الصبح، إذا ظهر بعد ظلام الليل والصديع الفجر لنصداعه أى ظهوره. ويقال: صدع فلان بحجته، إذا تكلم بها جهارا.

عدد الصفحات ١٤٨

149 أى: فاجهر- أيها الرسول الكريم - بدعوتك، وبلغ ما أمرناك بتبليغه علانية، وأعرض عن سفاهات المشركين وسوء أدبهم. قال عبد الله بن مسعود: ما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفيا بدعوته حتى نزلت هذه الآية. قوله تعالى : ( وَأَعمرِضم عَنِ الممُشمرِكِينَ )أي عن الهتمام باستهزائهم وعن المبالة بقولهم ، فقد برأك الله عما يقولون وقال عبد الله بن عبيد : ما زال النبي - صلى الله عليه وسلم - مستخفيا حتى نزل قوله - تعالى - : فاصدع بما تؤمر فخرج هو وأصحابه . وقال مجاهد : أراد الجهر بالقرآن في الصلاة . والإعراض عن المشركين الإعراض عن بعض أحوالهم ل عن ذواتهم . وليس المراد الإعراض عن دعوتهم لْن قوله تعالى { :فاصدع بما تؤمر }مانع من ذلك . 2 /قوله تعالى ( إنا كفيناك المستهزئين ) : ومعنى الكفاية تول ي الكافي مهم المكفي ، فالكافي هو متولي عمل عن غيره لْنه أقدر عليه أو لْنه يبتغي راحة المكفي . يقال : كفيت مهمك ، فيتعد ى الفعل إلى مفعولين ثانيهما هو المهم المكفي منه . فالْصل أن يكون مصدراا فإذا كان اسم ذات فالمراد أحواله التي يدل عليها المقام ، فإذا قلت : كفيتك عدو ك ، فالمراد : كفيتك بأسه ، وإذا قلت : كفيتك غريمك ، فالمراد : كفيتك مطالبتَه . فلما قال هنا {كفيناك المستهزئين }فهم أن المراد كفيناك النتقام منهم وإراحتك من استهزائهم . و قال ابن إسحاق : لما تمادوا في الشر وأكثروا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - الستهزاء أنزل الله - تعالى - فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون . والمعنى : اصدع بما تؤمر ول تخف غير الله ; فإن الله كافيك من أذاك كما كفاك المستهزئين ، وكانوا خمسة من رؤساء أهل مكة ، وهم الوليد بن المغيرة وهو رأسهم ، والعاص بن وائل ، والْسود بن المطلب بن أسد أبو زمعة . والْسود بن عبد يغوث ، والحارث بن الطلاطلة ، أهلكهم الله جميعا ، قبل يوم بدر في يوم واحد ; لستهزائهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وسبب هلاكهم فيما ذكر ابن إسحاق : أن جبريل أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم يطوفون بالبيت ، فقام وقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمر به الْسود بن المطلب فرمى

عدد الصفحات ١٤٩

150 في وجهه بورقة خضراء فعمي ووجعت عينه ، فجعل يضرب برأسه الجدار . ومر به الْسود بن عبد يغوث فأشار إلى بطنه فاستسقى بطنه فمات منه حبنا . ( يقال : حبن ( بالكسر ) ) حبنا وحبن للمفعول عظم بطنه بالماء الْصفر ، فهو أحبن ، والمرأة حبناء ; قاله في الصحاح ) . ومر به الوليد بن المغيرة فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعب رجله ، وكان أصابه قبل ذلك بسنين ، وهو يجر سبله ، وذلك أنه مر برجل من خزاعة يريش نبلا له فتعلق سهم من نبله بإزاره فخدش في رجله ذلك الخدش وليس بش يء ، فانتقض به فقتله . ومر به العاص بن وائل فأشار إلى أخمص رجله ، فمرج على حمار له يريد الطائف ، فربض به على شبرقة فدخلت في أخمص رجله شوكة فقتلته . ومر به الحارث بن الطلاطلة ، فأشار إلى رأسه فامتخط قيحا فقتله .

