97 .والصبر : أن يحبس كلاهما نفسه ، هذا عن البطر ، وذاك عن الضجر . أتصبرون محذوف الجواب ، يعني : أم ل تصبرون . فيقتض ي جوابا كما قال المزني ، وقد أخرجته الفاقة فرأى خصيا في مراكب ومناكب ، فخطر بباله ش يء فسمع من يقرأ الآية : أتصبرون فقال : بلى ربنا ! نصبر ونحتسب . وقد تلا ابن القاسم صاحب مالك هذه الآية حين رأى أشهب بن عبد العزيز في مملكته عابرا عليه ، ثم أجاب نفسه بقوله : سنصبر .
عدد الصفحات ٩٧98 المبحث الرابع عشر ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة طه الموضع الأول : طه * مَا أَنزَلمنَا عَلَيمكَ المقُرمآنَ لِتَشمقَى . الموضع الثاني : وَقَالُوا لَوملاَ يَأمتِينَا بِآيَة م ِن ر ب ِهِ أَوَلَمم تَأمتِهِم بَي ِنَةُ مَا فِي الص حُفِ الأمُولَى .
عدد الصفحات ٩٨99 الموضع الأول قوله تعالى : (طه (1 )مَا أَنزَلمنَا عَلَيمكَ المقُرمآنَ لِتَشمقَى (2 )إِ تَذمكِرَةً َِن لم يَخمش َى (3 )تَنزِيلاً م ِم نم خَلَقَ الأمَرمضَ وَالس مَاوَاتِ المعُلَى (4) أولاً : سبب نزولها قال الرازي : ذكر المفسرون في سبب نزول الآية وجوها :( أثبت منها ما يلقي بالمقام ) : أحدها : قال مقاتل إن أبا جهل ، والوليد بن المغيرة ، ومطعم بن عدي ، والنضر بن الحارث ، قالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنك لتشقى حيث تركت دين آبائك فقال - عليه السلام - : " بل بعثت رحمة للعالمين " قالوا : بل أنت تشقى ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية ردا عليهم ، وتعريفا لمحمد - صلى الله عليه وسلم - بأن دين الإسلام هو السلام ، وهذا القرآن هو السلام إلى نيل كل فوز ، والسبب في إدراك كل سعادة ، وما فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها . وثانيها : قال بعضهم يحتمل أن يكون المراد ل تش ق على نفسك ول تعذبها بالْسف على كفر هؤلء فإنا إنما أنزلنا عليك القرآن ؛ لتذكر به ، فمن آمن وأصلح فلنفسه ، ومن كفر فلا يحزنك كفره فما عليك إل البلاغ وهو كقوله تعالى : ( لعلك باخع نفسك [ )الشعراء : 3 ]الآية ، ( ول يحزنك قولهم [ ) يونس : 65 وقال البغويوقيل : لما رأى المشركون اجتهاده في العبادة قالوا ما أنزل عليك القرآن يا محمد إل لشقائك ، فنزلت ( ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ) أي لتتعنى وتتعب . ثانياً : تضمنت الآية بحسب ما ورد في سبب نزولها تعيير المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم بتركه لدين أبائه وزعموا أن ذلك سبب شقائه أو عابوا عليه كثرة تعبده لربه وما علموا أن ذلك بسبب شوقه للقائه . ثالثاً : رد الله تعالى على أولئك العائبين على سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم بأحكم رد وأبلغه وخفف عن نبيه صلى الله عليه وسلم بما يجعله يواصل فيما هو بصدده من ال دعوة إلى ربه أو القيام بحق عبوديته ، و ذلك من خلال ما يأتي :
عدد الصفحات ٩٩100 1/ قال تعالى : ( مَا أَنمزَلمنَا عَلَيمكَ المقُرمآَنَ لِتَشمقَى ) قال ابن عاشور رحمه الله تعالى : افتتحت السورة بملاطفة النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله لم يرد من إرساله وإن زال القرآن عليه أن يشقى بذلك ، أي تصيبه المشق ة ويشده التعب ، ولكن أراد أن يذكر بالقرآن من يخاف وعيده . 2/ أيضا من معاني مَا أَنمزَلمنَا عَلَيمكَ المقُرمآَنَ لِتَشمقَى ) أي : ما أنزلنا عليك القرآن - أيها الرسول الكريم - لكي تتعب وتجهد نفسك هما وغما بسبب إعراض المشركين عن دعوتك، كما قال- تعالى-: فَلَعَلَّكَ باخِع نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ ي ؤْمِن وا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاا .وإنما أنزلناه إليك لتسعد بنزوله، ولتبلغ آياته، ثم بعد ذلك من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، فأنت عليك البلاغ ونحن علينا الحساب.و أنت ل تلام على كفر قومك كقوله تعالى : ( لست عليهم بمسيطر ) [الغاشية : 22 ]، ( وما أنت عليهم بوكيل [ )الشورى : 6 ]أي ليس عليك كفرهم إذا بلغت ول تؤاخذ بذنبهم 3/ ومن معانيها : أن هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة وفي ذلك الوقت كان - عليه السلام - مقهورا تحت ذل أعدائه فكأنه سبحانه قال له ل تظن أنك تبقى على هذه الحالة أبدا بل يعلو أمرك ويظهر قدرك ، فإنا ما أنزلنا عليك مثل هذا القرآن لتبقى شقيا فيما بينهم ، بل تصير معظما مكرما . 4/ أوضح سبحانه أولئك المتعنتين من المشركين أن القرآن لم ي نزل ليكون سببا في الشقاء بل أ نزل ليكون تذكرة فقال تعالى : (إِلا تَذمكِرَةً َِن لم يَخمش َى ) أي أنزلناه من أجل أن يكون تَذْكِرَةا أى موعظة تلين لها قلوب من يخش ى عقابنا، ويخاف عذابنا، ويرجو ثوابنا . وما دام الْمر كذلك فامض في طريقك، وبلغ رسالة ربك، ثم بعد ذلك ل تتعب نفسك بسبب كفر الكافرين، فإنك ل تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء. قال الرازي : وجه كون القرآن تذكرة أنه - عليه السلام - كان يعظهم به وببيانه فيدخل تحت قوله ( لمن يخش ى ) الرسول - صلى الله عليه وسلم - ؛ لْنه في الخشية والتذكرة بالقرآن كان فوق الكل . 5/ ختم الله تعال ى الرد على من زعم أن القرآن سببا في الشقاء أن الْمر ليس كذلك بل القرآ ن مصدراا لل سعادة ، فقال : ( تَنمزِيلاً مِم نم خَلَقَ الأمَرمضَ وَالس ماواتِ المعُلى ) أى: نزل هذا القرآن تنزيلا ممن خلق الْرض التي تعيشون عليها، وممن خلق السموات العلى .
عدد الصفحات ١٠٠101 - قال السعدي رحم ه الله : نه تنزيل خالق الْرض والسماوات، المدبر لجميع المخلوقات، أي: فاقبلوا تنزيله بغاية الإذعان والمحبة والتسليم، وعظموه نهاية التعظيم.وكثيرا ما يقرن بين الخلق والْمر، كما في هذه الآية، وكما في قوله { :أَلَ لَه الْخَلْق وَالَْْمْر }وفي قوله { :اللَّه الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَات وَمِنَ الَْْرْضِ مِثْلَه نَّ يَتَنَزَّل الَْْمْر بَيْنَه نَّ }وذلك أنه الخالق الآمر الناهي، فكما أنه ل خالق سواه، فليس على الخلق إلزام ول أمر ول نهي إل من خالقهم، وأيضا فإن خلقه للخلق فيه التدبير القدري الكوني، وأم ره فيه التدبير الشرعي الديني، فكما أن الخلق ل يخرج عن الحكمة، فلم يخلق شيئا عبثا، فكذلك ل يأمر ول ينهى إل بما هو عدل وحكمة وإحسان . فلما بين أنه الخالق المدبر، الآمر الناهي، أخبر عن عظمته وكبريائه . فوائد مهمة : 1/ قال الرازيرحمه الله : إنما خص من يخش ى بالتذكرة ؛ لْنهم المنتفعون بها وإن كان ذلك عاما في الجميع وهو كقوله : ( هدى للمتقين [ )البقرة : 2 ]وقال سبحانه وتعالى : ( تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا [ )الفرقان : 1 ]وقال : ( لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون [ )يس : 6 ] وقال : ( وتنذر به قوما لدا [ )مريم : 97 ]وقال : ( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين [ )الذاريات : 55] . 