المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

فتح الودود بيان آيات الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم

أحمد خضر حسنين الحسن

صفحة ٢٢ من ٢٥

337 ورابعها: أن يقول « :إنا إلى الله راغبون » فنحن ل نطلب من الإيمان والطاعة أخذ الْموال، وإنما نطلب اكتساب سعادات الآخرة . الفائدة الثانية : قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (وهو يتحدث عن ذي الخويصرة التميمي الذي قال: اعدل يا رسول الله ) كما سبق في ذكر سبب نزول الآية : "هذا الرجل قد نص القرآن أنه من المنافقين بقوله : ( وَمِنْه مْ مَنْ يَلْمِز كَ فِي الصَّدَقَاتِ ) أي يعيبك ويطعن عليك ، وقوله للنبي صلى الله عليه وسلم: اعدل واتق الله ، بعدما خص بالمال أولئك الْربعة : نسب للنبي صلى الله عليه وسلم إلى أنه جار ، ولم يتق الله ؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أو لست أحق أهل الْرض أن يتقي الله ؟! أل تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ !) . ومثل هذا الكلام ل ريب أنه يوجب القتل ، لو قاله اليوم أحد ؛ وإنما لم يقتله النبي صلى الله عليه وسلم لْ نه كان يظهر الإسلام ، وهو الصلاة التي يقاتل الناس حتى يفعلوها ، وإنما كان نفاقه بما يخص النبي صلى الله عليه وسلم من الْذى ، وكان له أن يعفو عنه ، وكان يعفو عنهم تأليفا للقلوب ، لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه " انتهى من "الصارم المسلول " (ص 228-229) - ويدل على ذلك أيضا ما رواه مسلم (1063 )عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ : " أَتَى رَج ل رَس ولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجِعْرَانَةِ م نْصَرَفَه مِنْ ح نَيْن ، وَفِي ثَوْبِ بِلاَل فِضَّة ، وَرَس ول اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ يَقْبِض مِنْهَا، ي عْطِي النَّاسَ ، فَقَالَ : يَا م حَمَّد : اعْدِلْ ، قَالَ : ( وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِل إِذَا لَمْ أَك نْ أَعْدِل ؟ لَقَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَك نْ أَعْدِل ) فَقَالَ ع مَر بْن الْخَطَّابِ رَض ِيَ الله عَنْه : دَعْنِ ي، يَا رَس ولَ اللهِ فَأَقْت لَ هَذَا المْ نَافِقَ ، فَقَالَ : ( مَعَاذَ اللهِ ، أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاس أَنِ ي أَقْت ل أَصْحَابِي، إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابَه يَقْرَء ونَ الْق رْآنَ ، لَ ي جَاوِز حَنَاجِرَه مْ ، يَمْر ق ونَ مِنْه كَمَا يَمْر ق السَّ هْم مِنَ الرَّمِيَّةِ ) .فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على عمر رض ي الله عنه تسميته بالمنافق . وقال ملا علي القاري رحمه الله ":ذ و الْخ وَيْصِرَةِ رَج ل مِنْ بَنِي تَمِيم ، نَزَلَ فِيهِ قَوْل ه تَعَالَى : ( وَمِنْه مْ مَنْ يَلْمِز كَ فِي الصَّدَقَا تِ ) ، فَه وَ مِنَ المْ نَافِقِينَ " انتهى مختصرا من "مرقاة المفاتيح" (9 /3796)

عدد الصفحات ٣٣٧

338 الموضع الخامس قوله تعالى : وَمِنمهُمُ ال ذِينَ يُؤمذُونَ الن بِي وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُن قُلم أُذُنُ خَيمر ل كُمم يُؤممِنُ بِالل هِ وَيُؤممِنُ لِلممُؤممِنِينَ وَرَحممَ ة ل ِل ذِينَ آمَنُوا مِنكُمم وَال ذِينَ يُؤمذُونَ رَسُولَ الل هِ لَهُمم عَذَاب أَلِيم (61) أولاً : سبب نزولها روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها: ما أخرجه ابن أبى حاتم عن السدى أنها نزلت في جماعة من المنافقين منهم الجلاس بن سويد بن صامت ورفاعة ابن عبد المنذر،ووديعة بن ثابت وغيرهم، قالوا مال ينبغي في حقه صلى الله عليه وسلم ، فقال رجل منهم ل تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغ محمدا ما تقولونه فيقع فينا. فقال الجلاس :بل نقول ما شئنا، ثم نأتيه فيصدقنا بما نقول فإن محمدا أذن .فمرادهم بقولهم «هو أذن» أى: كثير الستماع والتصديق لكل ما يقال له. ثانياً : أوضحت الآية كما في سبب نزولها نوع آخر من أنواع إساء المنافقين الْدب مع سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم حين وصفوه بهذا الوصف الذي ل يليق به – أذن – وحاشاه عليه الصلاة والسلام ،قال صاحب الكشاف : ( الْذن: الرجل الذي يصدق كل ما يسمع، ويقبل قول كل أحد، سمى بالجارحة التي هي آلة السماع كأن جملته أذن سامعة ونظيره قولهم للربيئة - أى الطليعة- عين) . ثالثاً : جاء دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم بأسلوب مغاير عما ألف المنافقون حيث أمره ربه أن يبلغهم ما هو إبطال لزعمهم من أصله بصرف مقالتهم إلى معنى لئق به صلى الله عليه وسلم ، حت ى ل يبقى للمحكي أثر ، وهذا من لطائف القرآن . كما قاله ابن عاشور . والآن إليك بيان ما جاء من الدفاع عنه صلى الله عليه وسلم في الآية الكريمة : 1/ قوله تعالى : وَمِنمهُمُ ال ذِينَ يُؤم ذُونَ الن بِي وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُن ) : المعنى: ومن هؤلء المنافقين قوم يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم فيقولون عنه أنه كثير السماع والتصديق لكل ما يقال له بدون تمييز بين الحق والباطل .