عدد الصفحات ١٥٠

151 المبحث التاسع عشر ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الأنعام الموضع الأول : وَلَوم نَز لمنَا عَلَيمكَ كِتَابًا فِي قِرمطَاس فَلَمَسُوهُ بِأَيمدِيهِمم لَقَالَ ال ذِينَ كَفَرُوا الموضع الثاني : وَقَالُوا لَوملاَ أُنزِلَ عَلَيمهِ مَلَك وَلَوم أَنزَلمنَا مَلَكًا ل قُض ِيَ الأمَممرُ ثُم لاَ يُنظَرُونَ الموضع الثالث : قُلم أَي ش َيمء أَكمبَرُ شَهَادَةً قُلِ الل هُ شَهِيد بَيمنِي وَبَيمنَكُمم . الموضع الرابع : وَمِنمهُم م ن يَسمتَمِعُ إِلَيمكَ وَجَعَلمنَا عَلَى قُلُوبِهِمم أَكِن ةً أَن يَفمقَهُوهُ . الموضع الخامس : وَقَالُوا لَوملاَ نُز ِلَ عَلَيم هِ آيَة م ِن ر ب ِهِ قُلم إِن الل هَ قَادِر عَلَى أَن يُنَز ِلَ آيَةً . الموضع السادس : قُل لا أَقُولُ لَكُمم عِندِي خَزَائِنُ الل هِ وَلاَ أَعملَمُ المغَيمبَ . الموضع السابع : وَلاَ تَطمرُدِ ال ذِينَ يَدمعُونَ رَب هُم بِالمغَدَاةِ وَالمعَ ش ِي ِ يُرِيدُونَ وَجمهَهُ . الموضع الثامن: وَمَا قَدَرُوا الل هَ حَق قَدمرِهِ إِذم قَالُوا مَا أَنزَلَ الل هُ عَلَى بَشَر م ِن ش َيمء الموضع التاسع : وَأَقمسَمُوا بِالل هِ جَهمدَ أَيممَانِهِمم لَئِن جَاءَتمهُمم آيَة ل يُؤممِنُن بِهَا . الموضع العاشر : ( أَفَغَيمرَ الل هِ أَبمتَغِي حَكَمًا وَهُوَ ال ذِي أَنزَلَ إِلَيمكُمُ المكِتَابَ مُفَص لاً ) .

عدد الصفحات ١٥١

152 الموضع الأول قوله تعالى : وَلَوم نَز لمنَا عَلَيمكَ كِتَابًا فِي قِرمطَاس فَلَمَسُوهُ بِأَيمدِيهِمم لَقَالَ ال ذِينَ كَفَرُوا إِنم هَ ذَا إِلا سِحمر م بِين (7) أولاً : سبب نزولها قال البغوي :قوله عز وجل : ( ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس ) الآية ، قال الكلبي ومقاتل نزلت في النضر بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية ونوفل بن خويلد ، قالوا : يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنه من عند الله وأنك رسوله ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية ثانياً : تضمنت الآية حسب سبب النزول استهزاء المذكورين بسيد العالمين صلى الله عليه وسلم واقتر احهم عليه ما سبق ذكره مع أنهم ل يطلبون ذلك لكي يؤمنوا بالله ويتبعوا رسوله صلى الله عليه وسلم بل كل ذلك استخفاف بالدين الجديد ، فلما علم الله تعالى سوء طويتهم أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه لو أجابهم إلى طلبهم لقالو ا (إِنْ هََٰذَا إِلَّ سِحْر م بِين ). ثالثاً : بناءاً على سابق نقول جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم ضد أولئك المستهزئن وبين أنه لن يجيبهم إلى ما اقترحوه فأنزل تعالى قوله (وَلَوم نَز لمنَا عَلَيمكَ كِتَابًا فِي قِرمطَاس فَلَمَسُوهُ بِأَيمدِيهِمم لَقَالَ ال ذِينَ كَفَرُوا إِنم هَ ذَا إِلا سِحمر م بِين ) وإليك بيانها : 1 /قال الإمام الرازي «بين الله- تعالى- في هذه الآية أن هؤلء الكفار لو أنهم شاهدوا نزول كتاب من السماء دفعة واحدة عليك يا محمد لم يؤمنوا به بل حملوه على أنه سحر. والمراد من قوله فِي قِرْطاس أنه لو نزل الكتاب جملة واحدة في صحيفة واحدة فرأوه ولمسوه وشاهدوه عيانا لطعنوا فيه وقالوا إنه سحر. 2 /و( لَوم ) في الآية الكريمة حرف امتناع، أى: أنه- سبحانه- قد امتنع عن إجابة مقترحاتهم لْنه يعلم أن إجابتها ل ثمرة لها، ول فائدة من ورائها، لْن هؤلء الجاحدين ل ينقصهم الدليل على

