المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

فتح الودود بيان آيات الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم

أحمد خضر حسنين الحسن

صفحة ٢١ من ٢٥

321 1/ المعنىالعام للية الكريمة : عليك يا محمد صلى الله عليه وسلم أن تبلغ رسالة الله دون أن تخش ى أحدا سواه، والله- تعالى- يحفظك من كيد أعدائك ويمنعك من أن تعلق نفسك بش يء من شبهاتهم واعتراضاتهم ويصون حياتك عن أن يعتدى عليها أحد بالقتل أو الإهلاك: 2/ المراد بالعصمة هنا: عصمة نفسه وجسمه صلى الله عليه وسلم من القتل أو الإهلاك، وعصمة دعوته من أن يحول دون نجاحها حائل. وهذا ل ينافي ما تعرض له صلى الله عليه وسلم من بأساء وضراء وأذى بدني، فقد رماه المشركون بالحجارة حتى سالت دماؤه، وشج وجهه وكسرت رباعيته في غزوة أحد. 3/ والمراد بالناس هنا: المشركون والمنافقون واليهود ومن على شاكلتهم في الكفر والضلال والعناد، إذ ليس في المؤمنين الصادقين إل كل محب لله ولرسوله . 4/ ولقد تضمنت هذه الجملة الكريمة (وَالل هُ يَعمصِمُكَ مِنَ الن اسِ ) معجزة كبرى للرسول صلى الله عليه وسلم فقد عصم الله- تعالى- حياة رسوله عن أن يصيبها قتل أو إهلاك على أيدى الناس مهما دبروا له من مكر وكيد . - لقد نجاه من كيدهم عند ما اجتمعوا لقتله في دار الندوة ليلة هجرته إلى المدينة. وترتب على ذلك الجتماع أن يهاجر صلى الله عليه وسلم من مكة هو وأصحابه ثم يعود إليها فاتحاا م نتصراا . - ونجاه من كيد اليهود عند ما هموا بإلقاء حجر عليه وهو جالس تحت دار من دورهم. وقد سبق ذكره في الموضع السابق . - ونجاه من مكرهم عند ما وضعت إحدى نسائهم السم في طعام قدم إليه صلى الله عليه وسلم. وذلك في خيبر وقد تكلمت الشاة المسمومة معجزة له ودفاعاا عنه صلى الله عليه وسلم. ختاماا :قال العلامة ابن كثير : ومن عصمة الله [عز وجل ]لرسوله صلى الله عليه وسلم حفظه له من أهل مكة وصناديدها وحسادها ومعانديها ومترفيها ، مع شدة العداوة والبغضة ونصب المحاربة له ليلا ونهارا ، بما يخلقه الله تعالى من الْسباب العظيمة بقدره وحكمته العظيمة . فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب إذ كان رئيسا مطاعا كبيرا في قريش وخلق الله في قلبه

عدد الصفحات ٣٢١

322 محبة طبيعية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ل شرعية ، ولو كان أسلم لجترأ عليه كفارها وكبارها ، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر هابوه واحترموه ، فلما مات أبو طالب نال منه المشركون أذى يسيرا . ثم قيض الله [عز وجل ]له الْنصار فبايعوه على الإسلام ، وعلى أن يتحول إلى دارهم - وهي المدينة فلما صار إليها حموه من الْحمر والْسود ، فكلما هم أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء كاده الله ورد كيده عليه ، لما كاده اليهود بالسحر حماه الله منهم ، وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواء لذلك الداء ، ولما سم اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر أعلمه الله به وحماه [الله ] منه ; ولهذا أشباه كثيرة جدا يطول ذكرها

عدد الصفحات ٣٢٢

323 المبحث الثامن ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة التوبة الموضع الأول : إِلا تَنصُرُوهُ فَقَدم نَصَرَهُ الل هُ إِذم أَخمرَجَهُ ال ذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثمنَيمنِ . الموضع الثاني : لَقَدِ ابمتَغَوُا المفِتمنَةَ مِن قَبملُ وَقَل بُوا لَكَ . الموضع الثالث : إِن تُصِبمكَ حَسَنَة تَسُؤمهُمم وَإِن تُصِبمكَ مُصِيبَة يَقُولُوا . الموضع الرابع : وَمِنمهُم م ن يَلممِزُكَ فِي الص دَقَاتِ فَإِنم أُعمطُوا مِنمهَا رَضُوا . الموضع الخامس : وَمِنمهُمُ ال ذِينَ يُؤمذُونَ الن بِي وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُن . الموضع السادس : يَحم لِفُونَ بِالل هِ لَكُمم لِيُرمضُوكُمم وَالل هُ وَرَسُولُهُ أَحَق أَن يُرمضُوهُ . الموضع السابع : وَلَئِن سَأَلمتَهُمم لَيَقُولُن إِن مَا كُن ا نَخُوضُ وَنَلمعَبُ. الموضع الثامن : يَحملِفُونَ بِالل هِ مَا قَالُوا وَلَقَدم قَالُوا كَلِمَةَ المكُفمر . الموضع التاسع : وَال ذِينَ ات خَذُوا مَسمجِدًا ضِرَارًا وَكُفمرًا وَتَفمرِيقًا بَيمنَ الممُؤممِنِينَ .

