المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

فتح الودود بيان آيات الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم

أحمد خضر حسنين الحسن

صفحة ٨ من ٢٥

113 والخطاب للمشركين الذين اتهموا النبى صلى الله عليه وسلم تارة بأنه كاهن ، وتارة بأنه ساحر أو شاعر .أى : أل تريدون أن تعرفوا - أيها المشركون - على من تتنزل الشياطين؟! إنهم ل يتنزلون على الرسول صلى الله عليه وسلم ، لْنه طبعه يتباين مع طبائعهم ، ومنهجه يتعارض مع مسالكهم ، فهو يدعو إلى الحق وهم يدعون إلى الباطل . 3 /قال ابن عاشور: ولما كان حال الكهان قد يلتبس على ضعفاء العقول ببعض أحوال النبوءة في الإخبار عن الغيب ، وأسجاعهم قد تلتبس بآيات القرآن في بادىء النظر . أطنَبت الآية في بيان ماهية الكهانة وبينت أن قصاراها الإخبار عن أشياء قليلة قد تصدق فأينَ هذا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن وما فيه من الآداب والإرشاد والتعليم والبلاغة والفصاحة والصراحة والإعجاز ول تصدي منه للإخبار بالمغيبات . كما قال : ( ولا أعلم الغيب ) [انعام : 50 ]في آيات كثيرة من هذا المعنى . فائدتان مهمتان : الفائدة الأولى : قال ابن كثير رحمه الله عند قوله تعالى (يُلمقُونَ الس ممعَ وَأَكمثَرُهُمم كَاذِبُونَ ) أي : يسترقون السمع من السماء ، فيسمعون الكلمة من علم الغيب ، فيزيدون معها مائة كذبة ، ثم يلقو نها إلى أوليائهم من الإنس فيتحدثون بها ، فيصدقهم الناس في كل ما قالوه ، بسبب صدقهم في تلك الكلمة التي سمعت من السماء ، كما صح بذلك الحديث ، كما رواه البخاري ، من حديث الزهري : أخبرني يحيى بن عروة بن الزبير ، أنه سمع عروة بن الزبير يقول : قالت عائشة ، رض ي الله عنها : سأل ناس النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الكهان ، فقال : " إنهم ليسوا بش يء " . قالوا : يا رسول الله ، فإنهم يحدثون بالش يء يكون حقا ؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني ، فيقرقرها في أذن وليه كقرقرة الدجاجة ، فيخلطون معها أكثر من مائة كذبة " . الفائدة الثانية : سئل ابن عثيمين رحمه الله ، ما هي الكهانة؟ وما حكم إتيان الكهان؟ فقال : الإجابة : الكهانة فعالة مأخوذة من التكهن، وهو التخرص والتماس الحقيقة بأمور ل أساس لها، وكانت في الجاهلية صنعة لْقوام تتصل بهم الشياطين وتسترق السمع من السماء

عدد الصفحات ١١٣

114 وتحدثهم به، ثم يأخذون الكلمة التي نقلت إليهم من السماء بواسطة هؤلء الشياطين ويضيفون إليها ما يضيفون من القول، ثم يحدثون بها الناس، فإذا وقع الش يء مطابقاا لما قالوا : اغتر بهم الناس واتخذوهم مرجعاا في الحكم بينهم، وفي استنتاج ما يكون في المستقبل، ولهذا نقول : الكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل. والذي يأتي إلى الكاهن ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الْول : أن يأتي إلى الكاهن فيسأله من غير أن يصدقه فهذا محرم، وعقوبة فاعله أن ل تقبل له صلاة أربعين يوماا، كما ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أتى عرافاا فسأله لم تقبل له صلاة أربعين يوماا أو أربعين ليلة". القسم الثاني: أن يأتي إلى الكاهن فيسأله ويصدقه بما أخبر به، فهذا كفر بالله عز وجل لْنه صدقه في دعوى علمه الغيب، وتصديق البشري دعوى علم الغيب تكذيب لقول الله تعالى: {قل ل يعلم من في السماوات والْرض الغيب إل الله}، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: "من أتى كاهناا فصدقه بما يقول : فقد كفر بما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم". القسم الثالث: أن يأتي إلى الكاهن فيسأله ليبين حاله للناس، وإنها كهانة وتمويه وتضليل، وهذا ل بأس به ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه ابن صياد، فأضمر له النبي صلى الله عليه وسلم شيئاا في نفسه، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم ماذا خبأ له؟ فقال: "الدخ" يريد الدخان. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اخسأ فلن تعدو قدرك ." مجموع فتاوى و رسائل الشيخ محمد صالح العثيمين المجلد الثاني.