2 /قال الشنقيطي رحمه الله :في قوله تعالى : ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى وجهان من التفسير ، وكلاهما يشهد له قرآن : الأول : أن المعنى : ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى . أي لتتعب التعب الشديد بفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم ، وتحسرك على أن يؤمنوا . وهذا الوجه جاءت بنحوه آيات كثيرة ، كقوله تعالى : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات الآية [35 8 ]، وقوله تعالى فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا [18 6 ]وقوله لعلك باخع نفسك أل يكونوا مؤمنين [26 6 . ]والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا ، وقد قدمنا كثيرا منها في مواضع من هذا الكتاب المبارك . الوجه الثاني : أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى بالليل حتى تورمت قدماه ، فأنزل الله ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى أي تنهك نفسك بالعبادة ، وتذيقها المشقة الفادحة . وما بعثناك إل
عدد الصفحات ١٠١102 بالحنيفية السمحة . وهذا الوجه تدل له ظواهر آيات من كتاب الله ، كقوله :( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) [الحج 78 ]، وقوله ( يريد الله بكم اليسر ول يريد بكم العسر )[البقرة 185 . ]والعبرة بعموم اللفظ ل بخصوص السبب . 3 /وقال الشنقيطي أيضاا : يفهم من قوله : لتشقى أنه أنزل عليه ليسعد . كما يدل له الحديث الصحيح : " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين " وقد روى الطبراني عن ثعلبة بن الحكم رض ي الله عنه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن الله يقول للعلماء يوم القيامة : " إني لم أجعل علمي وحكمتي فيكم إل وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ول أبالي " وقال ابن كثير : إن إسناده جيد ، ويشبه معنى الآية على هذا القول الْخير قوله تعالى : فاقرءوا ما تيسر منه وأقيموا الآية [المزمل 20 . ]وأصل الشقاء في لغة العرب : العناء ، والتعب ، ومنه قول أبي الطيب : ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم ومنه قوله تعالى : ( فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى ) [طه 117 . ]
عدد الصفحات ١٠٢103 الموضع الثاني وَقَالُوا لَوملاَ يَأمتِينَا بِآيَة م ِن ر ب ِهِ أَوَلَ مم تَأمتِهِم بَي ِنَةُ مَا فِي الص حُفِ الأمُولَى (133 )وَلَوم أَن ا أَهملَكمنَاهُم بِعَذَاب م ِن قَبملِهِ لَقَالُوا رَب نَا لَوملاَ أَرمسَلمتَ إِلَيمنَا رَسُولاً فَنَت بِعَ آيَاتِكَ مِن قَبملِ أَن ن ذِل وَنَخمزَى (134 )قُلم كُل م تَرَب ِص فَ تَرَب صُوا فَسَتَعملَمُونَ مَنم أَصمحَابُ الص ِرَاطِ الس وِي ِ وَمَنِ اهمتَدَى (135) أولاً : سبب نزولها ماذكره المفسرون : قال الكافرون على سبيل التعنت والعناد للرسول صل ى الله عليه وسل م هلا أتيت لنا يا محمد بآية من الآيات التي طلبناها منك، أو بآية من الآيات التي أتى بها الْنبياء من قبلك، كالعصا بالنسبة لموس ى، والناقة بالنسبة لصالح. ثانياً : تضمنت الآية بحسب ما ورد في سبب نزولها طلب المشركين من رسول الله صلى الله عليه وسلم معجزة حية من المعجزات التي اقترحوها عليه صل ى الله عليه وسل م كتفجير الأنهار حو ل مكة، وكرقيه إلى السماء، وكنزول الملائكة معه فهم- كما يقول الآلوس ى-« :بلغوا من المكابرة والعناد إلى حيث لم يعدوا ما شاهدوا من المعجزات التي تخر لها صم الجبال، من قبيل الآيات، حتى اجترءوا على التفوه بهذه العظيمة الشنعاء. ثالثاً : رد الله تعالى على أولئك المقترحين الإتيان بالآيات من خير البريات عليه أفضل الصلوات وأتم التسليمات بأحكم رد وأبلغه وذلك في عدد من الآيات : أولاً: قال تعالى : ( أَوَلَمم تَأمتِهِم بَي ِنَةُ مَا فِي الص حُفِ الأمُولَى ) وهذا الرد فيه من المعاني الش ئ العظيم ، وإليك بعض ما قاله أهل التفسير : 1 /قال الكافرون على سبيل التعنت والعناد للرسول صل ى الله عليه وسل م هلا أتيت لنا يا محمد بآية من الآيات التي طلبناها منك فرد عليهم بقوله :( أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَي ِنَة ما فِي الص ح فِ الْْ ولى ) رد على جهالتهم وجحودهم .والمراد بالبينة القرآن الكريم الذي هو أم الآيات، ورأس المعجزات .والمراد بالصحف الْولى: الكتب السماوية السابقة كالتوراة والإنجيل والزبور . والستفهام في قوله ( أَوَلَمْ ) لتقرير الإتيان وثبوته.والمعنى : أجهلوا ولم يكفهم اشتمال القرآن الذي جئت به- أيها الرسول الكريم - على بيان ما في الصحف الْولى التي أنزلناها على الرسل السابقين، ولم يكفهم ذلك في