عدد الصفحات ٣٢٣

324 الموضع الأول قوله تعالى: إِلا تَنصُرُوهُ فَقَدم نَصَرَهُ الل هُ إِذم أَخمرَجَهُ ال ذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثمنَيمنِ إِذم هُمَا فِي المغَارِ إِذم يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحمزَنم إِن الل هَ مَعَنَا فَأَنزَلَ الل هُ سَكِينَتَهُ عَلَيمهِ وَأَي دَهُ بِجُنُود ل مم تَرَومهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ال ذِينَ كَفَرُوا الس فملَى وَكَلِمَةُ الل هِ هِيَ المعُلميَا وَالل هُ عَزِيز حَكِيم (40) أولاً : سبب نزولها : قال ابن عطية : في قوله تعالى : ( يَا أَي هَا الَّذِينَ آمَن وا مَا لَك مْ إِذَا قِيلَ لَك م انفِر وا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْت مْ إِلَى الَْْرْضِ أَرَضِيت م بِالْحَيَاةِ الد نْيَا مِنَ الآْخِرَةِ فَمَا مَتَاع الْحَيَاةِ الد نْيَ ا فِي الآْخِرَةِ إِلَّ قَلِيل (38) هذه الآية هي بلا اختلاف نازلة عتابا على تخلف من تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وكانت سنة تسع من الهجرة بعد الفتح بعام، غزا فيها الروم في عشرين ألفا بين راكب وراجل، وتخلف عنه قبائل من الناس ورجال من المؤمنين كثير ومنافقون، فالعتاب في هذه الآية هو للقبائل وللمؤمنين الذين كانوا بالمدينة، وقال في تفسير المنار : هذا السياق من هنا - يعني قوله تعالى ( يَا أَي هَا الَّذِينَ آمَن وا مَا لَك مْ إِذَا قِيلَ لَك م انفِر وا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْت مْ إِ لَى الَْْرْضِ ) - إلى آخر السورة في غزوة تبوك ، وما كانت وسيلة له من هتك أستار النفاق ، وتطهير المؤمنين من عوامل الشقاق . إل الآيتين في آخرها ، وما يتخللها من بعض الحكم والْحكام ، على السنة المعروفة في أسلوب القرآن . ومناسبته لما قبله أن المراد قتالهم في تبوك : هم الروم وأتباعهم المستعبدون من عرب الشام ، وكلهم من النصارى الذين نزلت الآيات الْخيرة في حكم قتال اليهود وقتالهم ، وبيان حقيقة أحوالهم ، وأهمها خروجهم عن هداية دين المسيح عليه السلام ، في كل من العقائد والفضائل والْعمال . وكان ذكر النس يء في آخره لما ذكرنا . ثانياً : تبين مما سبق أن الله تعالى أراد بإنزال هذه الآية (إِلا تَنصُرُوهُ فَقَدم نَصَرَهُ الل هُ ).. الخ أن الله تعالى هو المتولي الدفاع عن حبيبه ومصطفاه محمد صلى الله عليه وسلم وهو المتولي نصرته ولو لم يكن معه أحد من البشر ، فجاءت الآية تب ياناا لعو قدره صلى الله عليه وسلم وعظم مكانته وارتفاع منزلته عند ربه ، وإليك ش ئ من تفصيل ذلك مما ورد في الآية الكريمة :

عدد الصفحات ٣٢٤

325 1/ (إِ تَنصُرُوهُ فَقَدم نَصَرَهُ الل هُ إِذم أَخمرَجَهُ ال ذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثمنَيمنِ إِذم هُمَا فِي المغَارِ ) : أى. إل تنصروه فقد نصره الله وقت أن أخرجه الذين كفروا من مكة، ووقت أن كان هو وصاحبه أبو بكر في الغار، ووقت أن كان صلى الله عليه وسلم يقول لصاحبه الصديق: ل تحزن إن الله معنا بتأييده ونصره وحمايته . 2/ (إِذم يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحمزَنم إِن الل هَ مَعَنَا ) وذلك أن أبا بكر وهو مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار، أحس بحركة المشركين من فوق الغار، فخاف خوفا شديدا ل على حياته هو، وإنما على حياة النبي صلى الله عليه وسلم فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم منه ذلك، أخذ في تسكين روعه وجزعه وجعل يقول له: ل تحزن إن الله معنا. أخرج الشيخان عن أبى بكر قال. نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار، وهم على رءوسنا، فقلت. يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لْبصرنا تحت قدميه، فقال: (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما، ل تحزن إن الله معنا) . 3/ وقوله تعالى : فَأَنمزَلَ الل هُ سَكِينَتَهُ عَلَيمهِ وَأَي دَهُ بِجُنُود لَمم تَرَومها ) بيان لما أحاط الله به نبيه- صلى الله عليه وسلم- من مظاهر الحفظ والرعاية . والسكينة : من السكون، وهو ثبوت الش يء بعد التحرك . أو من السكن- بالتحريك - وهو كل ما سكنت إليه نفسك، واطمأنت به من أهل و غيرهم . والمراد بها هنا: الطمأنينة التي استقرت في قلب النبي صلى الله عليه وسلم فجعلته ل يبالى بجموع المشركين المحيطين بالغار، لْنه واثق بأنهم لن يصلوا إليه.والمراد بالجنود المؤيدين له. الملائكة الذين أرسلهم- سبحانه- لهذا الغرض : والضمير في قوله : عَلَيْهِ يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم. أى. فأنزل الله سكينته وطمأنينته وأمنه على رسوله صلى الله عليه وسلم وأيده وقواه بجنود من الملائكة لم تروها أنتم، كان من وظيفتهم حراسته وصرف أبصار المشركين عنه. ويرى بعضهم أن الضمير في قوله عَلَيْهِ يعود إلى أبى بكر الصديق، لْ ن الْصل في الضمير أن يعود إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور هنا هو الصاحب ولْن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن في حاجة إلى السكينة. وإنما الذي كان في حاجة إليها هو أبو بكر، بسبب ما اعتراه من حزن وخوف.

