369 الباب الثالث حكم من سب النبي صلى الله عليه و سلم مسلما كان أو كافراً تمهيد : وجوب تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم المبحث الأول : سب النبي صلى الله عليه وسلم كفر ظاهرًا و باطنًا المبحث الثاني : شاتم النبي صلى الله عليه وسلم يقتل سواء كان مسلمًا أو كافرًا المبحث الثالث : ما حكم من سب النبي صلى الله عليه وسلم ثم تاب المبحث الرابع : سنة الله تعالى فيمن سب رسوله صلى الله عليه وسلم
عدد الصفحات ٣٦٩370 تمهيد وجوب تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم هذا العنوان كبير جداا وضخم للغاية (وجوب تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم ) والكلام عليه مهم للغاية ولو أ فرِد في مؤلَّف خاص لكان في مجلد من الحجم الكبير ، ولكن لما كان المقام يقتض ي الختصار لكي ل يأخذ الكلام في هذا الموضوع مساحة تزيد على فصول هذا الكتاب أحببت أن أعطي لفتات سريعة لكي يكون القارئ على بينة من هذه القضية الإيمانية الخطيرة والتي فيها تقوية للركن من أركان الإسلام أ عني الشهادتين ، وتثبيت للركن الرابع من أركان الإيمان -الإيمان بالرسل - هذه ناحية . الناحية الثانية كان ل بد من هذا التمهيد قبل الشروع في موضوع الباب لكي يعلم المسلم بشاعة الوقوع في سب النبي صلى الله عليه وسلم وقد أمر الله تعالى بتعظيمه وتوقيره والتأدب مع ه . والآن إليك أخي القارئ الفاضل بعض النقاط الهامة حول الموضوع : أولاً : بيان الأدلة على وجوب تعظيمه صلى الله عليه وسلم لقد أوجب الله تعالى على الْمة محبة نبيها وتعظيمه وتوقيره ونصرته وتعزيره واحترامه وحفظ مقامه. وقد شرع الله تعالى من العقوبة لمن آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحفظ مقام نبينا، ويردع مَن سوَّلت له نفسه التجرؤ على هذا المقام بالسب أو النتقاص أو الستهزاء، وسنذكر هنا بعضا مما يتعلق بهذه الشعبة من شعب الإيمان أل وهي التعظيم للنبي صلى الله عليه وسلم إن حق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته أن يهاب ويعظم ويوقر ويجل أكثر من كل ولد لوالده , ومن كل عبد لسيده، فهذا حق من حقوقه الواجبة له مما يزيد على لوازم الرسالة , وهو ما أمر الله به في كتابه العزيز قال تعالى: لِت ؤْمِن وا بِاللَّهِ وَرَس ولِهِ وَت عَز ِر وه وَت وَق ِر وه [الفتح: 9]. وقال تعالى: فَالَّذِينَ آمَن وا بِهِ وَعَزَّر وه وَنَصَر وه وَاتَّبَع وا الن ورَ الَّذِي أ نْزِلَ مَعَه أ ولَئِكَ ه م المْ فْلِح ونَ [الْعراف : 157].
عدد الصفحات ٣٧٠371 فأبان أن حق الرسول صلى الله عليه وسلم في أمته أن يكون معزراا موقراا مهيباا . وأخبر سبحانه أن الفلاح إنما يكون لمن جمع بين الإيمان به وتعزيره , ول خلاف في أن التعزير هاهنا التعظيم . الجامع شعب الإيمان (2/125 ) وفي الجمع الحاصل في الآيتين بين الإيمان به وتعظيمه، تنبيه وإرشاد إلى أن القيام بحقوقه صلى الله عليه وسلم يعد من الإيمان الواجب الذي ل يتم إيمان العبد إل به. قال الحليمي: (فمعلوم أن حقوق رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل, وأعظم , وأكرم , وألزم لنا, وأوجب علينا من حقوق السادات على مماليكهم, والآباء على أولدهم , لْن الله تعالى أنقذنا به من النار في الآخرة، وعصم به لنا أرواحنا, وأبداننا , وأعراضنا , وأموالنا , وأهلينا, و أولدنا في العاجلة، فهدانا به لما إذا أطعناه فيه أدانا إلى جنات النعيم. فأية نعمة توازي هذه النعم, وأية منة تداني هذه المنن. ثم إنه جل ثناؤه ألزمنا طاعته، وتوعدنا على معصيته بالنار. ووعدنا باتباعه الجنة. فأي رتبة تضاهي هذه الرتبة، وأي درجة تساوي في العلا هذه الدرجة. فحق علينا أن نحبه, ونجله, ونعظمه, ونهابه أكثر من إجلال كل عبد سيده, وكل ولد والده . وبمثل هذا نطق القرآن , ووردت أوامر الله جل ثناؤه) الجامع لشعب الإيمان ( 302-304) فحقه صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم علينا إذاا أن نحبه ونجله ونعظمه ونهابه، فبهذا نكون من المفلحين: ( فَالَّذِينَ آمَن وا بِهِ وَعَزَّر وه وَنَصَر وه وَاتَّبَع وا الن ورَ الَّذِي أ نْزِلَ مَعَه أ ولَئِكَ ه م المْ فْلِح ونَ )[الْعراف : 157 ]فالآية بينت أن الفلاح إنما يكون لمن جمع إلى الإيمان به تعزيره , ول خلاف أن التعزير هنا التعظيم . الجامع لشعب الإيمان ( 302-304 )فلقد سجل الله في هذه الآية الفلاح بأسلوب الحصر للذين تأدبوا بهذا الْدب القرآني الرفيع . وكما قال تعالى في الإنافة بمقامه الْشرف، وبيان حقه على كل مؤمن ومؤمنة: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداا وَم بَش ِراا وَنَذِيراا لِت ؤْمِن وا بِاللَّهِ وَرَس ولِهِ وَت عَز ِر وه وَت وَق ِر وه [الفتح: 8-9]. وقد ذهب علماء السلف إلى أن الضمير في قوله جل شأنه: وَت عَز ِر وه وَت وَق ِر وه راجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعناه: تعظموا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفخموه في أدب المخاطبة
