65 والجاه ، فالقوم عكسوا القضية وظنوا بأخس المراتب أشرفها ، فلما وجدوا المال والجاه عند غيره أكثر ظنوا أن غيره أشرف منه ، فحينئذ انعقد هذا القياس الفاسد في أفكارهم . 5/ أيضاا أجاب الله تعالى عن هذه الشبهة في قوله تعالى : ( أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب ) وتقرير هذا الجواب - كما قال الرازي رحمه الله تعالى - أن منصب النبوة منصب عظيم ودرجة عالية ، والقادر على هبتها يجب أن يكون عزيزا أي : كامل القدرة ، ووهابا أي : عظيم الجود ، وذلك هو الله سبحانه وتعالى ، وإذا كان هو تعالى كامل القدرة وكامل الجود ، لم يتوقف كونه واهبا لهذه النعمة على كون الموهوب منه غنيا أو فقيرا ، ولم يختلف ذلك أيضا بسبب أن أعداءه يحبونه أو يكرهونه . 7/ أيضاا أجاب الله تعالى عن هذه الشبهة في قوله تعالى : ( أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا في الأسباب ) واعلم أنه يجب أن يكون المراد من هذا الكلام مغايرا للمراد من قوله : ( أم عندهم خزائن رحمة ربك ) والفرق أن خزائن الله تعالى غير متناهية كما قال : ( وإن من ش يء إل عندنا خزائنه [ )الحجر : 21 ]ومن جملة تلك الخزائن هو هذه السماوات والْرض ، فلما ذكرنا الخزائن أول على عمومها أردفها بذكر ( ملك السماوات والْرض وما بينهما ) يعني أن هذه الْشياء أحد أنواع خزائن الله ، فإذا كنتم عاجزين عن هذا القسم ، فبأن تكونوا عاجزين عن كل خزائن الله كان أولى ، فهذا ما أمكنني ذكره في الفرق بين الكلامين ، - أما قوله تعالى : ( فليرت قوا في الأسباب ) فالمعنى أنهم إن ادعوا أن لهم ملك السماوات والْرض فعند هذا يقال لهم ارتقوا في الْسباب واصعدوا في المعارج التي يتوصل بها إلى العرش حتى يرتقوا عليه ويدبروا أمر العالم وملكوت الله وينزلوا الوحي على من يختارون
عدد الصفحات ٦٥66 المبحث الحادي عشر ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الأعراف قوله تعالى : أَوَلَمم يَتَفَك رُوا مَا بِصَاحِبِهِم م ِن جِن ة إِنم هُوَ إِلا نَذِير م بِين (184) أَوَلَمم يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ الس مَاوَاتِ وَالأمَرمضِ وَمَا خَلَقَ الل هُ مِن ش َيمء وَ أَنم عَس َى أَن يَكُونَ قَدِ اقمتَرَبَ أَجَلُهُمم فَبِأَي ِ حَدِيث بَعمدَهُ يُؤممِنُونَ (185) أولاً : سبب نزولها ذكر أهل التفسير : ما رو اه أبناء حميد وجرير والمنذر وأبو حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال : ذكر لنا : " أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قام على الصفا فدعا قريشا فخذا فخذا : يا بني فلان يا بني فلان يحذرهم بأس الله ووقائع الله إلى الصباح حتى قال قائلهم : إن صاحبكم هذا لمجنون باتَ يصو ت إلى الصباح - أو قال حتى أصبح - فأنزل الله : أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة . ثانياً : تضمنت الآية بحسب ما ورد في سبب نزولها اتهام المشركين النبي صلى الله عليه وسلم بأنه مجنون - وحاشاه - حين دعاهم إلى الله و حذرهم من بأسه وعذابه . ثالثاً : جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم ووجه القرآن سهامه ضد أولئك المل من قريش الذين اجتعموا على الباطل وعلى مهاجمة من يدعو إلى التوحيد ،وفند هذه التهمة الموجهة إلى النبي صلى الله عليه وسلم واتهامه بأنه مجنون ، وذلك بما يأتي: 1/ أرشدهم الله تعالى إلى أن ي عمِلوا عقولهم قبل إصدار الحكم على