عدد الصفحات ٣٣٨

339 2/ فرد عليهم بقوله : ( قُلم أُذُنُ خَيمر لَكُمم ) رد عليهم بما يخرس ألسنتهم ويكبت أنفسهم وهو من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة على سبيل المبالغة في المدح كقولهم رجل صدق أى قد بلغ النهاية في الصدق والستقامة . - والمعنى : قل لهم يا محمد على سبيل التوبيخ والتبكيت : سلمنا. كما تزعمون . أنى كثير السماع والتصديق لما يقال، لكن هذه الكثرة ليست للشر والخير بدون تمييز وإنما هي للخير ولما وافق الشرع فحسب. - ويجوز أن تكون الإضافة فيه على معنى «في» ، أى هو أذن في الخير والحق، وليس بأذن في غير ذلك من وجوه الباطل والشر . 3/ وهذه الجملة الكريمة من أسمى الْساليب وأحكمها في الرد على المرجفين والفاسقين، لْنه- سبحانه- صدقهم في كونه صلى الله عليه وسلم أذنا، وذلك بما هو مدح له، حيث وصفه بأنه أذن خير ل شر. قال صاحب الإنصاف: ل ش يء أبلغ من الرد عليهم بهذا الوجه، لْنه في الْول إطماع لهم بالموافقة ثم كر على طمعهم بالحسم، وأعقبهم في تنقصه باليأس، منه، ول ش يء أقطع من الإطماع ثم اليأس يتلوه ويعقبه . 4/ وقوله : ( يُؤممِنُ بِالل هِ وَيُؤممِنُ لِلممُؤممِنِينَ) تفسير وتوضيح لكونه صلى الله عليه وسلم أذن خير لهم ل أذن شر عليهم. أى: أن من مظاهر كونه صلى الله عليه وسلم أذن خير، أنه (يؤمن بالله) إيمانا حقا ل يحوم حوله ش يء من الرياء، أو الخداع أو غيرهما من ألوان السوء (ويؤمن للمؤمنين) أى: يصدقهم فيما يقولونه من أقوال توافق الشرع لْنهم أصحابه الذين أطاعوه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، فهم أهل للتصديق والقبول . دون غيرهم من المنافقين والفاسقين . 4/ وقوله :( وَرَحممَة لِل ذِينَ آمَنُوا مِنمكُمم ) معطوف على قوله : أ ذ ن خَيْر لَك مْ . أى: أن هذا الرسول الكريم بجانب أنه أذن خير لكم هو رحمة للذين آمنوا منكم- أيها المنافقون - إيمانا صحيحا، لْنه عن طريق إرشاده لهم إلى الخير، واتباعهم لهذا الإرشاد يصلون إلى ما يسعدهم في دنياهم وآخرتهم .

عدد الصفحات ٣٣٩

340 وعلى هذا يكون المراد بالذين آمنوا من المنافقين: أولئك الذين صدقوا في إيمانهم، وأخلصوا لله قلوبهم، وتركوا النفاق والرياء .أو أن المراد بالذين آمنوا منهم: أولئك الذين أظهروا الإيمان، فيكون المعنى:أن هذا الرسول الكريم رحمة للذين أظهروا الإيمان منكم- أيها المنافقون - حيث إنه صلى الله عليه وسلم عاملهم بحسب الظاهر، دون أن يكشف أسرارهم، أو يهتك أستارهم لْن الحكمة تقتض ي ذلك.وعلى هذا المعنى سار صاحب الكشاف فقد قال: وهو رحمة لمن آمن منكم، أى: أظهر الإيمان- أيها المنافقون -، حيث يسمع منكم، ويقبل إيمانكم الظاهر، ول يكشف أسراركم، ول يفضحكم، ول يفعل بكم ما يفعل بالمشركين، مراعاة لما رأى الله من المصلحة في الإبقاء عليكم . 5/ وقوله : ( وَال ذِينَ يُؤمذُونَ رَسُولَ الل هِ لَهُمم عَذاب أَلِيم ) ختام :قصد به تهديدهم وزجرهم عن التعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأية إساءة. أى: والذين يؤذون رسول الله بأى لون من ألوان الْذى، لهم عذاب أليم في دنياهم وآخرتهم لْنهم بإيذائهم له يكونون قد استهانوا بمن أرسله الله رحمة للعالمين.

