33 نظروا إلي بأعين محمرة نظر التيوس إلى شفار الجازر وبين الله تعالى أن هذا النظر كان يشتد منهم في حال قراءة النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن وهو قوله : ( لما سمعوا الذكر) الثاني : منهم من حمله على الإصابة بالعين بناءا على ما سبق ذكره في سبب النزول . ثالثاً : جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم مما أراده به المشركون من محولة إيذاءه - بالعين أو غيرها - بطرق عديدة : 1 /عرَّف الله رسوله صلى الله عليه وسلم بعض ما تنطوي عليه نفوس المشركين نحو النبي صلى الله عليه وسلم من الحقد والغيظ وإضمار الشر عندما يسمعون القرآن ، فقال تعالى : ( وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك ) ومعنى ( لَي زْلِق ونَكَ ) : لينقذونك بأبصارهم ، أى : لَيعَينوك بأبصارهم ، بمعنى ليحسدونك لبغضهم إياك ، لول وقاية الله لك ، وحمايتك منهم . قاله ابن كثير . وقال القرطبي : (وأن مرادهم بالنظر إليه قتله . ول يمنع كراهة الش يء من أن يصاب بالعين عداوة حتى يهلك ،، قال الهروي : أراد ليعتانونك بعيونهم فيزيلونك عن مقامك الذي أقامك الله فيه عداوة لك ) . 2/ بين الله تعالى السر في قول المشركين لسيد العالمين صلى الله عليه وسلم (إِنَّه لمََجْن ون ) إنما يقولون ذلك اعتلالا لْنفسهم إذ لم يجدوا في الذكر الذي يسمعونه مدخلاا للطعن فيه فانصرفوا إلى الطعن في صاحبه صلى الله عليه وسلم بأنه مجنون لينتقلوا من ذلك إلى أن الكلام الجاري على لسانه ل يوثق به ليصرفوا دهماءهم عن سماعه ) قاله ابن عاشور . 3 /أبطل الله قولهم { :إنه لمجنون }بقوله { :وما هو إل ذكر للعالمين ، }أي ما القرآن إل ذكر للناس كلهم وليس بكلام المجانين ، وينتقل من ذلك إلى أن الناطق به ليس من المجانين في ش يء .
عدد الصفحات ٣٣34 المبحث الثالث ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة المدثر الموضع الأول : ذَرمنِي وَمَنم خَلَقمتُ وَحِيدًا * وَجَعَلمتُ لَهُ مَالاً م ممدُودًا . الموضع الثاني : وَمَا جَعَلمنَا أَصمحَابَ الن ارِ إِلا مَلاَئِكَةً وَمَا جَعَلمنَا عِد تَهُمم إِلا فِتمنَةً .
عدد الصفحات ٣٤35 الموضع الأول قوله تعالى: ذَرمنِي وَمَنم خَلَقمتُ وَحِيدًا (11 )وَجَعَلمتُ لَهُ مَالاً م ممدُودًا (12 )وَبَنِينَ شُهُودًا (13 ) وَمَه دت لَهُ تَممهِيدًا (14 )ثُم يَطممَعُ أَنم أَزِيدَ (15 )كَ إِن هُ كَانَ لآِيَاتِنَ ا عَنِيدًا (16 )سَأُرمهِقُهُ صَعُودًا (17 )إِن هُ فَك رَ وَقَد رَ (18) فَقُتِلَ كَيمفَ قَد رَ (19 )ثُم قُتِلَ كَيمفَ قَد رَ (20 )ثُم نَظَرَ (21 )ثُم عَبَسَ وَبَسَرَ (22 )ثُم أَدمبَرَ وَاسمتَكمبَرَ (23 )فَقَالَ إِنم هَ ذَا إِلا سِحمر يُؤمثَرُ (24 )إِنم هَ ذَا إِلا قَوملُ المبَشَرِ (25 )سَأُصملِيهِ سَقَرَ (26 )وَمَا أَدمرَاكَ مَا سَقَرُ (27 )لاَ تُبمقِي وَلاَ تَذَرُ ) أولاً : سبب نزولها : لقد ذكر المفسرون أن هذه الآيات نزلت في شأن الوليد بن المغيرة المخزومي، وبينهم ما يشبه التفاق فقالوا ما ملخصه : إن المشركين عندما اجتمعوا في دار الندوة، ليتشاوروا فيما يقولونه في شأن الرسول صلى الله عليه وسلم وفي شأن القرآن الكريم - قبل أن تقدم عليهم وفود العرب للحج - فقال بعضهم: هو شاعر، وقال آخرون بل هو كاهن.. أو مجنون .. وأخذ الوليد يفكر ويرد عليهم، ثم قال بعد أن فكر وقدر: ما هذا الذي يقوله محمد صلى الله عليه وسلم إل سحر يؤثر، أما ترونه يفرق بين الرجل وامرأته، وبين الْخ وأخيه ). وقال ابن كثير ( وقال قتادة : زعموا أنه قال : والله لقد نظرت فيما قال الرجل فإذا هو ليس بشعر ، وإن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإنه ليعلو وما يعلى ، وما أشك أنه سحر ، فأنزل الله : ( فقتل كيف قدر ) الآية . ( ثم عبس وبسر ) قبض ما بين عينيه وكلح . ثانياً : تضمنت الآيات بحسب ما ورد في سبب النزول اتهام الوليد بن المغير ة النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر - وحاشاه - وأن القرآن سحر وقد كذ ب . ثالثاً : جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم ورد هذه التهمة بطرق عديدة ، وهي : 1/ بدأت الآيات بتهديد القائل لهذا الفتراء على خاتم الْنبياء صلى الله عليه وسلم قبل ذكر افترائه ، وهذا غاية في العناية بإبعاد ذلك عنه صلى الله عليه وسلم ، فقال تع الى : (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْت وَحِيداا (11 )وَجَعَلْت لَه مَالا مَّمْد وداا (12 )وَبَنِينَ ش ه وداا (13 )وَمَهَّدت لَه تَمْهِيداا (14 )ث م
عدد الصفحات ٣٥36 يَطْمَع أَنْ أَزِيدَ (15) قال الآلوس ى: وقوله : وَحِيداا حال من الياء في ذَرْنِي أى: ذرني وحدي معه فأنا أغنيك في النتقام منه . ويحتمل أن يقال : أى: اصبر- أيها الرسول الكريم - على ما يقوله أعداؤك فيك من كذب وبهتان، واتركني وهذا الذي خلقته وحيدا فريدا ل مال له ول ولد ثم أعطيته الكثير من النعم، فلم يشكرني على ذلك. 2 /ومما حل بالوليد هذا من العقوبة بسبب مقالته تلك أن بيَّن الله تعالى ما أعده له من عذاب أليم فقال: سَأ رْهِق ه صَع وداا . والإرهاق: الإتعاب الشديد، وتحميل الإنسان ما ل يطيقه. يقال: فلان رهقه الْمر يرهقه،إذا حل به بقهر ومشقة ل قدرة له على دفعها. ومنه قوله - تعالى: ( وَل ت رْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي ع سْراا ) والصعود : العقبة الشديدة، التي ل يصل الصاعد نحوها إل بمشقة كبيرة، وتعب قد يؤدى إلى الهلاك والتلف . وهذه الكلمة صيغة مبالغة من الفعل صعد. كما توعده تعالى بالوعيد الشديد الذي سيلقاه هذا الشقي الْثيم بقوله ( سَأ صْلِيهِ سَقَرَ ) أي سأدخله سقر كي يصلى حرها . وإنما سميت سقر من سقرته الشمس : إذا أذابته ولوحته ، وأحرقت جلدة وجهه ،. قال ابن عباس : هي الطبق السادس من جهنم . 3 /انتقم الله تعالى من الوليد بأن أماته شر ميتة فقد كان من خبر وفاته ما حكاه أهل السير : أن سبب وفاته أن جرحاا كان قد أصابه بأسفل كعب رجله قبل سنين انتقض عليه فقتله، وكان ذلك الجرح قد أصابه حين مر برجل من خزاعة وهو يريش نبلاا له، فتعلق سهم من نبله بإزاره، فخدش رجله ذلك الخدش الذي كان سبب موته. ويروى أنه حين حضرته الوفاة دعا بنيه وكانوا يومئذ ثلاثة: هشام بن الوليد، والوليد بن الوليد، وخالد بن الوليد، فقال لهم« :أي بني، أوصيكم بثلاث فلا تضي عوا فيهن، دمي في خزاعة فلا تطلنه، والله إني لْعلم أنهم منه براء، ولكني أخش ى أن تسبوا به بعد اليوم، ورباي في ثقيف فلا تدعوه حتى تأخذوه، وعقري (صداق المرأة ) عند أبي أزيهر الدوس ي فلا يفوتنكم فيه» .وكان أبو أزيهر قد زوجه بنتاا ثم أمسكها عنه فلم يدخله عليها حتى مات[.1 ]وقد مات الوليد بن المغيرة بعد الهجرة بثلاثة أشهر عن خمس وتسعين سنة ودفن في الحجون بمكة. (كذا في ابن الْثير والحلبية )
