المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

فتح الودود بيان آيات الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم

أحمد خضر حسنين الحسن

صفحة ٤ من ٢٥

49 المبحث السابع ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الكوثر موضع واحد : (إِن شَانِئَكَ هُوَ الأمَبمتَرُ ) (3) أولاً : سبب النزول : ذكر المفسرون عددا من الروايات في سبب نزولها ، منها ما ذكره القرطبي وابن كثير رحمة الله عليهما : : 1/ أنها نزلت في العاص بن وائل السهمي : يقال : إن العاص وقف مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يكلمه ، فقال له جمع من صناديد قريش : مع من كنت واقفا ؟ فقال : مع ذلك الْبتر . وكان قد توفي قبل ذلك عبد الله ابن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكان من خديجة ، فأنزل الله جل شأنه : إن شانئك هو الْبتر أي المقطوع ذكره من خير الدنيا والآخرة . و قال محمد بن إسحاق : عن يزيد بن رومان قال : كان العاص بن وائل إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : دعوه ، فإنه رجل أبتر ل عقب له ، فإذا هلك انقطع ذكره . فأنزل الله هذه السورة . 2/ أنها نزلت في كعب بن الأشرف اليهودي : عن ابن عباس قال : قدم كعب بن الْشرف مكة فقالت له قريش : أنت سيدهم ، أل ترى إلى هذا المصنبر المنبتر من قومه ، يزعم أنه خير منا ، ونحن أهل الحجيج ، وأهل السدانة وأهل السقاية ؟ فقال : أنتم خير منه . قال : فنزلت : ( إن شانئك هو الْبتر ) هكذا رواه البزار ، وهو إسناد صحيح . ثانياً : تضمنت الآية بحسب ما ورد في سبب النزول وقوع بعض المشركين أو اليهود في السخرية من النبي صلى الله عليه وسلم واتهامه بأنه أبتر . ثالثاً : جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم وصد هذا الإيذاء الشديد ودفعه عنه عليه الصلاة والسلام قولاً وفعلاً :

عدد الصفحات ٤٩

50 1/ قبل أن يدافع الله تعالى عن حبيبه صلى الله عليه وسلم ويرد على أولئك المفترين بشره ببشارة فقال : ( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الكَوْثَرَ ) قال الطاهر ابن عاشور رحمه الله تعالى : مع ما في هذه البشارة العظيمة من الخير الكثير؛ فإن فيها أيضاا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وإزالة لما عس ى أن يكون في خاطره من قول من قال فيه: هو أبتر، فقوبل معنـى الْ بتر وهو المنقطع بمعنى الكوثر وهو المتناهي في الكثرة؛ إبطالا لقولهم . 2 / قوله تعالى (إِن شَانِئَكَ هُوَ الأمَبمتَرُ ) قال أهل اللغة : والشانئ : هو المبغض لغيره، يقال: شنأ فلان شنئا، إذا أبغضه وكرهه . و الْبتر من الرجال : الذي ل ولد له ، ومن الدواب الذي ل ذنب له . وكل أمر انقطع من الخير أثره ، فهو أبتر . والبتر : القطع . والمعنى: إن مبغضك وكارهك- أيها الرسول الكريم - هو المقطوع عن كل خير، والمحروم من كل ذكر حسن. 3/ ل يفهم من قوله تعالى ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ ه وَ الَْبْتَر ﴾الكوثر: 3 ]أن م بْغِض كَ ه وَ المَ قْط وع ، أي أنه مقطوع النسل ، بنفس المعنى الذي لمزوا به النبي صلى الله عليه وسلم؛ لْنَّ الذين لمزوه بانقطـاع ورثته الذكور، لهم عقب من الذكور ، فالعاص بن وائل الذي حكى أكثر المفسرين أن الآية نزلت فيه ـ له عقب، وابنه الصحابي الجليل عمرو بن العاص، وابن ابنه الصحابي عبد الله بن عمرو رض ي الله عنهما وله عقب. ولك ن المراد أنهم مبتورون عن الخير، مقطوعون عمَّا ينفعهم في الدار الآخرة، والآية تشمل كلَّ مبغِض للنـبي صلى الله عليه وسلم مـات على ذلك من أهل الكفر والزندقة والإلحاد، فكلهم ب تْر من الخير بسبب شنآنهم على النبي صلى الله عليه وسلم. (الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل – مقال بعنوان سورة الكوثر شبكة الْلوكة الشرعية ) 4 /كل مبغض للنبي صلى الله عليه وسلم فإنه ل يضر إل نفسه، ول يقدر على فعل ش يء سوى أن يبغضه، والمبغض إذا عجز عن الإيذاء يحترق قلبه غيظاا وحسداا، وهذا ما حصل لْولئك المشركين، وهو ما يحصل لكل من أبغض النبي صلى الله عليه وسلم، وما ضرَّ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، بل أعلى الله ذكره، ورفع شأنه، ونصر دينه، وتَكَفَّلَ بِحِفْظِه إلى يوم الدين. 5 /قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : ( سورة الكو ثر ما أجلها من سورة وأغزر فوائدها على اختصارها وحقيقة معناها تعلم من آخرها فإنه سبحانه وتعالى بتر شانئ رسوله من