عدد الصفحات ١١٤

115 المبحث السادس عشر ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الإسراء الموضع الأول : وَإِذَا قَرَأمتَ المقُرمآنَ جَعَلمنَا بَيمنَكَ وَبَيمنَ ال ذِينَ لاَ يُؤممِنُونَ بِالآمخِرَةِ حِجَابًا م سمتُو رًا . الموضع الثاني : وَإِن كَادُوا لَيَفمتِنُونَكَ عَنِ ال ذِي أَومحَيمنَا إِلَيمكَ لِتَفمتَرِيَ عَلَيمنَا غَيمرَهُ . الموضع الثالث : وَإِن كَادُوا لَيَسمتَفِز ونَكَ مِنَ الأمَرمضِ لِيُخمرِجُوكَ مِنمهَا . الموضع الرابع : وَقَالُوا لَن ن ؤممِنَ لَكَ حَت ى تَفمجُرَ لَنَا مِنَ الأمَرمضِ يَنبُوعًا . الموضع الخامس : قُلِ ادمعُوا الل هَ أَوِ ادمعُوا الر حممَ نَ أَيًّا م ا تَدمعُوا فَلَهُ الأمَسممَاءُ المحُسمنَى

عدد الصفحات ١١٥

116 الموضع الأول قوله تعالى : وَإِذَا قَرَأمتَ المقُرمآنَ جَعَلمنَا بَيمنَكَ وَبَيمنَ ال ذِينَ لاَ يُؤممِنُونَ بِالآمخِرَةِ حِجَابًا م سمتُورًا (45 ) وَجَعَلمنَا عَلَى قُلُوبِهِمم أَكِن ةً أَن يَفمقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمم وَقمرًا وَإِذَا ذَكَرمتَ رَب كَ فِي المقُرمآنِ وَحمدَهُ وَل وما عَلَى أَدمبَارِهِمم نُفُورًا (46). أولاً : سبب نزولها : قال الرازي: أن هذه الآية نزلت في قوم كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن على الناس . روي أنه عليه الصلاة والسلام كان كلما قرأ القرآن قام عن يمينه رجلان ، وعن يساره آخران من ولد قص ي يصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالْشعار ، وعن أسماء أنه - صلى الله عليه وسلم - كان جالسا ومعه أبو بكر إذ أقبلت امرأة أبي لهب ومعها فهر تريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي تقول : مذمما أتينا ودينه قلينا وأمره عصينا فقال أبو بكر : يا رسول الله معها فهر أخشاها عليك ، فتلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية فجاءت فما رأت رسول الله عليه الصلاة والسلام وقالت : إن قريشا قد علمت أني ابنة سيدها وأن صاحبك هجاني فقال أبو بكر : ل ورب هذا البيت ما هجاك . وروى ابن عباس : أن أبا سفيان والنضر بن الحارث وأبا جهل وغيرهم كانوا يجالسون النبي - صلى الله عليه و سلم - ويستمعون إلى حديثه ، فقال النضر يوما : ما أدري ما يقول محمد غير أني أرى شفتيه تتحرك بش يء . وقال أبو سفيان : إني لْرى بعض ما يقوله حقا ، وقال أبو جهل : هو مجنون . وقال أبو لهب هو كاهن . وقال حويطب بن عبد العزى هو شاعر ، فنزلت هذه الآية ثانياً : تضمنت الآية بحسب ما ورد في سبب نزولها حصول الإيذاء من المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طريقين حس ي ومعنوي : أما الإيذاء الحس ي : فمحاولة امرأة أبي لهب ضربه صلى الله عليه وسلم بالفهر – الحجر الذي كان في يدها .

عدد الصفحات ١١٦

117 وأما الإيذاء المعنويفهو تلك المقولت ا لباطلة التي صدرت أولئك الكفر في حقه صلى الله عليه وسلم أعني ما قاله أبو جهل : هو مجنون . وقال أبو لهب هو كاهن . وقال حويطب بن عبد العزى هو شاعر . ثالثاً : جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم فيما قاله وفعله أوئك المبطلون فعلاً وقولاً : 1 /أما الدفاع الفعلي : أعني فعله تبارك وتعالى دفاعاا عن حبيبه ومصطفاه محمد صلى الله عليه وسلم فهو حصول المعجزة الإلهية وهي ما سبق ذكره في سبب النزول في مجئ امرأة أبي لهب فقد قال القرطبي في روايته : فقال أبو بكر لو تنحيت عنها لئلا تسمعك ما يؤذيك فإنها امرأة بذي ة .فقال صلى الله عليه وسلم« :إنه سيحال بيني وبينها» فلم تره . فقالت لْبى بكر: يا أبا بكر هجانا صاحبك.فقال أبو بكر: والله ما ينطق بالشعر ول يقوله . فاندفعت راجعة. فقال أبو بكر:يا رسول الله، أما رأتك؟.قال: ل. ما زال ملك بيني وبينها يسترني حتى ذهبت. ومن دفاعه تعالى الفعلي عن سيدنا النبي محمد صلى الله عليه وسلم ما عاقب به تعالى أولئك المشركين الذين اشتد عداوتهم لله ولرسوله ( وَجَعَلمنَا عَلَى قُلُوبِهِمم أَكِن ةً أَن يَفمقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمم وَقمرًا ) أي فعلنا ذلك بهم مجازاة على كفرهم . وليس المعنى أنهم ل يسمعون ول يفقهون ، ولكن لما كانوا ل ينتفعون بما يسمعون ، ول ينقادون إلى الحق كانوا بمنزلة من ل يسمع ول يفهم . ومعنى ( أَكِنَّةا )أي: أغطية وأغشية ل يفقهون معها القرآن بل يسمعونه سماعا تقوم به عليهم الحجة، ( وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراا ) أي: صمما عن سماعه، 2 /وأما الدفاع القولي فهو تلك الآيات التي أنزلها الله تعالى مخبراا عن تلك الحالة النفسية التي يعيشها المشركون في دواخلهم (وَجَعَلْنَا عَلَىَٰ ق ل وبِهِمْ أَكِنَّةا أَن يَفْقَه وه وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْق رْآنِ وَحْدَه وَ لَّوْا عَلَىَٰ أَدْبَارِهِمْ ن ف وراا ). 3/ والآن نعود إلى الكلام حول قوله تعالى وَإِذَا قَرَأمتَ المقُرمآنَ جَعَلمنَا بَيمنَكَ وَبَيمنَ ال ذِينَ لاَ يُؤممِنُونَ بِالآمخِرَةِ حِجَابًا م سمتُورًا ) للمفسرين في تفسير هذه الآية أقوال، أشهرها قولن :