صاحبهم فقال تعالى (أَوَلَمم يَتَفَك رُوا مَا بِصَاحِبِهِم م ِن جِن ة ) : والتفكر طلب المعنى بالقلب ؛ وذلك لْن فكرة القلب هو المسمى بالنظر ، والتعقل في الش يء والتأمل فيه والتدبر له ، وكما أن الرؤية بالبصر حالة مخصوصة من النكشاف والجلاء ، ولها مقدمة وهي تقليب الحدقة إلى جهة المرئي : طلبا لتحصيل تلك الرؤية بالبصر ، فكذلك الرؤية بالبصيرة ، و هي المسماة بالعلم واليقين حالة مخصوصة في النكشاف والجلاء ، ولها مقدمة وهي تقليب حدقة العقل إلى الجوانب طلبا لذلك النكشاف والتجلي ، وذلك هو المسمى بنظر العقل وفكرته ، فقوله تعالى :( أولم يتفكروا ) أمر بالفكر والتأمل والتدبر
عدد الصفحات ٦٦67 والتروي لطلب معرفة الْشياء والت قدير : أولم يتفكروا فيعلموا ما بصاحبهم من جنة . فالستفهام فيها للإنكار والتوبيخ . 2/ كأن الله تعالى يقول لهم كيف تتهمونه بذلك وهو ليس به صلى الله عليه وسلم نوع من أنواع الجنون ، وذلك لْنه - عليه السلام - كان يدعوهم إلى الله ، ويقيم الدلئل القاطعة والبي نات الباهرة ، بألفاظ فصيحة بلغت في الفصاحة إلى حيث عجز الْولون والآخرون عن معارضتها ، وكان حسن الخلق ، طيب العشرة ، مرض ي الطريقة نقي السيرة ، مواظبا على أعمال حسنة صار بسببها قدوة للعقلاء العالمين ، ومن المعلوم بالضرورة أن مثل هذا الإنسان ل يمكن وصفه بالجنون ، وإذا ثبت هذا ظهر أن اجتهاده على الدعوة إلى الدين إنما كان لْنه نذير مبين ، أرسله رب العالمين لترهيب الكافرين ، وترغيب المؤمنين ، ولما كان النظر في أمر النبوة مفرعا على تقرير دلئل التوحيد ، ل جرم ذكر عقيبه ما يدل على التوحيد . قاله الرازي. 3/ ومن التفك ر الذي لفت القرآن انتباه المشركين إليه من خلال قول ه تعالى (مَا بِصَاحِبِهِم ) أن ذكَّ رهم بصحبتهم إياه اربعين عاماا ثم اسمع ما قاله صاحب تفسير المنار : ولو تفكر مشركو مكة في نشأة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخلاقه وآدابه ، وما جربوا من أمانته وصدقه من صبوته إلى أن اكتهل ، ثم تفكروا فيما قام يدعوهم إليه من توحيد الله بعبادته وحده ، ومن كون حكمته في خلقه السماوات والْرض بالحق تقتض ي تنزهه عن العبث ، ومنه : أن يكون هذا الإنسان السميع البصير العاقل الباحث عن حقائق الْشياء من ماض وحاضر وآت ، وينتهي وجوده بالعدم المحض الذي هو في نفسه محال ثم لو تفكروا في سوء حالهم الدينية ( كعبادة الْصنام ) والْدبية والمدنية والجتماعية وما دعاهم إليه من إصلاحها كلها ، لعلموا أن هذا الإصلاح الديني والْدبي والجتماعي والسياس ي ل يثمر إل السيادة والسعادة ، وأنه ل يمكن أن يكون مصدره جنون من دعا إليه ، بل إذا كان فيه ش يء غير معقول ، فهو أنه ل يمكن أن يكون هذا العلم العالي والإصلاح الكامل من رأي محمد بن عبد الله الْمي الناش ئ بين الْميين ، ول أن تكون هذه البلاغة المعجزة للبشر في أسلوب القرآن ونظمه من كسب محمد الذي بلغ الْربعين ، ولم ينظم قصيدة ، ول ارتجل خطبة ، وأن هذه الحجج البالغة على كل ما يدعو إليه القرآن ، والبراهين العقلية والعلمية الكونية ، ل يتأتى أن تأتي فجأة من ذي عزلة لم يناظر ولم يفاخر ولم يجادل