عدد الصفحات ٥٠

51 كل خير فيبتر ذكره وأهله وماله فيخسر ذلك في الآخرة ويبتر حياته فلا ينتفع بها ول يتزود فيها صالحا لمعاده ويبتر قلبه فلا يعي الخير ول يؤهله لمعرف ته ومحبته والإيمان برسله ويبتر أعماله فلا يستعمله في طاعة ويبتره من الْنصار فلا يجد له ناصرا ول عونا. ويبتره من جميع القرب والْعمال الصالحة فلا يذوق لها طعما ول يجد لها حلاوة وإن باشرها بظاهره فقلبه شارد عنه ). مجموع الفتاوى ( 16/528 .) 6/ قال أحد الباحث ين : قد دلت الإحصائيات التي تقوم بها المؤسسات الدولية أن اسم محمد صلى الله عليه وسلم هو أكثر الْسماء شيوعاا في العالم الإسلامي، وأن المتأمل في الْذان، وفي تباين أوقاته في الكرة الْرضية، لَيعلم علم اليقين أنه ل تمر دقيقة واحدة، إل ي ذكر فيها اسم الرسول - صلى الله عليه وسلم - مقروناا باسم الله - تعالى.

عدد الصفحات ٥١

52 المبحث الثامن ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة النجم موضع واحد : ( وَالن جممِ إِذَا هَوَى (1 )مَا ضَل صَاحِبُكُمم وَمَا غَوَى (2 )وَمَا يَنطِقُ عَنِ المهَوَى (3 )إِنم هُوَ إِلا وَحمي يُوحَى (4) أولاً : سبب النزول ذكر المفسرون أن المشركين اتهموا سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم فقالوا : إنه ساحر أو مجنون ،و هذا نوع من كذبهم البين، وجهلهم المطبق ، وزعم بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اختلق القرآن الكريم . ثانيا : جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم وفند هذه التهمة بأن أوضح لهم أن النبي صلى الله عليه وسلم برئ براءة تامة عن تلك الموجهة إليه ، بما يأتي 1 /افتتح الله- تعالى- هذه السورة بهذا القسم العظيم، للدللة على صدق رسوله صلى الله عليه وسلم وللر د على مزاعم وافتراءات أولئك المشركين الجاهلين . فقال سبحانه (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىَٰ ) ، وللمسرين قولن في المراد من النجم : القول الأول : المراد بالنجم، جنس النجم المعروف، فإن أصله اسم جنس لكل كوكب . وعلى القول بالتعيين، فالْظهر القول بأنه الثريا ، وهو قو ل أكثرهم ، وعيه يكون معنى «هوى» :سقط وغرب . يقال هوى الش يء يهوى - بكسر الواو - هويا- بضم الهاء وفتحها- إذا سقط من أعلى إلى أسفل . القول الثاني : المراد به هنا : المقدار النازل من القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم وجمعه نجوم ، وهذا القول رجه العلامة الشنقيطي فقال : أظهر الْقوال عندي وأقربها للصواب في نظري - أن المراد بالنجم إذا هوى هنا في هذه السورة ، وبمواقع النجوم في الواقعة هو نجوم القرآن التي نزل بها الملك نجما فنجما ، وذلك لْمرين :