عدد الصفحات ١١٧

118 أولهما : يرى أصحابه، أن المراد بالحجاب المستور : ما حجب الله به قلوب هؤلء الكافرين عن النتفاع بهدى القرآن الكريم، بسبب جحودهم وجهلهم وإصرارهم على كفرهم . فهو حجاب معنوي خفى، حال بينهم وبين النتفاع بالقرآن . فهم يستمعون إليه، ولكنهم يجاهدون قلوبهم أل ترق له، ويمانعون فطرتهم عن التأثر به، فكان استماعهم له كعدمه، وعاقبهم الله على ذلك بأن طمس بصائرهم عن فقهه. والمعنى : وإذا قرأت - أيها الرسول الكريم - القرآن الهادي إلى الطريق التي هي أقوم، جعلنا- بقدرتنا، ومشيئتنا-، بينك وبين الذين ل يؤمنون بالآخرة، حجابا يحجبهم ويمنعهم عن إدراك أسراره وهداياته، وساترا بينك وبينهم، بحيث ل يصل القرآن إلى قلوبهم وصول انتفاع وهداية.ويشهد لهذا المعنى قوله - تعالى-: وَقال وا ق ل وب نا فِي أَكِنَّة مِمَّا تَدْع ونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْر ، وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجاب ، فَاعْمَلْ إِ نَّنا عامِل ونَ . ومن المفسرين الذين اكتفوا بهذا القول، فلم يذكروا غيره، الإمام البيضاوي، فقد قال- رحمه الله: قوله : وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين ل يؤمنون بالآخرة حجابا يحجبهم عن فهم ما تقرؤه عليهم مَسْت وراا ذا ستر: كقوله - تعالى-: إِنَّه كانَ وَعْد ه مَأْتِيًّا أى مستورا عن الحس. .. أما القول الثاني فيرى أصحابه: أن المراد بالحجاب المستور، أن الله- تعالى- يحجب نبيه صلى الله عليه وسلم عن أعين المشركين، بحيث ل يرونه في أوقات معينة، لحكم منها: النجاة من شرورهم. فيكون المعنى: وإذا قرأت القرآن - أيها الرسول الكريم - جعلنا بينك وبين هؤلء الكافرين، حجابا ساترا لك عنهم بحيث ل يرونك، عند ما تكون المصلحة في ذلك. وقد استشهد أصحاب هذا القول بما أخرجه الحافظ أبو يعلى عن أسماء بنت أبى بكر قالت: لما نزلت سورة تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَب جاءت العوراء أم جميل وله ا ولولة، وفي يدها فهر- أى حجر- وهي تقول : مذم ما أتينا، وأمره عصينا، ودينه قلينا ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، وأبو بكر إلى جنبه.فقال أبو بكر: يا رسول الله، لقد أقبلت هذه وأخاف أن تراك، فقال صلى الله عليه وسلم« :إنها لن تراني » وقرأ قرآنا اعتصم به منها، ومما قرأه -: وَإِذا قَرَأْتَ الْق رْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ ل ي ؤْمِن ونَ بِالآْخِرَةِ حِجاباا مَسْت وراا .

عدد الصفحات ١١٨

119 فجاءت حتى قامت على أبى بكر، فلم تر النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا أبا بكر، بلغني أن صاحبك هجانى: فقال أبو بكر: ل ورب هذا البيت ما هجاك.فانصرفت وهي تقول : لقد علمت قريش أنى بنت سيدها . ومن المفسرين الذين استظهروا هذا القول، الإمام القرطبي، فقد قال بعد أن ذكر ما روى عن أسماء بنت أبى بكر- رض ى الله عنهما-: وقال سعيد بن جبير: لما نزلت سورة تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَب وَتَبَّ جاءت امرأة أبى لهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر، فقال أبو بكر لو تنحيت عنها لئلا تسمعك ما يؤذيك فإنها امرأة بذي ة .فقال صلى الله عليه وسلم« :إنه سيحال بيني وبينها» فلم تره . فقالت لْبى بكر: يا أبا بكر هجانا صاحبك.فقال أبو بكر: والله ما ينطق بالشعر ول يقو له. فاندفعت راجعة. فقال أبو بكر:يا رسول الله، أما رأتك؟.قال: ل. ما زال ملك بيني وبينها يسترني حتى ذهبت. ثم قال القرطبي : وقيل: الحجاب المستور، طبع الله على قلوبهم حتى ل يفقهوه ،ول يدركوا ما فيه من الحكمة. قاله قتادة. وقال الحسن: أى أنهم لإعراضهم عن قراءت ك، وتغافلهم عنك كمن بينك وبينه حجاب في عدم رؤيتهم لك، حتى كأن على قلوبهم أغطية ...ثم قال: والقول الْول أظهر في الآية . 4 /قال بعض المحققين ويبدو لنا أن كلا القولين صحيح في ذاته، وأن كل واحد منهما يحكى حالت معينة، ويشهد لذلك ما نقله الجمل في حاشيته على الجلالين عن شيخه فقد قال- رحمه الله-. قوله : حِجاباا مَسْت وراا، أى: ساترا لك عنهم فلا يرونك وهذا بالنسبة لبعضهم، كان يحجب بصره عن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراده بمكروه وهو يقرأ القرآن : وبعضهم كان يحجب قلبه عن إدراك معاني القرآن .. وبعضهم كان ينفر عند قراءة القرآن .