عدد الصفحات ٣٢٥

326 وقد رد أصحاب الرأى الْول على ذلك بأن قوله وَأَيَّدَه بِج ن ود لَمْ تَرَوْها الضمير فيه ل يصح إل للنبي صلى الله عليه وسلم وهو معطوف على ما قبله فوجب أن يكون الضمير في قوله عَلَيْهِ عائدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم حتى ل يحصل تفكك في الكلام . أما نزول السكينة فلا يلزم منه أن يكون لدفع الفزع والخوف، بل يصح أن يكون لزيادة الطمئنان، وللدللة على علو شأنه صلى الله عليه وسلم. 4/ وقوله تعالى وَجَعَلَ كَلِمَةَ ال ذِينَ كَفَرُوا الس فملى وَكَلِمَةُ الل هِ هِيَ المعُلميا ) بيان لما ترتب على إنزال السكينة والتأييد بالملائكة. والمراد بكلمة الذين كفروا. كلمة الشرك، أو كلمتهم التي اجتمعوا عليها في دار الندوة وهي اتفاقهم على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمراد بكلمة الله: دينه الذي ارتضاه لعباده، وهو دين الإسلام، وما يترتب على اتباع هذا الدين من نصر وحسن عاقبة، أى: كانت نتيجة إنزال السكينة والتأييد بالملائكة، أن جعل كلمة الشرك هي السفلى، أى. المقهورة الذليلة. وكلمة الحق والتوحيد المتمثلة في دين الإسلام هي العليا أى: هي الثابتة الغالبة النافذة.

عدد الصفحات ٣٢٦

327 الموضع الثاني قوله تعالى : ( لَقَدِ ابمتَغَوُا المفِتمنَةَ مِن قَبملُ وَقَل بُوا لَكَ الأمُمُورَ حَت ى جَاءَ الم حَق وَظَهَرَ أَممرُ الل هِ وَهُمم كَارِهُونَ ) الآية (48) أولاً : سبب نزولها قال الإمام ابن كثير: عند ما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، رمته العرب عن قوس واحدة، وحاربته يهود المدينة ومنافقوها، فلما نصره الله يوم بدر وأعلى كلمته، قال عبد الله بن أبى، وأصحابه : هذا أمر قد توجه، فدخلوا في الإسلام ظاهرا، ثم كلما أعز الله الإسلام وأهله غاظهم وساءهم، ولهذا قال- تعالى-: حَتَّى جاءَ الْحَق وَظَهَرَ أَمْر اللَّهِ وَه مْ كارِه ونَ . ثانياً : جاء دفاع الرب تعالى وتقدس عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ففضح باطن المنافقين التي دلت عليها تصرفاتهم وهم في كل مرة يظهرون مبررات ل طائل من ورائها ، وقد أوضحت الآية على وجازة لفظها تاريخ المنافقين الْسود وبينت كراهيتهم للإسلام وأهله ، وإليك بيان ذلك : 1/ قوله تعالى : ( لَقَدِ ابمتَغَوُا المفِتمنَةَ مِن قَبملُ ) قال صاحب تفسير المنار : لقد ابتغوا الفتنة من قبل أي : تالله لقد ابتغى هؤلء المنافقون إيقاع الفتنة في المسلمين من قبل هذا العهد - عهد غزوة تبوك - وأوله ما كان في غزوة أحد ( إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا ) ( آل عمران/ 122 )وذلك أنهم لما خرجوا إلى أحد اعتزلهم عبد الله بن أبي بن سلول زعيم المنافقين بنحو ثلث الجيش في موضع يسمى الشوط ، بين المدينة وأحد ، وطفق يقول لهم في النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أطاعهم وعصاني . وفي رواية : أطاع الولدان ومن ل رأي له ، فما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا ؟ وكان رأي ابن أبي لعنه الله عدم الخروج إلى أحد ، ورأي غالبية الصحابة - ول سيما الشبان - الخروج فعمل ـ صلى الله عليه وسلم ـ برأي الْكثر على أنه كان خلاف رأيه أيضا ، فرجع ابن أبي بمن اتبعه من المنافقين ، وكاد يفشل بنو سلمة من الْوس وبنو حارثة من