عدد الصفحات ٣٦37 الموضع الثاني قوله تعالى : وَمَا جَعَلمنَا أَصمحَابَ الن ارِ إِلا مَلاَئِكَةً وَ مَا جَعَلمنَا عِد تَهُمم إِلا فِتمنَةً ل ِل ذِينَ كَفَرُوا لِيَسمتَيمقِنَ ال ذِينَ أُوتُوا المكِتَابَ وَيَزمدَادَ ال ذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلاَ يَرمتَابَ ال ذِينَ أُوتُوا المكِتَابَ وَالممُؤممِنُونَ وَلِيَقُولَ ال ذِينَ فِي قُلُوبِهِم م رَض وَ المكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ الل هُ بِهَ ذَا مَثَلاً كَذَ لِكَ يُضِل الل هُ مَن يَشَاءُ وَيَهمدِي مَن يَشَاءُ وَمَا يَعملَمُ جُنُودَ رَب ِكَ إِلا هُوَ وَمَا هِيَ إِلا ذِكمرَى لِلمبَشَرِ (31) أولاً سبب نزولها قال الجمل في حاشيته: قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ،قال أبو جهل لقريش : ثكلتكم أمهاتكم! محمد صلى الله عليه وسلم يخبر أن خزنة النار تسعة عشر، وأنتم الشجعان، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم؟فقال أبو الْشد : أنا أكفيكم منهم سبعة عشر، عشرة على ظهري، وسبعة على بطني.واكفوني أنتم اثنين.. فأنزل الله- تعالى-: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّ مَلائِكَةا . ثانياً : تضمنت الآيات بحسب ما ورد في سبب النزول وقوع المشركين في السخرية من النبي صلى الله عليه وسلم عندما عرفوا منه أن على سقر تسعة عشر ملكا، وزعموا أنهم سيتو لون أمره م . ثالثاً : جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم ورد هذه التهمة بالرد على سخرية المشركين بما يأتي : 1/ بقوله تعالى ( وَمَا جَعَلمنَا أَصمحَابَ الن ارِ إِلا مَلاَئِكَةً ) أى: إننا أوجدنا النار لعذاب الكافرين، وما جعلنا خزنتها إل من الملائكة الغلاظ الشداد، الذين ل يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، والذين ل قدرة لْحد من البشر على مقاومتهم أو مخالفة أمرهم، لْنهم أشد بأسا، وأقوى بطشا من كافة الإنس والجن .. 2/ وبقوله تعالى ( وَما جَعَلمنا عِد تَهُمم إِلا فِتمنَةً لِل ذِينَ كَفَرُ وا ) بيان لحكمة أخرى من ذكر هذا العدد ، والفتنة بمعنى الختبار والمتحان . تقول : فتنت الذهب بالنار، أى: اختبرته بها، لتعلم جودته من رداءته. وقوله : إِلَّ فِتْنَةا مفعول ثان لقوله جَعَلْنا والكلام على حذف مضاف. أى: وما جعلنا عدة خزنة النار تسعة عشر، إل ليكو ن هذا العدد سبب فتنة واختبار للذين كفروا، ولقد
عدد الصفحات ٣٧38 زادهم هذا المتحان والختبار جحودا وضلال، ومن مظاهر ذلك أنهم استهزءوا بالنبي صلى الله عليه وسلم عند ما قرأ عليهم القرآن، فحق عليهم عذابنا ووعيدنا. 3/ قال الإمام الرازي : وإنما صار هذا العدد سببا لفتنة الكفار من وجهين: الأول : أن الكفار كانوا يستهزئون ويقولون : لم ل يكونون عشرين - بدل من تسعة عشر- وما المقتض ى لتخصيص هذا العدد؟. والثاني : أن الكفار كانوا يقولون : هذا العدد القليل، كيف يكون وافيا بتعذيب أكثر العالم من الجن والإنس ..؟ وأجيب عن الأول : بأن هذا السؤال لزم على كل عدد يفرض، وأفعال الله- تعالى- ل تعلل، فلا يقال فيها لم كان هذا العدد، فإن ذكره لحكمة ل يعلمها إل هو- سبحانه-. وأجيب عن الثاني: بأنه ل يبعد أن الله- تعالى- يعطى ذلك العدد القليل قوة تفي بذلك، فقد اقتلع جبريل وحده . مدائن قوم لوط على أحد جناحيه، ورفعها إلى السماء.. ثم قلبها، فجعل عاليها سافلها..- وأيضا - فأحوال القيامة، ل تقاس بأحوال الدنيا، وليس للعقل فيها مجال... 4/ وبقوله تعالى وَمَا يَعملَمُ جُنُودَ رَب ِكَ إِلا هُوَ ) قال القرطبي : أي وما يدري عدد ملائكة ربك الذين خلقهم لتعذيب أهل النار إل هو أي إل الله - جل ثناؤه - وهذا جواب لْبي جهل حين قال : أما لمحمد من الجنود إل تسعة عشر . وقال ابن كثير ( أى: وما يعلم عددهم وكثرتهم إل هو- تعالى-، لئلا يتوهم متوهم أنماهم تسعة عشر فقط.وقد ثبت في حديث الإسراء المروي في الصحيحين وغيرهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في صفة البيت المعمور، الذي في السماء السابعة: فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ).