عدد الصفحات ٣٧١372 والتحدث إليه ومجالسته. قال ابن تيمية: ( فالتسبيح لله وحده، والتعزير والتوقير للرسول، والإيمان بالله ورسوله) بغية المرتاد – لبن تيمية - 504 فهذه الآيات وغيرها نزلت لتبين مقام شرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وعظيم منزلته عند ربه، مما يوجب على المؤمنين برسال ته أن يكونوا في غاية الْدب معه والإجلال والتعظيم . ثانياً : صور من تعظيم الصحاب والسف له صلى الله عليه وسلم : فمن توقير الصحابة رضوان الله عليهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما اخرجه الترمذي عن أنس رض ي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج على اصحابه من المهاجرين والنصار وهم جلوس ، فيهم ابو بكر وعمر رض ي الله عنهما فلا يرفع أحد منهم إليه بصره ال ابو بكر وعمر فإنهما كانا ينظران إليه وينظر إليهما ، ويبتسمان إليه ويبتسم إليهما " وأخرج الطبراني وابن حبان في صحيحه عن اسامة بن شريك رض ي الله عنه قال : كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم كأنما على رؤوسنا الطير ، ما يتكلم منا متكلم اذ جاءه ناس فقالوا : من أحب عباد الله إلى الله تعالى ؟ قال : " أحسنهم خلقا " وقال ورواته محتج بهم في الصحيح : فأنت ترى ان الصحابة يهابون أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكانوا ينتظرون ان يأتي اعرابي فيسأل ، فيسرون بذلك . وفي صلح الحديبية عند البخاري وغيره عن المسور بن مخرمة ومروان ، قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية ، وساقا الحديث حتى بلغا : ثم إن عروة رض ي الله عنه جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعينيه قال : فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إل وقعت في كف رجل منهم ، فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون إليه النظر تعظيما له . فرجع عرو ة إلى اصحابه فقال : أي قوم والله لقد وفدت على الملوك ، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاش ي ، والله ما رأيت ملكا قط يعظمه اصحابه مثل ما يعظم أصحاب محمد محمدا صلى الله عليه وسلم"
عدد الصفحات ٣٧٢373 وهذه بريرة لما أعتقت أصبح لها الخيار أن تبقى عند مغيث أو تتركه ، وكان مغيث يتبعها ويسألها ان تبقى معه ، ولما كلم مغيث رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يكلمها ، فكلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت رض ي الله عنها : أتأمر أمرا ام تشفع شفاعة ؟ قال : أشفع شفاعة . قالت : لحاجة لي فيه.. ولو أمرها لْطاعت . وروى بما انها ردت شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم انعكس الْمر فصارت فيما بعد تحب رجوعها اليه ويأباها هو . مقال بعنوان : تأدبوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - محمد عبده يماني – من موقعه
عدد الصفحات ٣٧٣374 المبحث الأول سب النبي صلى الله عليه وسلم كفر ظاهرًا و باطنًا أجمع العلماء على أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين فهو كافر مرتد يجب قتله ، يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهراا و باطناا، وسواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلاا له، أو كان ذاهلاا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل ." ثم نقل أقوال الْئمة رحمهم الله ومنها: قول الإمام أحمد رحمه الله: من شتم النبي صلى الله عليه وسلم ق تل، وذلك أنه إذا شتم فقد ارتد عن الإسلام، ول يشتم مسلم النبي صلى الله عليه وسلم. وقول القاض ي أبي يعلى: من سب الله أو سب رسوله فإنه يكفر، سواء استحل سبه أو لم يستحله." وقول ابن راهويه: قد أجمع المسلمون أن من سب الله أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم أو دفع شيئاا مما أنزل الله أو قتل نبياا من أنبياء الله أنه كافر بذلك وإن كان مقراا بكل ما أنزل الله. الصارم المسلول 2/13-16 . وقال الإمام الشنقيطي في أضواء البيان: " اعلم أن عدم احترام النبي صلى الله عليه وسلم المشعر بالغض منه أو تنقيصه صلى الله عليه وسلم والستخفاف أو الستهزاء به ردة عن الإسلام وكفر بالله، وقد قال تعالى في الذين استهزءوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وسخروا منه في غزوة تبوك { :وَلَئِنْ سَأَلْتَه مْ لَيَق ول نَّ إِنَّمَا ك نَّا نَخ وض وَنَلْعَب ق لْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَس ولِهِ ك نْت مْ تَسْتَهْزِئ ونَ . ل تَعْتَذِر وا قَدْ كَفَرْت مْ بَعْدَ إِيمَانِك مْ [ }التوبة منالآيتين:65-66]".
