353 1/ قوله تعالى : ( وَال ذِينَ ات خَذُوا مَسمجِداً ضِراراً وَكُفمراً وَتَفمرِيقاً بَيمنَ الممُؤممِنِينَ )منصوب على الذم.أى: وأذم الذين اتخذوا مسجدا ضرارا، والتقدير: ومنهم الذين اتخذوا مسجدا ضرارا.وقوله «ضرارا» مفعول لْجله أى: اتخذوا هذا المسجد ل من أجل العبادة والطاعة لله تعالى. وإنما اتخذوه من أجل الإضرار بالمؤمنين . وإيقاع الْذى بهم.وقوله «وكفرا » معطوف على «ضرارا» وهو علة ثانية لتخاذ هذا المسجد.أى: اتخذوه للإضرار بالمؤمنين ، وللازدياد من الكفر الذي يضمرونه ومن الغل الذي يخفونه.وقوله : وَتَفْرِيقاا بَيْنَ المْ ؤْمِنِينَ علة ثالثة.أى: واتخذوه أيضا للتفريق بين جماعة المؤمنين الذين كانوا يصلون في مسجد واحد هو مسجد قباء. 2/ فأراد هؤلء المنافقون من بناء مسجد الضرار إلى جوار مسجد قباء، أن يفرقوا وحدة المؤمنين، بأن يجعلوهم يصلون في أماكن متفرقة . حسدا لهم على نعمة الإخاء والتآلف والتحاد التي غرسها الإسلام في قلوب أتباعه 3/ وقوله : ( وَإِرمصاداً لمَِنم حارَبَ الل هَ وَرَسُولَهُ ) علة رابعة لتخاذ هذا المسجد.أى: واتخذوه ليكون مكانا ير قبون فيه قدوم «من حارب الله ورسوله» وهو أبو عامر الراهب، الذي أعلن عداوته لدعوة الإسلام «من قبل» بناء مسجد الضرار . فقد سبق أن ذكرنا في أسباب نزول هذه الآيات، أن أبا عامر هذا، كتب إلى جماعة من قومه. وهو عند هرقل . يعدهم ويمنيهم، ويطلب منهم أن يتخذوا له معقلا يقدم عليهم فيه فشرعوا في بناء هذا المسجد.فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة، قد ذكرت أربعة من الْغراض الخبيثة التي حملت المنافقين على بناء هذا المسجد، كما سبق ذكره . 4/ وقوله : ( وَلَيَحملِفُن إِنم أَرَدمنا إِلا المحُسمنى ) ذم لهم على أيمانهم الفاجرة، وأقوا لهم الكاذبة.أى: أن هؤلء المنافقين قد بنوا مسجد الضرار لتلك المقاصد الخبيثة. ومع ذلك فهم يقسمون بأغلظ الْيمان بأنهم ما أرادوا ببنائه إل الخصلة الحسنى التي عبروا عنها قبل ذلك.كذبا. بقولهم « :إننا بنيناه للضعفاء، وأهل العلة في الليلة الشاتية . 5/ وقوله : ( وَ الل هُ يَشمهَدُ إِن هُمم لَكاذِبُونَ ) زيادة في مذمتهم وتحقيرهم .أى: والله- تعالى- يعلم ويشهد أن هؤلء المنافقين لكاذبون في أيمانهم بأنهم ما أرادوا من بناء مسجدهم إل الحسنى، فإنهم في
عدد الصفحات ٣٥٣354 الحقيقة لم يريدوا ذلك، وإنما أرادوا تلك الْغراض القبيحة السابقة، وهي مضارة المؤمنين، وتفريق كلمتهم. 5/ قوله تعالى : ( لاَ تَقُمم فِيهِ أَبَدًا لم َسمجِد أُس ِسَ عَلَى الت قموَى مِنم أَو لِ يَومم أَحَق أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَال يُحِب ونَ أَن يَتَطَه رُوا وَالل هُ يُحِب الممُط ه ِرِينَ ) لقد نهى الله- تعالى- رسوله والمؤمنين عن الصلاة في هذا المسجد نهيا مؤكدا فقال- سبحانه-: ل تَق مْ فِيهِ، أَبَداا .أى: ل تصل. أيها الرسول الكريم . في هذا المسجد في أى وقت من الْوقات لْنه لمن يبن لعبادة الله، وإنما بنى للشقاق والنفاق . قال القرطبي : قوله - تعالى- لا تَقُمم فِيهِ أَبَ داً يعنى مسجد الضرار . ل تقم فيه للصلاة، وقد يعبر عن الصلاة بالقيام. يقال: فلان يقوم الليل أى: يصلى، ومنه الحديث الصحيح« :من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» . وقد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية كان ل يمر بالطريق التي فيها هذا المسجد، وأمر بموضعه أن يتخذ كناسة تلقى فيها الجيف والْقذار » ... قال ابن عاشور : وجه النهي عن الصلاة فيه أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فيه تكسبه ي مْناا وبَركة فلا يرى المسلمون لمسجد قباء مزية عليه فيقتصر بنو غ نم وبنو سالم على الصلاة فيه لقربه من منازلهم ، وبذلك يحصل غرض المنافقين من وضعه للتفريق بين جماعة المسلمين . فلما كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فيه مفضية إلى ترويج مقصدهم الفاسد صار ذلك وسيلة إلى مفسدة فتوجه النهي إليه . وهذا ل يطلع على مثله إل الله تعالى . وهذا النهي يعم جميع المسلمين لْنه لما نهي النبي عن الصلاة فيه علم أن الله سلب عنه وصف المسجدية فصارت الصلاة فيه باطلة لْن النهي يقتض ي فساد المنهي عنه ، ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمار بنَ ياسر ووحشياا مولى الم طعم بن عدي ومالكَ بن الدخشم ومعنَ بن عدي فقال : «انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وحرقوه » ، ففعلوا . وتحريقه تحريق الْعواد التي يتخذ منها السَّقف ، والجذوععِ التي تجعل له أعمدة .
