81 3/ قال الرازيواعلم أن الله تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله : ( فقد جاءوا ظلما وزورا) و أن هذا القدر إنما يكفي جوابا عن الشبهة المذكورة ؛ لْنه قد علم كل عاقل أنه عليه السلام تحداهم بالقرآن ، وهم النهاية في الفصاحة ، وقد بلغوا في الحرص على إبطال أمره كل غاية ، حتى أخرجهم ذلك إلى ما وصفوه به في هذه الآيات ، فلو أمكنهم أن يعارضوه لفعلوا ، ولكان ذلك أقرب إلى أن يبلغوا مرادهم فيه مما أوردوه في هذه الآية وغيرها ، ولو استعان محمد عليه السلام في ذلك بغيره لْمكنهم أيضا أن يستعينوا بغيرهم ؛ لْن محمدا صلى الله عليه وسلم كأولئك المنكرين في معرفة اللغة وفي المكنة من الستعانة ، فلما لم يفعلوا ذلك والحالة هذه علم أن القرآن قد بلغ النهاية في الفصاحة وانتهى إلى حد الإعجاز ، ولما تقدمت هذه الدللة مرات وكرات في القرآن وظهر بسببها سقوط هذا السؤال ، ظهر أن إعادة هذا السؤال بعد تقدم هذه الْدلة الواضحة ل يكون إل للتمادي في الجهل والعناد ، فلذلك اكتفى الله في الجواب بقوله : ( فقد جاءوا ظلما وزورا ) . فائدتان : 1 /قال صاحب الْضواء : وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن الكفار كذبوه وادعوا عليه أن القرآن كذب اختلقه ، وأنه أعانه على ذلك قوم آخرون جاء مبينا في آيات أخر ; كقوله تعالى : وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب [ص /4 ]وقوله تعالى : وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم ل يعلمون [النحل 101 ]وقوله تعالى : بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج ، وقوله تعالى : وكذب به قومك وهو الحق الآية [الْنعام 66 ]والآيات في ذلك كثيرة معلومة . 2/ وقال أيضااواعلم : أن العرب تستعمل جاء وأتى بمعنى : فعل ، فقوله : فقد جاءوا ظلما ، أي : فعلوه ، وقيل : بتقدير الباء ، أي : جاءوا بظلم ، ومن إتيان أتى بمعنى فعل قوله تعالى : ل تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ، أي : بما فعلوه . وقول زهير بن أبي سلمى : فما يك من خير أتوه فإنما توارثه آباء آبائهم قبل
عدد الصفحات ٨١82 واعلم بأن الإفك هو أسوأ الكذب ، لْنه قلب للكلام عن الحق إلى الباطل ، والعرب تقول : أفكه بمعنى قلبه ، ومنه قوله تعالى في قوم لوط : والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات ، وقوله : والمؤتفكة أهوى [ النجم/ 53 ]وإنما قيل لها مؤتفكات ; لْن الملك أفكها ، أي : قلبها ; كما أوضحه تعالى بقوله : جعلنا عاليها سافلها [هود / 82 . ]
عدد الصفحات ٨٢83 الموضع الثاني وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأمَو لِينَ اكمتَتَبَهَا فَهِيَ تُمملَى عَلَيمهِ بُكمرَةً وَأَصِيلاً (5 )قُلم أَنزَلَهُ ال ذِي يَعملَمُ الس ِر فِي الس مَاوَاتِ وَالأمَرمضِ إِن هُ كَانَ غَفُورًا ر حِيمًا (6) أولاً : سبب نزولها قال البغوي : ورد أن النضر بن الحارث كان يقول : إن هذا القرآن ليس من الله وإنما هو مما سطره الْولون مثل حديث رستم وإسفنديار انتسخها محمد من جبر ، ويسار ، وعداس ، ومعنى " اكتتب " يعني طلب أن يكتب له ، لْنه كان ل يكتب ، ( فهي تملى عليه ) يعني تقرأ عليه ليحفظها ل ليكتبها ، ( بكرة وأصيلا ) غدوة وعشيا . ثانياً : تضمنت الآية بحسب ما ورد في سبب نزولها افتراء النضر بن الحارث على النبي صلى الله عليه وسلم حين ادعى أن كلمات القرآن انتسخها محمد -وحاشاه - من جبر ، ويسار ، وعداس وافترى ثانية حين ادعى أن القرآن ليس من كلام الله بل هو مما سطره الْولون . ثالثاً : جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم بنفي هذه الفرية عنه صلى الله عليه وسلم و عن القرآن بما يأتي : 1/ ردتعالى تلك الفرية على قائله ا بقوله سبحان : ( قُلم أَنزَلَهُ ال ذِي يَعملَمُ الس ِر فِي الس مَاوَاتِ وَالأمَرمضِ إِن هُ كَانَ غَفُورًا ر حِيمًا ) قال الرازي : أجاب الله عن هذه الشبهة بقوله : ( قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات )، كيف يصلح أن يكون جوابا ؟ ذلك لْن القادر على تركيب ألفاظ القرآن ل بد وأن يكون عالما بكل المعلومات ظاهرها وخافيها من وجوه : أحدها : أن مثل هذه الفصاحة ل يتأتى إل من العالم بكل المعلومات . وثانيها : أن القرآن مشتمل على الإخبار عن الغيوب ، وذلك ل يتأتى إل من العالم بكل المعلومات .
