305 الموضع الثاني وَأَقمسَمُوا بِالل هِ جَهمدَ أَيممَانِهِمم لَئِنم أَمَرمتَهُمم لَيَخمرُجُن قُل لا تُقمسِ مُوا طَاعَة م عمرُوفَة إِن الل هَ خَبِير بِمَا تَعممَلُونَ (53) قُلم أَطِيعُوا الل هَ وَأَطِيعُوا الر سُولَ فَإِن تَوَل وما فَإِن مَا عَلَيمهِ مَا حُم ِلَ وَعَلَيمكُم م ا حُم ِلمتُمم وَإِن تُطِيعُوهُ تَهمتَدُوا وَمَا عَلَى الر سُولِ إِلا المبَلاَغُ الممُبِينُ (54) أولاً : سبب نزولها قال البغوي : كان المنافقون يقولون لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أينما كنت نكن معك ، لئن خرجت خرجنا ، وإن أقمت أقمنا ، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا ، فنزلت الآية . ثانياً : بيان وجه الدفاع في الآية الكريمة عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هؤلاء المنافقين كانوا يقولون ذلك القول كذباً وبهتاناً ، ومن شدة وقاحتهم لم يكتفوا بالوعد بل أقسموا على ذلك ففضح الله سرائرهم وبين خبث طواياهم ، وإليك وبيان ذلك : 1/ قوله تعالى (وَأَقمسَمُوا بِالل هِ جَهمدَ أَيممانِ هِمم، لَئِنم أَمَرمتَهُمم لَيَخمرُجُن ) أى: وأقسم هؤلء المنافقون بالْيمان الموثقة بأشد وسائل التوثيق، بأنهم متى أمرهم الرسول صل ى الله عليه وسل م بالخروج معه للجهاد ليخرجن سراعا تلبية لْمره .وهنا يأمر الله- تعالى- نبيه صل ى الله عليه وسل م أن يرد عليهم ردا كله تهكم وسخرية بهم، بسبب كذبهم فيقول : 2(/ قُلم لا تُقمسِمُوا طاعَة مَعمرُوفَة ) .أى: قل لهم- أيها الرسول الكريم - على سبيل السخرية والزجر، ل تقسموا على ما تقولون، فإن طاعتكم معروف أمرها، ومفروغ منها، فهي طاعة باللسان فقط. أما الفعل فيكذبها.وذلك كما تقول لمن اشتهر بالكذب: ل تحلف لي على صدقك، فأمرك معروف ل يحتاج إلى قسم أو دليل . قال ابن كثير : فهم من سجيتهم الكذب حتى فيما يختارونه ، كما قال تعالى : ( ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ول نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون لئن أخرجوا ل يخرجون معهم ولئن قوتلوا ل ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الْدبار ثم ل ينصرون [ )الحشر : 11 ، 12 ]50
عدد الصفحات ٣٠٥306 وقيل : المعنى في قوله : ( طاعة معروفة ) أي : ليكن أمركم طاعة معروفة ، أي : بالمعروف من غير حلف ول إقسام ، كما يطيع الله ورسوله المؤمنون بغير حلف ، فكونوا أنتم مثلهم . 3 /( إِن الل هَ خَبِير بِما تَعممَلُونَ ) أى :إن الله- تعالى- مطلع اطلاعا تاما على ظواهركم وبواطنكم فلا يحتاج منكم إلى قسم أو توكيد لْقوالكم، وقد علم- سبحانه- أنكم كاذبون في حلفكم. 4/ قوله تعالى : قُلم أَطِيعُوا الل هَ وَأَطِيعُوا الر سُولَ ) ثم يأمر- سبحانه- رسوله صل ى الله عليه وسل م أن يرشدهم إلى الطاعة الصادقة. ل طاعتهم الكاذبة ،طاعة ظاهرة وباطنة، طاعة مصحوبة بصدق العتقاد، وكمال الإخلاص، فإن هذه الطاعة هي المقبولة منكم. 5/ وقوله - سبحانه- ( فَإِنم تَوَل وما فَإِن ما عَلَيمهِ ما حُم ِلَ وَعَلَيمكُمم ما حُم ِلمتُمم ) تحذير لهم من التمادي في نفاقهم وكذبهم .أى: مرهم - أيها الرسول الكريم - بالطاعة الصادقة، فإن توليتم - أيها المنافقون - عن دعوة الحق وأعرضتم عن الصراط المستقيم، فإن الرسول الكريم ليس عليه سوى ما حملناه إياه. وهو التبليغ والإنذار والتبشير، وأما أنتم فعليكم ما حملتم، أى: ما أمرتم به من الطاعة له صل ى الله عليه وسل م وهو قد فعل ما كلفناه به، أما أنتم فحذار أن تستمروا في نفاقكم.ثم أرشدهم- سبحانه- إلى طريق الفوز والف لاح . 6/ قوله تعالى: (وَإِنم تُطِيعُوهُ تَهمتَدُوا) أى: وإن تطيعوا أيها المنافقون - رسولنا صل ى الله عليه وسل م في كل ما يأمركم به أو ينهاكم عنه، تهتدوا إلى الحق، وتظفروا بالسعادة. 7/ وقوله - تعالى-: ( وَما عَلَى الر سُولِ إِلا المبَلاغُ الممُبِينُ ) تذييل مقرر لما قبله. من أن مغبة الإعراض عائدة عليهم. كما أن فائدة الطاعة راجعة لهم.أى: وما على الرسول الذي أرسلناه لإرشادكم إلى ما ينفعكم إل التبليغ الواضح، والنصح الخالص، والتوجيه الحكيم.