عدد الصفحات ٣٥٤355 المبحث الثامن ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في المعوذتين فتوى الشبكة الإسلامية عن سبب نزول المعوذتين ؟ سائل يسأل عما ورد في سبب نزول سورتي المعوذتين{ :قُلم أَعُوذُ بِرَب ِ المفَلَقِ }، و{قُلم أَعُوذُ بِرَب ِ الن اسِ }، وعن قصة سحر النبي صلى الله عليه وسلم، وما ورد في ذلك؟ الإجابة : أما ما ورد في سبب نزول سورتي المعوذتين، فقال السيوطي في كتابه (لباب النقول في أسباب النزول) الذي يقول في خطبته: لخصت ه من جوامع الحديث، والْصول، وحررته من تفاسير أهل النقول : أخرج البيهقي في (دلئل النبوة) من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم مرضا شديدا، فأتاه مَلَكان، فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ما ترى؟ قال: ط بَّ، قال: وما ط بَّ؟ قال: س حِرَ، قال: ومَنْ سَحَره؟ قال: لَبيد بن الْعصم اليهودي، قال: أين هو؟ قال: في بئر آل فلان تحت صخرة في رَكِيَّة، فَأْتوا الرَّكِيَّة، فانزحوا ماءها، وارفعوا الصخرة، ثم خذوا الك دْية وأحرقوها، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمار بن ياسر في نفر، فَأَتوا الرَّكِيَّةَ، فإذا ماؤها مثل ماء الحناء، فنزحوا الماء، ثم رفعوا الصخرة، وأخرجوا الك دْيَةَ، وأحرقوها، فإذا فيها وتر فيه إحدى عشرة عقدة، وأ نزلت عليه هاتان السورتان، فَجَعل كلما قرأ آية انحلت عقدة{ :ق لْ أَع وذ بِرَب ِ الْفَلَقِ }و{ق لْ أَع وذ بِرَب ِ النَّاسِ }لْصله شاهد في (الصحيح) ( 1 )دون نزول السورتين، وله شاهد بنزولها. وأخرج أبو نعيم في (الدلئل) من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس بن مالك قال: صنعت اليهود لرسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاا، فأصابه من ذلك وجع شديد، فدخل عليه أصحابه فظنوا أنه ل مَّ به، فأتاه جبريل بالمعوذتين، فعوذوه بهما، فخرج إلى أصحابه صحيحا.
عدد الصفحات ٣٥٥356 وأما قصة سحر النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ذكرها المفسرون والمحدثون وأهل التاريخ والسير، قال ابن القيم رحمه الله في كتاب (تفسير المعوذتين): ثبت في (الصحيح) عن عيس ى بن يونس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم ط بَّ أي: س حِرَ، حتى إنه ليخيل إليه أنه صنع شيئاا وما صنعه، وأنه دعا ربه، ثم قال: "أَشَعَر تِ أن الله أفتاني فيما استفتيتكم فيه"، فقالت عائشة: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: " جاءني رجلان، فجلس أحدهما عند رأس ي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال الآخر : مطبوب، أي: مسحور، قال: من طَبَّه؟ قال: لبيد بن الْعصم، قال: فبماذا؟ قال: في م شْ ط وم شَاطَة ، وج ف ِ طَلْعِ ََ ذَكَر قال: فأين هو؟ قال: في ذروان بئر في بني زريق"، قالت عائشة رض ي الله عنها: فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس من أصحابه، ثم رجع إلى عائشة، فقال: " والله، لكأنَّ ماءها ن قَاعة الحناء، ولكأن نخلها رءوس الشياطين"، قالت: فقلت له: يا رسول الله، هلاَّ أخرجتَه، قال: "أما أنا فقد شفاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شرا "، فأمر بها فدفنت. وهذا الحديث ثابت عند أهل العلم بالحديث، متلقى بالقبول بينهم، ل يختلفون في صحته، وقد اعتاص على كثير من أهل الكلام وغيرهم، وأنكروه أشد الإنكار، وقابلوه بالتكذيب. وصنف بعضهم فيه مصنفا مفردا حمل فيه على هشام بن عروة بن الزبير، وكان غاية مَنْ أَحْسَنَ القولَ فيه: أن قال: غَلِطَ، واشتبه عليه الْمر، ولم يكن من هذا ش يء، قال: لْن النبي صلى الله عليه وسلم ل يجوز أن ي سحر؛ فإنه يكون تصديقا لقول الكفار{ :إِن تَتَّبِع ونَ إِلَّ رَج لاا مَّسْح وراا }، قالوا : فالْنبياء ل يجوز عليهم أن ي سحروا؛ فإن ذلك ينافي حماية الله لهم وعصمتهم من الشياطين. وهذا الذي قاله هؤلء مردود عند أهل العلم؛ فإن هشاما من أوثق الناس وأعلمهم، ولم يقدح فيه أحد من الْئمة بما يوجب رد حديثه، فما للمتكلمين وما لهذا الشأن وقد اتفق أصحاب (الصحيحين) على تصحيح هذا الحديث، ولم يتكلم فيه أحد من أهل الحديث بكلمة واحدة . والقصة مشهورة عن أهل التفسير، والسنن، والحديث، والتاريخ، والفقهاء، وهؤلء أعلم بأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيامه من المتكلمين.