عدد الصفحات ٨٣84 وثالثها : أن القرآن مبرأ عن النقص ، وذلك ل يتأتى إل من العالم ، على ما قال تعالى : ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) [النساء : 82] . ورابعها : اشتماله على الْحكام التي هي مقتضية لمصالح العالم ونظام العباد ، وذلك ل يكون إل من العالم بكل المعلومات . وخامسها : اشتماله على أنواع العلوم ، وذلك ل يتأتى إل من العالم بكل المعلومات ، فلما دل القرآن من هذه الوجوه على أنه ليس إل كلام العالم بكل المعلومات ، ل جرم اكتفى في جواب شبههم بقوله : ( قل أنزله الذي يعلم السر) 2/ مما وقع به الرد على تلك الفرية أيضااما تضمنه قوله تعالى ( الذي يعلم السر ) قال أبو مسلم : المعنى أنه أنزله - القرآن - من يعلم السر ، فلو كذب عليه لنتقم منه ؛ لقوله تعالى : ( ولو تقول علينا بعض الْقاويل لْخذنا منه باليمين [ )الحاقة : 44 ]وقال آخرون : المعنى أنه يعلم كل سر خفي في السماوات والْرض ، ومن جملته ما تسرونه أنتم من الكيد لرسوله عليه الصلاة السلام ، مع علمكم بأن ما يقوله حق ضرورة ، وكذلك باطن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبراءته مما تتهمونه به ، وهو سبحانه مجازيكم ومجازيه على ما علم منكم وعلم منه . فائدة مهمة : لماذا جاء الرد على تلك الشبهة بواسطة تلين الله تعالى الجواب للنبي فقال له ( قل أنزله )؟ يجيب ابن عاشور رحمه الله تعالى بقوله " لقن الله رسوله صلى الله عليه وسلم الجواب لرد بهتان القائلين إن هذا القرآن إل إفك ، وإنه أساطير الْولين ، بأنه أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم وعبر عن منزل القرآن بطريق الموصول لما تقتضيه الصلة من استشهاد الرسول صلى الله عليه وسلم الله على ما في سره لْن الله يعلم كل سر في كل مكان ، وفي ذلك كناية عن مراقبته الله فيما يبلغه عنه . وفي ذلك إيقاظ لهم بأن يتدبروا في هذا الذي زعموه إفكاا أو أساطير الْولين ليظهر لهم اشتماله على الحقائق الناصعة التي ل يحيط بها إل الله الذي يعلم السر ، في وقِن وا أن القرآن ل يكون إل من إنزاله تعالى، وليعلموا براءة الرسول صلى الله عليه وسلم من الستعانة بمن زعموهم يعينونه " . اهـ
عدد الصفحات ٨٤85 الموضع الثالث وَقَالُوا مَالِ هَ ذَا الر سُولِ يَأمكُلُ الط عَامَ وَيَممش ِي فِي الأمَسموَاقِ لَوملاَ أُنزِلَ إِلَيمهِ مَلَك فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7 )أَوم يُلمقَى إِلَيمهِ كَنز أَوم تَكُونُ لَهُ جَن ة يَأمكُلُ مِنمهَا وَقَالَ الظ المُِونَ إِن تَت بِعُونَ إِلا رَجُلاً م سمحُورًا (8 )انظُرم كَيمفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمَممثَالَ فَضَل وا فَلاَ يَسمتَطِيعُونَ سَبِيلاً (9 )تَبَارَكَ ال ذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيمرًا م ِن ذَ لِكَ جَن ات تَجمرِي مِن تَحمتِهَا الأمَنمهَارُ وَيَجمعَ ل ل كَ قُصُورًا (10 )بَلم كَذ بُوا بِالس اعَةِ وَأَعمتَدمنَا لمَِن كَذ بَ بِالس اعَةِ سَعِيرًا (11) أولاً : سبب نزولها ذ كر أصحاب السير أن هذه المقالة صدرت من كبراء المشركين وفي مجلس لهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع عتبة بن ربيعة وشيبة بن ر بيعة ، وأبا سفيان بن حرب ، وأبا البختري ، والْسود بن عبد المطلب ، وزمعة بن الْسود ، والوليد بن المغيرة ، وأبا جهل بن هشام ، وأمية بن خلف ، وعبد الله بن أبي أمية ، والعاص ي بن وائل ، ون بيه بن الحجاج ومنبه بن الحجاج ، والنضر بن الحارث ، وأن هذه الْشياء التي ذكروها تداولها أهل المجلس إذ لم يعين أهل السير قائلها ، ومختصر ما قالوه في ذلك المجلس : يا محمد ! إن كنت تحب الرياسة وليناك علينا ، وإن كنت تحب المال جمعنا لك من أموالنا ; فلما أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك رجعوا في باب الحتجاج معه فقالوا : ما بالك وأنت رسول الله تأكل الطعام ، وتقف بالْسواق ! فعيروه بأكل الطعام ; لْنهم أرادوا أن يكون الرسول ملكا ، وعيروه بالمش ي في الْسواق حين رأوا الْكاسرة والقياصرة والملوك الجبابرة يترفعون عن الْسواق ، وكان عليه السلام يخالطهم في أسواقهم ، ويأمرهم وينهاهم ; فقالو ا : هذا يطلب أن يتملك علينا ، فما له يخالف سيرة الملوك ; فأجابهم الله بقوله ، وأنزل على نبيه : وما أرسلنا قبلك من المرسلين إل إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الْسواق فلا تغتم ول تحزن ، فإنها شكاة ظاهر عنك عارها . ثانياً : وقد كشف صاحب الكشاف عن تلك الشبهات التي أثارها المشركون بقوله " إن صح أنه رسول الله فما باله حاله كحالنا «يأكل الطعام» كما نأكل، ويتردد في الْسواق لطلب المعاش كما نتردد . يعنون أنه كان يجب أن يكون ملكا مستغنيا عن الْكل والتعيش، ثم نزلوا عن اقتراحهم أن
عدد الصفحات ٨٥86 يكون ملكا إلى، اقتراح أن يكون إنسانا معه ملك، حتى يتساندا في الإنذار والتخويف، ثم نزلوا - أيضا- فقالوا : وإن لم يكن مرفودا بملك، فليكن مرفودا بكنز يلقى إليه من السماء يستظهر به ول يحتاج إلى تحصيل المعاش. ثم نزلوا فاقتنعوا بأن يكون رجلا له بستان يأكل منه ويرتزق ، وأراد بالظالمين: إياهم بأعيانهم. وضع الظاهر موضع المضمر ليسجل عليهم بالظلم فيما قالوا " و قال القرطبي : دخول الْسواق مباح للتجارة وطلب المعاش . وكان عليه السلام يدخلها لحاجته ، ولتذكرة الخلق بأمر الله ودعوته ، ويعرض نفسه فيها على القبائل ، لعل الله أن يرجع بهم إلى الحق . وفي البخاري في صفته عليه السلام : ( ليس بفظ ول غليظ ول سخاب في الْسواق ) ،وذكر السوق مذكور في غير ما حديث ، ذكره أهل الصحيح . وتجارة الصحابة فيها معروفة ، وخاصة المهاجرين ; كما قال أبو هريرة : وإن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالْسواق ; خرجه البخاري . ثالثاً: أج اب القرآن عن هذه الشبهات وتلك الاقترحات بأبلغ العبارات وأدق الإشارات وذلك فيما تلاها من الآيات بعدة طرق ، وهي : 1 /قال تعالىانظُرم كَيمفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمَممثَالَ فَضَل وا فَلاَ يَسمتَطِيعُونَ سَبِيلاً ) ولنقف مع هذا الجواب من كلام الرازي رحمه الله تعالى حيث قال: - قوله : ( انظر كيف ضربوا لك الْمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا ) وفيه وجهان : الأول : أن هذا كيف يصلح أن يكون جوابا عن تلك الشبهة ؟ وبيانه أن الذي يتميز الرسول به عن غيره هو المعجزة ، وهذه الْشياء التي ذكروها ل يقدح ش يء منها في المعجزة ، فلا يكون ش يء منها قادحا في النبوة ، فكأنه تعالى قال : انظر كيف اشتغل القوم بضرب هذه الْمثال التي ل فائدة فيها لْجل أنهم لما ضلوا وأرادوا القدح في نبوتك لم يجدوا إلى القدح فيه سبيلا البتة ؛ إذ الطعن عليه إنما يكون بما يقدح في المعجزات التي ادعاها ، ل بهذا الجنس من القول . الثاني : وهو أنهم لما ضلوا لم يبق فيهم استطاعة قبول الحق ، وهذا إنما يصح على مذهبنا ، وتقريره بالعقل ظاهر ؛ وذلك لْن الإنسان إما أن يكون مستوي الداعي إلى الحق والباطل ، وإما أن يكون داعيته إلى أحدهما أرجح من داعيته إلى الثاني ، فإن كان الْو ل فحال الستواء ممتنع
