17 غير إعداد يكون دون ما إذا أعد له قيدا وغلا ، فإن الْول يمكن أن يقال هذا أثر الغضب فإذا سكت الغضب يزول ، ول كذلك الثاني . وقال في التفسير الوسيط : ثم توعد- سبحانه- الذين يسيئون إلى رسوله صل ى الله عليه وسل م بأى لون من ألوان الإساءة فقال: إِنَّ الَّذِينَ ي ؤْذ ونَ اللَّهَ وَرَس ولَه لَعَنَه م اللَّه فِي الد نْي ا وَالآْخِرَةِ، وَأَعَدَّ لَه مْ عَذاباا م هِيناا . والمراد بأذى الله ورسوله: ارتكاب ما يبغضان ويكرهان من الكفر والفسوق والعصيان،ويشمل ذلك ما قاله اليهود: عزير ابن الله، ويد الله مغلولة، وما قاله النصارى : من أن المسيح ابن الله، كما يشمل ما قاله الكافرون في الرسول صل ى الله عليه وسل م من أنه كاهن أو ساحر أو شاعر.. وقيل: إن المقصود بالآية هنا: إيذاء الرسول صل ى الله عليه وسل م خاصة، وذكر الله- تعالى- معه للتشريف، وللإشارة إلى أن ما يؤذى الرسول يؤذى الله- تعالى-، كما جعلت طاعة الرسول، طاعة لله. قال ابن كثير: والظاهر أن الآية عامة في كل من آذى الرسول صل ى الله عليه وسل م بش يء، فإن من آذاه فقد آذى الله، ومن أطاعه فقد أطاع الله، ففي الحديث الشريف « :الله الله في أصحابى، ل تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغض ي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه». أى: إن الذين يؤذون الله- تعالى- ورسوله صل ى الله عليه وسلم، بارتكاب مال يرضياه من كفر أو شرك أو فسوق أو عصيان.. لَعَنَه م اللَّه فِي الد نْيا وَالآْخِرَةِ أى: طرد الله- تعالى- هؤلء الذين ارتكبوا الْذى من رحمته، وأبعدهم من رضاه في الدنيا والآخرة . وَأَعَدَّ لَه مْ - سبحانه- في الآخرة عَذاباا م هِيناا أى: عذابا يهينهم ويجعلهم محل الحتقار والزدراء من غيرهم .
عدد الصفحات ١٧18 الباب الأول ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة المبحث الأول : ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة العلق المبحث الثاني: ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة القلم المبحث الثالث : ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة المدثر المبحث الرابع : ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة المسد المبحث الخامس : ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الضحى المبحث السادس : ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الشرح المبحث السابع : ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الكوثر المبحث الثامن : ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة النجم المبحث التاسع : ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة القمر المبحث العاشر : ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة ص المبحث الحادي عشر : المبحث الثاني عشر : ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الأعراف المبحث الثالث عشر : ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة يس المبحث الرابع عشر : ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الفرقان المبحث الخامس عشر : ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة طه
عدد الصفحات ١٨19 المبحث السادس عشر : ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الشعراء المبحث السابع عشر : ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الإسراء المبحث الثامن عشر : ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة يونس المبحث التاسع عشر : ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الحجر المبحث العشرون : ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الأنعام المبحث الحادي والعشرون : ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الصافات المبحث الثاني والعشرون : ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة سبأ المبحث الثالث والعشرون : ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة النحل
عدد الصفحات ١٩20 المبحث الأول ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة العلق الموضع الأول : كَلا إِن ِنسَانَ الإم لَيَطمغَى * أَ ن ر آهُ اسمتَغمنَى . الموضع الثاني : كَلا لَئِن ل مم يَنتَهِ لَنَسمفَعًا بِالن اصِيَةِ . الموضع الثالث : فَلميَدمعُ نَادِيَهُ سَنَدمعُ الز بَانِيَةَ .