عدد الصفحات ٦٧68 أحدا فيما مض ى من عمره كمحمد بن عبد الله - فإذا تفكروا في هذا كله جزموا بأن هذا كله وحي من الله تعالى ألقاه في روعه ، ونزل من لدنه على روحه ، وعلموا أن استبعادهم لذلك جهل منهم ، فالله تعالى القادر على كل ش يء يختص برحمته من يشاء ; لهذا حثهم على التفكر في هذا المقام من هذه السورة وغيرها ، وذكر بعدها كونه نذيرا مبينا ، ونذيرا بين يدي عذاب شديد . 4/ بعد أن نفى عنه ما رموه به من الجنون ذكرهم في ختام الآية بالمهمة التي بعث من أجلها وهي كونه منذرا مبلغا عن ربه ، فقال سبحانه ( إن هو إل نذير مبين ) الإنذار تعليم وإرشاد مقترن بالتخويف من مخالفته ، أي ليس بمجنون ، ليس إل منذرا ناصحا ، و مبلغا عن الله مبينا ، ينذركم ما يحل بكم من عذاب الدنيا والآخرة إذا لم تستجيبوا له ، وقد دعاكم لما يحييكم في الدنيا بجمع كلمتكم ، وإصلاح أفرادكم ومجتمعكم ، والسيادة على غيركم ، ويحييكم في الآخرة بلقاء ربكم . 5 /ثم دعاهم القرآن في الآية التي تليها إلى النظر والستدلل العقلي فقال: ( أَوَلَمْ يَنْظ ر وا فِي مَلَك وتِ السَّماواتِ وَالَْْرْضِ وَما خَلَقَ اللَّه مِنْ ش َيْء ) :و الملكوت: هو الملك العظيم زيدت فيه اللام والتاء للمبالغة كما في جبروت.والجملة الكريمة مسوقة لتوبيخهم على إخلالهم بالتأمل في الآيات التكوينية إثر تقريعهم على عدم تفكرهم في أمر نبيهم صل ى الله عليه وسل م . أى: أكذبوا ولم يتفكروا في شأن رسولهم صل ى الله عليه وسل م وما هو عليه من كمال العقل، ولم ينظروا نظر تأمل واعتبار واستدلل في ملكوت السموات من الشمس والقمر والنجوم وغيرها، وفي ملكوت الْرض من البحار والجبال والدواب وغيرها، ولم ينظروا كذلك فيما خلق الله مما يقع عليه اسم الش يء من أجناس ل يحصرها العدد ول يحيط بها الوصف مما يشهد بأن لهذا الكون خالقا قادرا هو المستحق وحده للعبادة والخضوع . فوائد مهمة : 1 /قال في تفسير المنار : أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة الجنة بالكسر النوع الخاص من الجنون ، فهو اسم هيئة ، واسم للجن أيضا ، ول يصح هنا إل بتقدير مضاف ، أي من مس جنة - وقد حكى الله تعالى عن قوم نوح أول رسله إلى قوم مشركين أنهم اتهموه بالجنون فقالوا
عدد الصفحات ٦٨69 بعد قولهم إنه بشر مثلهم يريد أن يتفضل عليهم : إن هو إل رجل به جنة فتربصوا به حتى حين ( المؤمنون : 25 )وفي سورة القمر عنهم : كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر ( القمر : 9 )وفي سورة الشعراء حكاية عن فرعون - لعنه الله - في موس ى صلى الله على نبينا وعليه وسلم قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ( الآية : 27 )وقال تعالى عنه في سورة الذاريات : فتولى بركنه وقال ساحر أو مجنون ( الآية : 39 )ثم بين تعالى في هذه السورة أن جميع الكفار كانوا يقولون هذا القول في رسلهم فقال : كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون (الذاريات : 52 ، 53 ) . 2/ وقال أيضاً : وفي معنى آية الْعراف في خاتم النبيين والمرسلين عدة آيات ( منها ) قوله تعالى في كفار مكة من سورة المؤمنين : أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الْولين أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون ( الآيات : 68 - 70 )ومثله في سورة سبأ : ( وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد أافترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد ) ( الآيتان 7 ، 8 )ثم قال فيها : ( قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد ) ( الآية : 46 )وهذه شبيهة بآية الْعراف . وفي أول سورة الحجر : وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين ( الآيتان : 6 ، 7 )وفي سورة الصافات : ويقولون أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون ( الآية : 36 )وفي سورة الطور من الرد عليهم : فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون (الآية : 29 )ومثله : ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون ( الآيتان : 1 ، 2 )وفي آخرها : ويقولون إنه لمجنون وما هو إل ذكر للعالمين ( القلم : 51 ، 52 )وفي سورة التكوير الآية (22) بعد وصف ملك الوحي : وما صاحبكم بمجنون . 3 /قد علمنا بما سبق أن جميع الكفار كانوا يرمون رسلهم بالجنون ، لْنهم ادعوا أن الله تعالى خصهم برسالته ووحيه على كونهم بشرا كغيرهم ل يمتازون على سائر الناس بما يفوق أفق الإنسانية ، كما علم من نشأتهم ومعيشتهم ; ولْنهم ادعوا ما ل يعهد له عندهم نظير ، وليس مما
عدد الصفحات ٦٩70 تصل إليه عقولهم بالتفكير ، وهو أن الناس يبعثون بعد الموت والبلى خلقا جديدا ; ولْن كلا منهم كان يدعي أن الناس مخطئون وهو المصيب ، وضالون وهو المهتدي ، وخاسرون وهو المفلح ، إل من اتبعه منهم ، ولْنهم نهوا عن عبادة الآلهة ، وأنكروا أنها بالدعاء والتعظيم والنذور لها تقرب المتوسلين بها إلى الله زلفى ، وتشفع لهم عنده ، وأثبتوا أن الشفاعة لله و حده ل يشفع أحد عنده إل بإذنه ، من رض ي له لمن رض ي عنه فلا استقلال لهؤلء الآلهة بالشفاعة عنده لمن توسل بهم - وشرعوا أنه ل يدعى مع الله أحد من ملك كريم ، ول صالح عظيم ، فضلا عن صورهم وتماثيلهم المذكرة بهم وقبورهم المشرفة برفاتهم مع أن المذنب العاص ي ل يليق به في رأي المشركين أن يدعو الله تعالى بغير واسطة ول وسيلة لتدنسه بالذنوب ، فيحتاج إلى من يقربه إليه من أولئك الطاهرين ، وشبهتهم أن الملوك العظام في الدنيا ل يدخل أحد عليهم إل بإذن وزرائهم وحجابهم ، ومن الغريب أن هذه الشبهة الشركية ل تزال متسلسلة في جميع المشركين ، حتى من أشرك من أهل الكتاب والمسلمين ، الذين خالفوا نصوص الكتب الإلهية وسنة الرسل ، إلى أعمال الوثنيين ، ول يرون بأسا في تشبيه رب العالمين وأرحم الراحمين ، بالملوك الظالمين المستبدين .
عدد الصفحات ٧٠71 المبحث الثاني عشر ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة يس الموضع الأول : يس * وَالمقُرمآنِ المحَكِيمِ * إِن كَ لمَِنَ الممُرمسَلِينَ . الموضع الثاني : إِن ا جَعَلمنَا فِي أَعمنَاقِهِمم أَغملاَلاً فَهِيَ إِلَى الأمَذمقَانِ فَهُم م قممَحُونَ . الموضع الثالث : وَمَا عَل مم نَاهُ الش ِعمرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنم هُوَ إِلا ذِكمر وَقُرمآن م بِين .
عدد الصفحات ٧١72 الموضع الأول قوله تعال : يس (1 )وَالمقُرمآنِ المحَكِيمِ (2 )إِن كَ لمَِنَ الممُرمسَلِينَ (3 )عَلَى صِرَاط م سمتَقِيم (4) أولاً : سبب نزولها : مما هو معلوم أنه عندما بعث النبي صلى الله عليه وسلم أنكر المشركون أن يكون الله تعالى قد أرسله إليهم . ثانياً : تضمنت الآيات بحسب ما ورد في سبب نزولها إنكار المشركين إرسال الله تعالى ل لنبي صلى الله عليه وسلم . ثالثاً : نزلت الآيات لإثبات إرسال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وتكلفيه بهداية البشرية إلى الصراط المستقيم ، وبيان ذلك كما يأتي : 1 /قال سبحانه : ( يس ) افتتح بها الرد على إنكار المشركين لرسالته، للإِشارة إلى إعجاز القرآن الكريم ، وللتنبيه إلى أن هذا القرآن المؤلف من جنس الْلفاظ التى ينطقون بها ، هو من عند الله - تعالى - ، وأنهم ليس فى إمكانهم أو إمكان غيرهم أن يأتوا بمثله ، أو بعشر سور من مثله ، أو بسورة من مثله ، وفي هذا دللة على أنه من عند الله وأن محمداا صلى الله عليه وسلم رسول الله حقاا وصدقاا . 