عدد الصفحات ٨٦87 الرجحان ، فيمتنع الفعل ، وإن كان الثاني فحال رجحان أحد الطرفين يكون حصول الطرف الآخر ممتنعا ، فثبت أن حال رجحان الضلالة في قلبه استحال منه قبول الحق ، وما كان محالا لم يكن عليه قدرة ، فثبت أنهم لما ضلوا ما كانوا مستطيعين . 2/ أجابهمتعالى عن شبهاتهم ثانية بقوله (تَبَارَكَ ال ذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيمرًا م ِن ذَ لِكَ ) قال الرازي : أي خيرا من الذي ذكروه من نعم الدنيا كالكنز والجنة ، وفسر ذلك الخير بقوله : ( جنات تجري من تحتها الْنهار ويجعل لك قصورا ) ، نبه بذلك سبحانه على أنه قادر على أن يعطي الرسول صلى الله عليه وسلم كل ما ذكروه ، ولكنه تعالى يدبر عباده بحسب الصالح ، أو على وفق المشيئة ، ول اعتراض لْحد عليه في ش يء من أفعاله ، فيفتح على واحد أبواب المعارف والعلوم ، ويسد عليه أبواب الدنيا ، وفي حق الآخر بالعكس ، وما ذاك إل أنه فعال لما يريد . قال ابن عباس : " خير من ذلك مما عيروك بفقده الجنة ؛ لْنهم عيروك بفقد الجنة الواحدة ، وهو سبحانه قادر على أن يعطيك جنات كثيرة " . وقال مجاهد : إن شاء جعل لك جنات في الآخرة وقصورا في الدنيا . 3/ كما أجابهمسبحانه بقوله في الآية السابقة أجابهم ب فعله حيث أعطى رسوله صلى الله عليه وسلم الخيار بحيث لو طلب ما اقترحه المشركون عليه أعطاه إياه ، فقد ورد عن ابن عباس قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وجبريل عليه السلام عنده قال جبريل عليه السلام : هذا ملك قد نزل من السماء استأذن ربه في زيارتك . فلم يلبث إل قليلا حتى جاء الملك وسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : " إن الله يخيرك بين أن يعطيك مفاتيح كل ش يء لم يعطها أحدا قبلك ول يعطيه أحدا بعدك من غير أن ينقصك مما ادخر لك شيئا ؟ " . فقال عليه الصلاة و السلام : بل يجمعها جميعا لي في الآخرة . فنزل قوله : ( تبارك الذي إن شاء ) الآية . ولْحمد أيضا من حديث أبي مويهبة قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إني أوتيت مفاتيح خزائن الأرض والخلد ثم الجنة ، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة فاخترت لقاء ربي والجنة )
عدد الصفحات ٨٧88 وعن ابن عباس رض ى الله عنه مرف وعاا بلفظ «أَن اللَّهَ أَرْسَلَ إِلَى النَّبِي ِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَلَكاا مِنَ المَْلائِكَةِ، مَعَ المَْلَكِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلام ، فَقَالَ لَه المَْلَك : يَا م حَمَّد ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ جَلَّ ي خَي ِر كَ بَيْنَ أَنْ تَك و نَ نَبِيًّا عَبْداا ، أَوْ نَبِيًّا مَلِكاا ، فَالْتَفَتَ رَس ول اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى جِبْرِيلَ كَالمْ سْتَشِيرِ ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَنْ تَوَاضَعْ ، فَقَالَ رَس ول اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَلْ نَبِيًّا عَ بْداا ، فَمَا ر ؤِيَ رَس ول اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكَلَ م تَّكِئاا حَتَّى لَحِقَ بِرَب ِهِ » أخرجه النسائى فى " السنن الكبرى " والبغوى فى " شرح السنة " والطبرانى فى " المعجم الكبير " والبيهقى فى " دلئل النبوة " وابى الشيخ فى " اخلا ق النبى صلى الله عليه وسلم " . 4/ قال في التفسير الوسيط وقد رد الله- تعالى- على مقترحاتهم الفاسدة، بالتهوين من شأنهم وبالتعجيب من تفاهة تفكيرهم، وبالتسلية للرسول صل ى الله عليه وسل م عما أصابه منهم فقال: انْظ رْ كَيْفَ ضَرَب وا لَكَ الَْْمْثالَ فَضَل وا فَلا يَسْتَطِيع ونَ سَبِيلاا . أى: انظر- أيها الرسول الكريم - إلى هؤلء الظالمين، وتعجب من تعنتهم، وضحالة عقولهم . وسوء أقاويلهم. حيث وصفوك تارة بالسحر. وتارة بالشعر. وتارة بالكهانة. وقد ضلوا عن الطريق المستقيم في كل ما وصفوك به. وبقوا متحيرين في باطلهم، دون أن يستطيعوا الوصول إلى السبيل الحق. وإلى الصراط المستقيم. فالآية الكريمة تعجيب من شأنهم، واستعظام لما نطقوا به. وحكم عليهم بالخيبة والضلال، وتسلية للرسول صل ى الله عليه وسل م عما قالوه في شأنه.