عدد الصفحات ٣٠٦307 الموضع الثالث قوله تعالى : لا تَجمعَلُوا دُعَاءَ الر سُولِ بَيمنَ كُمم كَدُعَاءِ بَعمضِكُم بَعمضًا قَدم يَعملَمُ الل هُ ال ذِينَ يَتَسَل لُونَ مِنكُمم لِوَاذًا فَلميَحمذَرِ ال ذِينَ يُخَالِفُونَ عَنم أَممرِهِ أَن تُصِيبَهُمم فِتمنَة أَوم يُصِيبَهُمم عَذَاب أَلِيم (63) أولاً : سبب نزولها قال البغوي : قيل : كان هذا في حفر الخندق ، فكان المنافقون ينصرفون عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – مختفين . وقال غيره : كان المنافقون تارة يخرجون إذا ارتقى الرسول صل ى الله عليه وسل م المنبر. ينظرون يمينا وشمال. ثم يخرجون واحدا واحدا . وتارة يخرجون من مجلس الرسول صلى الله عليه وسل م وتارة يفرون من الجهاد يعتذرون بالمعاذير الباطلة. ثانياً : بيان أوجه الدفاع عنه صلى الله عليه وسلم ، تتبين من خلال الآتي : 1/ قال ابن عاشور لما كان الجتماع للرسول في الْمور يقع بعدَ دَعوته الناس للاجتماع وقد أمرهم الله أن ل ينصرفوا عن مجامع الر سول صلى الله عليه وسلم إل لعذر بعد إذنه أنبأهم بهذه الآية وجوب استجابة دعوة الرسول إذا دعاهم . كما في قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ) في سورة الْنفال ( 24 . )والمعنى : ل تجعلوا دعوة الرسول إياكم للحضور لديه مخيَّرين في استجابتها كما تتخيرون في استجابة دعوة بعضكم بعضاا ، فوجه الشبه المنفي بين الدعوتين هو الخيار في الإجابة . والغرض من هذه الجملة أن ل يتوهموا أن الواجب هو الثبات في مجامع الرسول إذا حضروها ، وأنهم في حضورها إذا د عوا إليها بالخيار ، فالدعاء على هذا التأويل مصدر دعاه إذا ناداه أو أرسل إليه ليحضر . 2/ قال الشنقيطي رحمه الله تعالى في الْضواء وله تعالى : ل تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا لْهل العلم في هذه الآية أقوال ، راجعة إلى قولين :
عدد الصفحات ٣٠٧308 أحدهما : أن المصدر الذي هو : دعاء مضاف إلى مفعوله ، وهو الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعلى هذا فالرسول مدعو . الثاني : أن المصدر المذكور مضاف إلى فاعله ، وهو الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعلى هذا : فالرسول داع . وإيضاح معنى قول من قال : إن المصدر مضاف إلى مفعوله ، أن المعنى : ل تجعلوا دعاءكم إلى الرسول إذا دعوتمو ه كدعاء بعضكم بعضا ، فلا تقولوا له : يا محمد مصرحين باسمه ، ول ترفعوا أصواتكم عنده كما يفعل بعضكم مع بعض ، بل قولوا له : يا نبي الله ، يا رسول الله ، مع خفض الصوت احتراما له - صلى الله عليه وسلم - . وهذا القول هو الذي تشهد له آيات من كتاب الله تعالى; كقو له : ياأيها الذين آمنوا ل ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ول تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم ل تشعرون إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى الآية [الحجرات 2 - 3 ]، وقوله تعالى : إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم ل يعقلون ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم [الحجرات / 4 - 5 ]، وقوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا ل تقولوا راعنا الآية [البقرة /104 ]، وهذا القول في الآية مروي عن سعيد بن جبير ، ومجاهد ، وقتادة ; كما ذكره عنهم القرطبي ، وذكره ابن كثير عن الضحاك ، عن ابن عباس ، وغيرهما قال : إن هذا القول هو الظاهر ، واستدل له بالآيات التي ذكرنا . وأما على القول الثاني : وهو أن المصدر مضاف إلى فاعله ، ففي المعنى وجهان : الأول : ما ذكره الزمخشري في " الكشاف " قال : إذا احتاج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اجتماعكم عنده لْمر فدعاكم فلا تتفرقوا عنه إل بإذنه ، ول تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضا ، ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الداعي . والوجه الثاني : هو ما ذكره ابن كثير في تفسيره ، قال : والقول الثاني في ذلك أن المعنى في ل تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا أي : ل تعتقدوا أن دعاءه على غيره كدعاء غيره