عدد الصفحات ١٥٢

153 صدق النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته، وإنما الذي ينقصهم هو الستجابة للحق والتجاه السليم لطلبه، والستماع إليه بعناية وتفكير. 2 /عبر- سبحانه- بقوله : ( فَلَمَسُوهُ بِأَيمدِيهِمم ) مع أن اللمس هو باليد غالبا- للتأكيد وزيادة التعيين، ودفع احتمال المجاز. فالجملة الكريمة المقصود بها تصوير فرط جحودهم ومكابرتهم، و إعراضهم عن الحق مهما تكن قوة الدليل وحسيته . 3 /وفي قوله - تعالى- ( لَقالَ ال ذِينَ كَفَرُوا ) إشارة إلى أن الكافرين وحدهم هم الذين بسبب كفرهم - ينتحلون الْعذار لضلالهم، ويصفون الحق الواضح بأنه سحر مبين. أما المؤمنون فإنهم يقابلون الحق بالتصديق والإذعان. 4 /وقد حكى القرآن عنهم أنهم قالوا : إِنْ هذا إِلَّ سِحْر م بِين ، فأكدوا حكمهم الباطل بطريق النفي والإثبات - أى: أنه مقصور على أنه سحر- وبالإشارة إليه، وبأنه بين واضح في كونه سحرا، وذلك يدل على أن تبجحهم قد بلغ النهاية، وأن مكابرتهم قد كذبت ما شهدت بصدقه حواس هم، وإن قوما بهذه الدرجة من العناد ل تجدى فيهم معجزة، ول ينفع معهم دليل. 5 /وفي معنى هذه الآية قد وردت آيات أخرى في القرآن الكريم منها قوله - تعالى- وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِم المَْلائِكَةَ، وَكَلَّمَه م المَْوْتى، وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ ك لَّ ش َ يْء ق ب لاا ما كان وا لِي ؤْمِن وا إِلَّ أَنْ يَشاءَ اللَّه ، وَلكِنَّ أَكْثَرَه مْ يَجْهَل ونَ . ومنها قوله - تعالى- وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباا مِنَ السَّماءِ فَظَل وا فِيهِ يَعْر ج ونَ لَقال وا إِنَّما س ك ِرَتْ أَبْصار نا بَلْ نَحْن قَوْم مَسْح ور ونَ .