عدد الصفحات ٨٨89 الموضع الرابع قوله تعالى : (وَإِذَا رَأَومكَ إِن يَت خِذُ ونَكَ إِلا هُزُوًا أَهَ ذَا ال ذِي بَعَثَ الل هُ رَسُولاً (41 )إِن كَادَ لَيُضِل نَا عَنم آلِهَتِنَا لَوملاَ أَن صَبَرمنَا عَلَيمهَا وَسَومفَ يَعملَمُونَ حِينَ يَرَومنَ المعَذَابَ مَنم أَضَل سَبِيلاً (42 )أَرَأَيمتَ مَنِ ات خَذَ إِلَ هَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيمهِ وَكِيلاً (43) أَمم تَحمسَبُ أَن أَكمثَرَهُمم يَسممَعُونَ أَوم يَعمقِلُونَ إِنم هُمم إِلا كَالأمَنمعَامِ بَلم هُمم أَضَل سَبِيلاً (44) . أولاً : سبب النزول قال البغوي والقرطبي : نزلت في أبي جهل ، كان إذ مر بأصحابه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال مستهزئا : ( أهذا الذي بعث الله رسول ) ؟ ! ) و قال ابن كثير : يخبر تعالى عن استهزاء المشركين بالرسول ، صلوات الله وسلامه عليه ، إذا رأوه ، كما قال : ( وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إل هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم ) الْنبياء :( 36 ) يعنونه بالعيب والنقص ، وقال هاهنا : ( وإذا رأوك إن يتخذونك إل هزوا أهذا الذي بعث الله رسول ) ؟ أي : على سبيل التنقص والزدراء - قبحهم الله - كما قال : ( ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب [ )الرعد : 32 . ] ثانياً : تضمنت الآية بحسب ما ورد في سبب نزولها استهزاء أبي جهل وجماعة من المشركين بالنبي صلى الله عليه وسلم - وهو المبرأ من كل عيب وله من الكمال ما لم ي حزه أحد من البشر وكان استهزاؤهم كفرا زائدا على إنكارهم لنبوته صلى الله عليه وسلم . ثالثاً : جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم ورده ذلك الستهزاء عليهم برد لم يخطر للمشركين على بال وجعلهم عب رة لكل من أراد السير على ذلك القبيح من الْفعال والْقوال ، وذلك بعدة أساليب فقال تعالى مفرحا لكل مؤمن لبيب : 1 /قال تعالى حاكياً لقولهم ( أَهَ ذَا ال ذِي بَعَثَ الل هُ رَسُولاً ) قال الرازي : اعلم أن الله تعالى أخبر عن المشركين أنهم متى رأوا الرسول عليه الصلاة السلام أتوا بنوعين من الْفعال :
عدد الصفحات ٨٩90 أحدهما : أنهم يستهزئون به ، وفسر ذلك الستهزاء بقوله : ( أهذا الذي بعث الله رسول ) ، وذلك جهل عظيم ؛ لْن الستهزاء إما أن يقع بصورته أو بصفته . أما الأول وهو صورته : فباطل ؛ لْنه عليه الصلاة والسلام كان أحسن منهم صورة وخلقة ، وبتقدير أنه لم يكن كذلك ، لكنه عليه السلام ما كان يدعي التمييز عنهم بالصورة ، بل بالحجة . وأما الثاني وهو صفته فباطل ؛ لْنه عليه الصلاة السلام ادعى التميز عنهم في ظهور المعجز عليه دونهم ، وأنهم ما قدروا على القدح في حجته ودللته ، ففي الحقيقة هم الذين يستحقون أن يهزأ بهم ، ثم إنهم لوقاحتهم قلبوا القضية واستهزءوا بالرسول عليه السلام ، وذلك يدل على أنه ليس للمبطل في كل الْوقات إل السفاهة والوقاحة . وثانيهما أنهم كانوا يقولون فيه : ( إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لول أن صبرنا عليها ) وذلك يدل على أمور : الأول : أنهم سموا ذلك إضلالا ؛ وذلك يدل على أنهم كانوا مبالغين في تعظيم آلهتهم وفي استعظام صنيعه صلى الله عليه وسلم في صرفهم عنه ، وذلك يدل على أنهم كانوا يعتقدون أن هذا هو الحق ، فمن هذا الوجه يبطل قول أصحاب المعارف في أنه ل يكفر إل من يعرف الدلئل ؛ لْنهم جهلوه ، ثم نسبهم الله تعالى إلى الكفر والضلال . وقولهم : ( لول أن صبرنا عليها ) يدل أيضا على ذلك . الثاني : يدل هذا القول منهم على جد الرسول عليه السلام واجتهاده في صرفهم عن عبادة الأوثان ، ولولا ذلك لما قالوا : ( إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها ) وهكذا كان عليه السلام ، فإنه في أول الْمر بالغ في إيراد الدلئل والجواب عن الشبهات ، وتحمل ما كانوا يفعلونه من أنواع السفاهة وسوء الْدب . الثالث : أن هذا يدل على اعتراف القوم بأنهم لم يعترضوا البتة على دلائل الرسول صلى الله عليه وسلم ، وما عارضوها إل بمحض الجحود والتقليد ; لْن قولهم : ( لول أن صبرنا عليها ) إشارة إلى الجحود والتقليد ، ولو ذكروا اعتراضا على دلئل الرسول عليه السلام ، لكان ذكر ذلك