عدد الصفحات ٣٨39 المبحث الرابع ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة المسد الموضع الأول : تَب تم يَدَا أَبِي لَهَب وَتَب * مَ ا أَغمنَى عَنمهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ . الموضع الثاني : وَاممرَأَتُهُ حَم الَةَ المحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبمل م ِن م سَد .
عدد الصفحات ٣٩40 الموضع الأول قوله تعالى : تَب تم يَدَا أَبِي لَهَب وَتَب (1 )مَا أَغمنَى عَنمهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2 )سَيَصم لَى نَارًا ذَاتَ لَهَب (3 ) أولاً : سبب نزولهاروى البخاري ومسلم في صحيحيهما، من حديث ابن عباس - رض ي الله عنهما - قال: صعد النبي - صلى الله عليه وسلم - الصفا ذات يوم، فقال: ((يا صباحاه))، فاجتمعتْ إليه قريش ، قالوا : ما لك؟ قال: (( أرأيتم لو أخبرت كم أن العدوَّ يصب ِحكم أو يمسيكم، أمَا كنتم تصد ِقونني؟ ))، قالوا : بلى، قال: ((فإني نذير لكم بين يَدَيْ عذاب شديد))، فقال أبو لهب: تبًّا لك، ألهذا جمعتَنا؟ ! فأنزل الله: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَب وَتَبَّ ﴾، وفي رواية أن أبا لهب قال: "تبًّا لك سائر اليوم" وفي رواية: أنه قام ينفض يديه وجعل يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: تبا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا، فأنزل الله- تعالى- هذه السورة». وأبو لهب: هو أحد أعمام النبي صلى الله عليه وسلم واسمه عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم. ثانياً : تضمنت الآيات بحسب ما ورد في سبب النزول وقوع أبي لهب في السخرية من النبي صلى الله عليه وسلم والرد على مقالته واتهامه بأنه خاسر وحاشاه عليه الصلاة والسلام . وأشد ما يكون الْلم والحسرة عندما يكون خصمك الذي يظلمك هو قريبك الذي تنتظر نصرته والوقوف بجانبك ، يقول الشاعر : وظُلممُ ذَوِي القُ رمبَى أَشَد مَضَاضَـةً عَلَى المَرمءِ مِنم وَقمعِ الحُسَامِ المُهَن ـدِ - ومما ورد في عدواة أبي لهب - لعنه الله - للنبي صلى الله عليه وسلم ما رو اه الإمام أحمد في مسنده من حديث ربيعةَ بنِ عباد الديلي - وكان جاهليًّا أسلم - قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بَصَرَ عيني بسوق ذي المجاز يقول : ((يا أيها الناس، قولوا : ل إله إل الله، ت فلحوا )) ويدخل في فجاجها، والناس متقص ِفون عليه، فما رأيت أحداا يقول شيئاا، وهو ل يسكت يقول : ((أيها الناس، قولوا : ل إله إل الله، تفلحوا ))، إل أن وراءه رجلاا أحول، وض يءَ الوجه، ذا غديرتين،