2 /أقسم الله تعالى بالقرآن فقال (وَالْق رْآنِ الْحَكِيمِ ) أى: وحق هذا القرآن الحكيم، إنك أيها الرسول الكريم - لمن عبادنا الذين اصطفيناهم لحمل رسالتنا، وتبليغ دعوتنا إلى الناس، لكي يخلصوا العبادة لنا، ول يشركوا معنا في ذلك غيرنا . ومعنى الحكيم : المحكم الذي ل يأتيه الباطل من بين يديه ول من خلفه 3 /بعد أن أقسم لهم بالقرآن بين جواب القسم فقال ( إِن كَ لمَِنَ الممُرمسَلِينَ ) أى: وحق هذا القرآن الحكيم، إنك أيها الرسول الكريم - لمن عبادنا الذين اصطفيناهم لحمل رسالتنا، وتبليغ دعوتنا إلى الناس، لكي يخلصوا العبادة لنا، ول يشركوا معنا في ذلك غيرنا . أتى بجواب القسم مؤكدا أ يضا بالجملة السمية المؤكدة بإن وبلام القسم في قوله :(لمن) وجاء هذا الجواب مشتملا على أكثر من
عدد الصفحات ٧٢73 مؤكد، للرد على أولئك المشركين الذين استنكروا رسالة النبي صل ى الله عليه وسلم وقالوا في شأنه: ( لست مرسلا ). 4/ بعد أن أكد الله تعالى أنه بعث نبيه بما سبق زاد الْمر تأكيداا ووضوحاا فقال سبحانه ( لمَِنَ المْ رْسَلِينَ عَلَىَٰ صِرَاط م سْتَقِيم ) على صراط مستقيم أي دين مستقيم وهو الإسلام . وقال الزجاج : على طريق الْنبياء الذين تقدموك ،وقيل : المعنى لمن المرسلين على استقامة ، فيكون قوله : على صراط مستقيم من صلة المرسلين ، أي إنك لمن المرسلين الذين أرسلوا على طريقة مستقيمة ، كقوله تعالى :( وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله ) أي الصراط الذي أمر الله به . فائدة مهمة : قال بعض العلماء: واعلم أن الْقسام الواقعة في القرآن . وإن وردت في صورة تأكيد المحلوف عليه، إل أن المقصود الْصلى بها تعظيم المقسم به لما فيه من الدللة على اتصافه- تعالى- بصفات الكمال، أو على أفعاله العجيبة، أو على قدرته الباهرة فيكون المقصود من الحلف: الستدلل به على عظم المحلوف عليه، وهو هنا عظم شأن الرسالة . كأنه قال: إن من أنزل القرآن - وهو من هو في عظم شأنه- هو الذي أرسل رسوله محمدا صل ى الله عليه وسلم ومثل ذلك يقال له في الْقسام التي في السور الآتية
عدد الصفحات ٧٣74 الموضع الثاني قوله تعالى : إِن ا جَعَلمنَا فِي أَعمنَاقِهِمم أَغملاَلاً فَهِيَ إِلَى الأمَذمقَانِ فَهُم م قممَحُونَ (8) وَجَعَلمنَا مِن بَيمنِ أَيمدِ يهِمم سَدًّا وَمِنم خَلمفِهِمم سَدًّا فَأَغمشَيمنَاهُمم فَهُمم لاَ يُبمصِرُونَ (9) أولاً : سبب نزولها : قال القرطبي : نزلت في أبي جهل بن هشام وصاحبيه المخزوميين ، وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمدا يصلي ليرضخن رأسه بحجر ، فلما رآه ذهب فرفع حجرا ليرميه ، فلما أومأ إليه رجعت يده إلى عنقه ، والتصق الحجر بيده ، قاله ابن عباس وعكرمة وغيرهما ، فهو على هذا تمثيل ، أي : هو بمنزلة من علت يده إلى عنقه ، فلما عاد إلى أصحابه أخبرهم بما رأى ، فقال الرجل الثاني وهو الوليد بن المغيرة : أنا أرضخ رأسه . فأتاه وهو يصلي على حالته ليرميه بالحجر ، فأعمى الله بصره فجعل يسمع صوته ول يراه ، فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه فقال : والله ما رأيته ولقد سمعت صوته . فقال الثالث : والله لْشدخن أنا رأسه . ثم أخذ الحجر وانطلق فرجع القهقرى ينكص على عقبيه حتى خر على قفاه مغشيا عليه . فقيل له : ما شأنك ؟ قال : شأني عظيم ، رأيت الرجل فلما دنوت منه ، وإذا فحل يخطر بذنبه ، ما رأيت فحلا قط أعظم منه ، حال بيني وبينه ، فواللات والعزى لو دنوت منه لْكلني . فأنزل الله تعالى : إنا جعلنا في أعناقهم أغلال فهي إلى الْذقان فهم مقمحون . ثانياً : تضمنت الآيات بحسب ما ورد في سبب نزولها المحاوالات المتكررة من صناديد قريش إلحاق الأذى الجسدي بالنبي صلى الله عليه وسلم بل كان قصدهم قتله والتخلص منه . ثالثاً : جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم فعلاً وقولاً : أ/ أما دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم بالفعل : فقد رأينا في قصة النزول كيف أدخل الرعب على قلب أبي جهل و رجعت يده إلى عنقه ، ورأينا كيف أعمى الله تعالى بصر الوليد بن المغيرة فجعل يسمع صوت النبي صلى الله عليه وسلم ول يراه وأما الرجل فقد أدخل الله الرعب على قلبه وأراه أمراا مهولا حتى ق ال " رأيت الرجل فلما دنوت منه ، وإذا فحل يخطر بذنبه ، ما رأيت فحلا قط أعظم منه ، حال بيني وبينه ، فواللات والعزى لو دنوت منه لْكلني "
عدد الصفحات ٧٤75 - هذه كله من حماية الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم ودفاعه عنه بفعله تعالى ، وكيف ل يكون ذلك وهو الذي يقوم بأعباء الر سالة وهداية البشرية إلى الصراط المستقيم . ب/ أما دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم بالقول : فهو ما أخبر به في هاتين الآيتين ، وإليك بعض ما يقال في معناهما : 1/ بين الله تعالى أمراا عظيماا في حق هؤلء المشركين الذي تجرأوا سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم أل وهو : حرمانهم من الإيمان والبقاء على الكفر إلى أن يدخلوا النيران فقال تعالى ( إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلا فَهِيَ إِلَى الَْْذْقَانِ فَه م م قْمَح ونَ ) أي : إنا جعلنا هؤلء المحتوم عليهم بالشقاء نسبتهم إلى الوصول إلى الهدى كنسبة من جعل في عنقه غل ، فجمع يديه مع عنقه تحت ذقنه ، فارتفع رأسه ، فصار مقمحا ،ولهذا قال : ( فهم مقمحون ) والمقمح : هو الرافع رأسه ، فقد شبه- سبحانه- في هذه الآية، حال أولئك الكافرين، المصرين على جحودهم وعنادهم، بحال من وضعت الْغلال في عنقه ووصلت إلى ذقنه، ووجه الشبه أن كليهما ل يستطيع النفكاك عما هو فيه. 2 /أكد- سبحانه- هذا الإصرار من الكافرين على كفرهم فقال: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناه مْ فَه مْ ل ي بْصِر ونَ . أى: أننا لم نكتف بجعل الْغلال في أعناقهم، بل أضفنا إلى ذلك أننا جعلنا من أمامهم حاجزا عظيما، ومن خلفهم كذلك حاجزا عظيما. فَأَغْشَيْناه مْ أى: فجعلنا على أبصارهم غشاوة وأغطية تمنعهم من الرؤية فَه مْ ل ي بْصِر ونَ شيئا بسبب احتجاب الرؤية عنهم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : جعل الله هذا السد بينهم وبين الإسلام والإيمان ، فهم ل يخلصون إليه ، وقرأ : ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك ل يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الْليم [ )يونس : 96 ، 97 ]ثم قال : من منعه الله ل يستطيع . فالآية الكريمة تمثيل آخر لتصميمهم على كفرهم، حيث شبههم- سبحانه- بحال من أحاطت بهم الحواجز من كل جانب، فمنعتهم من الرؤية والإبصار .