عدد الصفحات ١٠٣104 كونه معجزة حتى طلبوا غيرها؟ . وقد جاء فيه أيضا أخبار الْولين بما كان منهم في سالف الدهور - زيادة على أخبار الرسل - بما يوافقه عليه الكتب المتقدمة الصحيحة منها، فإن القرآن مهيمن عليها . 2 /قال صاحب الكشاف: قيل لهم : أو لم تأتكم آية من أم الآيات وأعظمها في باب الإعجاز، يعنى القرآن، من جهة أن القرآن برهان ما في سائر الكتب المنزلة، ودليل صحته لْنه معجزة، وتلك ليست بمعجزات، فهي مفتقرة إلى شهادته على صحة ما فيها، افتقار المحتج عليه إلى شهادة الحجة. 3 /وإذا ك ان المراد بالبينة القرآن الكريم فعلى هؤلء المتعنتين أن يلتفتوا إلى ش ئ هام أل وهو أن الكتب السماوية السابقة كالتوراة والإنجيل قد بشرت بك وبينت نعوتك وصفاتك، وهم معترفون بصدقها، فكيف ل يقرون بنبوتك. 4 /وقال ابن كثير: قوله : أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَي ِنَة ما فِي الص ح فِ الْْ ولى يعنى: القرآن العظيم، الذي أنزله الله- تعالى- عليه صل ى الله عليه وسل م ..وهذه الآية كقوله - تعالى-: وَقال وا لَوْل أ نْزِلَ عَلَيْهِ آيات مِنْ رَب ِهِ، ق لْ إِنَّمَا الآْيات عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِير م بِين أَوَلَمْ يَ كْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ ي تْلى عَلَيْهِمْ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةا وَذِكْرى لِقَوْم ي ؤْمِن ونَ .وفي الصحيح عن رسول الله صل ى الله عليه وسل م أنه قال: «ما من نبي إل وقد أوتى من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلى، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة ) . 5/ من المفسرين من يرى أن المراد بالبينة: الكتب السماوية السابقة.وعلى كلا التفسيرين فالآية الكريمة شهادة من الله- تعالى- بصدق النبي صل ى الله عليه وسل م فيما بلغه عنه، ورد مبطل لشبهات الكافرين ولْقوالهم الباطلة، وإن كان تفسير البينة هنا بالقرآن أظهر وأوضح. 6 /قال الرازي :قولهم : ( لولا يأتينا بآية من ربه ) أوهموا بهذا الكلام أنه يكلفهم الإيمان من غير آية ، وقالوا في موضع آخر : ( فليأتنا بآية كما أرسل الأولون [ )الأنبياء : 5 ] وأجاب الله تعالى عنه بقوله : ( أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى ) وفيه وجوه :
عدد الصفحات ١٠٤105 أحدها : أن ما في القرآن إذا وافق ما في كتبهم مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يشتغل بالدراسة والتعلم وما رأى أستاذا البتة كان ذلك إخبارا عن الغيب فيكون معجزا . وثانيها : أن بينة ما في الصحف الْولى ما فيها من البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وبنبوته وبعثته . وثالثها : ذكر ابن جرير والقفال أن المعنى : ( أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى ) من أنباء الْمم التي أهلكناهم لما سألوا الآيات وكفروا بها كيف عاجلناهم بالعقوبة فماذا يؤم ِ ن هم أن يكون حالهم في سؤال الآيات كحال أولئك ، وإنما أتاهم هذا البيان في القرآن ، فلهذا وصف القرآن بكونه : ( بينة ما في الصحف الأولى ) . ثانياً : قال تعالى : ( وَلَوم أَن ا أَهملَكمنَاهُم