عدد الصفحات ٩٠91 أولى من ذكر مجرد الجحود والإصرار الذي هو دأب الجهال ، وذلك يدل على أن القوم كانوا مقهورين تحت حجته عليه السلام ، وأنه ما كان في أيديهم إل مجرد الوقاحة . الرابع : الآية تدل على أن القوم صاروا في ظهور حجته عليه السلام عليهم كالمجانين ؛ لْنهم استهزءوا به أول ، ثم وصفوه بأنه كاد يضلنا عن آلهتنا لول أن قابلناه بالجحود والإصرار ، فهذا الكلام الْخير يدل على أن القوم سلموا له قوة الحجة وكمال العقل ، والكلام الْول وهو السخرية والستهزاء ل يليق إل بالجاهل العاجز ، فالقوم لما جمعوا بين هذين الكلامين دل ذلك على أنهم كانوا كالمتحيرين في أمره ، فتارة بالوقاحة يستهزئون منه ، وتارة يصفونه بما ل يليق إل بالعالم الكامل ، 2 /ومما دافع الله تعالى به عن نبيه صلى الله عليه وسلم أنه سبحانه لما حكى عنهم هذا الكلام زيف طريقتهم في ذلك ودحض شبهتم،وذلك من ثلاثة أوجه ( عن الرازي وغيره ) : أولها : قوله : ( وَسَومفَ يَعملَمُونَ حِينَ يَرَومنَ المعَذابَ مَنم أَضَل سَبِيلاً ) ؛ لْنهم لما وصفوه بالإضلال في قولهم : ( إن كاد ليضلنا ) بين تعالى أنه سيظهر لهم من المضل ومن الضال عند مشاهدة العذاب الذي ل مخلص لهم منه ، فهو وعيد شديد لهم على التعامي والإعراض عن الستدلل والنظر . وقال بعضهم في قوله تعالى ( وَسَومفَ يَعملَمُونَ حِينَ يَرَومنَ المعَذابَ مَنم أَضَل سَبِيلاً ) تهديد لهم على سوء أدبهم، وعلى جحودهم للحق بعد أن تبين لهم.أى: وسوف يعلم هؤلء الكافرون حين يرون العذاب ماثلا أمام أعينهم، من أبعد طريقا عن الحق، أهم أم المؤمنون . فالجملة الكريمة وعيد شديد لهم على استهزائهم بالرسول الكريم الذي جاءهم ليخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان . وثانيها : قوله تعالى : ( أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا ) والمعنى أنه سبحانه بين أن بلوغ هؤ لء في جهالتهم وإعراضهم عن الدلئل إنما كان لستيلاء التقليد عليهم ، وأنهم اتخذوا أهواءهم آلهة ، فكلما دعاهم الهوى إليه انقادوا له ، سواء منع الدليل منه أو لم يمنع.
عدد الصفحات ٩١92 والستفهام في قوله - سبحانه- أَرَأَيْتَ للتعجب من شناعة أحوالهم، ومن قبح تفكيرهم .والمراد ب ( هَواه ) ما يستحسنه من تصرفات حتى ولو كانت في نهاية القبح والسخف . قال ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الْبيض زمانا، فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني وترك الْول . والمعنى : انظر وتأمل- أيها الرسول الكريم - في أحوال هؤلء الكافرين فإنك لن ترى جهالة كجهالتهم، لْنهم إذا حسن لهم هواهم شيئا اتخذوه إلها لهم. مهما كان قبح تصرفهم ،وانحطاط تفكيرهم .فهل مثل هؤلء يصلحون لْن تهتم بأمرهم، أو تحزن لستهزائهم؟ كلا إنهم ل يصلحون لذلك، وعليك أن تمض ى في طريقك فأنت ل تقدر على حفظهم أو كفالتهم أو هدايتهم، وإنما نحن الذين نقدر على ذلك، وسنتصرف معهم بما تقضتيه حكمتنا ومشيئتنا. وثالثها : قوله : (أَمم تَحمسَبُ أَن أَكمثَرَهُمم يَسممَعُونَ أَوم يَعمقِلُونَ ) أم ههنا منقطعة ، معناه بل تحسب ، وذلك يدل على أن هذه المذمة أشد من التي تقدمتها حتى حقت بالإضراب عنها إليها ، وهي كونهم مسلوبي الْسماع والعقول ; لْنهم لشدة عنادهم ل يصغون إلى الكلام ، وإذا سمعوه ل يتفكرون فيه ، فكأنه ليس لهم عقل ول سمع البتة ، فعند ذلك شبههم بالْنعام في عدم انتفاعهم بالكلام ، وعدم إقدامهم على التدبر والتفكر ، وإقبالهم على اللذات الحاضرة الحسية وإعراضهم عن طلب السعادات الباقية العقلية . 3/ ختم الله تعالى دفاعه عن نبيه صلى الله عليه وسلم أنه سبحانه جعل أولئك المشركين المستهزئن بسيد العالمين أقل منزلة من الْنعام التي ل تعقل فقال سبحانه : ( إِنم هُمم إِلا كَالأمَنمعامِ بَلم هُمم أَضَل سَبِيلاً ) وهذا غلية ال ذم لهم على عدم انتفاعهم بالهداية التي أرسلها الله- تعالى- إليهم.أى: هؤلء المشركون ليسوا إل كالْنعام في عدم النتفاع بما يقرع قلوبهم وأسماعهم من توجيهات حكيمة، بل هم أضل سبيلا من الْنعام: لْن الْنعام تنقاد لصاحبها الذي يحسن إليها، أما هؤلء فقد قابلوا نعم الله بالكفر والجحود . فوائد مهمة : الأولى : في قوله تعالى : ( أَمم تَحمسَبُ أَن أَكمثَرَهُمم يَسممَعُونَ أَوم يَعمقِلُونَ إِنم هُمم إِلا كَالأمَنمعَامِ بَلم هُمم أَضَل سَبِيلاً ) قال الرازي رحمه الله : وههنا سؤالت :