عدد الصفحات ٣٤٠

341 الموضع السادس قوله تعالى: يَحملِفُونَ بِالل هِ لَكُمم لِيُرمضُوكُمم وَالل هُ وَرَ سُولُهُ أَحَق أَن يُرمضُوهُ إِن كَانُوا مُؤممِنِينَ (62) أَلَمم يَعملَمُوا أَن هُ مَن يُحَادِدِ الل هَ وَرَسُولَهُ فَأَن لَهُ نَارَ جَهَن مَ خَالِدًا فِيهَا ذَ لِكَ المخِزميُ المعَظِيمُ (63). أولاً : سبب نزولها قال القرطبي : روى أن قوما من المنافقين اجتمعوا، وفيهم غلام من الْنصار يدعى عامر بن قيس، فحقروه وتكلموا فقالوا : إن كان ما يقوله محمد حقا لنحن شر من الحمير. فغضب الغلام وقال: والله إن ما يقوله محمد صلى الله عليه وسلم لحق، ولْنتم شر من الحمير. ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقولهم فحلفوا إن عامرا كاذب. فقال عامر: هم الكذبة، وحلف على ذلك وقال: اللهم ل تفرق بيننا حتى يتبين صدق الصادق وكذب الكاذب. فأنزل الله هذه الآية . ثانياً : نزلت هذه الآيات لبيان نوع مما درج عليه المنافقون من س ئ الْقوال والْفعال حينما يجدون الفرصة سانحة مع ما في بواطنهم من النفاق وسوء الطوية ، وهذا كله من الكفر بالله تعالى والإساءة للنبي صلى الله عليه وسلم . ثالثاً : بناءاا على ما سبق جاء دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفضحاا لْولئك المنافقين وكشفاا لخطرهم على الإسلام والمسلمين وليعلم النبي صلى الله عليه وسلم حقيقتهم وليأخذ حذره منهم . والآن إليك بيان ما جاء من الدفاع عنه صلى الله عليه وسلم في الآية الكريمة: 1/ قوله سبحانه : ( يَحملِفُونَ بِالل هِ لَكُمم لِيُرمضُوكُمم ) خطاب للمؤمنين الذين كان المنافقون يذكرونهم بالسوء، ثم يأتون إليهم بعد ذلك معتذرين.أى: إن هؤلء المنافقين يحلفون بالله لكم- أيها المؤمنون - ليرضوكم، فتطمئنوا إليهم، وتقبلوا معاذيرهم . 2/ قوله تعالى ( والله وَرَسُولُهُ أَحَق أَن يُرمضُوهُ ) أي أحق منكم بأن يرضوهما ،فإرضاء الله بالإيمان به وبرسوله وتعظيممِ رسوله ، وإرضاء الرسول بتصديقه ومحب ته و إكرامه .

عدد الصفحات ٣٤١

342 - وقال بعضهم : هم يحلفون لكم. والحال أن الله ورسوله أحق بالإرضاء منكم لْن الله- تعالى- هو خالقهم ورازقهم ومالك أمرهم، وهو العليم بما ظهر وبطن من أحوالهم . ولْن رسوله صلى الله عليه وسلم هو المبلغ لوحيه عز وجل. - قال صاحب المنار ما ملخصه: وكان الظاهر أن يقال« :يرضوهما » ونكتة العدول عنه إلى «يرضوه » :الإعلام بأن إرضاء رسوله عين إرضائه سبحانه . 3/ وقوله : ( إِنم كانُوا مُؤممِنِينَ ) ختام : قصد به بيان أن الإيمان الحق ل يتم إل بإرضاء الله ورسوله عن طريق طاعتهما والنقياد لْوامرهما ، أى : إن كانوا مؤمنين حقا، فليعملوا على إرضاء الله ورسوله، بأن يطيعوا أوامرهما، ويجتنبوا نواهيهما، وإل كانوا كاذبين في دعواهم الإيمان 4/ قوله تعالى أَلَمم يَعملَمُوا أَن هُ مَن يُحَادِدِ الل هَ وَرَسُولَهُ فَأَن لَهُ نَارَ جَهَن مَ خَالِدًا ) المعنى: ألم يعلم هؤلء المنافقون الذين مردوا على الفسوق والعصيان أنه من يخالف تعاليم الله ورسوله، فجزاؤه نار جهنم يصلاها يوم القيامة خالدا فيها؟! إن كانوا ل يعلمون ذلك- على سبيل الفرض - فأعلمهم يا محمد بسوء مصيرهم إذا ما استمروا على نفاقهم ومعاداتهم لله ولرسوله . قوله : ي حادِدِ من المحادة بمعنى المخالفة والمجانبة والمعاداة، مأخوذة من الحد بمعنى الجانب، كأن كل واحد من المتخاصمين في جانب غير جانب صاحبه. ويقال: حاد فلان فلانا، إذا صار في غير حده وجهته بأن خالفه وعاداه.والستفهام في الآية الكريمة للتوبيخ والتأنيب وإقامة الحجة. - واسم الإش ارة في قوله : ذلِكَ المخِزميُ المعَظِيمُ يعود على ما ذكر من العذاب أى: ذلك الذي ذكرناه من خلودهم في النار يوم القيامة هو الذل العظيم، الذي يتضاءل أمامه كل خزي وذل في الدنيا. والخزي : الذل والهوان .