عدد الصفحات ٣٥٦357 قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية، عن الْعمش، عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم قال: سَحَرَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود، فاشتكى لذلك أياما، قال: فأتاه جبريل، فقال: إن رجلا من اليهود سحرك وعقد لذلك ع قَداا، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فاستخرجها فجاء بها، فجعل كلما حل عقدة وَجَدَ لذلك خفةا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما نَشِط من عِقال، فما ذكر ذلك لليهودي، ول رآه في وجهه قط. وقال ابن عباس وعائشة: كان غلام من اليهود يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدنت إليه اليهود، فلم يزالوا حتى أخذ م شَاطَةَ رأسِ النبي صلى الله عليه وسلم وعدة أسنان من مشطه، فأعطاها اليهود؛ فسحروه فيها، وتولى ذلك لبيد ابن الْعصم -رجل من اليهود- فنزلت هاتان السورتان فيه. قال البغوي : وقيل: كانت مغروزة بالإبر، فأنزل الله عز وجل هاتين السورتين، وهما إحدى عشرة آية: سورة الفلق خمس آيات، وسورة الناس ست آيات، فكلما قرأ آية انحلت عقدة، حتى انحلت العقد كلها، فقام النبي صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من عِقال، قال: وروي أنه لبث فيه ستة أشهر، واشتد عليه ثلاثة أيام، فنزلت المعوذتان (2). قالوا : والسحر الذي أصابه كان مرضا من الْمراض عارضا شفاه الله منه، ول نَقْصَ في ذلك ول عيب بوجه ما؛ فإن المرض يجوز على الْنبياء، وكذلك الإغماء، فقد أغمي عليه صلى الله عليه وسلم في مرضه، ووقع حين انفكت قدمه وج حش شقه، وهذا من البلاء الذي يزيده الله به رفعة في درجاته ونيل كر امته. وأشد الناس بلاء الْنبياء؛ فقد ابتلوا من أممهم بما ابتلوا به: من القتل، والضرب، والشتم، والحبس، فليس ببدع أن ي بتلى النبي صلى الله عليه وسلم كما ابتلي بالذي رماه فشجه، وابتلي بالذي ألقى على ظهره السَّلا وهو ساجد، وغير ذلك، فلا نقص عليهم، ول عار في ذلك، بل هذا من كمالهم وعلو درجاتهم عند الله. قالوا : وقد ثبت في (الصحيح) عن أبي سعيد الخدري أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا محمد، أشتكيت؟" فقال: "نعم"، فقال: "باسم الله أرقيك من كل ش يء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، باسم الله أرقيك"، فعوذه جبريل -لمَّا اشتكى- من شر كل
عدد الصفحات ٣٥٧358 نفس وعين حاسد، فدل على أن هذا التعويذ مزيل لشكايته صلى الله عليه وسلم، وإل فلا يعوذه من ش يء وشكايته من غيره . انتهى. وقال الحافظ في (الفتح): وقد بين الواقدي السَّنَةَ التي وقع فيها السحر كما أخرجه عنه ابن سعد بسند له إلى عمر بن الحكم، مرسل . قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية في ذي الحجة، ودخل المحرَّم سنة سبع، وفرغ من وقعة خيبر، جاءت رؤساء اليهود إلى لبيد بن الْعصم -وكان حليفا في بني زريق وكان ساحرا - فقالوا : أنت أسحرنا -أي: أعلمنا بالسحر- وقد سحرنا محمداا؛ فلم نصنع شيئاا، ونحن نجعل لك جعلا على أن تسحره لنا سحرا يؤثر فيه. فجعلوا له ثلاثة دنانير (3.)أ.هـ. وفي الخطيب قال ابن عباس وعائشة: كان غلام من اليهود يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فأتت إليه اليهود، فلم يزالوا به حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلى الله عليه وسلم وعدة أسنان من مشطه، وأعطاها لليهود؛ فسحروه فيها، وتولى ذلك لبيد بن الْعصم -رجل من اليهود-.