عدد الصفحات ٣٢٧

328 الخزرج بقوله وفعله ، فعصمهما الله تعالى من الفتنة بفضله ، وذلك قوله تعالى : ( والله وليهما ) (آل عمران / : 122 ) 2/ وقال بعضهم : لقد ابتغى هؤلء المنافقون إيقاع الشرور والمفاسد في صفوف المسلمين، من قبل ما حدث منهم في غزوة تبوك .ومن مظاهر ذلك أنهم ساءهم انتصاركم في غزوة بدر، وامتنعوا عن مناصرتكم في غزوة أحد، متبعين في ذلك زعيمهم عبد الله بن أبى بن سلول، ثم واصلوا حربهم لكم سرا وجهرا حتى كانت غزوة تبوك التي فضح الله فيها أحوالهم . فالمراد بقوله : مِنم قَبملُ أى: من قبل هذه الغزوة التي كانت آخر غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم. أى أن ما صدر عن هؤلء المنافقين من مسالك خبيثة خلال غزوة تبوك ليس هو الْول من نوعه، بل هم لهم في هذا المضمار تاريخ مظلم بدأ منذ أوائل عهد الدعوة الإسلامية بالمدينة. 3/ قوله تعالى وَقَل بُوا لَكَ الأمُمُورَ حَت ى جَاءَ المحَق وَظَهَرَ أَممرُ الل هِ وَهُمم كَارِهُونَ ) قال صاحب تفسير المنار : أي : دبروا لك الحيل والمكايد ، ودوروا الآراء في كل وجه من وجوهها لإبطال دينك ، وفض قومك من حولك ، فإن تقليب الش يء تصريفه في كل وجه من وجوهه ، والنظر في كل ناحية من أنحائه ؛ ليعلم أيها الْولى بالختيار . وما زال لهؤلء المنافقين ضلع مع اليهود ، وضلع مع المشركين ، في كل ما فعلا من عداوتك وقتال المؤمنين حتى جاء الحق بالنصر الذي وعدك به ربك ، وكانوا به يمترون ، وظهر أمر الله وهم كارهون أي : ظهر دين الله على الدين كله بالتنكيل باليهود الغادرين ، والنصر على المشركين ، وإبطال الشرك بفتح مكة ، ودخول الناس في الإسلام أفواجا ، وهم كارهون لذلك ، حتى كانوا بعد الفتح يمنون أنفسهم بظهور المشركين على المؤمنين في حنين . وقوله : وَقَلَّب وا لَكَ الْْ م ورَ بيان لتفننهم في وجوه الْذى للنبي صلى الله عليه وسلم وتقليب الْمر : تصريفه، وترديده، وإجالة الرأى فيه، والنظر إليه من كل نواحيه : لمعرفة أى ناحية منه توصل إلى الهدف المنشود. والمراد أن هؤلء المنافقين قد ابتغوا الْذى للدعوة الإسلامية من قبل هذه الغزوة، ودبروا لصاحبها صلى الله عليه وسلم المكايد، واستعملوا قصارى جهدهم، ومنتهى اجتهادهم، وخلاصة مكرهم، من أجل صد الناس عن الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.

عدد الصفحات ٣٢٨

329 3/ وقوله : ( حَت ى جاءَ المحَق وَظَهَرَ أَممرُ الل هِ) غاية لمحذوف، والتقدير : أن هؤلء المنافقين استمروا على حربهم للدعوة الإسلامية «حتى جاء الحق» أى: النصر الذي وعد الله عباده به «وظهر أمر الله» أى: دينه وشرعه «وهم» أى المنافقون وأشباههم «كارهون» لذلك لْنهم يكرهون انتصار دين الإسلام، ويحبون هزيمته وخذلنه، ولكن الله- تعالى- خيب آمالهم، وأحبط مكرهم . 4/ قال الرازي( وهم كارهون ) . أي : وهم لمجيء هذا الحق وظهور أمر الله كارهون ، وفيه تنبيه على أنه ل أثر لمكرهم وكيدهم ومبالغتهم في إثارة الشر ، فإنهم منذ كانوا في طلب هذا المكر والكيد ، والله تعالى رده في نحرهم وقلب مرادهم وأتى بضد مقصودهم ، فلما كان الْمر كذلك في الماض ي ، فهذا يكون في المستقبل .