عدد الصفحات ١٥٣

154 الموضع الثاني قوله تعالى ( وَقَالُوا لَوملاَ أُنزِلَ عَلَيمهِ مَلَك وَلَوم أَنزَلمنَا مَلَكًا ل قُض ِيَ الأمَممرُ ثُم لاَ يُنظَرُونَ (8) أولاً : سبب نزولها : ذكر المفسر ون : قال محمد بن إسحاق «دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم- قومه إلى الإسلام، وكلمهم فأبلغ إليهم، فقال له زمعة بن الْسود بن المطلب والنضر بن الحارث بن كلده، وعبد بن يغوث وأبى بن خلف بن وهب والعاص بن وائل بن هشام: " لو ج عِ ل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويروى معك" ثانياً : تضمنت الآية حسب سبب النزول استهزاء المذكورين بسيد العالمين صلى الله عليه وسلم واقتراحهم عليه بقولهم : " لو ج عِل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويروى معك" مع أنهم ل يطلبون ذلك لكي يؤمنوا بالله ويتبعوا رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهم في نفس الوقت ل يعلمون خطورة اقتراحهم هذا ول ما سيترتب عليه من نتائج . ثالثاً : جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم ضد أولئك المستهزئن وبين لهم خطورة اقتراحهم فرد على قولهم هذا بردين حكيمين: أما الرد الأول : فقال فيه: ( وَلَوم أَنمزَلمنا مَلَكاً لَقُض ِيَ الأمَممرُ ثُم لا يُنمظَرُونَ )أى: لو أنزلنا ملكا كما اقترح هؤ لء الكافرون وهم على ما هم عليه من الكفر والجحود، لقض ى الْمر بإهلاكهم، ثم ل ينظرون، أى: ل يؤخرون ول يمهلون ليؤمنوا، بل يأخذهم العذاب عاجلا، فقد مضت سنة الله فيمن قبلهم، أنهم كانوا إذا اقترحوا آية وأعطوها ولم يؤمنوا يعذبهم الله بالهلاك، والله- تعالى- ل يريد أن يهلك هذه الْمة التي بعث فيها خاتم رسله نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم بسبب إجابة مقترحات أولئك المعاندين المستكبرين . وأما الرد الثاني فقال فيه: ( وَلَوم جَعَلمناهُ مَلَكاً لَجَعَلمناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسمنا عَلَيمهِمم ما يَلمبِسُونَ ) أى: لو جعلنا الر سول من الملائكة- كما اقترحوا - لكانت الحكمة تقتض ي أن نجعله في صورة بشر ليتمكنوا من رؤيته ومن سماع كلامه الذي يبلغه عن الله- تعالى- وفي هذه الحالة سيقولون لهذا

عدد الصفحات ١٥٤

155 الملك المرسل إليهم في صورة بشر-: لست ملكا، لْنهم ل يدركون منه إل صورته وصفاته البشرية التي تمثل بها، وحينئذ يقعون في نفس اللبس والشتباه الذي يلبسونه على أنفسهم باستنكار جعل الرسول بشرا . ومعنى وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِس ونَ لخلطنا عليهم مثل ما يخلطون على أنفسهم بسبب استبعادهم أن يكون الرسول بشرا مثلهم. قال الإمام القرطبي : قوله تعالى ( وَلَوم جَعَلمناهُ مَلَكاً لَجَعَلمناهُ رَجُلاً ) لْن كل جنس يأنس بجنسه وينفر من غير جنسه، فلو جعل الله تعالى- الرسول إلى البشر ملكا لنفروا من مقاربته ولما أنسوا به، ولداخلهم من الرعب من كلامه والتقاء له، ما يكفهم عن كلامه ويمنعهم عن سؤاله فلا تعم المصلحة، ولو نقله عن صورة الملائكة إلى مثل صورتهم ليأنسوا به وليسكنوا إليه لقالوا : لست ملكا وإنما أنت بشر فلا نؤمن بك، وعادوا إلى مثل حالهم». وبهذين الجوابين الحكيمين يكون القرآن الكريم قد دحض شبهات أولئك الجاحدين، وبين أن الحكمة تقتض ي أن يكون الرسول من جنس المرسل إليهم، قال تعالى: ( وَما أَرمسَلمنا مِنم قَبملِكَ إِلا رِجالاً نُوحِي إِلَيمهِمم مِنم أَهملِ المقُرى ) .