عدد الصفحات ٣٧٤375 ومما يدل على صحة هذا الإج ماع : قول الله تعالى وقوله تعالى{ :وَمِنْه م الَّذِينَ ي ؤْذ ونَ النَّبِيَّ وَيَق ول ونَ ه وَ أ ذ ن ق لْ أ ذ ن خَيْر لَك مْ ي ؤْمِن بِاللَّهِ وَي ؤْمِن لِلْم ؤْمِنِينَ وَرَحْمَة لِلَّذِينَ آمَن وا مِنْك مْ وَالَّذِينَ ي ؤْذ ونَ رَس ولَ اللَّهِ لَه مْ عَذَاب أَلِيم * يَحْلِف ونَ بِاللَّهِ لَك مْ لِي رْض وك مْ وَاللَّه وَرَس ول ه أَحَق أَنْ ي رْض وه إِنْ كَان وا م ؤْمِنِينَ * أَلَمْ يَعْلَم وا أَنَّه مَنْ ي حَادِدِ اللَّهَ وَرَس ولَه فَأَنَّ لَه نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْي الْعَظِيم * يَحْذَر المْ نَافِق ونَ أَنْ ت نَزَّلَ عَلَيْهِمْ س ورَة ت نَب ِئ ه مْ بِمَا فِي ق ل وبِهِمْ ق لِ اسْتَهْزِئ وا إِنَّ اللَّهَ م خْرِج مَا تَحْذَر ونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَه مْ لَيَق ول نَّ إِنَّمَا ك نَّا نَخ وض وَنَلْعَب ق لْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَس ولِهِ ك نْت مْ تَسْتَهْزِئ ونَ ل تَعْتَذِر وا قَدْ كَفَرْت مْ بَعْدَ إِيمَانِك مْ إِنْ نَعْف عَنْ طَائِفَة مِنْك مْ ن عَذ ِبْ طَائِفَةَ بِأَنَّه مْ كَان وا م جْرِمِينَ } [التوبة:61 - 66.]فهذه الآيات الكريمة نص في المسألة ل تحتاج إلى مز يد شرح أو بيان.. فهذه الآية نص في أن الستهزاء بالله وبآياته وبرسوله كفر ، فالسب بطريق الْولى ، وقد دلت الآية أيضاا على أن من تنقص رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كفر ، جاداا أو هازلا . وقوله تعالى{ :إِن الَّذِينَ ي ؤْذ ونَ اللَّهَ وَرَس ولَه لَعَنَه م اللَّه فِي الد نْيَا وَالآْخِرَةِ وَأَعَدَّ لَه مْ عَذَاباا م هِيناا } [الْحزاب :57.] قال شيخ الإسلام ابن تيمية : الآيات الدالت على كفر الشاتم وقتله أو على أحدهما إذا لم يكن معاهدا وإن كان مظهرا للإسلام فكثيرة مع أن هذا مجمع عليه كما تقدم حكاية الإجماع عن غير واحد . منها قوله تعالى: ( وَمِنْه م الَّذِينَ ي ؤْذ ونَ النَّبِيَّ وَيَق ول ونَ ه وَ أ ذ ن ق لْ أ ذ ن خَيْر لَك مْ) إلى قوله { :وَالَّذِينَ ي ؤْذ ونَ رَس ولَ اللَّهِ لَه مْ عَذَاب أَلِيم ) إلى قوله ( أَلَمْ يَعْلَم وا أَنَّه مَنْ ي حَادِدِ اللَّ هَ وَرَس ولَه ) فعلم أن إيذاء رسول الله محادة لله ولرسوله لْن ذكر الإيذاء هو الذي اقتض ى ذكر المحادة فيجب أن يكون داخلا فيه ولول ذلك لم يكن الكلام مؤتلفا إذا أمكن أن يقال: إنه ليس بمحاد ودل ذلك على أن الإيذاء والمحادة كفر لْنه أخبر أن له نار جهنم خالدا فيها ولم يقل "هي جزاؤه " وبين الكلامين فرق بل المحادة هي المعاداة والمشاقة وذلك كفر ومحاربة فهو أغلظ من مجرد الكفر فيكون المؤذي لرسول الله صلى الله عليه وسلم كافرا عدوا لله ورسوله محاربا لله ورسوله لْن المحادة اشتقاقها من المبيانة بأن يصير كل واحد منهما في حد كما قيل "المشاقة: أن يصير كل منهما في شق والمعاداة: أن يصير كل منهما في عدوة."