عدد الصفحات ٧٥76 الموضع الثالث قوله تعالى : وَمَا عَل ممنَاهُ الش ِعمرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنم هُوَ إِلا ذِكمر وَقُرمآن م بِين (69) أولاً : سبب نزولها : قال البغوي : قال الكلبي : إن كفار مكة قالوا : إن محمدا شاعر ، وما يقوله شعر ، فأنزل الله تكذيبا لهم : (وَمَا عَل ممنَاهُ الش ِعمرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ) أي : ما يتسهل له ذلك ، وما كان يتزن له بيت من شعر ، حتى إذا تمثل ببيت شعر جرى على لسانه منكسرا . ثانياً : تضمنت الآية بحسب ما ورد في سبب نزولها اتهام المشركين النبي صلى الله عليه وسلم بأنه شاعر وأن القرآن الذي يقوله إنما هو شعر . ثالثاً : جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم بنفي هذه التهمة عنه وعن القرآن بما يأتي : 1 /قال تعالى(وَمَا عَل ممنَاهُ الش ِعمرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ) هذا نفي لكونه صلى الله عليه وسلم شاعراا ثم قال (إِنْ ه وَ إِلَّ ذِكْر وَق رْآن م بِين ) هذا نفي لكون القرآن شعراا . 2/ قال القرطبي وما ينبغي له ) وكذلك كان رسول الله صلى عليه وسلم ل يقول الشعر ول يزنه ، وكان إذا حاول إنشاد بيت قديم متمثلا كسر وزنه ، وإنما كان يحرز المعاني فقط صلى الله عليه وسلم . من ذلك أنه أنشد يوما قول طرفة : ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك من لم تزوده بالأخبار وعجز البيت لفظه : ويأتيك بالأخبار من لم تزود وأنشد يوما وقد قيل له من أشعر الناس ؟ فقال : الذي يقول : ألم ترياني كلما جئت طارقا وجدت بها وإن لم تطيب طيبا وعجز البيت لفظه : وجدت بها طيبا وإن لم تطيب
عدد الصفحات ٧٦77 2/ قال أبو إسحاق الزجاج : معنى : ( وما علمناه الشعر ) ، أي : ما جعلناه شاعرا ، وهذا ل يمنع أن ينشد شيئا من الشعر . قال النحاس : وهذا من أحسن ما قيل في هذا . وقد قيل : إنما خبر الله - عز وجل - أنه ما علمه الله الشعر ولم يخبر أنه ل ينشد شعرا ، وهذا ظاهر الكلام . وقيل : فيه قول بين ، زعم صاحبه أنه إجماع من أهل اللغة ، وذلك أنهم قالوا : كل من قال قول موزونا ل يقصد به إلى شعر فليس بشعر ، وإنما وافق الشعر . وهذا قول بين . قالوا : وإنما الذي نفاه الله عن نبيه - عليه السلام - فهو العلم بالشعر وأصنافه ، وأعاريضه وقوافيه والتصاف بقوله ، ولم يكن موصوفا بذلك بالتفاق . 3/ ونفى كون القرآن شعرااأل ترى أن قريشا تراوضت فيما يقولون للعرب فيه إذا قدموا عليهم الموسم ، فقال بعضهم : نقول إنه شاعر . فقال أهل الفطنة منهم : والله لتكذبنكم العرب ، فإنهم يعرفون أصناف الشعر ، فوالله ما يشبه شيئا منها ، وما قوله بشعر . و قال أنيس أخو أبي ذر : لقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم أنه شعر . أخرجه مسلم ، وكان أنيس من أشعر العرب ، وكذلك عتبة بن أبي ربيعة لما كلمه : والله ما هو بشعر ول كهانة ول سحر ، وكذلك قال غيرهما من فصحاء العرب العرباء ، واللسن البلغاء . ثم إن ما يجري على اللسان من موزون الكلام ل يعد شعرا ، وإنما يعد منه ما يجري على وزن الشعر مع القصد إليه ، فقد يقول القائل : حدثنا شيخ لنا وينادي يا صاحب الكسائي ، ول يعد هذا شعرا . وقد كان رجل ينادي في مرضه وهو من عرض العامة العقلاء : اذهبوا بي إلى الطبيب وقولوا قد اكتوى . فوائد مهمة : ( من تفسير القرطبي ) : 1/ روى ابن القاسم عن مالك أنه سئل عن إنشاد الشعر فقال : ل تكثرن منه ، فمن عيبه أن الله يقول : وما علمناه الشعر وما ينبغي له قال : ولقد بلغني أن عمر بن الخطاب - رض ي الله عنه - - كتب إلى أبي موس ى الْشعري : أن اجمع الشعراء قبلك ، وسلهم عن الشعر ، وهل بقي معهم معرفة ، وأحضر لبيدا ذلك ، قال : فجمعهم فسألهم فقالوا : إنا لنعرفه ونقوله . وسأل لبيدا فقال : ما قلت شعرا منذ سمعت الله - عز وجل - يقول : " الم ذلك الكتاب ل ريب فيه ". يريد أنه انشغل بالقرآن عن قول الشعر .