عدد الصفحات ٩٢93 السؤال الأول : لم قال : ( أمم تَحمسَبُ أَن أَكمثَرَهُمم ) فحكم بذلك على الأكثر دون الكل ؟ والجواب : لْنه كان فيهم من يعرف الله تعالى ويعقل الحق ، إل أنه ترك الإسلام لمجرد حب الرياسة ل للجهل . السؤال الثاني : لم جعلوا أضل من الأنعام ؟ الجواب من وجوه : أحدها : أن الْنعام تنقاد لْربابها وللذي يعلفها ويتعهدها ، وتميز بين من يحسن إليها وبين من يس يء إليها ، وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها ، وهؤلء ل ينقادون لربهم ول يميزون بين إحسانه إليهم وبين إساءة الشيطان إليهم الذي هو عدو لهم ، ول يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ، ول يحترزون من العقاب الذي هو أعظم المضار . وثانيها : أن قلوب الْنعام كما أنها تكون خالية عن العلم ، فهي خالية عن الجهل الذي هو اعتقاد المعتقد على خلاف ما هو عليه ، مع التصميم . وأما هؤلء فقلوبهم كما خلت عن العلم فقد اتصفت بالجهل ، فإنهم ل يعلمون ، ول يعلمون أنهم ل يعلمون ، بل هم مصرون على أنهم يعلمون . وثالثها : أن عدم علم الْنعام ل يضر بأحد ، أما جهل هؤلء فإنه منشأ للضرر العظيم ؛ لْنهم يصدون الناس عن سبيل الله ويبغونها عوجا . ورابعها : أن الْنعام ل تعرف شيئا ، ولكنهم عاجزون عن الطلب ، وأما هؤلء الجهال فإنهم ليسوا عاجزين عن الطلب ، والمحروم عن طلب المراتب العالية إذا عجز عنه ل يكون في استحقاق الذم كالقادر عليه التارك له لسوء اختياره . وخامسها : أن البهائم ل تستحق عقابا على عدم العلم ، أما هؤلء فإنهم يستحقون عليه أعظم العقاب . وسادسها : أن البهائم تسبح الله تعالى على مذهب بعض الناس ، على ما قال : ( وإن من ش يء إل يسبح بحمده [ )الإسراء : 44 ]، وقال : ( ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ) إلى قوله : (
عدد الصفحات ٩٣94 والدواب [ )الحج : 18 ]، وقال : ( والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه [ )النور : 41 ]وإذا كان كذلك فضلال الكفار أشد وأعظم من ضلال هذه الْنعام . السؤال الثالث : أنه سبحانه لما نفى عنهم السمع والعقل ، فكيف ذمهم على الإعراض عن الدين ، وكيف بعث الرسول إليهم ؛ فإن من شرط التكليف العقل ؟ الجواب : ليس المراد أنهم ل يعقلون ، بل إنهم ل ينتفعون بذلك العقل ، فهو كقول الرجل لغيره إذا لم يفهم : إنما أنت أعمى وأصم . الفائدة الثانية : أجاب الله تعالى عن شبهة المشركين واستهزائهم بخير المرسلين صلى الله عليه وسلم وقولهم ( أهذا الذي بعث الله رسولا) في مواضع أخر بجواب غير ما سبق وبأسلوب مغاير ، ومن ذلك ما جاء في سورة الرعد فقال تعالى: ( وَيَقُولُ ال ذِينَ كَفَرُوا لَسمتَ مُرمسَلاً قُلم كَفَى بِالل هِ شَهِيدًا بَيمنِي وَبَيمنَكُمم وَمَنم عِندَهُ عِلممُ المكِتَابِ ) الآية (43) وإليك بيانها 1( / وَيَق ول الَّذِينَ كَفَر وا لَسْتَ م رْسَلاا ) : أى: لست مرسلا من عند الله- تعالى-، وقد حكى- سبحانه- قولهم الباطل هذا بصيغة الفعل المضارع، للإشارة إلى تكرار هذا القول منهم، ولستحضار أحوالهم العجيبة الدالة على إصرارهم على العناد والجحود . 2 /( قُلم كَفى بِالل هِ شَهِيداً بَيمنِي وَبَيمنَكُمم) : أمر من الله- تعالى- لرسوله بأن ير د عليهم بما يخرس ألسنتهم ( قل ) لهم- أيها الرسول الكريم - ( كَفى بِالل هِ شَهِيداً ) أي تكفى شهادة الله بيني وبينكم، فهو يعلم صدق دعوتي، ويعلم كذبكم، ويعلم ذلك- أيضا- ( وَمَنم عِنمدَهُ عِلممُ المكِتابِ ) أي كل من كان على علم بالكتب السماوية السابقة فإنها قد بشرت برسالتي، وجاءت أوصافى فيها ، وممن شهد لي بالنبوة ورقة بن نوفل، فأنتم تعلمون أنه قال لي عند ما أخبرته بما حدث لي في غار حراء : "هذا هو الناموس- أى الوحى- الذي أنزله الله على موس ى" . وقيل المراد بمن عنده علم الكتاب: المسلمون . وبالكتاب: القرآن، والْول أرجح لشموله لكل من كان عنده علم بالكتب السماوية السابقة، إذ هذا الشمول أكثر دللة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه.