بِعَذَاب م ِن قَبملِهِ لَقَالُوا رَب نَا لَوملاَ أَرمسَلمتَ إِلَيمنَا رَسُولاً فَنَ ت بِعَ آيَاتِكَ مِن قَبملِ أَن ن ذِل وَنَخمزَى ) وهذا الرد فيه من المعاني الش ئ العظيم ، وإليك بعض ما قاله أهل التفسير : 1 /قال الرازي : بين أنه تعالى أزاح لهم كل عذر وعلة في التكليف ، فقال : ( ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ) والمراد كان لهم أن يقولوا ذلك فيكون عذرا لهم ، فأما الآن وقد أرسلناك وبينا على لسانك لهم ما عليهم وما لهم فلا حجة لهم البتة بل الحجة عليهم . ومعنى : (مِن قَبملِ أَن ن ذِل وَنَخمزَى ) يحتمل من قبل إرساله ويحتمل من قبل ما أظهره من البينات . 2/ وقال بعضهموَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناه مْ بِعَذاب مِنْ قَبْلِهِ ) ... الخ كلام مستأنف لتقرير ما قبله من أن القرآن الكريم هو معجزة المعجزات، وآية الآيات وأرفعها وأنفعها . والمقصود من الآية الكريمة قطع أعذارهم، أى: لو أنا أهلكناهم قبل إرسال الرسول وإنزال القرآن ، لقالوا ما قالوا، ولكنا لم نهلكهم بل أرسلنا إليهم رسولنا، فبلغهم ما أرسلناه به، فانقطع عذرهم، وبطلت حجتهم.وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى-: وَلَوْل أَنْ ت صِيبَه مْ م صِيبَة بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ، فَيَق ول وا رَبَّنا لَوْل أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَ س ولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَك ونَ مِنَ المْ ؤْمِنِينَ .
عدد الصفحات ١٠٥106 ثالثاً : قال تعالى (قُلم كُل مُتَرَبِ ص فَتَرَب صُوا فَسَتَعملَمُونَ مَنم أَصمحَابُ الصِ رَاطِ الس وِيِ وَمَنِ اهمتَدَى (135) وإليك بعض ما قاله أهل التفسير : 1 /قال الطاهر ابن عاشور رحمه الله تعالى: (قُلم كُل مُتَرَبِ ص ) .. الخ جواب عن قولهم ( لول يأتينا بآية من ربه ) طه : (133) .والمعنى : كل فريق متربص فأنتم تتربصون بالإيمان ، أي تؤخرون الإيمان إلى أن تأتيكم آية من رب ي ، ونحن نتربص أن يأتيكم عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة . وصيغة الْمر فيه مستعملة في الإنذار ، ويسمى المتاركة ، أي نترككم وتربصَكم لْنا مؤمنون بسوء مصيركم . وفي معناه قوله تعالى { :فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون [ }السجدة : 30 .] 2/ وقال الرازي رحمه الله تعالى (قُلم كُل مُتَرَبِ ص ) أي كل منا ومنكم منتظر عاقبة أمره وهذا النتظار يحتمل : - أن يكون قبل الموت ، إما بسبب الْمر بالجهاد أو بسبب ظهور الدولة والقوة ، ويحتمل أن يكون بالموت فإن كل واحد من الخصمين ينتظر موت صاحبه . - ويحتمل أن يكون بعد الموت وهو ظهور أمر الثواب والعقاب ، فإنه يتميز في الآخرة المحق من المبطل بما يظهر على المحق من أنواع كرامة الله تعالى ، وعلى المبطل من أنواع إهانته ( فستعلمون ) عند ذلك ( من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى ) إليه ، وليس هو بمعنى الشك والترديد ، بل هو على سبيل التهديد والزجر للكفار ، والله أعلم . فوائد مهمة : 1/ قال الشنقيطي رحمه الله تعالى في الأضواء : وإنما عبر عن هذا القرآن العظيم بأنه بينة ما في الصحف الْولى ؛ لْن القرآن برهان قاطع على صحة جميع الكتب المنزلة من الله تعالى ، فهو بينة واضحة على صدقها وصحتها : كما قال تعالى : وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه [المائدة48 ]وقال تعالى : ( إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون ) النمل/27 ) وقال تعالى : ( قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ) [آل عمران 93 ]إلى غير ذلك من الآيات .