عدد الصفحات ١١٩

120 الموضع الثاني قوله تعالى : وَإِن كَادُوا لَيَفمتِنُونَكَ عَنِ ال ذِي أَومحَيمنَا إِلَيمكَ لِتَفمتَرِيَ عَلَيمنَا غَيمرَهُ وَإِذًا لا ت خَذُوكَ خَلِيلاً (73 )وَلَوملاَ أَن ثَب تمنَاكَ لَقَدم كِدت تَرمكَنُ إِلَيمهِمم شَيمئًا قَلِيلاً (74) أولاً : سبب نزولها ذكر المفسرون في سبب نزولها الآية روايات منها ما جاء عن سعيد بن جبير أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر الْسود في طوافه، فمنعته قريش وقالوا : ل ندعك تستلم حتى تلم بآلهتنا فحدث نفسه : ما علي أن أفعل ذلك والله تعالى يعلم أني لها كاره بعد أن يدعوني حتى أستلم الحجر الْسود .وقيل : طلبوا منه أن يمس آلهتهم حتى يسلموا ويتبعوه فحدث نفسه بذلك فأنزل الله هذه الآية . فأبى الله- تعالى- ذلك، وأنزل عليه هذه الآية. وروى عطاء عن ابن عباس قال: نزلت في وفد ثقيف، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه شططا: وقالوا : متعنا بآلهتنا سنة حتى نأخذ ما يهدى لها. وحرم وادينا كما حرمت مكة، حتى تعرف العرب فضلنا عليهم ... فنزلت هذه الآية . ثانياً : تضمنت الآية بحسب ما ورد في سبب نزولها حصول الإيذاء من المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك بمنعه من استلام الحجر الْسود إل إذ ألم بآلهتهم أي تمسح بها ، أو آذوه بقولهم متعنا بآلهتنا سنة حتى نأخذ ما يهدى لها. وحرم وادينا كما حرمت مكة، حتى تعرف العرب فضلنا عليهم . ثالثاً : جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم بمنعه من متابعتهم وتنبيهه إلى خبث طويتهم وعدم اعترافهم بوحدانية الله تعالى ، حيث قال سبحانه : ( وَإِن كَادُوا لَيَفمتِنُونَكَ عَنِ ال ذِي أَومحَيمنَا إِلَيمكَ لِتَفمتَرِيَ عَلَيمنَا غَيمرَهُ وَإِذًا لا ت خَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوملاَ أَن ثَب تمنَاكَ لَقَدم كِدت تَرمكَنُ إِلَيمهِمم شَيمئًا قَلِيلاً ) وإليك بعض ما قاله أهل التفسير : 1/قال في التفسير الوسيط (وَإِن كَاد وا لَيَفْتِن ونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَه وَإِذاا لَّتَّخَذ وكَ خَلِيلاا )وإِنْ في قوله وَإِنْ كاد وا لَيَفْتِن ونَكَ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن. وكاد