عدد الصفحات ٣٢٩

330 الموضع الثالث قوله تعالى ( إِن تُصِبمكَ حَسَنَة تَسُؤمهُمم وَإِن تُصِبمكَ مُصِيبَة يَقُولُوا قَدم أَخَذمنَا أَممرَنَا مِن قَبملُ وَيَتَوَل وا و هُمم فَرِحُونَ (50 )قُل ل ن يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ الل هُ لَنَا هُوَ مَوملاَنَا وَعَلَى الل هِ فَلميَتَوَك لِ الممُؤممِنُونَ (51 )قُلم هَلم تَرَب صُونَ بِنَا إِلا إِحمدَى المحُسمنَيَيمنِ وَنَحمنُ نَتَرَب صُ بِكُمم أَن يُصِيبَكُمُ الل هُ بِعَذَاب م ِنم عِندِهِ أَوم بِأَيمدِينَا فَتَرَب صُوا إِن ا مَعَكُم م تَرَب ِصُونَ ) ( 52) أولاًنزلت هذه الآيات لبيان نوع آخر من خبث نوا يا المنافقين وسوء بواطنهم ، وذلك ليعلم النبي صلى الله عليه وسلم حقيقتهم وليأخذ حذره منهم . وقد ظهر دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم بعدة أمور : 1/ الكشف عن بواطن المنافقين ليعلم النبي صلى الله عليه وسلم حقيقتهم وليأخذ حذره منهم كما ذكرنا . 2/ أرشد الله نبيه صلى الله عليه وسلم إلى كيفية الرد على ما يقوله المنافقون عنه وعن أصحابه حين إصابتهم بالشدة أو الرخاء فقال له (قُل ل ن يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ الل هُ لَنَا هُوَ مَوملاَنَا ) . وأما عند النصر أو الهزيمة فقال له ربه ( قُلم هَلم تَرَب صُونَ بِنَا إِلا إِحمدَى المحُسمنَيَيمنِ ) وهذا فيه من العناية الإلهية بنبيه صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين الصادقين ما ل يوصف . 3/ هدد الله تعالى المنافقين على لسان النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام رض ي الله تعالى عنهم، فقالوا لهم (وَنَحمنُ نَتَرَب صُ بِكُمم أَن يُصِيبَكُمُ الل هُ بِعَذَاب م ِنم عِندِهِ أَوم بِأَيمدِينَا فَتَرَب صُوا إِن ا مَعَكُم م تَرَب ِصُونَ ) . كان هذا مجمل ما ورد في الآيات من دفاع عن خير البريات عليه أفضل الصلوات وأتم التسليمات ، والآن إليك تفصيل ذلك من كلام المفسرين رحم الله الجميع : ثانياً : قوله تعالى : إِن تُصِبمكَ حَسَنَة تَسُؤمهُمم وَإِن تُصِبمكَ مُصِيبَة يَقُولُوا قَدم أَخَذمنَا أَممرَنَا مِن قَبملُ وَيَتَوَل وا و هُمم فَرِحُونَ ) للمفسرين قولان فيها :

عدد الصفحات ٣٣٠

331 الأول : معنى الآية لدى الأكثرين تُصِبمكَ حَسَنَة تَسُؤمهُمم )أى« :إن تصبك» يا محمد حسنة من نصر أو نعمة أو غنيمة- كما حدث يوم بدر- «تسؤهم» تلك الحسنة، وتورثهم حزنا وغما، بسبب شدة عداوتهم لك ولْصحابك . (وَإِن تُصِبمكَ مُصِيبَة ) من هزيمة أو شدة- كما حدث يوم أحد- ( يَق ول وا ) باختيال وعجب وشماتة (قَدم أَخَذمنَا أَمم رَنَا ) أى : قد تلافينا ما يهمنا من الْمر بالحزم والتيقظ، من قبل وقوع المصيبة التي حلت بالمسلمين، ولم نلق بأيدينا إلى التهلكة كما فعل هؤلء المسلمون . وقوله : وَيَتَوَل وما وَهُمم فَرِحُونَ تصوير لحالهم، ولما جبلوا عليه من شماتة بالمسلمين. أى: عند ما تصيب المسلمين مصيبة أو مكروه، ينصرف هؤلء المنافقون إلى أهليهم وشيعتهم- والفرح يملأ جوانحهم - ليبشروهم بما نزل بالمسلمين من مكروه. الثاني : ما ذكره قال صاحب تفسير المنار : قد ورد في التفسير المأثور ما يدل على أن الآية خبر عن مستقبل الْمر في غزوة تبوك . روى ابن جرير عن ابن عباس ـ رض ي الله عنه ـ قال : إن تصبك في سفرك هذا لغزوة تبوك حسنة تسؤهم ، قال : الجد وأصحابه . وروى ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله ـ رض ي الله عنه ـ قال : جعل المنافقون الذين تخلفوا في المدينة يخبرون عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخبار السوء ، يقو لون : إن محمدا وأصحابه قد جهدوا في سفرهم وهلكوا فبلغهم تكذيب خبرهم وعافية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه فساءهم ذلك ، فأنزل الله تعالى : إن تصبك حسنة تسؤهم ، الآية . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال : إن أظفرك الله وردك سالما ساءهم ذلك ، وإن تصبك مصيبة يقولوا : قد أخذنا أمرنا في القعود قبل أن تصيبهم ، والْول أبلغ وهو يشمل هذا وغيره . ثالثاً : قوله : ( قُلم لَنم يُصِيبَنا إِلا ما كَتَبَ الل هُ لَنا هُوَ مَوملانا ) إرشاد للرسول صلى الله عليه وسلم إلى الجواب الذي يكبتهم ويزيل فرحتهم . أى« :قل» يا محمد - صلى الله عليه وسلم - لهؤلء المنافقين الذين يسرهم ما يصيبك من شر، ويحزنهم ما يصيبك من خير، والذين خلت قلوبهم من الإيمان بقضاء الله وقدره، قل لهم على سبيل التقريع والتبكيت . لن يصيبنا إل ما كتبه الله لنا وقدره علينا (هو مولانا ) الذي يتولنا في كل أمورنا، ونلجأ إليه في كل أحوالنا . وعليه وحده- سبحانه نكل أمورنا وليس على أحد سواه .