عدد الصفحات ١٠٦107 2/ قال الرازيرحمه الله تعالى: فإن قيل فما معنى قو له : ( ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ) والهالك ل يصح أن يقول ؟ قلنا : المعنى لكان لهم أن يقولوا ذلك يوم القيامة ولذلك قال : ( من قبل أن نذل ونخزى ) وذلك ل يليق إل بعذاب الآخرة ، وقد روى الإمام أحمد في المسند عن الْسود بن سريع أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: أربعة (يحتجون ) يوم القيامة رجل أصم ل يسمع شيئاا ورجل أحمق ورجل هرم ورجل مات في فترة، فأما الْصم فيقول رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئاا، وأما الْحمق فيقول رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئاا، وأما الذي مات في الفترة فيقول رب ما أتاني لك رسول فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم أن أدخلوا النار، قال: فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما . قال شعيب الْرناؤوط: حديث حسن. 3/ قال الطاهر ابن عاشور رحمه الله تعالى : وفرَّ ع على المتاركة التي وردت في قوله تعالى (فَتَرَبَّص وا ) إعلامهم بأنهم يعلمون في المستقبل مَن مِن الفريقين أصحاب الصراط المستقيم ومن هم المهتدون . وهذا تعريض بأن المؤمنين هم أصحاب الصراط المستقيم المهتدون ، لْن مثل هذا الكلام ل يقوله في مقام المحاج ة والمتاركة إل الموقن بأنه المحق .
عدد الصفحات ١٠٧108 المبحث الخامس عشر ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الشعراء الموضع الأول : وَمَا تَنَز لَتم بِهِ الش يَاطِينُ * وَمَا يَنبَغِي لَهُمم وَمَا يَسمتَطِيعُونَ . الموضع الثاني : هَلم أُنَب ِئُ كُمم عَلَى مَن تَنَز لُ الش يَاطِينُ .