عدد الصفحات ٢٠21 الموضع الأول قال الله تعالى : (كَلا إِن ِنسَانَ الإم لَيَطمغَى (6 )أَن ر آهُ اسمتَغمنَى (7 )إِن إِلَى رَب ِكَ الر جمعَى (8 )أَرَأَيمتَ ال ذِي يَنمهَى (9 )عَبمدًا إِذَا صَل ى (10 )أَرَأَيمتَ إِن كَانَ عَلَى المهُدَى (11 )أَوم أَمَرَ بِالت قموَى (12) أَرَأَيمتَ إِن كَذ بَ وَتَوَل ى (13 )أَلَمم يَعملَم بِأَن الل هَ يَ رَى (14) ) أولاً : سبب نزولها عَنْ أَبِي ه رَيْرَةَ رض ي الله عنه قَالَ : قَالَ أَب و جَهْل : هَلْ ي عَف ِر م حَمَّد وَجْهَه بَيْنَ أَظْه رِك مْ ؟ قَالَ فَقِيلَ نَعَمْ فَقَالَ : وَاللاَّتِ وَالْع زَّى لَئِنْ رَأَيْت ه يَفْعَل ذَلِكَ لََْطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ أَوْ لَْ عَف ِرَنَّ وَجْهَه فِي الت رَابِ . قَالَ فَأَتَى رَس ولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَه وَ ي صَل ِي – زَعَمَ - لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ ، قَالَ فَمَا فَجِئَه مْ مِنْه إِلَّ وَه وَ يَنْك ص عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَ تَّقِي بِيَدَيْهِ قَالَ فَقِيلَ لَه مَا لَكَ ؟ فَقَالَ : إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَه لَخَنْدَقاا مِنْ نَار وَهَوْلا وَأَجْنِحَةا . فَقَالَ رَس ول اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَوْ دَنَا مِن ِي لَخْتَطَفَتْه المَْلاَئِكَة ع ضْواا ع ضْوا ا ) قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ - لَ نَدْرِي فِي حَدِيثِ أَبِي ه رَيْرَةَ أَوْ ش َيْء بَلَغَه – ( كَلاَّ إِنَّ ِنْسَانَ الإْ لَيَطْغَى ) ... الآيات . رو اه مسلم (2797). ثانياً : تضمن ت الآيات بالتأمل فيها مع الاعتبار بسبب النزول بيان اعتداء أبي جهل على النبي صلى الله عليه وسلم بطريقين : الأول : تهديده للنبي صلى الله عليه وسلم بأن إذا صلى عند الكعبة أن يطأ رقبته ، وهذا فيه دللة على جهله وعلوه واستكباره وجرأته على اله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم . الثاني : عندما رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي جاء لينفذ تهديده ، وهذا كفر زائد على كفره الذي هو فيه . ثالثاً : جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم بطرق عديدة: 1/ بالفعل : حيث أدخل الله تعالى رعباا شديداا في قلبه وذلك عندما رأى - أبو جهل - ما أخبر به قومه عندما سألوه عن سبب تراجعه عن إلقا ء الحجر على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم قائلاا :
عدد الصفحات ٢١22 (إِن بَيْنِي وَبَيْنَه لَخَنْدَقاا مِنْ نَار وَهَوْلا وَأَجْنِحَةا ) وكان ذلك التخويف من ملائكة الله تعالى له كما أخبر صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله ( لَوْ دَنَا مِن ِي لَخْتَطَفَتْه المَْلاَئِكَة ع ضْواا ع ضْواا ). 2/ دافعالله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم بالقول حيث أنزل آيات تبين حال أبي جهل وما هو عليه من الكبر والظغيان اللذان ل يلقيان به حيث قابل النعم بالكفران ، وهذا واضح في قوله تعالى ( كَلا إِن ِنسَانَ الإم لَيَطمغَى (6 )أَن ر آهُ اسمتَغمنَى (7 )إِن إِلَى رَب ِكَ الر جمعَى (8) ) 3 /بين الله تعالى جهل أبي جهل حيث استفهمه بقوله (أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى ) والمعنى هل يستحق مريد الصلاة أن ي نهى عنها ويهدد ؟ متى كانت الصلاة من الْعمال الفاسدة التي ل يجوز فعلها ؟ أم أنه الجهل والكفر والطغيان . 4/ وعظه الله تعالى وذكره بأن ما تقوم به من نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة ل يجوز بل هو أكبر الفجور فالنهي في حده ذاته فجور وكونه في الحرم فجور آخر وكونه نهي لنبي الله تعالى فجور يفوق كل ما سبق ، ومن قال ابن كثير ( أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى ) نزلت في أبي جهل ، لعنه الله ، توعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصلاة عند البيت ، فوعظه الله تعالى بالتي هي أحسن أول ، فقال : ( أرأيت إن كان على الهدى ) أي : فما ظنك إن كان هذا الذي تنهاه على الطريق المستقيمة في فعله ، أو ( أمر بالتقوى ) بقوله ، وأنت تزجره وتتوعده على صلاته. 5/ ومن دفاع الله تعالى عن نبيهصلى الله عليه وسلم ما بينه من كون هذا العدو المتجبر سيموت على كفره ولن يدخل الإسلام قبله يوما ما بل مأواه النار وبئس المصير فقال تعالى : ( أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىَٰ (13 )أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىَٰ (14). قال ابن كثيررحمه الله تعالى: ( ألم يعلم بأن الله يرى ) أي : أما علم هذا الناهي لهذا المهتدي أن الله يراه ويسمع كلامه ، وسيجازيه على فعله أتم الجزاء . وجاء في تفسيرها : ( أى : أرأيت - أيها الرسول الكريم - إن كذب هذا الكافر بما جئته به من عندنا ، وتولى وأعرض عما تدعوه إليه من إيمان وطاعة لله رب العالمين . أرأيت إن فعل ذلك ، أفلا أرشده عقله إلى أن خالق هذا الكون يراه ، وسيجازيه بما يستحقه من عذاب مهين؟
عدد الصفحات ٢٢23 فالمقصود من هذه الآيات الكريمة التى تكرر فيها لفظ " أرأيت " ثلاث مرات : تسلية النبى صلى الله عليه وسلم . وتعجيبه من حال هذا الإِنسان الطاغى الشقى ، الذى أصر على كفره . وآثر الغى على الرشد . والشرك على الإِيمان . . وتهديد هذا الكافر الطاغى بسوء المصير ، لْن الله - تعالى - مطلع على أعماله القبيحة .. وسيعاقبه العقاب الْكبر ) . وأخيراً : هذه خمسة أمور بها دافع الله الودود الغفور عن النبي المبرور صلى الله عليه وسلم ،وصد عنه ذلك الكافر المغرور ليعلم أهل الْرض جميعاا قدر النبي صلى الله عليه وسلم عند ربه تعالى . ومن الفوائد المهمة : - أن في قوله تعالى ( عَبْداا إِذَا صَلَّىَٰ ) دون قو له نبيه أو رسوله (عبداا ) دللة على أنه ل يوجد أحد حقق العبودية كما حققها هو صلى الله عليه وسلم كما أشار إليه الرازي رحمه الله تعالى بقوله (كأنه- تعالى - يقول : إنه عبد ل يفي العالم بشرح بيانه وصفة إخلاصه في عبوديته ). ثم ذكر الرازي فائدة أخري (أنه تفخيم لشأن النبي عليه السلام يقول : إنه مع التنكير معرف ، نظيره الكناية في سورة القدر حملت على القرآن ولم يسبق له ذكر : ( أسرى بعبده [ )الإسراء : 1 ]، ( أنزل على عبده ) الكهف : (1)، ( وأنه لما قام عبد الله [ )الجن : 19. ]