عدد الصفحات ٣٧٥376 وفي الحديث أن رجلا كان يسب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " من يكفيني عدوي " وهذا ظاهر قد تقدم تقريره وحينئذ فيكون كافرا حلال الدم لقوله تعالى{ :إِن الَّذِينَ ي حَاد ونَ اللَّهَ وَرَس ولَه أ ولَئِكَ فِي الَْذَل ِينَ }ولو كان مؤمنا معصوما لم يكن أذل لقوله تعالى{ :وَلِلَّهِ الْعِزَّة وَلِرَس ولِهِ وَلِلْم ؤْمِنِينَ }وقوله { :ك بِت وا كَمَا ك بِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ }والمؤمن ل يكبت كما كبت مكذبو الرسل قط ولْنه قد قال تعالى{ :ل تَجِد قَوْماا ي ؤْمِن ونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ي وَاد ونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَس ولَه } الآية فإذا كان من يواد المحاد ليس بمؤمن فكيف بالمحاد نفسه؟ وقد قيل: إن من سبب نزولها أن أبا قحافة شتم النبي صلى الله عليه وسلم فأراد الصديق قتله أو أن ابن أبي تنقص النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذن ابنه النبي صلى الله عليه وسلم في قتله لذلك فثبت أن المحاد كافر حلال الدم. وأيضا فقد قطع الله الموالة بين المؤمنين وبين المحادين لله ورسوله والمعادين لله ورسوله فقال تعالى {ل تَجِد قَوْماا ي ؤْمِن ونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ي وَاد ونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَس ولَه وَلَوْ كَان وا آبَاءَه م }الآية وقال تعالى: ( يَا أَي هَا الَّذِينَ آمَن وا ل تَتَّخِذ وا عَد و ِي وَعَد وَّك مْ أَوْلِيَاءَ ت لْق ونَ إِلَيْهِمْ بِالمَْوَدَّةِ) فعلم أنهم ليسوا من المؤمنين ). الصارم المسلول ( 1/24)
عدد الصفحات ٣٧٦377 المبحث الثاني شاتم النبي صلى الله عليه وسلم يقتل سواء كان مسلمًا أو كافرًا قــال ابــن تيميــة رحمــه الله : الســاب إن كــان مســلماا فإنــه يكفــر ، ويقتــل بغيــر خــلاف ، وهــو مــذهب الْئمة الْربعة وغيرهم ( ثم ذكر في هذه المسأل إجماع ثم ذكر من حكى الإجماع على ذلك ) وإن كان ذمياا فإنه يقتل أيضاا في مذهب مالك وأهل المدينة ، وهو مذهب أحمد وفقهاء الحديث .. وقال : والدلئل على انتقاض عهـد الـذمي بسـب الله أو كتابـه أو دينـه أو رسـوله ووجـوب قتلـه وقتـل المسلم إذا أتى ذلك : الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين والعتبار . قال أيضاا : هذا مذهب عامة أهل العلم، قال ابن المنذر أجمع عوام أهل العلم على أن حد من سب النبي صلى الله عليه وسلم القتل. وممن قاله مالك، والليث، وأحمد، وإسحاق، وهو مذهب الشافعي.. وقد حكى أبو بكر الفارس ي من أصحاب الشافعي إجماع المسلمين على أن حد من يسب النبي صلى الله عليه وسلم القتل.وقال الخطابي: ل أعلم أحداا من المسلمين اختلف في وجوب قتله. وقال محمد بن سحنون : أجمع العلماء على أن شاتم النبي صلى الله عليه وسلم المتنقص له كافر، والوعيد جار عليه بعذاب الله له، وحكمه عند الْمة القتل. ومن شك في كفره وعذابه كفر. وقد ذكر بعض أهل العلم أن الساب إن كان مسلماا قتل بغير خلاف. وأما إن كان ذمياا ففيه خلاف، والمشهور من مذهب مالك وأهل المدينة أنه يقتل أيضاا، وهو مذهب أحمد وفقهاء الحديث، وقد نص أحمد على ذلك في مواضع متعددة. قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول : " كل من شتم النبي صلى الله عليه وسلم أو تنقصه – مسلماا كان أو كافراا – فعليه القتل، وأرى أن ي قتل ول يستتاب. ولما سئل الإمام أحمد عن رجل من أهل الذمة شتم النبي صلى الله عليه وسلم ماذا عليه؟ قال: إذا قامت عليه البينة يقتل من شتم النبي صلى الله عليه وسلم مسلماا كان أو كافراا.