عدد الصفحات ١٠٨109 الموضع الأول قوله تعالى ( وَمَا تَنَز لَتم بِهِ الش يَاطِينُ (210 )وَمَا يَنبَغِي لَهُمم وَمَا يَسمتَطِيعُونَ (211) إِن هُمم عَنِ الس ممعِ لمََعمزُولُونَ (212) أولاً : سبب نزولها قال الطاهر ابن عاشو ر : وهذا رد على قولهم - يعني المشركين - في النبي صلى الله عليه وسلم هو كاهن قال تعالى : ( فذك ر فما أنت بنعمت رب ك بكاهن ول مجنون ) [الطور : 29 ]، وزعمهم أن الذي يأتيه - بالقرآن - شيطان؛ فقد قالت العوراء بنت حرب امرأة أبي لهب لما تخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قيام الليل ليلتين لمِرض : أرجو أن يكون شيطانك قد تركك . ثانياً : تضمنت الآية بحسب ما ورد في سبب نزولها افتراء المشركين القول على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه كاهن- وحاشاه وأن الشياطين هي التي توحي إليه بالقرآن . ثالثاً : جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم ورد على هذه الفرية التي افتراها المشركون وهم يعلمون قبل غيرهم أنها إفك ومحض افتراء على خاتم الأنبياء عليه صلوات رب الأرض والسماء ، وكان الرد بثلاثة أمور : 1 /قوله تعالى (وَمَا تَنَز لَتم بِهِ الش يَاطِينُ ) قال الآلوس ي ر حمه الله تعالى : (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِين ) متعلق بقوله تعالى: وإنه لتنزيل رب العالمين إلخ، وهو رد لقول مشركي قريش : إن لمحمد - صلى الله عليه وسلم - تابعا من الجن يخبره كما تخبر الكهنة، وأن القرآن مما ألقاه إليه، عليه الصلاة والسلام . قال الطاهر ابن عاشور : ولذلك كان من جملة ما راجعهم به الوليد بن المغيرة حين شاوره المشركون فيما يصفون النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : نقول : كلامه كلام كاهن ، فقال : والله ما هو بزمزمته . وكلام الكهان في مزاعمهم من إلقاء الجن إليهم وإنما هي خواطر نفوسهم ينسبونها إلى شياطينهم المزعومة . ن في عن القرآن أن يكون من ذلك القبيل ، أي الكهان ل يجيش
عدد الصفحات ١٠٩110 في نفوسهم كلام مثل القرآن فما كان لشياطين الكهان أن يفيضوا على نفوس أوليائهم مثلَ هذا القرآن . فالكهانة من كذب الكهان وتمويههم ، وأخبار الكهان كلها أقاصيص وسَّعها الناقلون . 2/ قوله تعالى ( وَمَا يَنبَغِي لَهُمم وَمَا يَسمتَطِيعُونَ ) أي: ما يستقيم وما يصح ، أي ل يستقيم لهم تلقي كلام الله تعالى الذي الشأن أن يتلقاه الروح الْمين ، وما يستطيعون تلقيه لْن النفوس الشيطانية ظلمانية خبيثة بالذات فلا تقبل النتقاش بصورِ ما يجري في عالم الغيب ، فإن قبول فيضان الحق مشروط بالمناسبة بين المبدأ والقابل . - وقال البقاعي : لما كان ل يلزم من عدم التلبس بالفعل عدم الصلاحية له قال : وما ينبغي لهم أي : ما يصح وما يتصور منهم النزول بش يء منه لْنه خير كله وبركة ، وهم مادة الشر والهلكة ، فبينهما تمام التباين ، وأنت سكينة ونور ، وهم زلزلة وثبور ، فلا إقبال لهم عليك ، ول سبيل بوجه إليك . ولما كان عدم النتفاء ل يلزم منهم عدم القدرة قال : وما يستطيعون أي : النزول به وإن اشتدت معالجتهم . 3/ قوله تعالى إِن هُمم عَنِ الس ممعِ لمََعمزُولُونَ ) قال بعض المفسرين : أى : إن هؤلء الشياطين عن سماع القرآن الكريم لمعزولون عزل تاما . فالشهب تحرقهم إذا ما حاولوا الستماع إليه . كما قال تعالى: ( وَأَنَّا لمََسْنَا السمآء فَوَجَدْنَاهَا م لِئَتْ حَرَساا شَدِيداا وَش ه باا وَأَنَّا ك نَّا نَقْع د مِنْهَا مَقَاعِ دَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآن يَجِدْ لَه شِهَاباا رَّصَداا ) فأنت ترى أن الله - تعالى - قد صان كتابه عن الشياطين ، بأن بيَّن بأنهم ما نزلوا به . ثم بيَّن - ثانيا أنهم ما يستقيم لهم النزول به لْن ما اشتمل عليه من هدايات يخالف طبيعتهم الشريرة . ثم بين ثالثا - بأنهم حتى لو حاولوا ما يخالف طبيعتهم لما استطاعوا ، ثم بين - رابعا - بأنه حتى لو انبغى واستطاعوا حمله ، لما وصلوا إلى ذلك ، لْنهم بمعزل عن الستماع إليه ، إذ ما يوحى به - سبحانه - إلى أنبيائه ، فالشياطين محجوبون عن سماعه ، وهكذا صان الله - تعالى - كتابه صيانة تامة . وحفظه حفظا جعله ل يأتيه الباطل من بين يديه ول من خلفه .