عدد الصفحات ١٢٠

121 من أفعال المقاربة. ولَيَفْتِن ونَكَ من الفتنة، وأصلها الختبار والمتحان والمعنى وإن شأن هؤلء المشركين، أنهم قاربوا في ظنهم الباطل، وزعمهم الكاذب، أن يخدعوك ويفتنوك - أيها الرسول الكريم - عما أوحينا إليك من هذا القرآن ، لكي تفترى علينا غيره، وتتقول علينا أقوال ما أنزل الله بها من سلطان. 2/ وقوله : وَإِذاا لَتَّخَذ وكَ خَلِيلاا بيان لحالهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم لو أنه أطاعهم فيما اقترحوه عليه.قال الجمل رحمه الله ما ملخصه: " المعنى: لو أنك- أيها الرسول الكريم - واف قتهم على مقترحاتهم الفاسدة لْحبوا ذلك منك، ولصاروا أصدقاء لك في مستقبل أيامك. وقد بين القرآن الكريم في كثير من آياته، أن الرسول صلى الله عليه وسلم أعرض عن مقترحاتهم ورفضها، ولم يلتفت إليها، ومن ذلك قوله - تعالى-: وَإِذا ت تْلى عَلَيْهِمْ آيات نا بَي ِنات قالَ الَّذِينَ ل يَرْج ونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِق رْآن غَيْرِ هذا أَوْ بَد ِلْه ، ق لْ ما يَك ون لِي أَنْ أ بَد ِلَه مِنْ تِلْقاءِ نَفْس ِي، إِنْ أَتَّبِع إِلَّ ما ي وحى إِلَيَّ، إِن ِي أَخاف إِنْ عَصَيْت رَب ِي عَذابَ يَوْم عَظِيم . ق لْ لَوْ شاءَ اللَّ ه ما تَلَوْت ه عَلَيْك مْ وَل أَدْراك مْ بِهِ، فَقَدْ لَبِثْت فِيك مْ ع م راا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِل ونَ . 3/ ثم بين- سبحانه- بعض مظاهر فضله على نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: وَلَوْل أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَن إِلَيْهِمْ شَيْئاا قَ لِيلاا . أى: ولول تثبيتنا إياك- أيها الرسول الكريم - على ما أنت عليه من الحق والصدق، بأن عصمناك من كيدهم لقاربت أن تميل ميلا قليلا، بسبب شدة احتيالهم وخداعهم. 4/ قال بعض العلماء: وهذه الآية أوضحت غاية الإيضاح، براءة نبينا صلى الله عليه وسلم من مقاربة الركو ن إلى الكفار، فضلا عن نفس الركون لْن لَوْل حرف امتناع لوجود، فمقاربة الركون منعتها لَوْل المتناعية لوجود التثبيت من الله- تعالى- لْكرم خلقه صلى الله عليه وسلم فاتضح يقينا انتفاء مقاربة الركون - أى الميل-، فضلا عن الركون نفسه.وهذه الآية تبين ما قبلها، وأن ه صلى الله عليه وسلم لم يقارب الركون إليهم مطلقا. لْن قوله :لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَن إِلَيْهِمْ شَيْئاا قَلِيلاا أى: قاربت تركن إليهم، هو عين الممنوع ب(لولا )المتناعية .

عدد الصفحات ١٢١

122 5 /ومما يشهد بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقارب الركون من مقترحات الكافرين، قول ابن عباس- رض ى الله عنهما- كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوما، ولكن هذا تعريف للأمة، لئلا يركن أحد منهم إلى المشركين في ش يء من أحكام الله- تعالى- وشرائعه . وعن قتادة أنه قال: لما نزلت هذه الآية، قال النبي صلى الله عليه وسلم «اللهم ل تكلني إلى نفس ي طرفة عين» .

عدد الصفحات ١٢٢

123 الموضع الثالث قوله تعالى : وَإِن كَادُوا لَيَسمتَفِز ونَكَ مِنَ الأمَرمضِ لِيُخمرِجُوكَ مِنمهَا وَإِذًا لا يَلمبَثُونَ خِلاَفَكَ إِلا قَلِيلاً (76 )سُن ةَ مَن قَدم أَرمسَلمنَا قَبملَكَ مِن ر سُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُن تِنَا تَحم وِيلاً (77) أولاً : سبب نزولها قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: قيل نزلت في اليهود إذ أشاروا على النبي صلى الله عليه وسلم بسكنى الشام، بلاد الْنبياء وترك سكنى المدينة وهذا القول ضعيف لْن هذه الآية مكية وسكنى المدينة كان بعد ذلك . ثم قال: وقيل نزلت في كفار قريش، حين هموا بإخراج الرسول صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم، فتوعدهم الله- تعالى- بهذه الآية: وأنهم لو أخرجوه لما لبثوا بعده بمكة إل زمنا يسيرا وقال القرطبي : قال مجاهد وقتادة : نزلت في هم أهل مكة بإخراجه ، ولو أخرجوه لما أمهلوا و لكن الله أمره بالهجرة فخرج ، وهذا أصح ; لْن السورة مكية ، ولْن ما قبلها خبر عن أهل مكة ، ولم يجر لليهود ذكر . وقوله : من الْرض يريد أرض مكة . ثانياً : تضمنت الآية بحسب ما ورد في سبب نزولها بيان مكيدة أخرى من مكايد المشركين، وهي محاولتهم إخراج النبي صلى الله عليه وسلم من بلده، لكي يعكفوا على عبادة آلهتهم الباطلة دون أن ينهاهم ثالثاً : جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم بفضح مكائدهم و الكشف خبث طواياهم وسوء أفعالهم ثم بيان ما كان سيحل بهم من العق و بة الإلهية لو وصلوا إلى مرادهم أو حققوا مقصودهم ، ذلك كله من خلا ما يأتي : أولاً : أخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بمكر المشركين في الخفاء فقال سبحانه ( وَإِن كَادُوا لَيَسمتَفِز ونَكَ مِنَ الأمَرمضِ لِيُخمرِجُوكَ مِنمهَا وَإِذًا لا يَلمبَثُونَ خِلاَفَكَ إِلا قَلِيلاً ) وفي الآية من الدلائل على الدفاع عن سيد الآواخر والأوائل صلى الله عليه وسلم ما يأتي :