عدد الصفحات ٥٢

53 أحدهما : أن هذا الذي أقسم الله عليه بالنجم إذا هوى الذي هو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - على حق وأنه ما ضل وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إل وحي يوحى - موافق في المعنى لما أقسم عليه بمواقع النجوم ، وهو قوله : إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون إلى قوله : ( تنزيل من رب العالمين نزل به الروح الْمين )الشعراء / 77 - 80 . والإقس ام بالقرآن على صحة رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى صدق القرآن العظيم وأنه منزل من الله جاء موضحا في آيات من كتاب الله كقوله تعالى : ( يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم تنزيل العزيز الرحيم ) [يس / 1 - 5 . ]وقوله تعالى : ( حم والكت اب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم ) [الزخرف /1 - 4 ]، وخير ما يفسر به القرآن القرآن . والثاني : أن كون المقسم به المعبر بالنجوم هو القرآن العظيم - أنسب لقوله بعده : وإنه لقسم لو تعلمون عظيم [الواقعة / 76 ]، لْن هذا التعظيم من الله يدل على أن هذا المقسم به في غاية العظمة . ول شك أن القرآن الذي هو كلام الله أنسب لذلك من نجوم السماء ونجم الْرض . والعلم عند الله تعالى . 2 /نفى الله تعالى الضلال عن النبي صلى الله وسلم فقال تعالى: (مَا ضَلَّ صَاحِب ك مْ وَمَا غَوَىَٰ ) قال القرطبي : هذا جواب القسم ، أي ما ضل محمد صلى الله عليه وسلم عن الحق وما حاد عنه ،وقال بعضهم : وإنما عبر بــ ( صاحِب ك مْ ) للإشارة إلى ملازمته صلى الله عليه وسلم لهم، طوال أربعين سنة قبل البعثة، وأنهم في تلك المدة الطويلة لم يشاهدوا منه إل الصدق، والْمانة، والعقل الراجح، والقول السديد.. وأنهم لم يخف عليهم حاله بل كانوا مصاحبين له، ومطلعين على سلوكه بينهم، فقولهم بعد بعثته صلى الله عليه وسلم إنه ساحر أو مجنون .. هو نوع من كذبهم البين، وجهلهم المطب . - و قال بعض العلماء : الضلال يقع من الجهل بالحق ، والغي هو العدول عن الحق مع معرفته ، أي ما جهل الحق وما عدل عنه ، بل هو عالم بالحق متبع له صلى الله عليه وسلم .

عدد الصفحات ٥٣

54 3/ قال الرازيقال : أول : ( ما ضل ) أي هو على الطريق ( وما غوى ) أي طريقه الذي هو عليه مستقيم ( وما ينطق عن الهوى ) أي هو راكب متنه آخذ سمت المقصود ، وذلك لْن من يسلك طريقا ليصل إلى مقصده فربما يبقى بلا طريق ، وربما يجد إليه طريقا بعيدا فيه متاعب ومهالك ، وربما يجد طريقا واسعا آمنا ، ولكنه يميل يمنة ويسرة فيبعد عنه المقصد ، ويتأخر عليه الوصول ، فإذا سلك الجادة وركب متنها كان أسرع وصول . أو بمعنى آخر : يمكن أن يقال ( وما ينطق عن الهوى ) دليل على أنه ما ضل وما غوى ، تقديره : كيف يضل أو يغوى وهو ل ينطق عن الهوى ، وإنما يضل من يتبع الهوى ، ويدل عليه قوله تعالى : ( ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ) . 4/ في قوله تعالى (مَا ضَلَّ صَاحِب ك مْ وَمَ ا غَوَىَٰ ) دللة – كما قاله الرازي - أن الله تعالى يصون من يريد إرساله في صغره عن الكفر والمعايب القبيحة كالسرقة والزنا واعتياد الكذب ، فقال تعالى : ( ما ضل ) في صغره ، لْنه ل ينطق عن الهوى . 5/ أكد الباري سبحانه عصمته لنبيه صلى الله عليه وسلم عن أن يتكلم بغير الحق فضلاا عن كونه مبلغ للقرآن عن ربه فقال ( وَمَا يَنطِق عَنِ الْهَوَىَٰ * إِنْ ه وَ إِلَّ وَحْي ي وحَىَٰ ) قال ابن عاشور رحمه الله : وهذا وصف كمال لذاته . والكلام الذي ينطق به هو القرآن لْنهم قالوا فيه { :إن هذا إل إفك افتراه [ }الفرقان : 4 ]وقالوا { :أساطير الْولين اكتتبها [ }الفرقان : 5 ] ونفي النطق عن هَوى يقتض ي نفي جنس ما يَنْطق به عن التصاف بالصدور عن هوى سواء كان القرآن أو غيره من الإِرشاد النبوي بالتعليم والخطابة والموعظة والحكمة ، ولكن القرآن هو المقصود لْنه سبب هذا الرد عليهم .