عدد الصفحات ٢٣24 الموضع الثاني قوله تعالى ( كَلا لَئِن ل مم يَنتَهِ لَنَسمفَعًا بِالن اصِيَةِ (15 )نَاصِيَة كَاذِبَة خَاطِئَة (16) هذه الآيات تابعة في سبب نزولها إلى الآيات السابقة ، فأقول ومن الله أرجو العون والقبول في هذه الآيات دفاع آخر عن خير البريات عليه أفضل الص لوات وأتم التسليات سوى ما تقدمه من دفاع ، إذ فيها زجر شديد لْبي جهل بعد أن وعظه فيما تقدم . فلئن كان الدفاع السابق لما وقع من أبي جهل في الماض ي فهذا تهديد له من أن يقع مرة أخرى مستقبلاا في أذي الحبيب صلى الله عليه وسلم.وإلْيك بيان معاني الآيات من أقوال أهل التفسير : قال القرطبي رحمه الله تعالى : (قوله تعالى : ( كلا لئن لم ينته ) أي أبو جهل عن أذاك يا محمد صلى الله عليه وسلم (لنسفعا ) أي لنأخذن بالناصية فلنذلنه . وقيل : لنأخذن بناصيته يوم القيامة ، وتطوى مع قدميه ، ويطرح في النار ، كما قال تعالى : فيؤخذ بالنواص ي والْقدام . فالآية - و إن كانت في أبي جهل - فهي عظة للناس ، وتهديد لمن يمتنع أو يمنع غيره عن الطاعة ) . و قال بعضهم : وقوله - سبحانه : ( كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاا بِالنَّاصِيَةِ ) ردع وزجر لهذا الكافر الطاغي الناهي عن الخير، ولكل من يحاول أن يفعل فعله. والسفع : الجذب بشدة على سبيل الإذلل والإهانة، تقول : سفعت بالش يء، إذا جذبته جذبا شديدا بحيث ل يمكنه التفلت أو الهرب ... وقيل: هو الحتراق، من قولهم : فلان سفعته النار، إذا أحرقته وغيرت وجهه وجسده. والناصية : الشعر الذي يكون في مقدمة الرأس . أى: كلا ليس الْمر كما فعل هذا الإنسان الطاغي، ولئن لم يقلع عما هو فيه من كفر وغرور، لنقهرنه، ولنذلنه، ولنعذبنه عذابا شديدا في الدنيا والآخرة . والتعبير بقوله تعالى : لَنَسْفَعاا بِالنَّاصِيَةِ يشعر بالْخذ الشديد، والإذلل المهين، لْنه كان من المعروف عند العرب، أنهم كانوا إذا أرادوا إذلل إنسان وعقابه، سحبوه من شعر رأسه.
عدد الصفحات ٢٤25 الموضع الثالث قوله تعالى ( فَلميَدمعُ نَادِيَهُ سَنَدمعُ الز بَانِيَةَ كَلا لاَ تُطِعمهُ وَاسمجُدم وَاقمتَرِبم ) أولاً : سبب نزولها : عَنْ ابْنِ عَبَّاس رض ي الله عنهما قَالَ : كَانَ النَّبِي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ي صَل ِي فَجَاءَ أَب و جَهْل فَقَالَ : أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هَذَا أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هَذَا أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هَذَا ؟ فَانْصَرَفَ النَّبِي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَزَبَرَه فَقَالَ أَب و جَهْل : إِنَّكَ لَتَعْلَم مَا بِهَا نَا د أَكْثَر مِن ِي . فَأَنْزَلَ اللَّه : ( فَلْيَدْع نَادِيَه * سَنَدْع الزَّبَانِيَةَ ) فَقَالَ ابْن عَبَّاس : فَوَاللَّهِ لَوْ دَعَا نَادِيَه لََْخَذَتْه زَبَانِيَة اللَّهِ ) . رواه الترمذي (3349 )وصححه . ثانياً : تضمنت الآيات بالتأمل فيها مع الا عتبار بسبب النزول بيان اعتداء أبي جهل على النبي صلى الله عليه وسلم حيث هدد بقوله (إِن كَ لَتَعملَمُ مَا بِهَا نَاد أَكمثَرُ مِن ِي ) ثالثاً : جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم بصور عديدة : 1/ قو بل تهديده بتهديد أشد فقال تعالى ( فَلْيَدْع نَادِيَه * سَنَدْع الزَّبَانِيَةَ ) ويلاحظ أن الخطاب جاء بضمير الغيبة تجاهلاا له – أعني أبا جهل لعنه الله – إذ لم يقل ( ادع ناديك ) 2/ بين الله تعالى أنه سيدعو الزبانية، ولفظ الزبانية في كلام العرب : يطلق على رجال الشرطة الذين يزبنون الناس، أى: يدفعونهم إلى ما يريدون دفعهم إليه بقوة وشدة وغلظة، جمع زبني ة، وأصل اشتقاقه من الز بن، وهو الدفع الشديد، فكم في هذا الكلام من تخويف لهذا الطيغة الجهول . 3 /قال في التفسير الوسيط : ( والمقصود بهاتين الآيتين، التهكم بهذا الإنسان المغرور، والستخفاف به وبكل من يستنجد به، ووعيده بأنه إن استمر في غروره ونهيه عن الصلاة فسيسلط الله- تعالى- عليه ملائكة غلاظا شدادا. ل قبل له ول لقومه بهم ). وسيأتي أنه قد قتل يوم بدر .