أ.هـ. وفي (المواهب ) أيضا عن (فتح الباري ): وكان في جملة السحر صورة من شمع على صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جعلوا في تلك الصورة إبرا مغروزة فيها إحدى عشرة ووتر فيه إحدى عشرة عقدة، فنزل جبريل بالمعوذتين وكان النبي صلى الله عليه وسلم كلما قرأ آية انحلت عقدة، وكلما نزع إبرة وجد ألما في بدنه، ثم يجد بعدها راحة (4.)أ.هـ. قال: وكانت مدة سحره صلى الله عليه وسلم أربعين يوما، وقيل: ستة أشهر، وقيل: عاما. قال الحافظ ابن حجر: وهو المعتمد (5.)أ.هـ. قال الراغب : تأثير السحر في النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن من حيث إنه نبي، وإنما كان في بدنه من حيث إنه إنسان أو بشر، كما كان يأكل، ويتغوط، ويغضب، ويشتهي، ويمرض، فتأثيره فيه من حيث هو بشر، ل من حيث هو نبي. وإنما يكون ذلك قادحا في النبوة لو و جد للسحر تأثير في أمر يرجع للنبوة، كما أن جرحه وكسر ثَنِيَّتِه يوم أحد لم يقدح فيما ضَمِنَ الله له من عصمته في قوله { :وَ يَعْصِم كَ مِنَ النَّاسِ }6)، وكما ل اعتداد بما يقع في الإسلام من غلبة
عدد الصفحات ٣٥٨359 بعض المشركين على بعض النواحي فيما ذ كر من كمال الإسلام في قوله تعالى{ :الْيَوْمَ أَكْمَلْت لَك مْ دِينَك مْ }7) قال القاض ي: ول يوجب ذلك صدق الكفرة في أنه مسحور؛ لْنهم أرادوا به أنه مجنون بواسطة السحر.أ.هـ. كرخي . وفي (المواهب ) ما نصه: قال المازري: أنكر بعض المبتدعة حديث السحر، وزعموا أنه يحط من منصب النبوة -أي: شرفها ورفعتها- ويشكك فيها، قالوا : وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل، وزعموا أن تجويز هذا -أي: سحر الْنبياء- يعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع؛ إذ يحتمل على هذا أن يخيل إليه أنه يرى جبريل يكلمه -وليس هو ثَمَّ -، وأنه يوحي إليه بش يء. قال المازري: وهذا كله مردود؛ لْن الدليل قد قام على صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن الله، وعلى عصمته في التبليغ، والمعجزات شاهدات بتصديقه. فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل. وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم ي بْعَث لْجلها ول كانت الرسالة من أجلها فهو في ذلك عرضة لما يعرض للبشر كالْمراض، فغير بعيد أن يخيل إليه في أمر من أمور الدنيا ما ل حقيقة له، مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين (8.)أ.هـ. وقال غيره : ل يلزم من أنه كان يظن أنه فعل الش يء -ولم يكن فعله- أنه يجزم بفعله ذلك، وإنما يكون ذلك من جنس الخاطر يخطر ول يثبت، فلا يبقى لهذا الملحد حجة. وفي (شرح مسلم): وقد ظهر ما هو أجلى وأبعد عن مطاعن الملحدة من نفس الحديث، ففي بعض طرقه « :سحره يهودي حتى كاد ينكر بصره »، وفي بعضها« :حبس عن عائشة سنة»، وعند البيهقي: «والطعام والشراب »، فدلت هذه الطرق على أن السحر إنما تسلط على ظاهر جسده، ل على عقله (9 .)انتهى. ______________________________________ 1/ البخاري (5763( )5765( )5766)، ومسلم (2189 )بدون ذكر نزول المعوذتين.
عدد الصفحات ٣٥٩360 2 / تفسير البغوي : (4 /547 .)3/ طبقات ابن سعد : (2 /197)، و(فتح الباري ): (10 /226) 4/ الفتح 10/ 230 5/ الفتح 10 /226 6/ سورة المائدة: الآية (67). 7/ سورة المائدة: الآية (3). 8 / راجع (المعلم بفوائد مسلم): (3 /159). 9 / ذكر الإمام النووى في (المنهاج) بعضاا منه عن القاض ي عياض: (14 /175.)