عدد الصفحات ١٥٥

156 الموضع الثالث قُلم أَي ش َيمء أَكمبَرُ شَهَادَةً قُلِ الل هُ شَهِيد بَيمنِي وَبَيمنَكُمم وَأُوحِيَ إِلَي هَ ذَا المقُرمآنُ ُنذِرَكُم لأِ بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِن كُمم لَتَشمهَدُونَ أَن مَعَ الل هِ آلِهَةً أُخمرَى قُل لا أَشمهَدُ قُلم إِن مَا هُوَ إِلَ ه وَاحِد وَإِن نِي بَرِيء م ِم ا تُشمرِكُونَ (19) أولاً : سبب نزولها : روى بعض المفسرين أن أهل مكة قالوا : يا محمد، أرنا من يشهد أنك ر سول الله، فإنا ل نرى أحدا نصدقه، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر، فأنزل الله- تعالى( ق لْ أَي ش َيْء أَكْبَر شَهادَةا ق لِ اللَّه شَهِيد بَيْنِي وَبَيْنَك مْ ). ثانياً : تضمنت الآية حسب سبب النزول مطالبة المشركين سيد العالمين صلى الله عليه وسلم بأن يأتيهم بمَ نم يشهد له على أنه رسول من عند الله حقاً . ف لق نه الله الجواب وقال له ( قُلم أَي ش َيمء أَكمبَرُ شَهَادَةً قُلِ الل هُ شَهِيد بَيمنِي وَبَيمنَكُمم ) .. الخ وإليك بيانها وبيان ما فيها من دفاع عنه صلى الله عليه وسلم : 1 /قال في التفسير الوسيط: أمر الله: نبيه صلى الله عليه وسلم في بيان رائع حكيم، أن يسأل المشركين عن أى ش يء في هذا الكون أعظم وأزكى شهادة بحيث تقبل شهادته ول ترد فقال- تعالى-: ق لْ أَي ش َيْء أَكْبَر شَهادَةا؟ ق لِ اللَّه شَهِيد بَيْنِي وَبَيْنَك مْ .أى: قل يا محمد لهؤلء المشركين الذين يخاصمونك فيما تدعو إليه: أى ش يء في هذا الوجود شهادته أكبر شهادة وأعظمها بحيث تقبلونها عن تسليم وإذعان؟ ثم أمره أن يجيبهم على هذا السؤال بالحقيقة التي ل يمارى فيها عاقل وهي أن شهادة الله هي أكبر شهادة وأقواها وأزكاها، لْنها شهادة من يستحيل عليه الكذب أو الخطأ، وقد شهد- سبحانه-: بصدقى فيما أبلغه عنه فلماذا تعرضون عن دعوتي، وتتنكبون الطريق المستقيم؟ 2 /صدرت الآية الكريمة بقل وبصيغة الستفهام تنبيها إلى جلال الشاهد، وإلى سلامة دعوى النبي صلى الله عليه وسلم لكي يدركوا ما فيها من حق وما هم فيه من ضلال.وأوثرت كلمة «ش يء» في قوله - تعالى-: ق لْ أَي ش َيْء أَكْبَر شَهادَةا لْنها تفيد الشمول والإحاطة والستقصاء .

عدد الصفحات ١٥٦

157 3/ قال السيد رشيد رضا رحمه الله تعالى : وشهادته عز وجل برسالة رسوله ثلاثة أنواع : النوع الأول : إخباره بها في كتابه : بمثل قوله : ( محمد رسول الله) الفتح : (29 ( )قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا) الْعراف ( 158 ( )وما أرسلناك إل كافة للناس بشيرا ونذيرا ) سبأ( 28 ( )وما أرسلناك إل رحمة للعالمين ) الْنبياء ( 107 )فهذه شهادات وردت بغير لفظ الشهادة وهو غير شرط في صحتها خلافا لبعض الفقهاء ، ول يقتض ي التلفظ به حقيقتها ، فقد حكى الله عن إخوة يوسف أنهم : ( قالوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إل بما علمنا )يوسف ( 81 )وهم لم يقولوا : نشهد أن ابنك سرق . وقد سموا قولهم شهادة لْنه عن علم بما ثبت عليه عند عزيز مصر ، وإن كان ذلك الإثبات مصنوعا . النوع الثاني : من شهادة الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم : تأييده بالآيات - المعجزات - الكثيرة وأعظمها القرآن وهو الآية العلمية العقلية الدائمة بما ثبت بالفعل من عجز البشر عن الإتيان بسورة من مثله وبما اشتمل عليه من الآيات الكثيرة كأخبار الغيب ووعد الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بنصره تعالى لهم وإظهارهم على أعدائهم ، وغير ذلك مما ثبت بالفعل عند أهل عصره ونقل إلينا بالتواتر . ومنها - من شهادة الله تعالى له - غير القرآن من الآيات الحسية والْخبار النبوية بالغيب التي ظهر بعضها في زمنه وبعضها بعد زمنه عليه أفضل الصلاة والسلام ، كقوله في سبطه الحسن وهو طفل " ابني هذا سيد ، ولعل الله يصلح به بين فئتين من المسلمين " وقوله في عمار بن ياسر " تقتله الفئة الباغية " وقوله " صنفان من أهل النار لم أرهما بعد . قوم معهم سياط كأذناب البقر يضر بون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رءوسهن كأسنمة البخت " الحديث وكلها صحيحة . النوع الثالث : من شهادته لرسوله صلى الله عليه وسلم : شهادة كتبه تعالى السابقة له وبشارة الرسل الْولين به ، ول تزال هذه الشهادات والبشائر ظاهرة فيما بقي عند اليهود و النصارى من تلك الكتب وتواريخ أولئك الرسل عليهم السلام على ما طرأ عليها من التحريف ، وقد تقدم بيان ذلك في تفسير السورة السابقة ول سيما المائدة ، ول تنس هنا أخذه تعالى العهد على الرسل