عدد الصفحات ٤٠41 يقول: إنه صابئ كاذب، فقلت : مَن هذا؟ قالوا : محمد بن عبدالله، وهو يذكر النبوة، قلت: من هذا الذي يكذ ِبه؟ قالوا : ( عم ه أبو لهب ). وكان كثيرَ الْذية لرسول الله صلى الله عليه وسلم و شديد البغض له، والزدراء به، والتنقص له ولدين ه. ثالثاً : جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم وصد هذا الإيذاء الشديد ودفعه عنه عليه الصلاة والسلام قولاً وفعلاً : 1/ بقوله تعالى : ( تَب تم يَدَا أَبِي لَهَب وَتَب ): ومعنى تَبَّتْ هلكت وخسرت، ومنه قوله تعالى: وَما كَيْد فِرْعَوْنَ إِلَّ فِي تَباب وقوله - سبحانه-: وَما زاد وه مْ غَيْرَ تَتْبِيب . وقوله : وَتَبَّ أى: وقد تب وهلك وخسر، فالجملة الْولى دعاء عليه بالهلاك والخسران، والجملة الثانية: إخبار عن أن هذا الدعاء قد استجيب، وأن الخسران قد نزل به فعلا. أى: خسرت وخابت يدا أبى لهب، وقد نزل هذا الهلاك والخسران به، بسبب عداوته الشديدة للحق، الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عند ربه- سبحانه. 2 /وبقوله تعالى مَا أَغْنَىَٰ عَنْه مَال ه وَمَا كَسَبَ ) أي: ماله وما كسب لن يغني عنه شيئاا من عذاب الله، والآية تشمل الْولدَ، وتشمل المالَ المكتسَب الذي ليس في يده الآن، وتشمل ما كسَبه من شرف وجاه ، وكل ما كسبه مما يزيده شرفاا وعزًّا، فإنه ل يغني عنه شيئاا، كما قال - تعالى -: ﴿ مَا أَغْنَى عَن ِي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَن ِي س لْطَانِيَهْ ﴾الحاقة: 28، 29]، وكما قال - تعالى -: ﴿ إِنَّ الَّذِ ينَ كَفَر وا لَنْ ت غْنِيَ عَنْه مْ أَمْوَال ه مْ وَل أَوْلد ه مْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاا وَأ ولَئِكَ ه مْ وَق ود النَّارِ ﴾ آل عمران : 10 3/ أخبر الله تعالى أن أبا لهب في النار وسيموت على الكفر وذلك كله انتقماا للنبي صلى الله عليه وسلم ، وليس هناك شر من أن يموت على الإنسان على الكفر ويدخل النار ،قال تعالى: ( سَيَصْلَى نَاراا ذَاتَ لَهَب ) أي: ذات شرر ولهب وإحراق شديد، والمعنى أن الله توعَّده بأنه سيصْلَى ناراا ذات لهب عن قريب؛ لْن متاع الدنيا والبقاء فيها مهما طال فإن الآخرة قريبة، حتى الناس في البرزخ وإن مرَّت عليهم الس ِنون الطوال، فكأنها ساعة، قال - تعالى -: ﴿ كَأَنَّه مْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا ي وعَد ونَ لَمْ يَلْبَث وا إِلَّ سَاعَةا مِنْ نَهَار ﴾الْحقاف : 35]، وش يء مقدَّر بساعة من نهار، فإنه قريب .
عدد الصفحات ٤١42 4/ ومن دفاع الله تعالى الفعلي عن النبيصلى الله عليه وسلم أنه تعالى أمات أبا لهب شر ميتة، وانتقم الله لنبي ِه منه. قال ابن إسحاق: بعد غزوة بدر بعدة ليال ، أصيب بمرض العدسة فمات، وخاف ابناه أن يقتربا منه ليدفناه فيصابا بالمرض، فتركاه ثلاثاا حتى أنتن، فقال رجل من قريش : ويْحكما، أل تستحيان؟ ادفنا أباكما! فقال: نخش ى من هذه القرحة، فقال: أنا أعينكما عليه، فأخرجوه إلى الصحراء، فوالله ما غسلوه إل قذفاا بالماء من بعيد، ما يدْنون منه، ثم احتملوه إلى أعلى مكة، فأسندوه إلى جدار ثم رموه بالحجارة وإلى جهنم وبئس المصير) ذكره في عيون الْثر"، لبن سيد الناس (1 /410.) وال عدسة : بثرة تشبه العدسة، تخرج في مواضع من الجسد تقتل صاحبها غالباا، وهي من البثور المعدية، شبهها بعض المعاصرين بمرض الجدري .