عدد الصفحات ٥٤

55 المبحث التاسع ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة القمر اقمتَرَبَتِ الس اعَةُ وَانشَق المقَمَرُ (1 )وَإِن يَرَوما آيَةً يُعمرِضُوا وَيَقُولُوا سِحمر م سمتَمِر (2 )وَكَذ بُوا وَات بَعُوا أَهموَاءَهُمم وَكُل أَممر م سمتَقِر (3) أولاً : سبب النزول : بعد وقوع تلك المعجزة الباهر للنبى - صلى الله عليه وسلم أل وهي : انشقاق القمر نصفين ، وكان ذلك بمكة قبل هجرته - صلى الله عليه وسلم - بنحو خمس سنين ، وقد رأى هذا النشقاق كثير من الناس . وقد ذكر المفسرون كثيرا من الْحاديث فى هذا الشأن ، حتى بلغت الْحاديث الواردة فيه مبلغ التواتر المعنوى . منها: ما رواه الشيخان عن أنس بن مالك قال : سأل أهل مكة النبى - صلى الله عليه وسلم - آية ، فانشق القمر بمكة مرتين ، فقال : ( اقتربت الساعة وانشق القمر ) . أقول بعد وقوع تلك المعجزة العظيمة قال مشركوا مكة : سحرنا محمد ، فقالوا : إن كان سحرنا فإنه ل يستطيع أن يسحر الناس كلهم، فأنزل الله تعالى (اقْتَرَبَتِ السَّاعَة وَانشَقَّ الْقَمَر (1 )وَإِن يَرَوْا آيَةا ي عْرِض وا وَيَق ول وا سِحْر م سْتَمِر (2 )وَكَذَّب وا وَاتَّبَع وا أَهْوَاءَه مْ وَك ل أَمْر م سْتَقِر (3) وروى الشيخان – أيضاا - عن ابن مسعود قال : انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شقتين ، حتى نظروا إليه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " اشهدوا " . ثانيا : جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم وفند هذه التهمة بأن انشقاق القمر نوع من ال سحر ، وذلك بما يأتي : 1/ بين سبحانه أن انشقاق القمر علامة على قرب الساعة فقال ( اقْتَرَبَتِ السَّاعَة وَانشَقَّ الْقَمَر ) فكان من المتوقع أن يفزع هؤلء المشركون إلى الإيمان بالله ورسوله طلباا للفوز فإذا ب هم ل يأبهون لهذا الحدث الضخم ول إلى تلك المعجزة الباهرة الدال ة على قدرة الله تعالى ووحدانيته ، وفي هذا دللة على خزيهم وانطماس بصائرهم بل دليل على خذلن الله إياهم .

عدد الصفحات ٥٥

56 2/ إن موقف المشركين من تلك المعجزة لم يتوقف عند الكفر بها بل تعدى إلى اتهام سيد العالمي ن صلى الله عليه وسلم بما هو منه براء فقال تعالى ( وَإِن يَرَوْا آيَةا ي عْرِض وا وَيَق ول وا سِحْر م سْتَمِر ) والمعنى : وإن ير هؤلء المشركون آية ومعجزة تدل على صدقك- أيها الرسول الكريم - يعرضوا عنها جحودا وعنادا. ويقولوا - على سبيل التكذيب لك- ما هذا الذي أتيتنا به يا محمد إل سحر مستمر، أى: سحر دائم نعرفه عنك، وليس جديدا علينا منك. قال صاحب الكشاف: م سْتَمِر أى دائم مطرد، وكل ش يء قد انقادت طريقته، ودامت حاله، قيل فيه قد استمر، لْنهم لما رأوا تتابع المعجزات، وترادف الآيات. قالوا ( هذا سحر مستمر ) . وعلى هذا القول نعلم أن المشركين صار اعتقادهم من س ئ إلى ما هو أسوأ حيث حكموا على جميع معجزاته صلى الله عليه وسلم بأنها سحر كحكمهم على انشقاق القمر بأنه سحر . 3/ جاء الرد الحاسم على ادعاء أن تلك المعجزة سحر فقال تعالى وَكَذَّب وا وَاتَّبَع وا أَهْوَاءَه مْ وَك ل أَمْر م سْتَقِر ) قال ابن عاشور :والمعنى : أن إعراضهم عن الآيات وافتراءهم عليها بأنها سحر ونحوه وتكذيبهم الصادق وتمالؤهم على ذلك ل يوهن وقعها في النفوس ول يعوق إنتاجها . فأمر النبي صلى الله عليه وسلم صائر إلى مصير أمثاله الحق. وقال بعضهم : وفي ه ذه الآية : تسلية وتبشير للنبي صلى الله عليه وسلم ولْصحابه بحسن العاقبة، وتيئيس وإقناط لْولئك المشركين من زوال أمر النبي صلى الله عليه وسلم كما كانوا يتمنون ويتوهمون . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى-: ( لِك ل ِ نَبَإ م سْتَقَر وَسَوْفَ تَعْلَم ونَ )

عدد الصفحات ٥٦

57 ابحث العاشر ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة ص الموضع الأول : وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم م نذِر م ِنمهُمم وَقَالَ المكَافِرُونَ هَ ذَا سَاحِر كَذ اب . الموضع الثاني : أَأُنزِلَ عَلَيمهِ الذ ِكمرُ مِن بَيمنِنَا بَلم هُمم فِ ي شَك م ِن ذِكمرِي بَل لم ا يَذُوقُوا عَذَابِ .