عدد الصفحات ٧٧78 2 /روي أن المأمون قال لْبي علي المنقري : بلغني أنك أمي ، وأنك ل تقيم الشعر ، وأنك تلحن . فقال : يا أمير المؤمنين ، أما اللحن فرب ما سبق لساني منه بش يء ، وأما الْمية وكسر الشعر فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ل يكتب ول يقيم الشعر . فقال له : سألتك عن ثلاثة عيوب فيك فزدتني رابعا وهو الجهل ، يا جاهل! إن ذلك كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - فضيلة ، وهو فيك وفي أمثالك نقيصة ، وإنما منع النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك لنفي الظنة عنه ، ل لعيب في الشعر والكتابة . 3/ قوله تعالى : وما ينبغي له أي : وما ينبغي له أن يقوله . وجعل الله - جل وعز - ذلك علما من أعلام نبيه - عليه السلام - لئلا تدخل الشبهة على من أرسل إليه ، فيظن أنه قوي على القرآن بما في طبعه من القوة على الشعر . ول اعتراض لملحد على هذا بما يتفق الوزن فيه من القرآن وكلام الرسول ، لْن ما وافق وزنه وزن الشعر ، ولم يقصد به إلى الشعر ليس بشعر ، ولو كان شعرا لكان كل من نطق بموزون من العامة الذين ل يعرفون الوزن شاعرا ، على ما تقدم بيانه . وقال الزجاج : معنى وما ينبغي له أي : ما يتسهل له قول الشعر ل الإنشاء . إن هو إل ذكر وقرآن مبين أي : هذا الذي يتلوه عليكم إل ذكر وقرآن مبين .
عدد الصفحات ٧٨79 المبحث الثالث عشر ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الفرقان الموضع الأول : وَقَالَ ال ذِينَ كَفَرُوا إِنم هَ ذَا إِلا إِفمك افمتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيمهِ قَومم آخَرُونَ . الموضع الثاني : وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأمَو لِينَ اكمتَتَبَهَا فَهِيَ تُمملَى عَلَيمهِ بُكمرَةً وَأَصِيلاً . الموضع الثالث : وَقَالُوا مَالِ هَ ذَا الر سُولِ يَأمكُلُ الط عَامَ وَيَممش ِي فِي الأمَسموَاقِ . الموضع الرابع : وَإِذَا رَأَومكَ إِنم يَت خِذُونَكَ إِلا هُزُوًا أَهَذَا ال ذِي بَعَثَ الل هُ رَسُولاً . الموضع الخامس : وَمَا أَرمسَلمنَا قَبملَكَ مِنَ الممُرمسَلِينَ إِلا إِ ن هُمم لَيَأمكُلُونَ الط عَامَ .
عدد الصفحات ٧٩80 الموضع الأول قوله تعالى : وَقَالَ ال ذِينَ كَفَرُوا إِنم هَ ذَا إِلا إِفمك افمتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيمهِ قَومم آخَرُونَ فَقَدم جَاءُوا ظُلممًا وَزُورًا (4) أولاً : سبب نزولها : قال المفسرون : نزلت في الن ضر بن الحارث وكان مؤذيا للنبي صلى الله عليه وسلم قال : إن هذا إل إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون يعني اليهود ، وقال ابن عباس : " المراد بقوله : ( قوم آخرون )أبو فكيهة مولى بني الحضرمي وعداس وجبر " قال الرازي : " فلما أسلموا وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعهدهم ، فمن أجل ذلك قال النضر ما قال " . ثانياً : تضمنت الآية بحسب ما ورد في سبب نزولها اجتراء المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم وافترائهم عليه حيث زعموا أن القرآن : إِفمك افمتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيمهِ قَومم آخَرُونَ . ثالثاً : جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم بنفي هذه الفرية عنه صلى الله عليه وسلم بما يأتي : 1 /وقد كذبهم الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة فيما افتروا عليه من البهتان بقوله : فقد جاءوا ظلما وزورا ، قال الزمخشري : ظلمهم أن جعلوا العربي يتلقن من الْعجمي الرومي كلاما عرب يا أعجز بفصاحته جميع فصحاء العرب ، والزور هو أن بهتوه بنسبة ما هو بريء منه إليه ، انتهى 2 /ووجه آخر قاله الرازي أن الله تعالى وصف كلامهم بأنه ظلم وبأنه زور ، أما أنه ظلم فلأنهم نسبوا هذا الفعل القبيح - الإفك - إلى من كان مبرأ عنه صلى الله عليه وسلم ، فقد وضعوا الش يء في غير موضعه ، وذلك هو الظلم ، وأما الزور فلأنهم كذبوا فيه ، وقال أبو مسلم : الظلم تكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم والرد عليه ، والزور كذبهم عليه. وهم أشد الناس معرفة بحالة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكمال صدقه وأمانته وبره التام، وأنه ل يمكنه - ل هو ول سائر الخلق - أن يأتوا بهذا القرآن الذي هو أجل الكلام وأعلاه، وأنه لم يجتمع بأحد يعينه على ذلك، فقد جاءوا بهذا القول ظلما وزورا .
عدد الصفحات ٨٠