عدد الصفحات ٣٧٧378 وأما الشافعي فالمنصوص عنه نفسه أن عهد الذمي ينتقض بسب النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يقتل. والمنصوص عنه في الْم أنه قال: إذا أراد الإمام أن يكتب كتاب صلح على الجزية كتب ...". وذكر الشروط إلى أن قال: "وعلى أن أحداا منكم إن ذكر محمداا صلى الله عليه وسلم أو كتاب الله أو دينه بما ل ينبغي أن يذكره به فقد برئت منه ذمة الله ثم ذمة أمير المؤمنين وجميع المسلمين، ونقص ما أ عطي من الْمان، وحل الْمير المؤمنين ماله ودمه كما تحل أموال أهل الحرب ودماؤهم.".. والأدلة على ذلك من السنة كثيرة متوا ترة : 1/ روى أبو داود (4362 )عَنْ عَلِي رَض ِيَ اللَّه عَنْه أَنَّ يَه ودِيَّةا كَانَتْ تَشْت م النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقَع فِيهِ ، فَخَنَقَهَا رَج ل حَتَّى مَاتَتْ ، فَأَبْطَلَ رَس ول اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّ مَ دَمَهَا . قال شيخ الإسلام في الصارم المسلول (2/126 : )وهذا الحديث جيد ، وله شاهد من حديث ابن عباس وسيأتي اهـ وهذا الحديث نص في جواز قتلها لْجل شتم النبي صلى الله عليه وسلم . 2/ وروى أبو داود (4361 )عَنْ ابْنِ عَبَّاس أَنَّ رَج لاا أَعْمَى كَانَتْ لَه أ م وَلَد تَشْت م النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَتَقَع فِيهِ ، فَيَنْهَاهَا فَلاَ تَنْتَهِي ، وَيَزْج ر هَا فَلاَ تَنْزَجِر ، فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَة جَعَلَتْ تَقَع فِي النَّبِي ِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَشْت م ه ، فَأَخَذَ المِْغْوَلَ [سيف قصير]فَوَضَعَه فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا . فَلَمَّا أَصْبَحَ ذ كِرَ ذَلِكَ لِرَس ولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ : أَنْش د اللَّهَ رَج لاا فَعَلَ مَا فَعَلَ لِي عَلَيْهِ حَق إِلَّ قَامَ . فَقَامَ الَْْعْمَى فَقَالَ : يَا رَس ولَ اللَّهِ ، أَنَا صَاحِب هَا ، كَانَتْ تَشْت م كَ وَتَقَع فِيكَ فَأَنْهَاهَا فَلاَ تَنْتَهِي ، وَأَزْج ر هَا فَلاَ تَنْزَجِر ، وَلِي مِنْهَا ابْنَانِ مِثْل الل ؤْل ؤَتَيْنِ ، وَكَانَتْ بِي رَفِيقَةا ، فَلَمَّا كَانَ الْبَارِحَةَ جَعَلَتْ تَشْت م كَ وَتَقَع فِيكَ ، فَأَخَذْت المِْغْوَلَ فَوَضَعْت ه فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأْت عَلَيْهَا حَتَّى قَتَلْت هَا . فَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "أَل اشْهَد وا أَنَّ دَ مَهَا هَدَر " . صححه الْلباني في صحيح أبي داود (3655 . ) والظاهر من هذه المرأة أنها كانت كافرة ولم تكن مسلمة ، فإن المسلمة ل يمكن أن تقدم على هذا الْمر الشنيع . ولْنها لو كانت مسلمة لكانت مرتدةا بذلك ، وحينئذ ل يجوز لسيدها أن يمسكها ويكتفي بمجرد نهيها عن ذلك .