عدد الصفحات ١١٠111 فائدة مهمة قال الرازي : لقائل أن يقول : العلم بكون الشياطين ممنوعين عن ذلك ل يحصل إل بواسطة خبر النبي الصادق ، فإذا أثبتنا كون محمد صلى الله عليه وسلم صادقا بفصاحة القرآ ن وإخباره عن الغيب ، ول يمكن إثبات كون الفصاحة والإخبار عن الغيب معجزا إل إذا ثبت كون الشياطين ممنوعين عن ذلك ، لزم الدور وهو باطل؟ وجوابه : ل نسلم أن العلم بكون الشياطين ممنوعين عن ذلك ل يستفاد إل من قول النبي ، وذلك لْنا نعلم بالضرورة أن الهتمام بشأن الصديق أقوى من الهتمام بشأن العدو ، ونعلم بالضرورة أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يلعن الشياطين ويأمر الناس بلعنهم ، فلو كان هذا الغيب إنما حصل من إلقاء الشياطين ، لكان الكفار أولى بأن يحصل لهم مثل هذا العلم ، فكان يجب أن يكون اقتدار الكفار على مثله أولى ، فلما لم يكن كذلك علمنا أن الشياطين ممنوعون عن ذلك ، وأنهم معزولون عن تعرف الغيوب
عدد الصفحات ١١١112 الموضع الثاني هَلم أُنَب ِئُكُمم عَلَى مَن تَنَز لُ الش يَاطِينُ (221 )تَنَز لُ عَلَى كُل ِ أَف اك أَثِيم (222 )يُلمقُونَ الس ممعَ وَأَكمثَرُهُمم كَا ذِبُونَ (223) أولاً : سبب نزولها : السبب هو ما سبق ذكره في الموضع السابق من هذه السورة الكريم و هو الرد زعم المشركين أن الذي يأتيه - بالقرآن - شيطان : ثانياً : جاء تكرار دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم ورد على هذه الفرية التي افتراها المشركون لكن في هذه المرة - كما قال الآلوس ي - وقوله تعالى: هل أنبئكم على من تنزل الشياطين إلخ مسوق لبيان استحالة تنزل الشياطين على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد بيان امتناع تنزلهم بالقرآن، وهذه الجملة وقوله تعالى: وإنه لتنزيل رب العالمين إلخ وقوله سبحانه: وما تنزلت به الشياطين إلخ أخوات، وفرق بينهن بآيات ليست في معناهن؛ ليرجع إلى المجيء بهن وتطرية ذكر ما فيهن كرة بعد كرة، فيدل بذلك على أن المعنى الذي نزلن فيه من المعاني التي اشتدت عناية الله تعالى بها، ومثاله أن يحدث الرجل بحديث وفي صدره اهتمام بش يء منه وفضل عناية فتراه يعيد ذكره ول ينفك عن الرجوع إليه . وفي اللْيات من معاني الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والرد على أولئك المفترين ما يلي : 1 /قوله تعالى (تَنَز لُ عَلَى كُل ِ أَف اك ) أي: كثير الإفك وهو الكذب (أَثِيم ) كثير الإثم و(كل) للتكثير، و يجوز أن تكون للإحاطة، ول ب عْ د في تنز لها على كل كامل في الإفك والإثم كالكهنة نحو شق بن رهم بن نذير ، وسطيح بن ربيعة بن عدي ، والمراد : قصر تنزلهم على كل من اتصف بما ذكر من الصفات، وتخصيص له بهم ل يتخطاهم إلى غيرهم، وحيث كانت ساحة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منزهة عن أن يحوم حولها شائبة ش يء من تلك الْوصاف اتضح استحالة تنزلهم عليه - عليه الصلاة والسلام . 2/ بينت الآيات أن الشياطين من المحال أن تتنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم الصادق الْمين ،وإنما تتنزل على الكاذبين الخائنين ،و الستفهام فى قوله تعالى : ( هَلْ أ نَب ِئ ك مْ ) للتقرير ،
عدد الصفحات ١١٢