عدد الصفحات ٤٢43 الموضع الثاني قوله تعال : وَاممرَأَتُهُ حَم الَةَ المحَطَبِ (4 )فِي جِيدِهَا حَبمل م ِن م سَد (5) أولاًإيذاء امرأة أبي لهب للنبي صلى الله عليه وسلم : رو ي أنها لما سمعت ما نزل في زوجها وفيها من قرآن، أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو جالس في المسجد عند الكعبة ومعه أبو بكر الصديق، وفي يدها فهر- أى: حجر- فلما وقفت أخذ الله- تعالى- بصرها عن رسوله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا أبا بكر، بلغني أن صاحبك يهجونى، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه ... ثم انصرفت، فقال أبو بكر: يا رسول الله أما تراها رأتك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ( ما رأتنى، لقد أخذ الله بصرها عنى ) رواه البزار وقال : هذا الحديث حسن الإسناد، وحسنه الحافظ ابن حجر في "فتح الباري " (8 /738.) ثانياً : جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم وصد هذا الإيذاء الشديد من امرأة أبي لهب ودفعه عنه عليه الصلاة والسلام قولاً وفعلاً : 1/ يؤخذ من الحديث أعلاه( ما رأتنى، لقد أخذ الله بصرها عنى ) أن الله تعالى حفظ نبيه صلى الله عليه وسلم من شرها دون أن يتكلم بكلمة وذلك بأخذ بصرها عنه وهذا من عجائب المعجزات لْنها رأت أبا بكر رض ي الله عنه وتكلمت معه ولم تر النبي صلى الله عليه وسلم .وهذا من الدفاع الفعلي للنبي صلى الله عليه وسلم . 2/ وصفها الله تعالى بأقبح الصفات وذمها ذمااشديداا فقال : ( وَاممرَأَتُهُ حَم الَةَ المحَطَبِ ): يعني كذلك امرأته معه، وهي أم جميل أروى بنت حرب بن أمية، وهي أخت أبي سفيان، من أشراف قريش؛ لكن لم ي غنِ عنها شرف ها؛ لكونها شاركتْ زوجها في العداء والإثم والبقاء على الكفر، و معنى كونها ( حمَّالة الحطب ) ذكروا أنها تحمل الحطب الذي فيه الشوك، وتضعه في طريق النبي ِ صلى الله عليه وسلم من أجْل أن تؤ ذيه صلى الله عليه وسلم ،وقال بعض المفسرين : كما كانت عوناا على زوجها في كفره، فإنها تحمل الحطب فتلقيه على زوجها في نار جهنم، فتكون عوناا عليه في العذاب .
عدد الصفحات ٤٣44 3 /توعدها الله تعالى بالنار فقال تعالى: ( فِي جِيدِهَا حَبْل مِنْ مَسَد ): الجيد هو العنق، والحبل معروف، والمسد هو الليف؛ يعني: أنها متقل ِدة حبلاا من الليف تخرج به إلى الصحراء؛ لتربط به الحطبَ الذي تأتي به لتضعه في طريق النبي - صلى الله عليه وسلم. قال سعيد بن المسيب: كانت لها قلادة فاخرة، فقالت: لْنفقنَّها في عداوة محمد، فأعقبها الله بها حبلاا في جيدها من مسد النار. 4 /قال العلماء: في هذه السورة معجزة ظاهرة، ودليل واضح على النبوة؛ فإنه منذ نزل قوله - تعالى : ( سَيَصْلَى نَاراا ذَاتَ لَهَب * وَامْرَأَت ه حَمَّا لَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْل مِنْ مَسَد )، فأخبر عنهما بالشقاء وعدم الإيمان، ولم يقيَّض لهما أن يؤمِنَا، ول واحد منهما، ل ظاهراا ول باطناا، ل سرًّا ول علناا، فكان هذا من أقوى الْدلة الباهرة على النبوة الظاهرة .