عدد الصفحات ٣٧٨379 3 / وروى النسائي (4071 )عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الَْْسْلَمِي ِ قَالَ : أَغْلَظَ رَج ل َبِي لِْ بَكْر الص ِد ِيقِ ، فَق لْت : أَقْت ل ه ؟ فَانْتَهَرَنِي، وَقَالَ : لَيْسَ هَذَا َحَد لِْ بَعْدَ رَس ولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . صحيح النسائي (3795 . )فع لِم من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يقتل من سبه ومن أغلظ له ، وهو بعمومه يشمل المسلم والكافر . 4/ قال ابن تيمية رحمه الله تعالى : ( لما قفل – صلى الله عليه وسلم - من بدر راجعا إلى المدينة قتل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط ولم يقتل من أسارى بدر غيرهما وقصتهما معروفة. قال ابن إسحاق: وكان في الْسارى عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث فلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفراء قتل النضر بن الحارث قتله علي بن أبي طالب كما أخبرت ثم مض ى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان بعرق الظبية قتل عقبة بن أبي معيط قتله عاصم بن ثابت. وقال موس ى بن عقبة عن الزهري : ولم يقتل من الْسارى صبرا غير عقبة ابن أبي معيط فجعل عقبة يقول : " يا ويلي علام أقتل يا قريش من بين من ها هنا؟ " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لعداوتك لله ورسوله " قال: "يا محمد منك أفضل فاجعلني كرجل من قومي إن قتلتهم قتلتني وإن مننت عليهم مننت علي وإن أخذت منهم الفداء كنت كأحدهم يا محمد من للصبية؟ " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "النار قدمه يا عاصم فاضرب عنقه" فقدمه عاصم فضرب عنقه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بئس الرجل كنت والله ما علمت كافرا بالله وبكتابه وبرسوله مؤذيا لنبيه فأحمد الله الذي هو قتلك وأقر عيني منك ." ففي هذا بيان أن السبب الذي أوجب قتل هذين الرجلين من بين سائر الْسرى أذاهم لله ورسوله بالقول والفعل فإن الآيات التي نزلت في النضر معروفة وأذى ابن أبي معيط له مشهور بلسانه ويده حين خنقه بأبي هو وأمي بردائه خنقا شديدا يريد قتله وحين ألقى السلا على ظهره وهو ساجد وغير ذلك ) الصارم المسلول (1/144) وما بعدها
عدد الصفحات ٣٧٩380 المبحث الثالث ما حكم من سب النبي صلى الله عليه وسلم ثم تاب اتفق العلماء على أنه إذا تاب توبة نصوحا ، وندم على ما فعل ، أن هذه التوبة تنفعه يوم القيامة ، فيغفر الله تعالى له . واختلفوا في قبول توبته في الدنيا ، وسقوط القتل عنه : فذهب مالك وأحمد إلى أنها ل تقبل ، فيقتل ولو تاب : واستدلوا على ذلك بالسنة والنظر الصحيح : أما السنة : فروى أبو داود (2683 )عَنْ سَعْد بن أبي وقاص قَالَ : لمََّا كَانَ يَوْم فَتْحِ مَكَّةَ أَمَّنَ رَس ول اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ إِلَّ أَرْبَعَةَ نَفَر وَامْرَأَتَيْنِ وَسَمَّاه مْ وَابْن أَبِي سَرْح فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ : وَأَمَّا ابْن أَ بِي سَرْح فَإِنَّه اخْتَبَأَ عِنْدَ ع ثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، فَلَمَّا دَعَا رَس ول اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ جَاءَ بِهِ حَتَّى أَوْقَفَه عَلَى رَس ولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا نَ بِيَّ اللَّهِ ، بَايِعْ عَبْدَ اللَّهِ . فَرَفَعَ رَأْسَه فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثَلاثاا ك ل ذَلِكَ يَأْبَى ، فَبَايَعَه بَعْدَ ثَلاث ، ث مَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ : "أَمَا كَانَ فِيك مْ رَج ل رَشِيد يَق وم إِلَى هَذَا حَيْث رَآنِي كَفَفْ ت يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْت ل ه ؟" فَقَال وا : مَا نَدْرِي يَا رَس ولَ اللَّهِ مَا فِي نَفْسِكَ ، أَل أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ ؟ قَالَ : "إِنَّه ل يَنْبَغِي لِنَبِي أَنْ تَك ونَ لَه خَائِنَة الَْعْي نِ " . صححه الْلباني في صحيح أبي داود (2334 . )وهذا نص في أن مثل هذا المرتد الطاعن ل يجب قبول توبته ، بل يجوز قتله وإن جاء تائبا . وكان عبد الله بن سعد من كتبة الوحي فارتد وزعم أنه يزيد في الوحي ما يشاء ، وهذا كذب وافتراء على النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو من أنواع السب . ثم أسلم وحسن إسلامه ، فرض ي الله عنه . الصارم المسلول ص (115) . وأما النظر الصحيح : فقالوا : إن سب النبي صلى الله عليه وسلم يتعلق به حقان ؛ حق لله ، وحق لآدمي . فأما حق الله فظاهر ، وهو القدح في رسالته وكتابه ودينه . وأما حق الآدمي فظاهر أيضا فإنه أدخل المَعَرَّة على النبي صلى الله عليه وسلم بهذا السب ، وأناله بذلك غضاضة وعاراا . والعقوبة إذا تعلق بها حق الله وحق الآدمي لم تسقط بالتوبة، كعقوبة قاطع الطريق ، فإنه إذا