عدد الصفحات ٣٦٠361 أجوبة العلماء عن خبر سحر النبي صلى الله عليه و سلم قال عياض في الشفاء : في كتاب الشفا ( الفصل الرابع : العصمة من الشيطان : واعلم أن الْمة مجمعة على عصمة النبي - صلى الله عليه وسلم - من الشيطان وكفايته منه ، ل في جسمه بأنواع الْذى ، ول على خاطره بالوساوس . وقد أخبرنا القاض ي الحافظ أبو علي - رحمه الله - قال : حدثنا أبو الفضل بن خيرون العدل ، حدثنا أبو بكر البرقاني ، وغيره ، حدثنا أبو الحسن الدارقطني ، حدثنا إسماعيل الصفار ، حدثنا عيس ى الترقفي ، حدثنا محمد بن يوسف ، حدثنا سفيان عن منصور عن سالم بن أبي الجعد ، عن مسرور ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما منكم من أحد إل وكل به قرينه من الجن ، وقرينه من الملائكة .قالوا : وإياك يا رسول الله ؟ قال : وإياي ، ولكن الله - تعالى - أعانني عليه فأسلم . زاد غيره عن منصور : فلا يأمرني إل بخير وعن عائشة بمعناه .وروي : فأسلم بضم الميم ، أي فأسلم أنا منه .وصحح بعضهم هذه الرواية ، ورجحها . وروي : فأسلم يعني القرين أنه انتقل من حال كفره إلى الإسلام ، فصار ل يأمر إل بخير ، كالملك . وهو ظاهر الحديث .ورواه بعضهم : فاستسلم . قال القاض ي أبو الفضل وفقه الله : فإذا كان هذا حكم شيطانه وقرينه المسلط على بني آدم ، فكيف بمن بعد منه ، ولم يلزم صحبته ، ول أقدر على الدنو منه ؟ . وقد جاءت الآثار بتصدي الشياطين له في غير موطن ، رغبة في إطفاء نوره ، وإماتة نفسه ، وإدخال شغل عليه ، إذ يئسوا من إغوائه فانقلبوا خاسرين ، كتعرضه له في صلاته ، فأخذه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأسره . ففي الصحاح : قال أبو هريرة ، عنه - صلى الله عليه وسلم - : إن الشيطان عرض لي . قال عبد الرزاق : في صورة هر ، فشد علي يقطع علي الصلاة فأمكنني الله منه ، فذعته . ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا تنظرون إليه ، فذك رت قول أخي سليمان رب اغفر لي وهب لي ملكا35 ] .
عدد الصفحات ٣٦١362 وفي حديث أبي الدرداء عنه- صلى الله عليه وسلم - : إن عدو الله إبليس جاءني بشهاب من نار ليجعله في وجهي والنبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة ، وذكر تعوذه بالله منه ، ولعنه له ، ثم أردت آخذه ، وذكر نحوه ، وقال : لْصبح موثقا يتلاعب به ولدان أهل المدينة .وكذلك في حديثه في الإسراء ، وطلب عفريت له بشعلة نار ، فعلمه جبريل ما يتعوذ به منه ، ذكره في الموطأ ، ولما لم يقدر على أذاه بمباشرته تسبب بالتوسط إلى عداه ، كقضيته مع قريش في الئتم ار بقتل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وتصوره في صورة الشيخ النجدي . ومرة أخرى في غزوة بدر في صورة سراقة بن مالك ، وهو قوله : وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم (الْنفال : 48 ) الآية . .ومرة ينذر بشأنه عند بيعة العقبة . وكل هذا فقد كفاه الله أمره ، وعصمه ضره ، و شره . وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : إن عيس ى - عليه السلام - كفي من لمسه ، فجاء ليطعن بيده في خاصرته حين ولد ، فطعن في الحجاب . وقال - صلى الله عليه وسلم - حين لد في مرضه ، وقيل له : خشينا أن يكون بك ذات الجنب فقال : إنها من الشيطان ولم يكن الله ليسلطه علي . فإن قيل : فما معنى قوله تعالى - : وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ با 200 ] فقد قال بعض المفسرين : إنها راجعة إلى قوله : وأعرض عن الجاهلين199 ] قال : وإما ينزغنك ، أي يستخفك غضب يحملك على ترك الإعراض عنهم فاستعذ با - تعالى - . وقيل : النزغ هاهنا الفساد ، كما قال - تعالى - : من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي يوسف : 100 ] . وقيل : ينزغنك : يغرينك ، ويحركنك . والنزغ : أدنى الوسوسة ، فأمره - تعالى - أنه متى تحرك عليه غضب على عدوه ، أو رام الشيطان من إغرائه به وخواطر أدنى وساوسه ، لم يجعل له سبيل إليه أن يستعيذ منه ، فيكفى أمره ، ويكون سبب تمام عصمته ، إذ لم يسلط عليه بأكثر من التعرض له ، ولم يجعل به قدرة عليه .وقد قيل في هذه الآية غير هذا .