عدد الصفحات ٥٧

58 الموضع الأول وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم م نذِر م ِنمهُمم وَقَالَ المكَافِرُونَ هَ ذَا سَاحِر كَذ اب (4 )أَجَعَلَ الآملِهَةَ إِلَ هًا وَاحِدًا إِن هَ ذَا لَش َيمء عُجَاب (5 )وَانطَلَقَ الممَلَُ مِنمهُمم أَنِ اممشُوا وَاصمبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمم إِن هَ ذَا لَش َيمء يُرَادُ (6 )مَا سَمِعمنَا بِهَ ذَا فِي الممِل ةِ الآمخِرَةِ إِنم هَ ذَا إِلا اخمتِلاَق (7 )أَأُنزِلَ عَلَيمهِ الذ ِكمرُ مِن بَيمنِنَا بَلم هُمم فِي شَك م ِن ذِكمرِ ي بَل لم ا يَذُوقُوا عَذَابِ (8) أولاً : سبب نزولها وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات منها: أن جماعة من قريش اجتمعوا في نفر من مشيخة قريش، فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى أبى طالب، لنكلمه في شأن ابن أخيه ... فلما دخلوا على أبى طالب قالو ا له: أنت كبيرنا وسيدنا، فأنصفنا من ابن أخيك، فمره فليكف عن شتم آلهتنا، وندعه وإلهه. فقال أبو طالب للنبي صل ى الله عليه وسلم يا ابن أخى هؤلء مشيخة قريش، وقد سألوك أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك . فقال صل ى الله عليه وسلم: ( يا عم، أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم؟ ) قال: وإلم تدعوهم؟ قال: ( أدعوهم أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم) .فقال أبو جهل من بين القوم: ما هي وأبيك؟ لنعطينها لك وعشرة أمثالها، فقال صل ى الله عليه وسلم: ( تقولون : ل إله إل الله ) فنفر أبو جهل وقال: سلنا غير هذا ؟ فقال صل ى الله عليه وسلم: ( لو جئتمونى بالشمس حتى تضعوها في يدي، ما سألتكم غيرها ) فقاموا غضابا. وقالوا : والله لنشتمنك وإلهك الذي أرسلك بهذا ، فنزلت هذه الآيات . وفي رواية – جاء في آخرها – ( فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : قولوا ل إله إل الله . فنفر وا من ذلك وقاموا ، فقالوا : أجعل الآلهة إلها واحدا فكيف يسع الخلق كلهم إله واحد . فأنزل الله فيهم هذه الآيات إلى قوله : كذبت قبلهم قوم نوح ) ذكرها القرطبي . ثانياً : تضمنت الآية بحسب ما ورد في سبب النزول استنكار المشركين أن يكون للكون إله واحد ، والوقوع في السخرية من النبي صلى الله عليه وسلم واتهامه بأنه ساحر - وحاشاه - حين دعاهم إلى أن يقولوا : لا إله إلا الله .