عدد الصفحات ٣٨٠381 قَتَل تحتم قتله وصلبه ، ثم لو تاب قبل القدرة عليه سقط حق الله من تحتم القتل والصلب ، ولم يسقط حق الآدمي من القصاص ، فكذلك هنا ، إذا تاب الساب فقد سقط بتوبته حق الله تعالى ، وبقي حق الرسول صلى الله عليه وسلم ل يسقط بالتوبة . وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى : ومِن الكفار مَن يسب الله ومع ذلك تقبل توبتهم ، وهذا هو الصحيح ، إل أن ساب الرسول عليه الصلاة والسلام ت قبل توبته ويجب قتله ، بخلاف مَن سبَّ الله فإنها تقبل توبته ول يقتل ؛ لْن الله أخبرنا بعفوه عن حقه إذا تاب العبد ، بأنه يغفر الذنوب جميعاا ، أما ساب الرسول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فإنه يتعلق به أمران : أحدهما : أمر شرعي لكونه سب رسول الله صَ لَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهذا ي قبل إذا تاب . الثاني : أمر شخص ي ، وهذا ل ت قبل التوبة فيه لكونه حق آدمي لم يعلم عفوه عنه ، وعلى هذا فيقتل ولكن إذا قتل ، غسلناه ، وكفناه ، وصلينا عليه، ودفناه مع المسلمين . وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ، وقد ألَّف كتاباا في ذلك اسمه " الصارم المسلول في تحتم قتل ساب الرسول " وذلك لْنه استهان بحق الرسول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وكذا لو قذفه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنه يقتل ول يجلد . فإن قيل : ألا يمكن أن نعفو عنه ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد عفا في حياته عن كثير ممن سبوه ولم يقتلهم ؟ للإجابة على هذا السؤال أنقل فتوى العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى : فإن قيل : أليس قد ثبت أنَّ مِن الناس مَن سب الرسول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حياته وقَبِل النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَ لَّمَ توبته ؟ . أجيب : بأن هذا صحيح ، لكن هذا في حياته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، والحق الذي له قد أسقطه ، وأما بعد موته فإنه ل يملك أحد إسقاط حق ِه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فيجب علينا تنفيذ ما
عدد الصفحات ٣٨١382 يقتضيه سبه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَ لَّمَ ، من قتل ساب ِه ، وقبول توبة الساب فيما بينه وبين الله تعالى. فإن قيل : إذا كان يحتمل أن يعفو عنه لو كان في حياته : أفلا يوجب ذلك أن نتوقف في حكمه ؟ أجيب : بأن ذلك ل يوجب التوقف ؛ لْن المفسدة حصلت بالسب ، وارتفاع أثر هذا السب غير معلوم ، والْصل بقاؤه . فإن قيل : أليس الغالب أن الرسول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعفو عمَّن سبَّه ؟ . أجيب : بلى ، وربما كان العفو في حياة الرسول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ متضم ِناا المصلحة وهي التأليف ، كما كان صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعلَم أعيان المنافقين ولم يقتلهم ( لِئلاَّ يتحدث الناس أن محمَّداا يَقْت ل أَصْحَابَه ) لكن الآن لو علمنا أحداا بعينه من المنافقين : لقتلناه ، قال ابن القيم رحمه الله : " إن عدم قتل المنافق المعلوم : إنما هو في حياة الرسول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقط " انتهى . " مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " ( 2 /150 ، 152 . ) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ( إن تطهير الْرض من إظهار سب رسول الله صلى الله عليه وسلم واجب حسب الإمكان؛ لْنه من تمام ظهور دين الله وعلو كلمة الله وكون الدين كله لله، فحيث ما ظهر سبه ولم ينتقم ممن فعل ذلك لم يكن الدين ظاهراا ول كلمة الله عالية، وهذا كما يجب تطهيرها من الزناة والس رَّاق وق طَّاع الطريق بحسب الإمكان ) (الصارم المسلول ) (1/84) بقي أن نذكر ما قاله أهل العلم : إن هذه العقوبة لمن سب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبغي أن تتم عن طريق الحاكم ل عن طريق الْفراد كي ل تشيع الفوض ى وي رمى أبناء الإسلام بالتهم الباطلة التي هم منها براء ، والله المستعان وعليه التكلان ول حول ول قوة إل بالله العلي العظيم .