عدد الصفحات ١٢٣

124 1( /وَإِنم كادُوا ) أى: كفار مكة ( لَيَسمتَفِز ونَكَ مِنَ الأمَرمضِ ) أى: ليزعجونك ويحملونك على الخروج من الْرض التي على ترابها ولدت وفيها نشأت، وهي أرض مكة. ومع أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد خرج من مكة مهاجرا بأمر ربه إل أنه- سبحانه- قد مكن نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مشركي مكة في غزوة بدر، فقتلوا منهم سبعين، وأسروا نحو ذلك، وكانت المدة بين هجرته صلى الله عليه وسلم وبين غزوة بدر تقل عن سنتين. وهكذا حقق الله- تعالى- وعده لنبيه صلى الله عليه وسلم وأنزل وعيده بأعدائه. (وَإِذًا لا يَلمبَثُونَ خِلاَفَكَ إِلا قَلِيلاً ) . 2/ انظر إلى وعيده تعالى بالانتقام من أولئك الأباعد عن قريب دفاعاً عن النبي الحبيب صلى الله عليه وسلم فقال :( وَإِذاً لا يَلمبَثُونَ خِلافَكَ إِلا قَلِيلاً ) إذ فيه بيان لسوء مصيرهم إذا ما أخرجوه صلى الله عليه وسلم من مكة.أى: ولو أنهم استفزوك وأجبروك على الخروج إجبارا، لما لبثوا خِلافَكَ أى: بعد خروجك إل زمنا قليلا، ثم يصيبهم ما يصيبهم من الهلاك والنقم . ثانياً : بين- سبحانه- أن نصرة رسله سنة من سننه التي لا تتخلف فقال: ( سُن ةَ مَنم قَدم أَرمسَلمنا قَبملَكَ مِنم رُسُلِنا، وَلا تَجِدُ لِسُن تِنا تَحموِيلاً ) أى: سنَّ الله تعالى في ما قصه عليك سنة، وهذه السنة هي أننا ل نترك بدون عقاب أمة أخرجت رسولها من أرضه، وقد فعلنا ذلك مع الْقوام السابقين الذين أخرجوا أنبياءهم من ديارهم ول تجد- أيها الرسول الكريم - لسنتنا وطريقتنا تحويلا أو تبديلا، ولول أننا قد منعنا عن قومك عذاب الستئصال لوجودك فيهم، لْهلكناهم بسبب إيذائهم لك، وتطاولهم عليك.قال تعالى : ( وَما كانَ الل هُ لِيُعَذ ِبَهُمم وَأَنمتَ فِيهِمم ) . وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا جانبا من المسالك الخبيثة التي اتبعها المشركون مع النبي صلى الله عليه وسلم كما حكت لنا ألوانا من فضل الله- تعالى- على نبيه صلى الله عليه وسلم حيث عصمه من أى ركون إليهم ووعده بالنصر عليهم.

عدد الصفحات ١٢٤

125 الموضع الرابع قوله تعالى : وَقَالُوا لَن ن ؤم مِنَ لَكَ حَت ى تَفمجُرَ لَنَا مِنَ الأمَرمضِ يَنبُوعًا (90 )أَوم تَكُونَ لَكَ جَن ة م ِن ن خِيل وَعِنَب فَتُفَج ِرَ الأمَنمهَارَ خِلاَلَهَا تَفمجِيرًا (91 )أَوم تُسمقِطَ الس مَاءَ كَمَا زَعَممتَ عَلَيمنَا كِسَفًا أَوم تَأمتِيَ بِالل هِ وَالممَلاَ ئِكَةِ قَبِيلاً (92 )أَوم يَكُونَ لَكَ بَيمت م ِن زُخمرُف أَوم تَرمقَى فِي الس مَاءِ وَلَن ن ؤممِنَ لِرُقِي ِكَ حَت ى تُنَز ِلَ عَلَيمنَا كِتَابًا ن قمرَؤُهُ قُلم سُبمحَانَ ِي رَب هَلم كُنتُ إِلا بَشَرًا ر سُولاً (93 )وَمَا مَنَعَ الن اسَ أَن يُ ؤممِنُوا إِذم جَاءَهُمُ المهُدَى إِلا أَن قَالُوا أَبَعَثَ الل هُ بَشَرًا ر سُولاً (94 )قُل ل وم كَانَ فِي الأمَرمضِ مَلاَئِكَة يَممشُونَ مُطممَئِن ِينَ لَنَز لمنَا عَلَيمهِم م ِنَ الس مَاءِ مَلَكًا ر سُولاً (95 )قُلم كَفَى بِالل هِ شَهِيدًا بَ يمنِي وَبَيمنَكُمم إِن هُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (96). أولاً : سبب نزولها ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات رواية طويلة ملخصها: أن نفرا من زعماء قريش اجتمعوا عند الكعبة، وطلبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءهم، فقالوا له يا محمد: إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك!! لقد شتمت الآباء، وعبت الدين. وسفهت الْحلام، وشتمت الآلهة ،فإن كنت جئت بهذا الحديث تطلب مال، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مال، وإن كنت تطلب شرفا فينا، سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا ،فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بي ش يء مما تقولون، ولكن الله بعثني إليكم رسول، وأنزل على كتابا، وأمرنى أن أكون بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا منى فهو حظكم من الدنيا والآخرة، وإن تردو ه على أصبر لْمر الله- تعالى- حتى يحكم بيني وبينكم. فقالوا له يا محمد: فإن كنت صادقا فيما تقول، فسل لنا ربك الذي بعثك، فليسير عنا هذا الجبل الذي قد ضيق علينا، وليبسط لنا بلادنا، ويفجر فيها الْنهار، ويبعث من مض ى من آبائنا، فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل ،وسله أن يبعث معك ملكا يصدقك، واسأله أن يجعل لك جنانا وقصورا أو كنوزا من ذهب وفضة. تعينك على معاشك.