عدد الصفحات ٩٤95 الموضع الخامس قوله تعالى : وَمَا أَرمسَلمنَا قَبملَكَ مِنَ الممُرمسَلِينَ إِلا إِن هُمم لَيَأمكُلُونَ الط عَامَ وَيَمم شُونَ فِي الأمَسموَاقِ وَجَعَلمنَا بَعمضَكُمم لِبَعمض فِتمنَةً أَتَصمبِرُونَ وَكَانَ رَب كَ بَصِيرًا (20) أولاً : سبب نزولها : قال القرطبي : قال ابن عباس : لما عير المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاقة وقالوا : (ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمش ي في الْسواق )الآية حزن النبي صلى الله عليه وسلم لذلك فنزلت تعزية له ; فقال جبريل عليه السلام : السلام عليك يا رسول الله ! الله ربك يقرئك السلام ويقول لك : وما أرسلنا قبلك من المرسلين إل إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الْسواق أي يبتغون المعايش في الدنيا . ثانياً : تضمنت الآية بحسب ما ورد في سبب نزولها تعيير المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاقة وجعلوا ذلك من المعايب التي يجب أن يتنزه عنها من يدعي النبوة . ثالثاً : جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم ورده على ذلك التعيير الذي لا وجه لأنهم ير يدون مخالفة الفطرة البشرية في حق خير البرية صلى الله عليه وسلم ، بثلاثة أمور : الأول : قوله تعالى ( وَمَا أَرمسَلمنَا قَبملَكَ مِنَ الممُرمسَلِينَ إِلا إِن هُمم لَيَأمكُلُونَ الط عَامَ وَيَممشُونَ فِي الأمَسموَاقِ ) قال الرازي : هذا جواب عن قولهم : ( مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمش ي في الْسواق [ )الفرقان : 7 ]بين الله تعالى أن هذه عادة مستمرة من الله في كل رسله ، فلا وجه لهذا الطعن . وقيل : معناه وما أرسلنا قبلك من المرسلين إل قيل لهم مثل هذا أنهم يأكلون الطعام ويمشون في الْسواق كما قال في موضع آخر : ( ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك) فصلت (43 . ) الثاني : قوله تعالى وَجَعَلمنَا بَعمضَكُمم لِبَعمض فِتمنَةً أَتَصمبِرُونَ ) قال الرازي : هذا احتجاج عليهم في تخصيص محمد بالرسالة مع مساواته إياهم في البشرية وصفاتها ، فابتلى المرسلين بالمرسل إليهم وأنواع أذاهم ، على ما قال : ( ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين
عدد الصفحات ٩٥96 أشركوا أذى كثيرا [ )آل عمران : 186 ]والمرسل إليهم يتأذون أيضا من المرسل بسبب الحسد وصيرورته مكلفا بالخدمة وبذل النفس والمال بعد أن كان رئيسا مخدوما ، وقال أيضا : ن القوم لما طعنوا في الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه يأكل الطعام ويمش ي في الْسواق ، وبأنه فقير ، كانت هذه الكلمات جارية مجرى الخرافات ، فإنه لما قامت الدللة على النبوة لم يكن لش يء من هذه الْشياء أثر في القدح فيها ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتأذى منهم من حيث إنهم كانوا يشتمونه ، ومن حيث إنهم كانوا يذكرون الكلام المعوج الفاسد ، وما كانوا يفهمون الجواب الجيد ، فلا جرم صبره الله تعالى على كل تلك الْذية ، وبين أنه جعل الخلق بعضهم فتنة للبعض . الثالث : قوله تعالى : ( وَكَانَ رَب كَ بَصِيرًا ) ختم- سبحانه- الآية الكريمة بقوله وَكانَ رَب كَ بَصِيراا أى: وكان ربك أيها الرسول الكريم - بصيرا بأحوال النفوس الطاهرة والخفية، وبتقلبات القلوب وخلجاتها.فاصبر على أذى قومك، فإن العاقبة لك ولْتباعك المؤمنين.فهذا التذييل فيه ما فيه من التسلية والتثبيت لفؤاد النبي صل ى الله عليه وسل م . فائدة مهمة : قال القرطبي في قوله تعالى (وَجَعَلمنَا بَعمضَكُمم لِبَعمض فِتمنَةً أَتَصمبِرُونَ ) : قوله تعالى : وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون أي إن الدنيا دار بلاء وامتحان ، فأراد سبحانه أن يجعل بعض العبيد فتنة لبعض على العموم في جميع الناس مؤمن وكافر ، فالصحيح فتنة للمريض ، والغني فتنة للفقير ، والفقير الصابر فتنة للغني . ومعنى هذا أن كل واحد مختبر بصاحبه ، فالغني ممتحن بالفقير ، عليه أن يواسيه ول يسخر منه . والفقير ممتحن بالغني ، عليه أل يحسده ول يأخذ منه إل ما أعطاه ، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق ; كما قال الضحاك في معنى أتصبرون : أي على الحق . وأصحاب البلايا يقولون : لم لم نعاف ؟ والْعمى يقول : لم لم أجعل كالبصير ؟ وهكذا صاحب كل آفة . والرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لْشراف الناس من الكفار في عصره . وكذلك العلماء وحكام العدل . أل ترى إلى قولهم لول نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم . فالفتنة أن يحسد المبتلى المعافى ، ويحقر المعافى المبتلى
عدد الصفحات ٩٦