عدد الصفحات ٣٨٢383 المبحث الرابع سنة الله تعالى فيمن سب رسوله صلى الله عليه وسلم لقد جرت سنة الله فيمن افترى على رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقصمه ويعاقبه عقوبة خارجة عن العادة ليتبين للناس كذبه وافتراؤه، وهذا السنة الإلهية واقعة في حياته صلى الله عليه وسلم وبعد انتقاله إلى الرفيق الْعلى : أما في حياته صلى الله عليه وسلم فقد وردت الأحاديث والآثار الكثيرة التي تدل على ذلك : 1/ روى الإمام مسلم عن أنس رض ي الله عنه قال: كان منا رجل من بني النجار قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فانطلق هارباا حتى لحق بأهل الكتاب، قال: فعرفوه، قالوا : هذا كان يكتب لمحمد فأعجبوا به، فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم، فحفروا له فواروه، فأصبحت الْرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا له فحفروا له فواروه؛ فأصبحت الْرض قد نبذته على وجهها، وهكذا في الثالثة، فتركوه منبوذاا . قال ابن تيمية رحمه الله- معلقاا على القصة - : ( فهذا الملعون الذي افترى على النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما كان يدري إل ما كتب له، قصمه الله وفضحه بأن أخرجه من القبر بعد أن د فن مراراا، وهذا أمر خارج عن العادة، يدل كل أحد على أن هذا عقوبة لما قاله، وأنه كان كاذباا؛ إذ كان عامة الموتى ل يصيبهم مثل هذا، وأن هذا الجرم أعظم من مجرد الرتداد؛ إذ كان عامة المرتدين يموتون ول يصيبهم مثل هذا، وأن الله منتقم لرسوله ممن طعن عليه وسبه، ومظهر لدينه ولكذب الكاذب؛ إذا لم يمكن الناس أن يقيموا عليه الحد ) . 2/ ومن صور كلاءة الله لنبيه ممن تعرض له بالأذى أن يحول بين المعتدي وبين ما أراد بخوف يقذفه في قلبه، أو ملك يمنعه مما أراد. قد روي أن غورث بن الحرث قال لْقتلن محمداا، فقال له أصحابه، كيف تقتله؟ قال: أقول له أعطني سيفك، فإذا أعطانيه قتلته به. فأتاه فقال: يا محمد أعطني سيفك أشم ه، فأعطاه إياه
عدد الصفحات ٣٨٣384 فرعدت يده، فسقط السيف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حال الله بينك وبين ما تريد " الدر المنثور 3/119) 3/ ومثل ذلك ما ذكره ابن كثير في تفسيره (4/530) : من أن أبا جهل قال لقومه: واللات والعزى لئن رأيت محمداا يصلي لْطأن على رقبته ولْعفرن وجهه في التراب، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأ رقبته، فما فجأهم منه إل وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه! فقيل: مالك؟ فقال: إن بيني وبينه خندقاا من نار وهولا وأجنحة ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو دنا مني لختطفته الملائكة عضواا عضواا ." 4/ ومثل ذلك ما ذكره ابن كثير في تفسيره أيضاً : كان أبو لهب وابنه عتبة قد تجهزا إلى الشام، فقال ابنه عتبة: والله لْنطلقن إلى محمد ولْوذين ه في ربه سبحانه وتعالى، فانطلق حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد (هو يكفر) بالذي دنى فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم سلط عليه كلباا من كلابك." ثم انصر ف عنه، فرجع إلى أبيه فقال: يا بني ما قلت له؟ فذكر له ما قاله، فقال: فما قال لك؟ قال: قال: "اللهم سلط عليه كلباا من كلابك". قال: يا بني، والله ما آمن عليك دعاءه! فساروا حتى نزلوا بالشراة وهي أرض كثيرة الْسد، فقال: أبو لهب إنكم قد عرفتم كبر سني وحقي، وإن هذا الرجل قد دعا على ابني دعوة والله ما آمنها عليه، فاجمعوا متاعكم إلى هذه الصومعة وافرشوا لبني عليها ثم افرشوا حولها، ففعلنا، فجاء الْسد فشمَّ وجوهنا فلما لم يجد ما يريد تقبض فوثب وثبة، فإذا هو فوق المتاع فشمَّ وجهه ثم هزمه هزمة ففسخ رأسه!! فقال أبو لهب: قد عرفت أنه ل يتفلت من دعوة محمد!! ومن الآثار التي وردت في الانتقام ممن يسبه صلى الله عليه وسلم بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى ، ومن ذلك ما يأتي : 1/ ذكر القاض ي عياض في الشفا (2/218) قصة عجيبة لساخر بالنبي صلى الله عليه وسلم! وذلك أن فقهاء القيروان وأصحابَ سحنون أفتوا بقتل إبراهيم الفزاري وكان شاعراا متفنناا في كثير من العلوم، وكان يستهزئ بالله وأنبيائه ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فأمر القاض ي حيى
عدد الصفحات ٣٨٤