عدد الصفحات ٢٥26 4/ أمر الله تعالى نبيه النبي صلى الله عليه وسلم بل ( وحضه على المداومة على الصلاة في الكعبة، وعدم المبال ة بنهي الناهين عن ذلك، فإنهم أحقر من أن يفعلوا شيئا وذلك بقوله تعالى: ( كَلاَّ ل ت طِعْه وَاسْج دْ وَاقْتَرِبْ ) 5/ في قوله تعالى كَلاَّ لَ ت طِعْه وَاسْج دْ وَاقْتَرِبْ ) أى: كلا ليس الْمر كما قال هذا المغرور من أن أهله وعشيرته سينصرونه، وسيقفون إلى جانبه في منعك أيها الرسول الكريم - من الصلاة، فإنهم وغيرهم أعجز من أن يفعلوا ذلك، وعليك- أيها الرسول الكريم - أن تمض ى في طريقك وأن تواظب على أداء الصلاة في المكان الذي تختاره، ول تطع هذا الشقي، فإنه جاهل مغرور، واسجد لربك وتقرب إليه- تعالى- بالعبادة والطاع ة، وداوم على لك ). 6/ أقر الله تعالى عين نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بمقتل أبي جهل يوم بدر روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الرحمن بن عوف قال: بينا أنا واقف في الصف يوم بدر، فنظرت عن يميني وعن شمالي، فإذا أنا بغلامين من الْنصار، حديثة أسنانهما، تمنيت أن أكون بين أضْلَعَ منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عم، هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم، ما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أ خبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي نفس ي بيده، لئن رأيته ل يفارق سوادي سواده حتى يموت الْعجل منا، فتعجبت لذلك، فغمزن ي الآخر، فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس، قلت: أل إن هذا صاحبكما الذي سألتماني، فابتدراه بسيفيهما، فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبراه، فقال: " أيكما قتله؟" قال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال: "هل مسحتما سيفيكما؟" قال: ل، فنظر في السيفين، فقال: "كلاكما قتله، سلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح " وكانا معاذ بن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح . وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي عبيدة عن ابن مسعود قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر، فقلت: قتلت أبا جهل؟ قال: " آلله الذي ل إله إل هو؟" قال: قلت: آلله الذي ل إله إل هو، فرددها ثلاثاا، قال: " الله أكبر، الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الْحزاب وحده، انطلق فأرنيه" فانطلقنا فإذا به، فقال: "هذا فرعون هذه الْمة "