عدد الصفحات ٣٣١

332 رابعاا : وقوله : ( قُلم هَلم تَرَب صُونَ بِنا إِلا إِحمدَى المحُسمنَيَيمنِ ) إرشاد آخر للرسول صلى الله عليه وسلم إلى الجواب الذي يخرس ألسنة هؤلء المنافقين ويزيل فرحتهم . قل لهم : هل تربصون بنا أيها الجاهلون إل إحدى العاقبتين اللتين كل واحدة منهما حسنى العواقب وفضلاها ، وهما النصرة والشهادة والفوز بالجنة والنجاة من النار ، النصرة المضمونة للجماعة ، والشهادة المكتوبة لبعض الْفراد ؟ أي : ل ش يء ينتظر لنا غير هاتين العاقبتين مما كتب لنا ربنا ، وأنتم تجهلون والتربص بمعنى النتظار في تمهل. يقال: فلان يتربص بفلان الدوائر، إذا كان ينتظر وقوع مكروه به. والحسنيان : مثنى الحسنى. والمراد بهما: النصر أو الشهادة. قال الآلوس ى: والحاصل أن ما تنتظرونه بنا- أيها المنافقون - ل يخلو من أحد هذين الْمرين، كل منهما عاقبته حسنى ل كما تزعمون من أن ما يصيبنا من القتل في الغزو سوء، ولذلك سررتم به. وصح من حديث أبى هريرة عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال« :تكفل الله- تعالى- لمن جاهد في سبيله ل يخرجه من بيته إل الجهاد في سبيله، وتصديق كلمته أن يدخله الجنة. أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر وغنيمة) . وقوله : وَنَحمنُ نَتَرَب صُ بِكُمم أَنم يُصِيبَكُمُ الل هُ بِعَذاب مِنم عِنمدِهِ أَوم بِأَيمدِينا بيان لما ينتظر المؤمنون وقوعه بالمنافقين.أى: ونحن معشر المؤمنين نتربص بكم أيها المنافقون إحدى السوءيين من العواقب : إما «أن يصيبكم الله بعذاب» كائن «من عنده» فيهلككم كما أهلك الذين من قبلكم، وإما أن يصيبكم بعذاب كائن «بأيدينا» بأن يأذن لنا في قتالكم وقتلكم . فتربصوا إنا معكم متربصون أي : وإذا كان الْمر كذلك فتربصوا بنا إنا معكم متربصون ما ذكر من عاقبتنا وعاقبتكم ، إن أصررتم على كفركم وظهر أمركم ، مما نحن فيه على بينة من ربنا ، ول بينة لكم ، ويالله ما أبلغ الإيجاز في حذف مفعولي تربصهما ، وفي التعبير عن تربص المؤمنين بالصفة الدالة على تمكن الثقة من متعلقه ! ( فإنا معكم متربصون ) ما هو عاقبتكم، وسترون أن عاقبتنا على كل حال هي الخير، وأن عاقبتكم هي الشر.

عدد الصفحات ٣٣٢

333 فائدة مهمةقال في تفسير المنار : قوله تعالى (هُوَ مَوملاَنَا وَعَلَى الل هِ فَلميَتَوَك لِ الممُؤممِنُونَ) : وإذا كان الله هو مولهم فحق عليهم أن يتوكلوا عليه وحده دون غيره ، مع القيام بما أوجبه عليهم في شرعه ، والهتداء بسننه في خلقه ، ومنها ما أخبرهم به من أسباب النصر المادية والمعنوية التي فصلها في سورة الْنفال وغيرها ، كإعداد ما تستطيع الْمة من قوة ، واتقاء التنازع الذي يولد الفشل ، ويفرق الكلمة ، وذلك بأن يكلوا إليه توفيقهم لما يتوقف عليه النجاح ، وتسهيل أسبابه التي لم يصل إليها كسبهم ، وما أجهل من يظن أن التوكل وكتابة المقادير ، يقتضيان ترك العمل والتدبير ، وقد بسطنا القول في الْمرين في مواضع من هذا التفسير ، ويقابل التوكل عليه تعالى بالمعنى الذي ذكرناه وما أيده به من كتاب الله ، اتكال الماديين على حولهم وقوتهم وحدها ، حتى إذا ما أدركهم العجز وخانتهم القوة أمام قوة تفوقها ، خانهم الصبر وأدركهم اليأس ؛ إذ ليس لهم ما للمؤمنين من التوكل على ذي القوة التي ل تعلوها قوة - وشر منه اتكال الخرافيين على الْوهام ، وتعلق آمالهم بالْماني والْحلام ، حتى إذا ما انكشفت أوهامهم ، وكذبت أحلامهم ، وخابت آمالهم ، نكسوا رؤوسهم ، ونكصوا على أعقابهم ، واستكانوا لْعدائهم ، وكفروا بوعد ربهم بنصر المؤمنين ، ووعد الله أصدق من دعواهم الإيمان ، وإنما وعد بالنصر أولياءه ل أولياء الشيطان .