عدد الصفحات ٣٦٢363 وكذلك ل يصح أن يتصور له الشيطان في صورة الملك ، ويلبس عليه ، ل في أول الرسالة ، ول بعدها .والعتماد في ذلك دليل المعجزة ، بل ل يشك النبي أن ما يأتيه من الله الملك ورسوله حقيقة إما بعلم ضروري يخلقه الله له ، أو ببرهان يظهره لديه ، لتتم كلمة ربك صدقا وعدل ، ل مبدل لكلماته . فإن قيل : فما معنى قوله - تعالى - : وما أرسلنا من قبلك من رسول ول نبي إل إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته52 ] . . فاعلم أن للناس في معنى هذه الآية أقاويل منها السهل ، والوعث والسمين ، والغث وأولى ما يقال فيها475 ]يطان فيها إشغاله بخواطر وأذكار من الدنيا لليالي حتى يدخل عليه الوهم والنسيان فيما تلاه ، أو يدخل غير ذلك على أفهام السامعين من التحريف وسوء التأويل ما يزيله الله ، وينسخه ، ويكشف لبسه ، ويحكم آياته .وسيأتي الكلام على هذه الآية بأشبع من هذا إن شاء الله . وقد حكى السمرقندي إنكار قول من قال بتسليط الشيطان على ملك سليمان وغلبته عليه ، وأن مثل هذا ل يصح .وقد ذكرنا قصة سليمان مبينة بعد هذا ومن قال : إن الجسد هو الولد الذي ولد له . وقال أبو محمد مكي في قصة أيوب : وقوله : أني مسني الشيطان بنصب وعذاب 41 ]ه ل يجوز لْحد أن يتأول أن الشيطان هو الذي أمرضه ، وألقى الضر في بدنه ، ول يكون ذلك إل بفعل الله وأمره ، ليبتليهم ويثيبهم .قال مكي : وقيل : إن الذي أصابه به الشيطان ما وسوس به إلى أهله . فإن قلت : فما معنى قوله - تعالى - عن يوشع : وما أنسانيه إل الشيطان [63 ] . وقوله عن يوسف : فأنساه الشيطان ذكر ربه42 ] .وقول نبينا- صلى الله عليه وسلم - ، حين نام على الصلاة يوم الوادي : إن هذا واد به شيطان .وقول موس ى - عليه السلام - في وكزته : هذا من عمل الشيطان15 ] .
عدد الصفحات ٣٦٣364 فاعلم أن هذا الكلام قد يرد في هذا على مورد مستمر كلام العرب في وصفهم كل قبيح ، من شخص أو فعل بالشيطان أو فعله ، كما قال - تعالى - : طلعها كأنه رءوس الشياطين 65 ] . وقال- صلى الله عليه وسلم - : فليقاتله فإنما هو شيطان .وأيضا فإن قول يوشع ل يلزمنا الجواب عنه ، إذ لم يثبت له في ذلك الوقت نبوة مع موس ى ، قال الله - تعالى - : وإذ قال موس ى لفتاه الكهف : 60 ] . والمروي أنه إنما بعد موت موس ى ، وقيل : قبيل موته .وقول موس ى كان قبل نبوته بدليل القرآن . وقصة يوسف قد ذكر أنها كانت قبل نبوته .وقد قال المفسرون في قوله - تعالى - : فأنساه الشيطان42 ] السجن ، وربه الملك ، أي أنساه أن يذكر للملك شأن يوسف- عليه السلام - . وأيضا فإن مثل هذا من فعل الشيطان ليس فيه تسلط على يوسف ، ويوشع بوساوس ، ونزغ ، وإنما هو بشغل خواط رهما بأمور أخر ، وتذكيرهما من أمورهما ما ينسيهما ما نسيا . وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : إن هذا واد به شيطان . فليس فيه ذكر تسلطه عليه ، ول وسوسته له ، بل إن كان بمقتض ى ظاهره فقد بين أمر ذلك الشيطان 476 ] الشيطان أتى بلال ، فلم يزل يهدئه كما يهدأ الصبي حتى نام فاعلم أن تسلط الشيطان في ذلك الوادي إنما كان على بلال الموكل بكلاءة الفجر .هذا إن جعلنا قوله : إن هذا واد به شيطان تنبيها على سبب النوم عن الصلاة .وأما إن جعلناه تنبيها على سبب الرحيل عن الوادي ، وعلة لترك الصلاة به ، وهو دليل مساق حديث زيد بن أسلم فلا اعتراض به في هذا الباب ، لبيانه وارتفاع إشكاله .أجوبة العلماء عن خبر سحر النبي صلى الله عليه و سلم - كتبه الشيخ/ أحمد بن عبد العزيز القصي ِر
عدد الصفحات ٣٦٤365 بحث آخرللعلماء في الجواب عن حادثة السحر ثلاثة أقوال : القول الأول : أن ما تعرض له النبي صلى الله عليه وسلم من سحر ، هو مرض من الْمراض ، وعارض من العلل ، وهذه تجوز على الْنبياء كغيرهم من البشر ، وهي مما ل ي نكر ول يَقدح في النبوة ، ول ي خِل بالرسالة أو الوحي ، والله سبحانه إنما عصم نبيه صلى الله عليه وسلم مما يحول بينه وبين الرسالة وتبليغها ، وعصمه من القتل ، دون العوارض التي تعرض للبدن .