عدد الصفحات ٣٤٢

343 الموضع السابع قوله تعالى : وَلَئِن سَأَلمتَهُمم لَيَقُو لُن إِن مَا كُن ا نَخُوضُ وَنَلمعَبُ قُلم أَبِالل هِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمم تَسمتَهمزِئُونَ (65) لاَ تَعمتَذِرُوا قَدم كَفَرمتُم بَعمدَ إِيمَانِكُمم إِن ن عمفُ عَن طَائِفَة م ِنكُمم نُعَذ ِبم طَائِفَةً بِأَن هُمم كَانُوا مُجمرِمِينَ (66) أولاً : سبب نزولها : قال القرطبي : هذه الآية نزلت في غزوة تبوك . قال الطبري وغيره عن قتادة : بينا النبي صلى الله عليه وسلم يسير في غزوة تبوك وركب من المنافقين يسيرون بين يديه فقالوا : انظروا ، هذا يفتح قصور الشام ويأخذ حصون بني الْصفر ! فأطلعه الله سبحانه على ما في قلوبهم وما يتحدثون به ، فقال : احبسوا علي الركب - ثم أتاهم فقال - قلتم كذا وكذا . فحلفوا : ما كنا إل نخوض ونلعب يريدون كنا غير مجدين . وقال ابن كثير : عن عبد الله بن عمر قال : قال رجل في غزوة تبوك في مجلسه ما رأيت مثل قرائنا هؤلء ، أرغب بطونا ، و ل أكذب ألسنا ، ول أجبن عند اللقاء . فقال رجل في المسجد : كذبت ، ولكنك منافق . لْخبرن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونزل القرآن . قال عبد الله بن عمر : وأنا رأيته متعلقا بحقب ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تنكبه الحجارة وهو يقول : يا رسول الله ، إنما كنا نخوض ونلعب . ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ) . ثانياً : لقد جمع المنافقون الشر من أطرافه حيث وقعوا في جريمتين كل واحدة منهما أسوأ من صاحبتها : الستهزاء بآيات الله تعالى ، والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان ل بد من حسم أمرهم وبيان حقارة شأنهم والختم على قلوبهم ، وبيان مدى ما وصلوا إيه من التوغل في الكفر والنفاق وعدم اكتراثهم بما يتنزل علهيم من قرآن أو بما يسمعونه من الوعظ من النبي صلى الله عليه وسلم .

عدد الصفحات ٣٤٣

344 ثالثاً بناءاا على ما سبق ذكره جاء دفاع الله تعالى عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى تلك الآيات المباركات دفاعاا عن خير البريات عليه أفضل الصلوات وأتم التسليمات ، وإليك ما فيها من المقاصد والغايا ت : الآية الأولى : ( وَلَئِن سَأَلمتَهُمم لَيَقُولُن إِن مَا كُن ا نَخُوضُ وَنَلمعَبُ قُلم أَبِالل هِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمم تَسمتَهمزِئُونَ ) قال ابن عاشور : 1/ قوله تعالى (وَلَئِن سَأَلمتَهُمم لَيَقُولُن إِن مَا كُن ا نَخُوضُ وَنَلمعَبُ ) التقدير : ولئن سألتهم عن حديثهم في خلواتهم ، أعلم الله رسوله بذلك وفيه ش يء من دلئل النبوءة . ويجوز أن تكون الآية قد نزلت قبل أن يسألهم الرسول ، وأن ه لمَّا سألهم بعدها أجابوا بما أخبرت به الآية . 2 /ولم ا كان اللعب يشمل الستهزاء بالغير جاء الجواب عن اعتذارهم بقوله : ( كنتم تستهزءون )فلم ا كان اعتذارهم مبهماا رد عليهم ذلك إذ أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم جواب الموقن بحالهم بعد أن أعلمه بما سيعتذرون به فقال لهم (قُلم أَبِالل هِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمم تَسمتَهمزِئُونَ ) وقال القاض ي أبو بكر بن العربي : ل يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جدا أو هزل ، وهو كيفما كان كفر ، فإن الهزل بالكفر كفر ل خلاف فيه بين الْمة . فإن التحقيق أخو العلم والحق ، والهزل أخو الباطل والجهل . قال علماؤنا : انظر إلى قوله : أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين . والمعنى : قل يا محمد لهؤلء المنافقين المستهزئين بما يجب إجلاله واحترامه وتوقيره : قل لهم على سبيل التوبيخ والتجهيل أيضا- ل تشتغلوا بتلك المعاذير الكاذبة فإنها غير مقبولة، لْنكم بهذا الستهزاء بالله وآياته ورسوله قَدْ كَفَرْت مْ بَعْدَ إِيمانِك مْ أى: قد ظهر كفركم وثبت، بعد إظهاركم الإيمان على سبيل المخادعة، فإذا كنا قبل ذلك نعاملكم معاملة المسلمين بمقتض ى نطقكم بالشهادتين فنحن الآن نعاملكم معاملة الكافرين بسبب استهزائكم بالله وآياته ورسوله صلى الله عليه وسلم لْن الستهزاء بالدين. كما يقول الإمام الرازي . يعد من باب الكفر، إذ أنه يدل على الستخفاف، والْساس الْول في الإيمان تعظيم الله- تعالى- بأقص ى الإمكان، والجمع بينهما محال .