عدد الصفحات ١٢٥

126 فقال صلى الله عليه وسلم ما بعثت بهذا. فقالوا : فأسقط السماء- كما زعمت- علينا كسفا ، وقال أحدهم: ل أومن بك أبدا، حتى تتخذ لك سلما إلى السماء ترقى فيه، ونحن ننظر إليك . فانصرف صلى الله عليه وسلم عنهم حزينا، لما رأى من تباعدهم عن الهدى، فأنزل الله عليه هذه الآيات تسلية له . ثانياً : تضمنت الآيات بحسب ما ورد في سبب نزولها طلب المشركين من رسول الله صلى الله عليه وسلم معجزة حية من المعجزات التي اقترحوها عليه صل ى الله عليه وسل م كتفجير الْنهار حول مكة، وكرقيه إلى السماء، وكنزول الملائكة معه فهم. وليس مرادهم من ذلك أن يؤمنوا بل هذا خرج منهم على سبيل التعجيز والستهزاء ، وإليك تفسير الآيات التي نصت على اقتراحاتهم (باختصار) : - ( لَنم نُؤممِنَ لَكَ ) ونتبعك فيما تدعونا إليه. (حَت ى تَفمجُرَ لَنا مِنَ الأمَرمضِ يَنمبُوعاً ) أى: حتى تخرج لنا من أرض مكة القليلة المياه، يَنْب وعاا أى: عينا ل ينضب ماؤها ول يغور .والتعريف في لفظ الَْْرْضِ للعهد، لْن المراد بها أرض مكة.وعبر بكلمة يَنْب وعاا للإشعار بأنهم ل يريدون من الماء ما يكفيهم فحسب، وإنما هم يريدون ماء كثيرا ل ينقص في وقت من الْوقات، إذ الياء زائدة للمبالغة. - (أَوم تَكُونَ لَكَ جَن ة مِنم نَخِيل وَعِنَب فَتُفَج ِرَ الأمَنمهارَ خِلالَها تَفمجِيراً ) بيان لقتراح آخر من مقترحاتهم السخيفة. والمعنى : أو تكون لك بصفة خاصة يا محمد، جَنَّة أى: حديقة ملتفة الْغصان، مشتملة على الكثير من أشجار النخيل والْعناب : تجرى الْنهار في وسطها جريا عظيما هائلا..وخصوا النخيل والْعناب بالذكر- كما حكى القرآن عنهم-، لْن هذين الصنفين يعتبران من أهم الثمار عندهم، ولْنهما على رأس الزروع المنتشر ة في أراضيهم، والتي لها الكثير من الفوائد . والتنوين في قوله تَفْجِيراا للتكثير، أى: تفجيرا كثيرا زاخرا، بحيث تكون تلك الجنة الخاصة بك، غنية بالمياه التي تنفعها وترويها. - ( أَوم تُسمقِطَ الس ماءَ كَما زَعَممتَ عَلَيمنا كِسَفاً ) اقتراح ثالث من مقترحاتهم الفاسدة.ولفظ كِسَفاا أى: قطعا جمع كسفة- بكسر الكاف وسكون السين، يقال: كسفت الثوب أى: قطعته وهو حال