عدد الصفحات ٣٣٣

334 الموضع الرابع قوله تعالى : وَمِنمهُم م ن يَلممِزُكَ فِي الص دَقَاتِ فَإِنم أُعمطُوا مِنمهَا رَضُوا وَإِن ل مم يُعمطَوما مِنمهَا إِذَا هُمم يَسمخَطُونَ (58 )وَلَوم أَن هُمم رَضُوا مَا آتَاهُمُ الل هُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسمبُنَا الل هُ سَيُؤمتِينَا الل هُ مِن فَضملِهِ وَرَسُ ولُهُ إِن ا إِلَى الل هِ رَاغِبُونَ (59) أولاً : سبب نزولهالقد ذكر المفسرون في سبب نزول هاتين الآيتين روايات منها: ما أخرجه البخاري والنسائي عن أبى سعيد الخدري - رض ى الله عنه- قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يقسم قسما إذ جاءه ذو الخويصرة التميمي فقال: اعدل يا رسول الله، فقال« :ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل» ؟، فقال عمر بن الخطاب- رض ى الله عنه-ائذن لي فأضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم« :دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم في الرمية ) قال أبو سعيد، فنزلت فيهم: وَمِنْه مْ مَنْ يَلْمِز كَ فِي الصَّدَقاتِ. وروى ابــــن مردويــــه عــــن ابــــن مســــعود- رضــــ ى الله عنــــه- قــــال: " لمــــا قســــم النبــــي صــــلى الله عليــــه وســــلم غنــائم حنــين ســمعت رجــلا يقــول : إن هــذه قســمة مــا أريــد بهــا وجــه الله. فأتيــت النبــي صــلى الله عليــه وسلم فذكرت له ذلك فقال: "رحمة الله على موسـ ى، لقـد أوذى بـأكثر مـن هـذا فصـبر" . ونـزل وَمِـنْه مْ مَنْ يَلْمِز كَ فِي الصَّدَقاتِ . ثانيــاً : أوضــحت الآيــة كمــا فــي ســبب نزولهــا إســاء المنــافقين الْدب مــع ســيد المرســلين صــلى الله عليــه وســلم حــين أنكــروا عليــه فــي أمــر ل يجــوز لهــم التــدخل فيــه فضــلاا عــن أن يظنــوا أنــه صــلى الله عليــه وســــلم وقــــع فــــي شــــ ئ منكــــر شــــرعاا ، وكــــأن هــــؤلء الخبثــــاء ل يعلمــــون أن أفعــــال النبــــي صــــلى الله عليــــه وسلم وأقواله إنما هي مبنية على الوحي . ثالثاً : بناءاا على ما سـبق ذكـره جـاء دفـاع الـرب الجليـل عـن سـيدنا رسـول الله صـلى الله عليـه وسـلم فـــأنكر علـــي المنـــافقين التـــدخل فـــي أمـــر ل يعنـــيهم كمـــا فضـــح بـــواطنهم المليئـــة بالحســـد والحقـــد وعـــدم الرضــا عــن الله تعــالى ول عــن رســوله صــلى الله عليــه وســلم كمــا دل علــى ذلــك أقــوالهم وتصــرفاتهم ، قــــال الإمــــام الــــرازي : اعلــــم أن المقصــــود مــــن هــــذا، شــــرح نــــوع آخــــر مــــن قبــــائحهم وفضــــائحهم، وهــــو