عدد الصفحات ٢٦27 يقولد. أمين بن عبدالله الشقاوي : ( وتقع الْقدار العجيبة مع فرعون هذه الْمة أن يكون من الذين أسهموا بقتله غلامان من الْنصار في مقتبل الشباب حديثة أسنانهما، وعبد الله بن مسعود- رض ي الله عنه - الذي كان يسميه رويعي الغنم، ولم يقتله صناديد المسلمين، حمزة أو علي، أو أبطال الْنصار سعد بن معاذ أو أبو دجانة أو سعد بن عبادة، إنما كتب الله تعالى أجله على يد الغلامين من الْنصار، وعلى يد رويعي الغنم عبد الله بن مسعود - رض ي الله عنه -، الذي كان قصير القامة، نحيل البدن ) . وختاماا : نزل في موت أبي جهل لعنه الله تعالى قوله تعالى : ( ذق إنك أنت العز يز الكريم ) أي : قولوا له ذلك على وجه التهكم والتوبيخ .وقال الضحاك عن ابن عباس : أي لست بعزيز ول كريم . وقد قال الْموي في مغازيه : حدثنا أسباط ، حدثنا أبو بكر الهذلي ، عن عكرمة قال : لقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا جهل - لعنه الله - فقال : " إن الله تعالى أمرني أن أقول لك : ( أولى لك فأولى . ثم أولى لك فأولى [ )القيامة : 34 ، 35 ]قال : فنزع ثوبه من يده وقال : ما تستطيع لي أنت ول صاحبك من ش يء . ولقد علمت أني أمنع أهل البطحاء ، وأنا العزيز الكريم . قال : فقتله الله تعالى يوم بدر وأذله وعيره بكلمته ، وأنزل : ( ذق إنك أنت العزيز الكريم ) .
عدد الصفحات ٢٧28 المبحث الثاني ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة القلم الموضع الأول : ن وَالمقَلَمِ وَمَا يَسمطُرُونَ * مَا أَنتَ بِنِعممَةِ رَب ِكَ بِمَجمنُون . الموضع الثاني : وَإِن يَكَ ادُ ال ذِينَ كَفَرُوا لَيُزملِقُونَكَ بِأَبمصَارِهِمم لمَ ا سَمِعُوا .
عدد الصفحات ٢٨29 الموضع اول قال تعالى : ن وَالمقَلَمِ وَمَا يَسمطُرُونَ (1) مَا أَنتَ بِنِعممَةِ رَب ِكَ بِمَجمنُون (2 )وَإِن لَكَ لأََجمرًا غَيمرَ مَممنُون (3) وَإِن كَ لَعَلَى خُلُ ق عَظِيم (4) أولاً : سبب نزولها : أن المشركين رموه صلى الله عليه وسلم بالجنون – وحاشاه - قال البغوي رحمه الله تعالى ( ما أنت بنعمة ربك بمجنون [ )هو ]جواب لقولهم ( ياأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون ) الحجر ( 6 )فأقسم الله بالنون والقلم وما يكتب من الْعمال فقال :( ما أنت بنعمة ربك بمجنون ) ثانياً : جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم – لنفي هذا الافتراء - بطرق عديدة : 1/ بدأ الرد علي المشركين بالقسم بالقلم فقال ( والقلم ) كما أشار إليه في التفسير الوسيط بقوله : ( والواو فى قوله : ( والقلم ) للقسم ، والمراد بالقلم : جنسه ، فهو يشمل كل قلم يكتب، قوله ( وَمَا يَسْط ر ونَ ) مضارع سطر ، يقال : سطر الكتاب سطرا ، إذا كتبه ، والسطر : الصف من الشجر وغيره ، وأصله من السطر بمعنى القطع ، لْن صفوف الكتابة تبدو وكأنها قطع متراصة . 2/ نفى الله تعالى عنه صلى الله عليه وسلم الجنون نفياا صريحاا حيث قال : ( مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَب ِكَ بِمَجْن ون ) أى : وحق القلم الذى يكتب به الكاتبون من مخلوقاتنا المتعددة ، إنك - أيها الرسول الكريم - لمبرأ مما اتهمك به أعداؤك من الجنون ، وكيف تكون مجنونا وقد أنعم الله - تعالى - عليك بالنبوة والحكمة . قال الرازي رحمه الله تعالى : (وقوله : ( بنعمة ربك ) كلام وقع في البين – يعني جملة اعتراضية - والمعنى انتفى عنك الجنون بنعمة ربك كما يقال : أنت بحمد الله عاقل ، وأنت بحمد الله لست بمجنون ، وأنت بنعمة الله فهم ، وأنت بنعمة الله لست بفقير ، ومعناه أن تلك الصفة المحمودة إنما حصلت ، والصفة المذمومة إنما زالت بواسطة إنعام الله ولطفه وإكرامه .