عدد الصفحات ٣٤٤

345 والعتذار معناه محاولة محو أثر الذنب، مأخوذ من قولهم : اعتذرت المنازل إذا اندثرت وزالت، لْن المعتذر يحاول إزالة أثر ذنبه. الآية الثانية : قوله تعالى : (لاَ تَعمتَذِرُوا قَدم كَفَرمتُم بَعمدَ إِيمَانِكُمم إِن ن عمفُ عَن طَائِفَة م ِنكُمم نُعَذ ِبم طَائِفَةً بِأَن هُمم كَانُوا مُجمرِمِينَ): 1/ (لاَ تَعمتَذِرُوا قَدم كَفَرمتُم بَعمدَ إِيمَانِكُمم) لم ا كشف الله أمر استهزائهم ، أر دفه بإظهار قل ة جدوى اعتذارهم إذ قد تلب سوا بما هو أشنع وأكبر مم ا اعتذروا عنه ، وهو التباسهم بالكفر بعد إظهار الإيمان . فإن الله لم ا أظهر نفاقهم . كان ما يصدر عنهم من الستهزاء أهون فجملة ( لا تعتذروا ) من جملة القول الذي أمر الرسول أن يقوله ، وهي ارتقاء في توبيخهم ، فهي متضم نة توكيداا لمضمون جملة ( أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون ) [التوبة : 65 ]، مع زيادة ارتقاء في التوبيخ وارتقاء في مثالبهم بأن هم تلب سوا بما هو أشد وهو الكفر ، فلذلك قطعت الجملة عن التي قبلها ، على أن شأن الجمل الواقعة في مقام التوبيخ أن تقطع ول تعطف لْن التوبيخ يقتض ي التعْداد ، فتقع الجمل الموبَّخ بها موقع الْعداد المحسوبة نحو واحد ، اثنان ، فالمعنى ل حاجة بكم للإعتذار عن التناجي فإن كم قد ع رفتم بما هو أعظم وأشنع . 2 /(إِن ن عمفُ عَن طَائِفَة م ِنكُمم نُعَذ ِبم طَائِفَةً بِأَن هُمم كَانُوا مُجمرِمِينَ ): ولم ا كان حال المنافقين عجيباا كانت البشارة لهم مخلوطة ببقية النذارة ، فأنبأهم أن طائفة منهم قد ي عفى عنها إذا طلبت سبب العفو : بإخلاص الإيمان ، وأن طائفة تَبْقى في حالة العذاب ، والمقام دال على أن ذلك ل يكون عبثاا ول ترجيحاا بدون م رج ح ، فما هو إل أن طائفة مرج وة الإيمان ، فيغفر عم ا قد مته من النفاق ، وأخرى تصر على النفاق حت ى الموت ، فتصير إلى العذاب . والآيات الواردة بعد هذه تزيد ما دلَّ عليه المقام وضوحاا من قوله : ( نسوا الله فنسيهم إلى قوله عذاب مقيم [ }التوبة : 67 ، 68 .]وقوله بعد ذلك : ( فإن يتوبوا يك خيراا لهم وإن يتول وا يعذ بهم الله عذاباا أليما في الدنيا والآخرة )[التوبة : 74 .] وفي الآية بيان لمظهر من مظاهر عدله . قال ابن عاشور : وقد آمن بعض المنافقين بعد نزول هذه الآية ، وذكر المفس رون من هذه الطائفة مخشيَّا بن ح مَي ِر الْشجعي لم ا سمع هذه الآية تاب من النفاق ، وحسن إسلامه ، فعد من

عدد الصفحات ٣٤٥

346 الصحابة ، وقد جاهد يوم اليمامة واستشهد فيه ، وقد قيل : إن ه المقصود «بالطائفة» دون غيره فيكون من باب إطلاق لفظ الجماعة على الواحد في مقام الإخفاء والتعمية كقوله صلى الله عليه وسلم " مَا بال أقوام يشترطون شروطاا ليست في كتاب الله " وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي المدينة بقية من المنافقين وكان عمر بن الخطاب في خلافته يتوس مهم .والباء في {بأنهم كانوا مجرمين }للسببية ، والمجرم الكافر . فائدة مهمة : قال السعدي : في هذه الآيات دليل على أن من أسر سريرة، خصوصا السريرة التي يمكر فيها بدينه، ويستهزئ به وبآياته ورسوله، فإن الل ه تعالى يظهرها ويفضح صاحبها، ويعاقبه أشد العقوبة . وأن من استهزأ بش يء من كتاب الل ه أو سنة رسوله الثابتة عنه، أو سخر بذلك، أو تنقصه، أو استهز أ بالرسول أو تنقصه، فإنه كافر بالل ه العظيم، وأن التوبة مقبولة من كل ذنب، وإن كان عظيماا .