عدد الصفحات ٣٣٤

335 طعـنهم فــي الرســول صـلى الله عليــه وســلم بسـبب أخــذ الصــدقات مـن الْغنيــاء، ويقولــون إنـه يــؤثر بهــا مــن يشــاء مــن أقاربــه وأهــل مودتــه، وينســبونه إلــى أنــه ل يراعــى العــدل . والآن إليــك بيــان مــا فــي هــاتين الآيتين من الدفاع عنه صلى الله عليه وسلم : 1/ قوله تعالى : ( وَمِنمهُم م ـن يَلممِـزُكَ فِـي الص ـدَقَاتِ ) : المعنـى: ومـن هـؤلء المنـافقين: يـا محمـد - صـلى الله عليه وسلم - من يعيبك ويطعن عليك في قسـمة الصـدقات والغنـائم، زاعمـين أنـك لسـت عـادل في قسمتك. وقولـــــه : ( فَـــــإِنم أُعمطُـــــوا مِنمهـــــا رَضُـــــوا وَإِن ل ـــــمم يُعمطَـــــوما مِنمهَـــــا إِذَا هُـــــمم يَسمـــــخَطُونَ ) بيـــــان لفســـــاد لمـــــزهم وطعنهم، وأن الدافع إليه إنما هو الطمـع والشـره فـي حطـام الـدنيا، ولـيس الغضـب مـن أجـل إحقـاق الحق: أو من أجل نشر العدالة بين الناس.أى: أن هؤلء المنافقين إن أعطيـتهم. يـا محمـد. صـلى الله عليـــه وســـلم مـــن تلـــك الصـــدقات، رضـــوا عنـــك، وحكمـــوا علـــى هـــذا العطـــاء بأنـــه عـــدل حتـــى ولـــو كـــان ظلمــا، وإن لــم تعطهــم منهــا ســخطوا عليــك، واتهمــوك بأنــك غيــر عــادل، حتــى ولــو كــان عــدم عطــائهم هــو الحــق بعينــه، فهــم ل يقولــون مــا يقولونــه فيــك غضــبا للعــدل، ول حماســة للحــق، ول غيــرة علــى الدين.. وإنما يقولون ما يقولون من أجل مطامعهم الشخصية، ومنافعهم الذاتية. وقول ه: يَلْمِز كَ أى: يعيبك ويطعـن عليـك فـي قسـمة الصـدقات وغيرهـا مـن الْمـوال، مـأخوذ مـن اللمـز وهو العيب. يقال لمزة وهمزة يلمزه ويهمزه إذا عابه وطعن عليـه، ومنـه قولـه - تعـالى-: وَيْـل لِك ـل ِ ه مَـزَة لم َزَة . وقيل: اللمز ما كان يحضره الملموز، والهمز ما كان في غيابه. وقال الجمل. وقوله إِذا هُـمم يَسمـخَطُونَ إذا هنـا فجائيـة، قائمـة مقـام فـاء الجـزاء فـي الـربط علـى حـد قولــــــــه « :وتخلــــــــف الفــــــــاء إذا المفاجــــــــأة» .والْصــــــــل . فهــــــــم يســــــــخطون، وغــــــــاير. ســــــــبحانه. بــــــــين جــــــــوابي الجملتين، للاشارة إلى أن سخطهم ثابت ل يزول ول يفنى بخلاف رضاهم . وقــال صــاحب المنــار. وقــد عبــر- ســبحانه- عــن رضــاهم بصــيغة الماضــ ي: للدللــة علــى أنــه كــان يكــون لْجل العطاء في وقته وينقض ي، فلا يعدونه نعمة يتمنون دوام الإسلام لدوامها، وعبر عـن سـخطهم بـــإذا الفجائيـــة وبالفعـــل المضـــارع، للدللـــة علـــى ســـرعته واســـتمراره. وهـــذا دأب المنـــافقين وخلقهـــم فـــي كل زمان ومكان، كما نراه بالعيان حتى من مدعى كمال الإيمان، والعلم والعرفان

عدد الصفحات ٣٣٥

336 2/ قوله تعالى : وَلَوم أَن هُمم رَضُوا مَا آتَاهُمُ الل هُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسمبُنَا الل هُ سَيُؤمتِينَا الل هُ مِن فَضملِهِ وَرَسُولُهُ إِن ا إِلَى الل هِ رَاغِبُونَ (59) ثم وضح- سبحانه-: المنهج الذي يليق بأصحاب العقيدة السليمة فقال: ( وَلَوم أَن هُمم رَضُوا ما آتاهُمُ الل هُ وَرَسُولُهُ )أى. ولو أن هؤلء المنافقين الذين يلمزونك. يا محمد. في الصدقات، رضوا ما أعطاهم الله ورسوله من عطاء، وقالوا- على سبيل الشكر والقناعة - «حسبنا الله» أى: كفانا فضله وما قسمه لنا، «سيؤتينا الله من فضله ورسوله» أى: سيعطينا الله في المستقبل الكثير من فضله وإحسانه، وسيعطينا رسوله من الصدقات وغيرها «إنا إلى الله راغبون » أى: إنا إلى الله راغبون في أن يوسع علينا من فضله، فيغنينا عن الصدقات وغيرها من أموال الناس ومن صلاتهم، لْنه- سبحانه- له خزائن السموات والْرض.وجواب «لو» محذوف. والتقدير : ولو أنهم فعلوا ذلك لكان خيرا لهم. فائدتان مهمتان : الفائدة الأولى: قال الإمام الرازي ما ملخصه: والآية - وَلَوْ أَنَّه مْ رَض وا مَا آتَاه م اللَّه وَرَس ول ه وَقَال وا حَسْ ب نَا اللَّه سَي ؤْتِينَا اللَّه مِن فَضْلِهِ وَرَس ول ه إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِب ونَ - تدل على أن من طلب الدنيا- بطمع وشراهة - آل أمره في الدين إلى النفاق، وأما من طلب الدنيا بتوسط وبغرض التوسل إلى مصالح الدين، فهذا هو الطريق الحق، والْصل في هذا الباب أن يكون راضيا بقضاء الله. ألا ترى أنه- سبحانه- ذكر هنا في هذه الآية مراتب أربعة: أولها : الرضا بما آتاهم الله ورسوله، لعلمه بأنه- تعالى- حكم منزه عن العبث، وكل ما كان حكما له وقضاء كان حقا وصوابا ول اعتراض عليه. وثانيها: أن يظهر أثر ذلك الرضا على لسانهم وهو قولهم« :حسبنا الله» يعنى: أن غيرنا أخذ المال، ونحن قد رضينا بحكم الله وقضائه. وفزنا بهذه المرتبة العظيمة في العبودية. وثالثها: وهي أن الإنسان إذا لم يبلغ تلك الدرجة العالية التي عندها يقول « :حسبنا الله» ، نزل منها إلى مرتبة أخرى وهي أن يقول « :سيؤتينا الله من فضله ورسوله» .

عدد الصفحات ٣٣٦