عدد الصفحات ٢٩30 3/ بعد أن نفى عنه الجنون بشره وطمْ أَ نه فقال تعالى (وَإِن لَكَ لأََجمرًا غَيمرَ مَممنُون ) : وإن لك - أيها الرسول الكريم - عندنا ، لْ جرا عظيما ل يعلم مقداره إل نحن ، وهذا الْجر غير مقطوع بل هو متصل ودائم وغير ممنون . 4/ أيضاابعد أن نفى عنه الجنون امتدحه وأثني عليه بقوله ( وَإِنَّكَ لَعَلَىَٰ خ ل ق عَظِيم ) وكون ذلك من دفاع الله تعالى عنه صلى الله عليه وسلم بينه الرازي بقوله (اعلم أن هذا كالتفسير لما تقدم من قوله : ( بنعمة ربك ) وتعريف لمن رماه بالجنون بأن ذلك كذب وخطأ ؛ وذلك لْن الْخلاق الحميدة والْفعال المرضية كانت ظاهرة منه ، ومن كان موصوفا بتلك الْخلاق والْفعال لم يجز إضافة الجنون إليه ؛ لْن أخلاق المجانين سيئة ، ولما كانت أخلاقه الحميدة كاملة ل جرم وصفها الله بأنها عظيمة ؛ ولهذا قال : ( قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ) أي لست متكلفا فيما يظهر لكم من أخلاقي ؛ لْن المتكلف ل يدوم أمره طويلا بل يرجع إلى الطبع ). وأخيراً : قال في التفسير الوسيط : فالمقصود بالآيات الكري مة تسلية النبى صلى الله عليه وسلم عما أصابه من المشركين ، ودفع تهمهم الباطلة دفعا يأتى عليها من القواعد فيهدمها ، ومن الفوائد المهمة : - قال في التفسير الوسيط : تفسير قوله تعالى (ن) أقرب الآراء إلى الصواب أن يقال : إن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت فى افتتاح بعض السور ، للإِشعار بأن هذا القرآن الذى تحدى الله به المشركين ، هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التى يعرفونها ، ويقدرون على تأليف الكلام منها ، فإذا عجزوا عن الإِتيان بسورة من مثله ، فذلك لبلوغه فى الفصاحة والبلاغة ، مرتبة يقف فصحاؤهم وبلغاؤهم دو نها بمراحل شاسعة . - إن تصدير هذه السور بمثل هذه الحروف المقطعة ، يجذب أنظار المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم ، إلى الإِنصات والتدبر ، لْنه يطرق أسماعهم فى أول التلاوة ألفاظ غير مألوفة فى مجارى كلامهم . وذلك مما يلفت أنظارهم ليتبينوا ما يراد منها ، فيسمعوا حكما وحججا قد تكون سببا فى هدايتهم واستجابتهم للحق .