عدد الصفحات ٤٤45 المبحث الخامس ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الضحى موضع واحد : وَالض حَى (1 )وَالل يملِ إِذَا سَجَى (2 )مَا وَد عَكَ رَب كَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْمخِرَةُ خَيمر ل كَ مِنَ الأمُولَى (4) أولاً : سبب نزولها قد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه السورة الكريمة روايات منها : 1 /ما أخرجه الإِمام البخارى ومسلم وغيرهما عن جندب بن سفيان قال : اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلة أو ليلتين ، فأتت امرأة - وفى رواية أنها أم جميل امرأة أبى لهب - فقالت : يا محمد ، ما أرى شيطانك إل قد تركك . فأنزل الله - تعالى - : ( والضحى . والليل إِذَا سجى . مَا وَدَّعَكَ رَب كَ وَمَا قلى ) . 2 /وذكر بعضهم : إن جبريل - عليه السلام - أبطأ فى نزوله على النبى صلى الله عليه وسلم ، فقال المشركون : قد قلاه ربه وودعه . فأنزل الله - تعالى - هذه الآيات . . ثانياً : تضمنت الآيات بحسب ما ورد في سبب النزول وقوع المشركين - أو امرأة أبي لهب - في السخرية من النبي صلى الله عليه وسلم عندما تأخر عليه الوحي وزعموا أن الله تعالى قد جفاه – أي أبغضه وودعه - وحاشاه - صلى الله عليه وسلم . ثالثاً : جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم بأن بين لهؤلاء المفترين أنه سبحانه لم يجف حبيبه صلى الله عليه وسلم وما ودعه وانظر كيف كان هذا الرد : 1/ استفتح جل وعلا الرد عليهم بقسم على عدم جفائه للحبيب صلى الله عليه وسلم فقال (وَالض حَىَٰ * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىَٰ * مَا وَدَّعَكَ رَب كَ وَمَا قَلَىَٰ) ول يكون القسم إل لتوكيد المعنى المراد وهذا القسم فيه تطمين لقلب الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم وإسكات لْولئك المشركين ،
عدد الصفحات ٤٥46 2/ قال صاحبتتمة أضواء البيان :أقسم تعالى بالضحى والليل هنا فقط، لمناسبتها للمقسم عليه ،لْنهما طرفا الزمن وظرف الحرك ة والسكون ، فإنه يقول له مؤانسا : " ما ودعك ربك وما قلى " ، ل في ليل ول في نهار . 3 /لميكتف المولى سبحانه بنفي ما افتراه المش ر كون بل جاء بعبارات تدل على إيناسه صلى الله عليه وسلم ، ففرَّق في التعبير بين نفي التوديع ونفي القلي فقال ( مَا وَدَّعَكَ رَب كَ ) فأتى بكاف الخطاب ثم قال ( وَمَا قَلَىَٰ ) ولم يأت بكاف الخطاب ، والسر في ذلك كما قال بعضهم : والذي يظهر من لطيف الخطاب ورقيق الإيناس ومداخل اللطف ، أن الموادعة تشعر بالوفاء والود ، فأبرزت فيها كاف الخطاب ، أي : لم تتأت موادعتك وأنت الحبيب ، والمصطفى المقر ب . و أما : " قلى " : ففيها معنى البغض ، فلم يناسب إبرازها إمعانا في إبعاد قصده - صلى الله عليه وسلم - بش يء من هذا المعنى ، كما تقول لعزيز عليك : لقد أكرمتك ، وما أهنت ، لقد قربتك ، وما أبعدت ، كراهية أن تنطق بإهانته وكراهيته 4/ زاد الله تعالى نبيهصلى الله عليه وسلم تطميناا وبشَّره بأن كشف له عما سيكون له من العز والمجد في المستقبل فقال له ( وَلَلْخِرَة خَيْر لَّكَ مِنَ الْْ ولَىَٰ ) المراد بالآخرة - كما ذهب إليه بعضهم - نهاية أمره صلى الله عليه وسلم في هذه الدنيا، والمراد بالْولى بداية أمره صلى الله عليه وسلم في هذه الدنيا، فيكون المعنى: ولنهاية أمرك - أيها الرسول الكريم - خير من بدايته، فإن كل يوم يمض ى من عمرك، سيزيدك الله- تعالى- فيه، عزا على عز، ونصرا على نصر، وتأييدا على تأييد.. حتى ترى الناس وقد دخلوا في دين الله أفواجا .. وقد صدق الله- تعالى- لنبيه و عده حيث فتح له مكة، ونشر دعوته في مشارق الْرض ومغاربها.