عدد الصفحات ٥٨

59 ثالثاً : جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم ووجه القرآن سهامه ضد أولئك المل من قريش الذين اجتعموا على الباطل وعلى مهاجمة من يدعو إل ى التوحيد والصد عن سبيله و وفند هذه التهمة الموجهة إلى النبي صلى الله عليه وسلم واتهامه بأنه ساحر ، وذلك بما يأتي: 1/ تعجب القرآن من تعجبهم كما رد على فريتهم فقال وَعَجِب وا أَن جَاءَه م م نذِر م ِنْه مْ وَقَالَ الْكَافِر ونَ هََٰذَا سَاحِر كَذَّاب ) ومعنى ( وَعَجِب وا ) مأخوذ من العجب، وهو تغير في النفس من أمر ل ترتاح إليه، وتخفى لديها أسبابه.أى: وعجب هؤلء الكافرون من مجيء منذر منهم ينذرهم بسوء عاقبة الشرك . ويأمرهم بعبادة الله- تعالى- وحده . وَقالَ هؤلء الْكافِر ونَ عند ما دعاهم الرسول صل ى الله عليه وسلم إلى الدين الحق.(هذا ساحِر كَذَّاب ) أى: قالوا : هذا الرسول ساحر لْنه يأتينا بخوارق لم نألفها، وكذاب فيما يسنده إلى الله- تعالى- من أنه- سبحانه- أرسله إلينا. 2/ الحقيقة التي ل تخفى على أحد من أولئك الكفار وهي أن رسولصل ى الله عليه وسلم ليس بساحر ، ولكن هذه التهمة سببها كفرهم و هو الباعث لهم على وصف الرسول صل ى الله عليه وسلم بما هو منزه عنه من السحر والكذب . وقال الرازي :اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار كونهم في عزة وشقاق أردفه بشرح كلماتهم الفاسدة فقال : ( وعجبوا أن جاءهم منذر منهم ) . في قوله : ( منهم ) وجهان . الأول : أنهم قالوا : إن محمدا - صل ى الله عليه وسلم - مساو لنا في الخلقة الظاهرة والْخلاق الباطنة والنسب والشكل والصورة ، فكيف يعقل أن يختص من بيننا بهذا المنصب العالي والدرجات والرفيعة . والثاني : أن الغرض من هذه الكلمة التنبيه على كمال جهالتهم ، وذلك لْنه جاءهم رجل يدعوهم إلى التوحيد وتعظيم الملائكة والترغيب في الآخرة ، والتنفير عن الدنيا ، ثم إن هذا الرجل من أقاربهم يعلمون أنه كان بعيدا من الكذب والتهمة ; وكل ذلك مما يوجب العتراف بتصديقه ، ثم إن هؤلء الْقوام لحماقتهم يتعجبون من قوله – ل إله إل الله - ،ونظيره قوله : ( أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون [ )المؤمنون : 69 ]

عدد الصفحات ٥٩

60 فقال : ( وعجبوا أن جاءهم منذر منهم ) ومعناه أن محمدا كان من رهطهم وعشيرتهم وكان مساويا لهم في الْسباب الدنيوية فاستنكفوا من الدخول تحت طاعته ومن النقياد لتكاليفه ، و عجبوا أن يختص هو من بينهم برسالة الله وأن يتميز عنهم بهذه الخاصية الشريفة ، وبالجملة فما كان لهذا التعجب سبب إل الحسد . 3/ قال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى وقد رد الله تعالى على الكفار عجبهم من إرسال الرسل من البشر في آيات من كتابه ، كقوله تعالى : ( وما أرسلنا قبلك من المرسلين إل إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الْسواق ) [الفرقان / 20 ]وقوله تعالى : ( ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية ) [الرعد / 38 ]وقوله تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك إل رجال نوحي إليهم من أهل القرى ) يوسف (109 ) وقوله تعالى : ( وما أرسلنا قبلك إل رجال نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم ل تعلمون وما جعلناهم جسدا ل يأكلون الطعام وما كانوا خالدين ) الْنبياء ( 7 - 8 ) وقوله تعالى : ( قالت لهم رسلهم إن نحن إل بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده ) إبراهي م ( 11 ) أي بالرسالة والوحي ولو كان بشرا مثلكم إلى غير ذلك من الآيات. 4/ رد الله تعالى على افترائهم على سيدنا رسول الله صل ى الله عليه وسلم فقال تعالى : ( وقال الكافرون هذا ساحر كذاب ) وإنما لم يقل ( وقالوا ) بل قال : ( وقال الكافرون ) فوصفهم بالكفر وهذا الوصف هو عين الرد على اتهامهم إياه صل ى الله عليه وسلم بالسحر والكذب ، كما أن فيه إظهارا للتعجب ودللة على أن هذا القول ل يصدر إل عن الكفر التام ، فإن الساحر هو الذي يمنع من طاعة الله ، ويدعو إلى طاعة الشيطان ، وهو صل ى الله عليه وسلم عندكم بالعكس من ذلك ، والكذاب هو الذي يخبر عن الش يء ل على ما هو عليه ، وهو صل ى الله عليه وسلم يخبر عن وجود الصانع القديم الحكيم العليم ، وعن الحشر والنشر وسائر الْشياء التي تثبت بدلئل العقول صحتها فكيف يكون كذابا ؟؟ 5/ حكى الله تعالى حالة صناديد قريش وهم يخرجون من عند النبي صل ى الله عليه وسلم بعد أن رد عليهم بقوله ( لو جئتمونى بالشمس حتى تضعوها في يدي، ما سألتكم غيرها ) فقال تعالى : ( وانطلق المل منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم ) والم عنى أنه قال بعضهم لبعض امشوا واصبروا ، فلا حيلة لكم في دفع أمر محمد - صل ى الله عليه وسلم - ( إن هذا لش يء يراد ) .