عدد الصفحات ٣٤٦

347 الموضع الثامن قوله تعالى : يَحملِفُونَ بِالل هِ مَا قَالُوا وَلَقَدم قَالُوا كَلِمَةَ المكُفمر وَكَفَرُوا بَعمدَ إِسملاَمِهِمم وَهَم وا بِمَا لَمم يَنَالُو ا وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنم أَغمنَاهُمُ الل هُ وَرَسُولُهُ مِن فَضملِهِ فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيمرًا ل هُمم وَإِن يَتَوَل وما يُعَذ ِبمهُمُ الل هُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الد نميَا وَالآمخِرَةِ وَمَا لَهُمم فِي الأمَرمضِ مِن وَلِي وَلاَ نَصِير (74) أولاً : سبب نزولها ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها: ما رواه ابن جرير عن هشام بن عروة عن أبيه قال: نزلت هذه الآية: ( يَحملِفُونَ بِالل هِ ما قالُوا) في الجلاس بن سويد بن الصامت. أقبل هو وابن امرأته مصعب من قباء. فقال الجلاس: إن كان ما يقو ل محمد حقا لنحن أشر من حمرنا هذه التي نحن عليها!! فقال مصعب: أما والله يا عدو الله لْخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قلت: قال مصعب: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم. وخشيت أن ينزل في القرآن أو تصيبني قارعة.. فقلت يا رسول الله: أقبلت أنا والجلاس من قباء. فقال كذا وكذا، ولول مخافة أن أخلط بخطيئة أو تصيبني قارعة ما أخبرتك .قال مصعب: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الجلاس فقال له: أقلت الذي قال مصعب؟فحلف الجلاس بأنه ما قال ذلك. فأنزل الله الآية وأخرج ابن إسحاق وابن أبى حاتم عن كعب بن مالك قال: لما نزل القرآن وفيه ذكر المنافقين قال الجلاس بن سويد: والله لئن كان هذا الرجل صادقا لنحن شر من الحمير.فسمعه عمير بن سعد فقال: والله يا جلاس إنك لْحب الناس إلى. وأحسنهم عندي أثرا .ولقد قلت مقالة لئن ذكرتها لتفضحنك، ولئن سكت عنها هلكت، ولإحداهما أشد على من الْخرى .فمش ى عمير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ما قال الجلاس. فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الجلاس عما قاله عمير، فحلف بالله ما قال ذلك، وزعم أن عميرا كذب عليه فنزلت هذه الآية .( : يَحْلِف ونَ بِاللَّهِ مَا قَال وا وَلَقَدْ قَال وا كَلِمَةَ الْك فْر وَكَفَ ر وا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ ) إلى هنا . وقال الإمام أحمد: عن أبى الطفيل قال: لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أمر مناديه فنادى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ طريق العقبة- وهو مكان مرتفع ضيق- فلا يأخذها أحد.قال: فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقود ركابه حذيفة ويسوقه عمار،

عدد الصفحات ٣٤٧

348 إذا أقبل رهط ملثمون على الرواحل، فغشوا عمارا وهو يسوق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل عمار يضرب وجوه الرواحل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة« :قد، قد» .أى حسبك حسبك. حتى هبط رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجع عمار.فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عمار« :هل عرفت القوم» ؟ فقال: لقد عرفت عامة الرواحل والقوم متلثمون . قال: «هل تدرى ما أرادوا ؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: أرادوا أن ينفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته فيطرحوه ، قال : فسارَّ عمار رجلا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : نشدتك بالله كم تعلم كان أصحاب العقبة ؟ قال : أربعة عشر . فقال : إن كنت منهم فقد كانوا خمسة عشر . قال : فعذر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم ثلاثة قالوا : والله ما سمعنا منادي رسول الله ، وما علمنا ما أراد القوم . فقال عمار : أشهد أن الثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الْشهاد ، فنزلت (وَهَم وا بِمَا لَمم يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنم أَغمنَاهُمُ الل هُ وَرَسُولُهُ مِن فَضملِهِ) ثانياً : تضمنت الآية كما ورد في سبب نزول الكشف عن كذب المنافقين وغدرهم. ووصل بهم السوء والقبح إلى أن يحلفوا بالله كذبا وزورا أنهم ما قالوا هذا القول القبيح للنبي صلى الله عليه وسلم عندما سألهم .والحق أنهم قد قالوا كلمة الكفر وهي تشمل كل ما نطقوا به من أقوال يقصدون بها إيذاءه. صلى الله عليه وسلم، كقولهم « :هو أذن» وقولهم « .لئن كان ما جاء به حقا فنحن أشر من حمرنا » ...وغير ذلك من الكلمات القبيحة التي نطقوا بها. - كما تضمنت الآية في شقها الثاني محاولة اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان رجعاا من غزوة تبوك وهذا وهذا كله من الكفر بالله تعالى والإ ساءة للنبي صلى الله عليه وسلم . ثالثاً : بناءاً على ما سبق ذكره جاء دفاع الله تعالى عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله : - أما دفاعه تعالى بالفعل عنه صلى الله عليه وسلم فقد حفظه عندما أراد المنافقون أن ينفردوا برسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته فيطرحوه في هاوية العقبة ليقتلوه فأقبل عمار