عدد الصفحات ١٥٧

158 وقوله لهم : ( أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ) آل عمران ( 81 ) وأما شهادته تعالى لما جاء به رسوله من التوحيد والبعث وهو ما كانوا ينكرونه دون الآداب والفضائل والأحكام العملية فهو ثلاثة أنواع : أحدها : شهادة كتابه معجزة الخلق بذلك : كقوله : ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأول و العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام ) آل عمرن (18 ، 19 )وقوله : ( زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير ) التغابن ( 7 ). ثانيها : ما أقامه من الآيات البينات في الأنفس والآفاق : على توحيده واتصافه بصفات الكمال وفي بيان ذلك من هذه السورة ما ليس في غيرها . ثالثها : ما أودعه جل شأنه في الفطرة البشرية من الإيمان الفطري بالألوهية وبقاء النفس ، وما هدى إليه العقول السليمة من تأييد هذا الشعور الفطري بالدلئل والبراهين ولعلنا نشرح معنى الإيمان الفطري الذي بيناه من قبل بيانا موجزا في تفسير آية العهد الإلهي الذي أخذه على بني آدم وهي قوله تعالى في سورة الْعراف ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ) الآية ( 172 )الآية . علم مما بيناه أن شهادته تعالى هي شهادة آياته في القرآن وآياته في الْكوان ، وآياته في العقل والوجدان اللذين أودعهما في نفس الإنسان ، وهذه الآيات قد بينها القرآن وأرشد إليها فهو الدعوى والبينة ، والشاهد المشهود له ، وكفى به ظهورا بالحق وإظهارا له أنه ل يحتاج إلى شهادة غيره له . على أن الشهود والْ دلة على حقيقته كثيرة ، وجملة " وأوحي إلي هذا القرآن " معطوفة على جملة " الله شهيد بيني وبينكم " مصدرة بالفعل المبني للمفعول . والمراد بشهادة الله ما جاء في آياته القرآنية من أنه- سبحانه-: قد أرسل رسوله محمدا بِالْه دى وَدِينِ الْحَق ِ لِي ظْهِرَه عَلَى الد ِينِ ك ل ِهِ .