عدد الصفحات ٦٠

61 - قال الرازي رحمه الله تعالى : وفيه - أي الش ئ الذي يراد - ثلاثة أوجه : أحدها : ظهور دين محمد صلى الله عليه وسلم ليس له سبب ظاهر يثبت أن تزايد ظهوره ليس إل لْن الله يريده ، وما أراد الله كونه فلا دافع له . وثانيها : أن الْمر كش يء من نوائب الدهر فلا انفكاك لنا منه . وثالثها : أن دينكم لش يء يراد أي يطلب ليؤخذ منكم ، قال القفال : هذه كلمة تذكر للتهديد والتخويف وكأن معناها أنه ليس غرض محمد صل ى الله عليه وسلم من هذا القول تقرير الدين ، وإنما غرضه أن يستولي علينا فيحكم في أموالنا وأو لدنا بما يريد ، 6/ حكى الله تعالى فرية أخرى من افتراءاتهم بعد خروجهم من ذلك المجلس حيث ادعوا أنهم لم يسمعوا أن أحداا من السابقين أنكر عبادة الْصنام : ( ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة ) والملة الآخرة هي ملة النصارى فقالوا إن هذا التوحيد الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم ما سمعناه في دين النصارى ، أو يكون المراد بالملة الآخرة ملة قريش التي أدركوا آباءهم عليهم ، ثم قالوا : ( إن هذا إلا اختلاق ) افتعال وكذب ، وحاصل الكلام من هذا الوجه أنهم قالوا نحن ما سمعنا عن أسلافنا القول بالتوحيد ، فوجب أن يكون باطلا ، ولو كان القول بالتقليد حقا لكان كلام هؤلء المشركين حقا ، وحيث كان باطلا علمنا أن القول بالتقليد باطل . فائتان مهمتان : الأولى : قال في الأضواء :قوله تعالى : وعجبوا أن جاءهم منذر منهم . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن كفار قريش عجبوا من أجل أن جاءهم رسول منذر منهم ، وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة ، من عجبهم المذكور ، ذكره في غير هذا الموضع وأنكره عليهم وأوضح تعالى سببه ورده عليهم في آيات أخر ، فقال في عجبهم المذكور : ( ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم ) ( ق/ 1 - 2 ) .وقال تعالى في إنكاره عليهم في أول سورة يونس ( أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس ) آية ( 2 )

عدد الصفحات ٦١

62 وذكر مثل عجبهم المذكور في سورة الْعراف عن قوم نوح وقوم هود ، فقال عن نوح مخاطبا لقومه : ( أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحم ون ) الْعراف ( 63 ) .وقال عن هود مخاطبا لعاد : أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح الآية [الْعراف / 69 ]، الثانية : قال في الأضواء : وبين أن سبب عجبهم من كون المنذر منهم أنه بشر مثلهم زاعمين أن الله ل يرسل إليهم أحدا من جنسهم . وأنه لو أراد أن يرسل إليهم أحدا لْرسل إليهم ملكا لْنه ليس بشرا مثلهم وأنه ل يأكل ول يشرب ول يمش ي في الْسواق . والآيات في ذلك كثيرة كقوله تعالى : ( وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إل أن قالوا أبعث الله بشرا رسول قل لو كان في الْرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسول ) [الإسراء /94 - 95 ]وقوله تعالى : أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون [المؤمنون / 47 ]وقوله تعالى : ( وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إل بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون ) [المؤمنون/ 33 - 34 . ]وقوله تعالى : ( ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا )الآية [التغابن / 6 . ]وقوله تعالى : ( كذبت ثمود بالنذر فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر ) [القمر 23 - 24 . ]