عدد الصفحات ١٢٦

127 من السماء، والكاف في قوله : كَما صفة لموصوف محذوف.والمعنى : أو تسقط أنت علينا السماء إسقاطا مماثلا لما هددتنا به، من أن في قدرة ربك- عز وجل- أن ينزل علينا عذابا متقطعا من السماء. - ( أَوم تَأمتِيَ بِالل هِ وَالممَلائِكَةِ قَبِيلاً ) تسجيل لمطلب رابع من مطالبهم القبيحة.قال الآلوس ى: قَبِيلاا أى: مقابلا، كالعشير والمعاشر، وأرادوا- كما جاء عن ابن عباس- عيانا.وهذا كقولهم : لَوْل أ نْزِلَ عَلَيْنَا المَْلائِكَة أَوْ نَرى رَبَّنا، وفي رواية أخرى عنه وعن الضحاك تفسير القبيل بالكفيل، أى: كفيلا بما تدعيه. يعنون شاهدا يشهد لك بصحة ما قلته.وهو على الوجهين حال من لفظ الجلالة.. وعن مجاهد: القبيل الجماعة كالقبيلة، فيكون حال من الملائكة- أى: أو تأتى بالله وبالملائكة قبيلة قبيلة . - ( أَوم يَكُونَ لَكَ بَيمت مِنم زُخمرُف ) أى: من ذهب، والزخرف يطلق في الْصل على الزينة، وأطلق هنا على الذهب لْن الذهب أثمن ما يتزين به في العادة. - ( أَوم تَرمقى فِي الس ماءِ ) أى: تصعد إليها. يقال: رقى فلان في السلم يرقى رقيا ورقيا أى صعد، ( وَلَنم نُؤممِنَ لِرُقِي ِكَ ) وصعودك إليها مع مشاهدتنا لذلك ( حَت ى تُنَز ِلَ عَلَيمنا منها كِتاباً نَقمرَؤُهُ ) ونفهم ما فيه، أى: يكون هذا الكتاب بلغتنا التي نفهمها وبأسلوب مخاطباتنا، وفيه ما يدل دللة قاطعة على أنك رسول من عند الله تعالى وما يدعونا إلى الإيمان بك. ثالثاً : رد الله تعالى على أولئك المقترحين الإتيان بالآيات من خير البريات عليه أفضل الصلوات وأتم التسليمات بأحكم رد وأبلغه وذلك بأن لقن رسوله ومصطفاه صل ى الله عليه وسل م الرد فقال له (قل) في مطلع تلك الآيات التى جاء فيها الرد على أولئك المعاندين من قومه، وكونه يلقنه الإجابة ب(قل ) فيه دلالة على تمام العناية الإلهية به صل ى الله عليه وسل م ، كما أن فيه دلالة على أن القرآن من عند الله تعالى ، والآن إليك بيان تلك الآيات : 1/ قال تعالى (قُلم سُبمحَانَ ِي رَب هَلم كُنتُ إِلا بَشَرًا ر سُولاً ) أى: قل- أيها الرسول الكريم - على سبيل التعجب من سوء تفكير هؤلء الجاحدين:

عدد الصفحات ١٢٧

128 يا سبحان الله هل أنا إل بشر كسائر البشر، ورسول كسائر الرسل، وليس من شأن من كان كذلك أن يأتى بتلك المطالب المتعنتة التي طلبتموها، وإنما من شأنه أن يبلغ ما أمره الله بتبليغه من هدايات. ت خرِ ج الناس من ظلمات الكفر والجهل . إلى نور الإيمان والعلم . فالستفهام في قوله هَلْ ك نْت ... للنفي، أى: ما كنت إل رسول كسائر الرسل، وبشرا مثلهم. وقوله ( سُبمحانَ ِي ) رَب يفيد التعجيب من فرط حماقتهم، ومن بالغ جهلهم، حيث طلبوا تلك المطالب، التي تضمنت ما يعتبر من أعظم المستحيلات، كطلبهم إتيان الله- عز وجل- والملائكة إليهم، ورؤيتهم لذاته- سبحانه-، على سبيل المعاينة والمقابلة . 2/ قال تعالى (وَمَا مَنَعَ الن اسَ أَن يُؤممِنُوا إِذم جَاءَهُمُ المهُدَى إِلا أَن قَالُوا أَبَعَثَ الل هُ بَشَرًا ر سُولاً ) قال الفخر الرازي : اعلم أنه- تعالى- لما حكى شبهة القوم في اقتراح المعجزات الزائدة، وأجاب عنها، حكى عنهم شبهة أخرى، وهي أن القوم استبعدوا أن يبعث الله إلى الخلق رسول من البشر، بل اعتقدوا أن الله- تعالى- لو أرسل رسول إلى الخلق، لوجب أن يكون ذلك الرسول من الملائكة، فأجاب الله- تعالى- عن هذه الشبهة فقال: ( وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ ي ؤْمِن وا إِذْ جاءَه م الْه دى ) .. الخ والمراد بالناس هنا: المشركون منهم، الذين استبعدوا واعتقدوا أن الرسول ل يكون من البشر، ويدخل فيهم دخول أوليا كفار مكة . ومما ل شك فيه أن هذه الشبهة تدل، على أن هؤلء الكافرين، لم يدركوا قيمة بشريتهم وكرامتها عند الله- تعالى-، وذلك بسبب انطماس بصائرهم، وكثرة جهلهم، وعكوفهم على موروثاتهم الفاسدة. وقال صاحب الكشاف: " والمعنى . وما منعهم من الإيمان بالقرآن، وبنبوة النبي صلى الله عليه وسلم إل شبهة تلجلجت في صدورهم، وهي إنكارهم أن يرسل الله البشر. والهمزة في ( أَبَعَثَ الل هُ) للإنكار، وما أنكروه فخلافه هو المنكر عند الله- تعالى- لْن حكمته تعالى اقتضت أن ل يرسل ملك الوحى إل إلى أمثاله، أو إلى الْنبياء ". 3/ قال تعالى (قُل ل وم كَانَ فِي الأمَرمضِ مَلاَ ئِكَة يَممشُونَ مُطممَئِن ِينَ لَنَز لمنَا عَلَيمهِم م ِنَ الس مَاءِ مَلَكًا ر سُولاً ) والمعنى: قل- يا محمد صل ى الله عليه وسل م - لهؤلء الجاهلين: لو ثبت ووجد ملائكة في الْرض، يمشون على أقدامهم كما يمش ى الإنس، ويعيشون فوقها م طْمَئِن ِينَ أى: مستقر ين فيها

عدد الصفحات ١٢٨