وهذا مذهب : المازري (1) ، وابن القيم ، والعيني 2) ، والسندي 3) ، وابن باز 4( )5( وحكاه القاض ي عياض ، حيث قال «:و أما ما و رد أنه كان يخيل إليه أنه فعل الش يء و ل يفعله ، فليس في هذا ما ي دْخِل عليه داخلةا في ش يء من تبليغه أو شريعته ، أو يقدح في صدقه ، لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا ، و إنما هذا فيما يجوز طرو ة عليه في أمر دنياه ، التي لم ي بعث بسببها و ل ف ضل من أجلها ، و هو فيها للفات كسائر البشر ، فغير بعيد أن يخيل إليه من أمورها ما ل حقيقة له ، ثم ينجلي عنه كما كان ، .... و لم يأت في خبر أنه ن قل عنه في ذلك قول بخلاف ما كان أخبر أنه فعله و لم يفعله ، و إنما كانت خواطر و تخيلات »أهـ6) وقال ابن القيم «:السحر الذي أصابه صلى الله عليه وسلم كان مرضاا من الْمراض عارضاا شفاه الله منه ، و ل نقص في ذلك ول عيب بوجه ما ؛ فإن المرض يجوز على الْنبياء ، وكذلك الإغماء ؛ فقد أغمي عليه صلى الله عليه وسلم في مرضه ( 7)، ووقع حين انفكت قدمه ، وج حِشَ 8) شِق ه (9) ، وهذا من البلاء الذي يزيده الله به رفعة في درجاته ، ونيل كرامته ، وأشد الناس بلاءا ا نبياء ، فابتلوا من أممهم بما ابتلوا به ، من القتل والضرب والشتم والحبس ، فليس بِبدْع أن ي بتلى النبي صلى الله عليه وسلم من بعض أعدائه بنوع من السحر ، كما ابتلي بالذي رماه فشجه ، وابتلي بالذي ألقى على ظهره السلا ( 10) وهو ساجد11)، وغير ذلك ، فلا نقص عليه م ول عار في ذلك ؛ بل هذا من كمالهم وعلو درجاتهم عند الله »12) القول الثاني أن السحر إنما تسلط على ظاهره و جوارحه ، ل على قلبه و اعتقاده و عقله، ومعنى الآية عصمة القلب والإيمان ، دون عصمة الجسد عما يرد عليه من الحوادث الدنيوية.وهذا اختيار القاض ي عيا ض (13)، وابن حجر الهيتمي 14) .
عدد الصفحات ٣٦٥366 القول الثالث : أن ما روي ـ من أن النبي صلى الله عليه وسلم س حِرَ ـ باطل ل يصح ، بل هو من وضع الملحدين وهذا مذهب المعتزلة ( 15) واختيار الجصاص من أهل السنة ، حيث قال «:زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم س حِرَ , وأن السحر عمل فيه ... ، ومثل هذه الْخبار من وضع الملحدين ، تلعباا بالحشو الطغام ، واستجراراا لهم إلى القول بإبطال معجزات الْنبياء عليهم السلام ، والقدح فيها , وأنه ل فرق بين معجزات الْنبياء وفعل السحرة , وأن جميعه من نوع واحد ، والعجب ممن يجمع بين تصديق الْنبياء عليهم السلام وإثبات معجزاتهم وبين التصديق بمثل هذا من فعل السحرة مع قوله تعالى69] كذَّبَه الله وأخبر ببطلان دعواه وانتحاله . وجائز أن تكون المرأة اليهودية بجهلها فعلتْ ذلك ظناا منها بأن ذل ك يعمل في الْجساد . وقصدتْ به النبي صلى الله عليه وسلم ; فأطلعَ الله نبيه على موضع سرها ، وأظهر جهلها فيما ارتكبتْ وظنتْ ؛ ليكون ذلك من دلئل نبوته , ل أن ذلك ضَرَّه وخلَّطَ عليه أمره ، ولم يقل كل الرواةِ إنه اختلط عليه أمره , وإنما هذا اللفظ زِيدَ في الحديث ول أصل له " أهـ ( 16) وحجة هؤلاء أن القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم سُحِر يلزم منه : 1/ إبطال معجزات الْنبياء عليهم السلام والقدح فيها . 2/ ويلزم منه الخلط بين معجزات الْنبياء وفعل السحرة . 3/ ويلزم منه أن يكون تصديقاا لقول الكفار ونَ إِلَّ رَج لاا مَّسْح وراا 8 ] وقال قوم صالح له153] . 4/ قالوا : والْنبياء ل يجوز عليهم أن ي سحروا ؛ لْن ذلك ينافي حماية الله لهم وعصمتهم 17( وأجابوا عن حد يث عائشة رض ي الله عنها – والذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم س حِر – بأنه مما تفرد به هشام بن عروة ( 18)، عن أبيه ، عن عائشة . وأنه غَل طَ فيه ، واشتبه عليه الْمر.( 19( واعترض :