عدد الصفحات ٣٤٨

349 يضرب وجوه الرواحل ففروا وخافوا أن ينكشف أمرهم مع أنهم كانوا أربعة عشر رجلاا ، فصرف الله تعالى شرهم وألقى الرعب في قلوبهم . - وأما دفاعه تعالى بالفعل عنه صلى الله عليه وسلم فهو ما أنزله في كتابه من هذه الآيا ت ، وإليك بيان ما فيها من المعاني الجليلة : 1/ قوله تعالى : ( يَحملِفُونَ بِالل هِ مَا قَالُوا وَلَقَدم قَالُوا كَلِمَةَ المكُفمر وَكَفَرُوا بَعمدَ إِسملاَمِهِمم ) أى : يحلف هؤلء المنافقون بالله كذبا وزورا أنهم ما قالوا هذا القول القبيح الذي بلغك عنهم يا محمد صلى الله عليه وسلم . قال ابن عاشور :كلمة الكفر الكلام الدال عليه ، فكلمة الكفر جنس لكل كلام فيه تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم كما أطلقت كلمة الإسلام على شهادة أن ل إله إل الله وأن محمداا رسول الله فالكلمات الصادرة عنهم على اختلافها ، ما هي إل أفراد من هذا الجنس كما دل عليه إسناد القول إلى ضمير جماعةِ المنافقين . وأك د صدور كلمة الكفر منهم ، في مقابلة تأكيدهم نفي صدورها ، بصيغة القَسم ليكون تكذيب قولهم مساوياً لقولهم في التأكيد . 2/ قوله تعالى : (وَكَفَرُوا بَعمدَ إِسملاَمِهِمم ) أى: أظهروا الكفر بعد إظهارهم الإسلام في الصورة ، ولذلك أضيف الإسلام إليهم كما تقد م في قوله تعالى { :ل تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم [ } التوبة : 66 .] 3/ قوله تعالى : (وَهَم وا بِمَا لَمم يَنَالُوا ) ونوال الش يء حصوله، أي هم وا بش يء لم يحص لوه والذي هم وا به هو إلحاق الْذى برسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنهم لم يستطيعوا ذلك، لْن الله تعالى. عصمه من شرورهم. 4/ وقوله : ( وَما نَقَمُوا إِلا أَنم أَغمناهُمُ الل هُ وَرَسُولُهُ مِنم فَضملِهِ ) هذا توبيخ لهم على جحودهم وكنودهم ومقابلتهم الحسنة بالسيئة.ومعنى: نقموا : كره وا وعابوا وأنكروا، يقال نقم منه الش يء إذا أنكره، وكرهه وعابه، وكذا إذا عاقبه عليه.أى: وما أنكر هؤلء المنافقون من أمر الإسلام شيئا، إل أنهم بسببه أغناهم الله ورسوله من فضله بالغنائم وغيرها من وجوه الخيرات التي كانوا ل يجدونها قبل حلول الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بينهم.وهذه الجملة الكريمة جاءت

عدد الصفحات ٣٤٩

350 على الْسلوب الذي يسميه علماء البلاغة: تأكيد المدح بما يشبه الذم. قال الجمل: كأنه قال- سبحانه- ليس له صلى الله عليه وسلم صفة تكره وتعاب، سوى أنه ترتب على قدومه إليهم وهجرته عندهم، إغناء الله إياهم بعد شدة الحاجة، وهذه ليست صفة ذم- بل هي صفة مدح- فحينئذ ليس له صفة تذم أصلا . ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بترغيبهم وترهيبهم فقال: فَإِنْ يَت وب وا يَك خَيْراا لَه مْ . وَإِنْ يَتَوَلَّوْا ي عَذ ِبْه م اللَّه عَذاباا أَلِيماا فِي الد نْيا وَالآْخِرَةِ ..أى: فإن يتب هؤلء المنافقون عن نفاقهم وشقاقهم وقبائح أقوالهم وأفعالهم، يكن المتاب خيرا لهم في دنياهم وآخرتهم « .وإن يتولوا » ويعرضوا عن الحق: ويستمروا في ضلالهم «يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة . أما عذاب الدنيا فمن مظاهره : حذرهم وخوفهم من أن يطلع المؤمنون على أسرارهم وجبنهم عن مجابهة الحقائق، وشعورهم بالضعف أمام قوة المسلمين، وإحساسهم بالعزلة والمقاطعة من جانب المؤمنين ومعاقبة الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم بالعقوبة المناسبة لجرمهم ، وأما عذاب الآخرة، فهو أشد وأبقى، بسبب إصرارهم على النفاق، وإعراضهم عن دعوة الحق. وقوله : وَما لَه مْ فِي الَْْرْضِ مِنْ وَلِي وَل نَصِير تذييل قصد به تيئيسهم من كل معين أو ناصر.أى: أن هؤلء المنافقين ليس لهم أحد في الْرض يدفع عنهم عذاب الله، أو يحميهم من عقابه، لْن عقاب الله لن يدفعه دافع إل هو، فعليهم أن يثوبوا إلى رشدهم، وأن يتوبوا إلى ربهم قبل أن يحل بهم عذابه.