عدد الصفحات ٤٦47 المبحث السادس ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الشرح موضع واحد : فَإِن مَعَ المعُسمرِ يُسمرًا (5 )إِن مَعَ المعُسمرِ يُسمرًا (6) أولاً : سبب النزول قال القرطبي ر حمه الله تعالى : ( والصحيح أن يقال : إن الله بعث نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم - مقلا مخفا ، فعيره المشركون بفقره ، حتى قالوا له : نجمع لك مال فاغتم وظن أنهم كذبوه لفقره فعزاه الله ، وعدد نعمه عليه ، ووعده الغنى بقوله : فإن مع العسر يسرا ) ثانياً : تضمنت الآيات بحسب ما ورد في سبب النزول وقوع المشركين في تعيير النبي صلى الله عليه وسلم بالفقر ، وهذا النوع من التعيير يدل على قلة الْدب منهم وأن الحيلة قد أعيتهم عن أن يجدوا ما يعبوا به الرسول صلى الله عليه وسلم ليردوا الحق بباطلهم . ثالثاا : جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم ورد على هؤلء المفترين وسلى سيد المرسلين بإخباره بما سيؤول إليه أمره من الغنى والتمكين ، وذلك بأجمل عبارة وألطف إشارة ، فقال سبحانه : بعد أن ذكره بما أنعم به عليه في الماض ي : 1 ( /فَإِن مَعَ الْع سْرِ ي سْراا ) هذا مما يدخل السرور على قلبه صلى الله عليه وسلم وما يبعث الْمل في نفسه وفي نفوس أصحابه، بأن بين لهم سنة من سننه التي ل تتخلف فقال: ( فَإِنَّ مَعَ الْع سْرِ ي سْراا ) .المعنى: إذا تقرر عندك ما أخبرناك به، من شرح الصدر، ووضع الوزر. ورفع الذكر ،فاعلم أنه ما من عسر إل و يعقبه يسر، وما من شدة إل ويأتى بعدها الفرج، وما من غم أو هم، إل وينكشف، وتحل محله المسرة ... وما دام الْمر كذلك، فتذرع أنت وأصحابك بالصبر، واعتصموا بالتوكل على الله، فإن العاقبة لكم. 2 /في هاتين الآيتين ما فيهما من تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ولْتباعه ، ومن وعد صادق بأن كل صعب يلين، وكل شديد يهون، وكل عسير يتيسر. متى صبر الإنسان الصبر الجميل، وتسلح بالعزيمة القوية، وبالإيمان العميق بقضاء الله- تعالى- وقدره.
عدد الصفحات ٤٧48 أي ل يحزنك ما عيروك به من الفقر فإن مع ذلك العسر يسرا عاجلا أي في الدنيا . فأنجز له ما وعده فلم يمت حتى فتح عليه الحجاز واليمن ، ووسع ذات يده ، حتى كان يعطي الرجل المائتين من الإبل ، ويهب الهبات السنية ، ويعد لْهله قوت سنة . فهذا الفضل كله من أمر الدنيا وإن كان خاصا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقد يدخل فيه بعض أمته إن شاء الله تعالى 3 /قال ابن عباس : يقول الله تعالى خلقت عسرا واحدا ، وخلقت يسرين ، ولن يغلب عسر يسرين . وجاء في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه السورة : أنه قال : " لن يغلب عسر يسرين . " وقال ابن مسعود : والذي نفس ي بيده ، لو كان العسر في حجر ، لطلبه اليسر حتى يدخل عليه ولن يغلب عسر يسرين . 4/ وليس هناك تكرار في الآية الثانية بل قال القرطبي ثم ابتدأ فضلا آخرا من الآخرة وفيه تأسية وتعزية له - صلى الله عليه وسلم - فقال مبتدئا : إن مع العسر يسرا فهو ش يء آخر . والدليل على ابتدائه ، تعريه من فاء أو واو أو غيرها من حروف النسق التي تدل على العطف . فهذا وعد عام لجميع المؤمنين ، ل يخرج أحد منه أي إن مع العسر في الدنيا للمؤمنين يسرا في الآخرة ل محالة . وربما اجتمع يسر الدنيا ويسر الآخرة . 5/ إن تعيير المشركين له صلى الله عليه وسلم بالفقر كان سبباا في نزول هذه الآيات التي كشفت عن المستقبل الذي ينتظره صلى الله عليه وسلم وينتظر أتباعه وهو مستقبل يسر المؤمنين ويحزن الكافرين ، أما كان الْولى بأولئك المفترين أل يتعرضوا لخاتم النبيين ، وأن يمسكوا ألسنتهم عن تعييره ، ثم بعد الذي حصل منهم وبعد نزول الآيات أما كان الْجدر بهم - لو كان لهم ذر ة من عقل- أن يؤمنوا به ويتبعوه ، لكن أنى لهم أن يتبعوه والعقول فارغة من الفهم والصدور ممتلئة بالحقد .
عدد الصفحات ٤٨