عدد الصفحات ٣٠31 - قال في التفسيرالوسيط رحمه الله : وأقسم - سبحانه - بالقلم ، لعظيم شرفه ، وكثرة منافعه ، فبه كتبت الكتب السماوية ، وبه تكتب العلوم المفيدة . . وبه يحصل التعارف بين الناس ،وصدق الله إذ يقول : ( اقرأ وَرَب كَ الْكرم . الذى عَلَّمَ بالقلم . عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ ) - قال القرطبى رحمه الله: أقسم - سبحانه - بالقلم . لما فيه من البيان كاللسان . وهو واقع على كل قلم مما يكتب به من السماء من فى الْرض ، ومنه قول أبى الفتح البستى : إذا أقسم الأ بطال يوما بسيفهم وعد وه مما يُكمسِبُ المجدَ والكرَمم كفى قلم الكتاب عزا ورفعة مدى الدهر أن الله أقسم بالقلَمم - قال الآلوس ي رحمه الله : ( وفى إضافته صلى الله عليه وسلم إلى الرب - عز وجل - مزيد إشعار بالتسلية والقرب والمحبة . ومزيد إشعار - أيضا - بنفى ما افتراه الجاهلون من كونه صلى الله عليه وسلم مجنونا ، لْن هذه الصفة ل تجتمع فى عبد أنعم الله - تعالى - عليه ، وقربه ، واصطفاه لحمل رسالته وتبليغ دعوته ) . - قال الرازي رحمه الله : ( وفيه دقيقة أخرى وهي قوله : ( لعلى خلق عظيم ) وكلمة على للا ستعلاء ، فدل اللفظ على أنه مستعل على هذه الْخلاق ومستول عليها ، وأنه بالنسبة إلى هذه الْخلاق الجميلة كالمولى بالنسبة إلى العبد وكالْمير بالنسبة إلى المأمور ) .
عدد الصفحات ٣١32 الموضع الثاني قوله تعالى : وَإِن يَكَادُ ال ذِينَ كَفَرُوا لَيُزملِقُونَكَ بِأَبمصَارِهِمم لمَ ا سَمِعُوا الذ ِكمرَ وَيَقُولُونَ إِن هُ لمََجمنُون (51) أولاً : سبب نزولها : ذكر البغوي والقرطبي في سبب نزولها : أن المشركين أرادوا أن يصيبوه بالعين ،فنظر إليه قوم من قريش وقالوا : ما رأينا مثله ول مثل حججه . وقيل : كانت العين في بني أسد ، حتى إن البقرة السمينة أو الناقة السمينة تمر بأحدهم فيعاينها ثم يقول : يا جارية ، خذي المكتل والدرهم فأتينا بلحم هذه الناقة ، فما تبرح حتى تقع للموت فتنحر . وقال الكلبي : كان رجل من العرب يمكث ل يأكل شيئا يومين أو ثلاثة ، ثم يرفع جانب الخباء فتمر به الإبل أو الغنم فيقول : لم أر كاليوم إبلا ول غنما أحسن من هذه . فما تذهب إل قليلا حتى تسقط منها طائفة هالكة . فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالعين فأجابهم ،فلما مر النبي صلى الله عليه وسلم أنشد : قد كان قومك يحسبونك سيدا وإخال أنك سيد معيون فعصم الله نبيه صلى الله عليه وسلم ونزلت : ( وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك ) ثانياً : تضمنت الآيات بالتأمل فيها مع اعتبار سبب النزول بيان شدة عداوة المشركين ل لنبي صلى الله عليه وسلم، ومحاولة إيذاءه بأي نوع من الإيذاء ولو أدي ذلك إلى قتله . وللمف سرين قولن في معنى الآية : أحدهما : أنهم من شدة تحديقهم ونظرهم إليك شزرا بعيون العداوة والبغضاء يكادون يزلون قدمك من قولهم : نظر إلي نظرا يكاد يصرعني ، ويكاد يأكلني ، أي لو أمكنه بنظره الصرع أو الْكل لفعله ، قال الشاعر : يتقارضون إذا التقوا في موطن نظرا يزيل مواطئ الأقدام وأنشد ابن عباس لما مر بأقوام حددوا النظر إليه :
عدد الصفحات ٣٢