عدد الصفحات ٣٦٦367 1 /بأن قولـه تعالى{ من س حر حتى ج نَّ وصار كالمجنون الذي زال عقله ؛ إذ المسحور الذي ل ي تبع هو من فسد عقله بحيث ل يدري ما يقول فهو كالمجنون ، ولهذا قالوا فيه14 ] من أصيب في بدن ه بمرض من الْمراض التي يصاب بها الناس ؛ فإنه ل يمنع ذلك من اتباعه، وأعداء الرسل لم يقذفوهم بأمراض الْبدان ، وإنما قذفوهم بما ي حَذ ِرون به سفهاءهم من أتباعهم ، وهو أنهم قد سحروا حتى صاروا ل يعلمون ما يقولون بمنزلة المجانين ، ولهذا قال تعالى {:فَ ضَرَب واْ لَكَ الَْمْثَالَ فَضَل واْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاا 48]. 2 /وأما قولهم : إن سحر الْنبياء ينافي حماية الله تعالى لهم ؛ فإنه سبحانه كما يحميهم ويصونهم ويحفظهم ويتولهم ؛ فإنه يبتليهم بما شاء من أذى الكفار لهم ؛ ليستوجبوا كما ل كرامته، وليتسلى بهم من بعدهم من أممهم وخلفائهم إذا أوذوا من الناس ، فإنهم إذا رأوا ما جرى على الرسل والْنبياء صبروا ورضوا وتأسوا بهم .(20) 3 /وأما قولهم : بأن حديث عائشة هو مما تفرد به هشام بن عروة ؛ فجوابه :أن ما قاله هؤلء مردود عند أهل العلم ؛ فإن هشا ماا من أوثق الناس وأعلمهم ، ولم يقدح فيه أحد من الْئمة بما يوجب رد حديثه ، وقد اتفق أصحاب الصحيحين على تصحيح هذا الحديث، ولم يتكلم فيه أحد من أهل الحديث بكلمة واحدة ، والقصة مشهورة عند أهل التفسير ، والسنن والحديث ، والتاريخ والفقهاء ، وهؤلء أعلم بأحوال ر سول الله صلى الله عليه وسلم وأيامه من غيرهم . والحديث لم يتفرد به هشام ؛ فقد رواه الْعمش ، عن يزيد بن حيان ، عن زيد بن أرقم -رض ي الله عنه - قال : " سَحَرَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَج ل مِنْ الْيَه ودِ ، فَاشْتَكَى لِذَلِكَ أَيَّاماا ؛ فَأَتَاه جِبْ رِيل عَلَيْهِ السَّلاَم فَقَالَ : إِنَّ رَج لاا مِنْ الْيَه ودِ سَحَرَكَ ، عَقَدَ لَكَ ع قَداا فِي بِئْرِ كَذَا وَكَذَا ؛ فَ أَرْسَلَ رَس ول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَاسْتَخْرَج وهَا ، فَجِيءَ بِهَا فَقَامَ رَس ول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَأَنَّمَا ن شِطَ مِنْ عِقَال ، فَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ لِذَلِكَ الْيَه ودِي ِ ، وَلَ رَآه فِي وَجْهِهِ قَط “ (21( )22)
عدد الصفحات ٣٦٧368 هوامش المبحث 1) المعلم بفوائد مسلم3/93). (2) عمدة القاري15/98). (3) حاشية السندي على سنن النسائي7/113). (4) مجموع فتاوى ابن باز .)***( 5) انظر : فتح الباري10/237) ، ونيل الْوطار 17/211) (6) الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى عليه وسلم ( 2/113). (7) أخرجه البخاري في صحيحه ، في كتاب الْذان ، حديث687) ، ومسلم في صحيحه ، في كتاب الصلاة ، حديث418). (8) جحش شقه : أي انخدش جلده . انظر : مشارق الْنوار (1/140)، والنهاية في غريب الحديث 1/241). (9) عن أنس بن مالك قال : " سَقَطَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم عَنْ فَرَس ، فَج حِشَ شِق ه الَْْيْمَن "أخرجه البخاري في صحيحه ، في كتاب الصلاة ، حديث (378) ، ومسلم في صحيحه ، في كتاب ال صلاة ، حديث (411). (10) السلى : الجلد الرقيق الذي يخرج فيه الولد من بطن أمه ملفوفاا فيه. انظر : النهاية في غريب الحديث 2/396). (11) أخرجه البخاري في صحيحه ، في كتاب الوضوء ، حديث 240) ، ومسلم في صحيحه ، في كتاب الجهاد والسير ، حديث (1794). (12) بدائع الفوائد (2/192) . وانظر : زاد المعاد4/124) . (13) الشفا2/113). (14) الزواجر2/163 ـ164). (15) انظر : مفاتيح الغيب 32/172) ، وعمدة القاري21/280). (16) أحكام القرآن ، للجصاص 1/58-59) (17) انظر : أحكام القرآن ، للجصاص 1/59) ، ومفاتيح الغيب (32/172) ، وبدائع الفوائد2/191) . (18) هو : هشام بن عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قص ي بن كلاب ، الإمام الثقة ، شيخ الإسلام ، أبو المنذر القرش ي الْسدي الزبيري المدني ، قال ابن سعد :كان ثقة ثبتاا كثير الحديث حجة. وقال أبو حاتم الرازي : ثقة إمام في الحديث . وقال يحيى بن معين وجماعة : ثقة .(ت : 146 هـ ) . انظر : سير أعلام النبلاء 6/34) (19) انظر : بدائع الفوائد 2/191 )(20) انظر : بدائع الفوائد 2/192-193) ، ومفاتيح الغيب32/172) (21) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 5/40) ، والإمام أحمد في مسنده ( 4/367)، والنسائي في سننه ، في كتاب تحريم الدم ، حديث (4080) ، جميعهم من طريق الْعمش ، به . وصححه الْلباني ، في صحيح سنن النسائي 3/98) ، حديث4091) (22) انظر : بدائع الفوائد 2/191.)
عدد الصفحات ٣٦٨