عدد الصفحات ٦٢

63 الموضع الثاني أَأُنزِلَ عَلَيمهِ الذ ِكمرُ مِن بَيمنِنَا بَلم هُمم فِي شَك م ِن ذِكمرِي بَل لم ا يَذُوقُوا عَذَابِ (8 )أَمم عِندَهُمم خَزَائِنُ رَحممَةِ رَب ِكَ المعَزِيزِ الموَه ابِ (9 )أَمم لَهُم م لمكُ الس مَاوَاتِ وَالأمَرمضِ وَمَا بَيمنَهُمَا فَلميَرمتَقُوا فِي الأمَسمبَابِ (10) أولاً : سبب نزولهالقد صرح أبو جهل بحسده للنبي صل ى الله عليه وسلم فعندما سأله سائل، أتظن محمدا على حق أم على باطل؟ كان جوابه : إن محمدا لعلى حق ولكن متى كنا لبنى هاشم تبعا. أى: متى كانت أسرتنا تابعة لبنى هاشم.!! وفي رواية أنه قال: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف : أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب، وكنا كفرس ي رهان، قالوا : منا نبي يأتيه الوحى من السماء، فمتى ندرك هذه؟ والله ل نؤمن به أبدا ول نصدقه. ثانياً : بين المولى سبحانه أن المشركين استنكروا أن ينزل القرآن على محمد صل ى الله عليه وسلم فقالوا ( أَأ نْزِلَ عَلَيْهِ الذ ِكْر مِنْ بَيْنِنا؟ ) ونحن السادة الْغنياء العظماء، وهو دوننا في ذلك؟ إننا ننكر وننفى دعواه النبوة من بيننا. - قال صاحب الكشاف: أنكروا أن يختص بالشرف من بين أشرافهم ورؤسائهم وينزل عليه الكتاب من بينهم، كما قالوا : ( لَوْل ن ز ِلَ هذَا الْق رْآن عَلى رَج ل مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم ) وهذا الإنكار ترجمة عما كانت تغلى به صدورهم من الحسد على ما أوتى من شرف النبوة من بينهم . ثالثاً : جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم ووجه القرآن سهامه ضد أولئك المل من قريش الذين استنكروا نبوة سيدنا محمد - صل ى الله عليه وسلم - وذلك بعدة طرق : 1/ كشف عن دواخل أولئك المشركين فبين أنهم متذبذبون في شأنه وشأن رسالته ونبوته فقال سبحانه : ( بَلْ ه مْ فِي شَك مِنْ ذِكْرِي ) افتتح الكلام بقوله (بل) التي تفيد الإ ضراب عن كلامهم أي أعرض قولهم لك ( أَأ نْزِلَ عَلَيْهِ الذ ِكْر مِنْ بَيْنِنا؟ ) وفي هذا تسلية للرسول صل ى الله عليه وسلم عما أصابه منهم من أذى.

عدد الصفحات ٦٣

64 ومعنى الآية : هؤلء الجاحدون الحاقدون لم يقطعوا برأى في شأنك- أيها الرسول الكريم - وفي شأن ما جئتهم به، ولم يستندوا في أقوالهم إلى دليل أو ما يشبه الدليل، وإنما هم في شك من هذا القرآن الذي أيدناك به، بدليل أنك تراهم يصفونك تارة بالسحر، وتارة بالكهانة، وتارة بالشعر، ولو عقلوا وأنصفوا لآمنوا بك وصدقوك . 2 /ويحتمل أن يكون المراد من قوله : ( بل هم في شك من ذكري ) هو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخوفهم من عذاب الله لو أصروا على الكفر ، ثم إنهم أصروا على الكفر ، ولم ينزل عليهم العذاب ، فصار ذلك سببا لشكهم في صدقه ، وقالوا : ( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء [ )الْنفال : 32 ]فقال : ( بل هم في شك من ذكري ) معناه ما ذكرناه ، وقوله تعالى : ( بل لما يذوقوا عذاب ) معناه أن ذلك الشك إنما حصل بسبب عدم نزول العذاب .أفاده الرازي 3/ طمأن الله تعالى نبيهصل ى الله عليه وسلم بأن المشركين ما وصلوا إلى هذه الدرجة من الوقاحة والجرأة عليك إل لْنهم (بَلم لمَ ا يَذُوقُوا عَذابِ ) فقوله تعالى (بل) إضراب عن مجموع الكلامين السابقين المشتملين على الحسد والشك . ومعنى الآية : ل تحزن - أيها الرسول الكريم - من مسالكهم الخبيثة، وأقوالهم الفاسدة. فإنهم ما فعلوا ذلك إل لْنهم لم يذوقوا عذابي بعد، فإذا ذاقو ه زال حسدهم وشكهم، وتيقنوا بأنك على الحق المبين، وهم على الباطل الذي ل يحوم حوله حق.وفي التعبير بقوله ( لمََّا ) إشارة إلى أن نزول العذاب بهم وتذوقهم له، قريب الحصول . 4/قال الرازي : حكي الله تعالى عن قوم محمد صلى الله عليه وسلم أيضا أنهم قالوا : ( لول نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم [ )الزخرف : 31 ]وتمام الكلام في تقرير هذه الشبهة : أنهم قالوا النبوة أشرف المراتب ، فوجب أن ل تحصل إل لْشرف الناس ومحمد ليس أشرف الناس ، فوجب أن ل تحصل له النبوة ، والمقدمتان الْوليان حقيقتان ، لكن الثالثة كاذبة وسبب رواج هذا التغليط عليهم أنهم ظنوا أن الشرف ل يحصل إل بالمال والْعوان وذلك باطل ، فإن مراتب السعادة ثلاث أعلاها هي النفسانية وأوسطها هي البدنية ، وأد ونها هي الخارجية وهي المال

عدد الصفحات ٦٤