عدد الصفحات ١٥٨

159 4 /بين- سبحانه-: أن القرآن هو المعجزة الخالدة للنبي صلى الله عليه وسلم فقال:( وَأ وحِيَ إِلَيَّ هذَا الْق رْآن نْذِرَك مْ لِْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ) أى: أن الله- تعالى-: قد أنزل هذا القرآن عن طريق وحيه الصادق، لْنذركم به يا أهل مكة، ولْنذر به- أيضا- جميع من بلغه هذا الكتاب الكريم ووصلت إليه دعوته من العرب والعجم في كل زمان ومكان إلى يوم القيامة. وأيضاا : وقوله تعالى : ( لْنذركم به ومن بلغ ) نص على عموم بعثة خاتم الرسل عليه أفضل الصلاة والسلام ، أي لْنذركم به يا أهل مكة أو يا معشر قريش أو العر ب وجميع من بلغه ووصلت إليه دعوته من العرب والعجم في كل مكان وزمان إلى يوم القيامة . قال البيضاوي وهو دليل على أن أحكام القرآن تعم الموجودين وقت نزوله ومن بعدهم وأنه ل يؤاخذ بها من لم تبلغه اهـ . يعني أن العبرة في دعوة الإسلام بالقرآن ، فمن لم يبلغه القرآن ل يصدق عليه أنه بلغته الدعوة ، وحينئذ ل يكون مخاطبا بهذا الدين ، ومفهومه أن الحجة ل تقوم بتبليغ دعوة الإسلام بالقواعد الكلامية والدلئل النظرية التي بني عليها ذلك العلم ، أي إل أن ينص فيها على أصوله وأحكامه ، وإننا نرى المسلمين قد تركوا دعوة القرآن وتبليغه بعد السلف الصالح ، وتركوا العلم به ، وبما بينه من السنة إلى تقليد المتكلمين والفقهاء ، والقرآن حجة عليهم وإن جعلوا أنفسهم غير أهل للحجة . ومما روي في الآية ما أخرجه ابن مردويه وأبو نعيم والخطيب عن ابن عباس مرفوعا قال " من بلغه القرآن فكأنما شافهته به ثم قرأ ( وأوحي إلي هذا القرآن لْنذركم به ومن بلغ ) وذلك أن القرآن لما كان متواترا بلفظه ومعناه كان من بلغه بعده صلى الله عليه وسلم كمن سمعه منه وإن كثرت الوسائط لْنه هو الذي بلغه بلا زيادة ول نقصان . وليس للأحاديث المروي كثيرها بالمعنى هذه المزية فهي موضع اجتهاد . وأخرج أبناء أبي شيبة والضريس وجرير والمنذر وأبو حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي في الآية قال من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم وفي لفظ : من بلغه القرآن حتى يفهمه ويعقله كان كمن عاين النبي صلى الله عليه وسلم وكلمه .

عدد الصفحات ١٥٩

160 وأخرج أبو الشيخ عن أبي بن كعب قال : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسارى فقال لهم : " هل دعيتم إلى الإسلام ؟ " قالوا : ل . فخلى سبيلهم ثم قرأ ( وأوحي إلي هذا القرآن لْنذركم به ومن بلغ ) ثم قال " خلوا سبيلهم حتى يأتوا مأمنهم من أجل أنهم لم يدعوا " . 5 /ثم أمره- سبحانه- أن يستنكر ما عليه المشركون من كفر وإلحاد، وأن يعلن براءته منهم ومن معبوداتهم فقال- تعالى : ( أَإِن كُمم لَتَشمهَدُونَ أَن مَعَ الل هِ آلِهَةً أُخمرى، قُلم : لا أَشمهَدُ، قُلم إِن ما هُوَ إِله واحِد وَإِن نِي بَرِيء مِم ا تُشمرِكُونَ ) أى: قل يا محمد لهؤلء المشركين : إذا كنتم قد ألغيتم عقولكم . وترديتم في مهاوي الشرك والضلال، وشهدتم بأن مع الله آلهة أخرى، فإنى برىء منكم ومن أعمالكم القبيحة، ومحال أن أشهد بما شهدتم به، وإنما الذي أشهد به وأعتقده، أن الله- تعالى- واحد ل شريك له، وإننى بعيد كل البعد عن ضلالكم وجحودكم . والستفهام في قوله أَإِنَّك مْ إنكارى، جيء به لستقباح ما وقع منهم من شرك، وأكد قوله لَتَشْهَد ونَ للإشارة إلى تغلغل الضلال في نفوسهم، واستيلاء الجحود على قلوبهم. 6/وفي أمره - سبحانه- لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يصارحهم بأنه ل يشهد بشهادتهم ( قل: لا أشهد ) توبيخ لهم على جهالتهم، وتوجيه لْتباعه إلى القتداء به في شجاعته أمام الباطل، وفي ثباته على مبدئه. وقد تضمن قوله - تعالى:( ق لْ إِنَّما ه وَ إِله واحِد )اعتراف كامل بوحدانية الله، وقصرها عليه- سبحانه-، وتصريح بالبراءة التامة من الْوثان وعابديها، وتنديد شديد بهذا العمل الباطل. وبذلك تكون الآية الكريمة قد تضمنت شهادة من الله- تعالى- بأن رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم صادق في رسالته، وشهادة من هذا الرسول الكريم بأن الله واحد ل شريك له، وأنه برىء من إلحاد الملحدين وكفر الكافرين .

عدد الصفحات ١٦٠