عدد الصفحات ٣٥٠

351 الموضع التاسع قوله تعالى : وَال ذِينَ ات خَذُوا مَسمجِدًا ضِرَارًا وَكُفمرًا وَتَفمرِيقًا بَيمنَ الممُؤممِنِينَ وَإِرمصَادًا َِنم لم حَارَبَ الل هَ وَرَسُولَهُ مِن قَبملُ وَلَيَحملِفُن إِنم أَرَدمنَا إِلا المحُسمنَى وَالل هُ يَشمهَدُ إِن هُمم لَكَاذِبُونَ (107 )لاَ تَقُمم فِيهِ أَبَدًا لم َسمجِد أُس ِسَ عَلَى الت قموَى مِنم أَو لِ يَومم أَحَق أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَال يُحِب ونَ أَن يَتَطَه رُوا وَالل هُ يُحِب الممُط ه ِرِينَ (108 ) أولاً : سبب نزولها قال الإمام ابن كثير: سبب نزول هذه الآيات الكريمات، أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها، رجل من الخزرج يقال له أبو عامر الراهب، وكان قد تنصر في الجاهلية، وقرأ علم أهل الكتاب، وكان فيه عبادة في الجاهلية، وله شرف في الخزرج كبير، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرا إلى المدينة، واجتمع المسلمون عليه وصار للإسلام كلمة عالية، وأظهرهم الله يوم بدر، شرق اللعين أبو عامر بريقه وبارز العداوة، وظاهر بها، وخرج فارا إلى كفار مكة ليمالئهم على حرب المسلمين فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب، وقدموا عام «أحد» فكان من أمر المسلمين ما كان، وامتحنهم الله- تعالى- وكانت العاقبة للمتقين. وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين، فوقع في إحداهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصيب في ذلك اليوم، فجرح وجهه وكسرت رباعيته اليمنى والسفلى وشج رأسه. وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الْنصار، فخاطبهم، واستمالهم إلى نصره وموافقته . فلما عرفوا كلامه قالوا : ل أنعم الله لك عينا يا فاسق يا عدو الله، ونالوا منه وسبوه. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعاه إلى الله قبل فراره- إلى مكة- وقرأ عليه القرآن، فأبى أن يسلم وتمرد . فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يموت بعيدا طريدا فنالته هذه الدعوة. وذلك أنه لما فرغ الناس من «أحد» ورأى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم في ارتفاع وظهور، ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي صلى الله عليه وسلم، فوعده ومناه، وأقام عنده، وكتب إلى جماعة من قومه من الْنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم، أنه سيقدم بجيش

عدد الصفحات ٣٥١

352 ليقاتل به النبي صلى الله عليه وسلم ويغلبه، ويرده عما هو فيه. وأمرهم أن يتخذوا له معقلا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لْداء كتبه، ويكو ن مرصدا له إذا قدم عليه بعد ذلك. فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء، فبنوه وأحكموه، وفرغوا منه قبل خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، وجاءوا فسألوه أن يأتى إليهم فيصلى في مسجدهم، ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم، وأهل العلة في الليلة الشاتية!! فعصمه الله من الصلاة فيه فقال« :إنا على سفر ولكنا إذا رجعنا- إن شاء الله- أتيناكم فصلينا لكم فيه.فلما قفل راجعا إلى المدينة من تبوك، ولم يبق بينه وبينها إل يوم أو بعض يوم، نزل عليه جبريل بخبر مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر، والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم. وفي رواية عند القرطبي جاء في آخرها : " فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك أتوه وقد فرغوا منه وصلوا فيه الجمعة والسبت والْحد ، فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم فنزل عليه القرآن بخبر مسجد الضرار ، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن ووحشيا قاتل حمزة ، فقال : انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه فخرجوا مسرعين ، وأخرج مالك بن الدخشم من منزله شعلة نار ، ونهضوا فأحرقوا المسجد وهدموه ، وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا " ثانياً : تبين من خلال سبب النزول أن المنافقين أرادوا أن يحاربوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن طريق تلك المؤامرة الخبيثة الماكرة إذ كيف يبنون مسجداا ثم يجعلونه وكراا للتشاور في كيفية محاربة الإسلام وأهله وقد ذكرت الآية أربعة من الْغراض الخبيثة التي حملت المنافقين على بناء هذا المسجد، وهي: مضارة المؤمنين، وتقوية الكفر، وتفريق كلمة أهل الحق وجعله معقلا للتقاء المحاربين لله ولرسوله .وقد خيب الله تعالى مسعاهم وأبطل كيدهم، فنزلت الآيات حماية للنبي عليه الصلام والسلام وصحابته الكرام رض ي الله عنهم ، بأن أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بهدمه وإزالته.، وإليك بيانها بعون الملك العلام :

عدد الصفحات ٣٥٢