عدد الصفحات ٣٠٨309 ، فإن دعاءه مستجاب ، فاحذروا أن يدعو عليكم ، فتهلكوا [ .ص: 558 ]حكاه ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس ، والحسن البصري ، وعطية العوفي ، والله أعلم ، انتهى كلام ابن كثير . قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له :هذا الوجه الْخير يأباه ظاهر القرآن ; لْن قوله تعالى : كدعاء بعضكم بعضا يدل على خلافه ، ولو أراد دعاء بعضهم على بعض ، لقال : ل تجعلوا دعاء الرسول عليكم كدعاء بعضكم على بعض ، فدعاء بعضهم بعضا ، ودعاء بعضهم على بعض متغايران ، كما ل يخفى . والظاهر أن قوله : ل تجعلوا من جعل التي بمعنى اعتقد ، كما ذكرنا عن ابن كثير آنفا . 3/ وقوله لِواذاا مصدر في موضع الحال أى: ملاوذين. والملاوذة معناها: الستتار بش يء مخافة من يراك، أو هي الروغان من ش يء إلى ش يء على سبيل الخفاء.أى: إن الله- تعالى- عليم بحال هؤلء المنافقين الذين يخرجون من مجلس الرسول صلى الله عليه وسل م في خفاء واستتار : بحيث يخرجون من الجماعة قليلا قليلا، يستتر بعضهم ببعض حتى يخرجوا جميعا. والمعنى : فليحذر هؤلء المنافقون الذين يخالفون أمر النبي صل ى الله عليه وسل م ويصدون الناس عن دعوته. ويتباعدون عن هديه، فليحذروا من أن تصيبهم فتنة، أى: بلاء وكرب يترتب عليه افتضاح أمرهم، وانكشاف سرهم، أَوْ ي صِيبَه مْ عَذاب أَلِيم يستأصلهم عن آخرهم، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى .
عدد الصفحات ٣٠٩310 المبحث السادس ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة المنافقون الموضع الأول : هُمُ ال ذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُوا عَلَى مَنم عِندَ رَسُولِ الل هِ حَت ى بنفضوا . الموضع الثاني : يَقُولُونَ لَئِن ر جَعمنَا إِلَى الممَدِينَةِ لَيُخمرِجَن الأمَعَز مِنمهَا الأمَذَل .
عدد الصفحات ٣١٠311 الموضع اول قوله تعالى :( هُمُ ال ذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُوا عَلَى مَنم عِندَ رَسُولِ الل هِ حَت ى يَنفَض وا وَلِل هِ خَزَائِنُ الس مَاوَاتِ وَالأمَرمضِ وَلَ كِن الممُنَافِقِينَ لاَ يَفمقَهُونَ ) (7 ). أولاً : سبب نزولها قال القرطبي : روى البخاري عن زيد بن أرقم قال : كنت مع عمي فسمعت عبد الله بن أبي ابن سلول يقول : ل تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا . وقال : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الْعز منها الْذل فذكرت ذلك لعمي فذكر عمي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا ، فصدقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبني . فأصابني هم لم يصبني مثله ، فجلست في بيتي فأنزل الله عز وجل : إذا جاءك المنافقون إلى قوله : هم الذين يقولون ل تنفقوا على من عند رسول الله إلى قوله : ليخرجن الْعز منها الْذل فأرسل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : " إن الله قد صدقك " خرجه الترمذي قال : هذا حديث حسن صحيح . وفي الترمذي عن زيد بن أرقم قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان معنا أناس من الْعراب فكنا نبدر الماء ، وكان الْعراب يسبقونا إليه فيسبق الْعرابي أصحابه فيملأ الحوض ويجعل حوله حجارة ، ويجعل النطع عليه حتى تجيء أصحابه . قال : فأتى رجل من الْنصار أعرابيا فأرخى زمام ناقته لتشرب فأبى أن يدعه ، فانتزع حجرا فغاض الماء ; فرفع الْعرابي خشبة فضرب بها رأس الْنصاري فشجه ، فأتى عبد الله بن أبي رأس المنافقين فأخبره - وكان من أصحابه - فغضب عبد الله بن أبي ثم قال : ل تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله - يعني الْعراب - وكانوا يحضرون رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الطعام ; فقال عبد الله : إذا انفضوا من عند محمد فأتوا محمدا بالطعام ، فليأكل هو ومن عنده . ثم قال لْصحابه : لئن رجعتم إلى المدينة ليخرجن الْعز منها الْذل . قال زيد : وأنا ردف عمي فسمعت عبد الله بن أبي فأخبرت عمي ، فانطلق فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ; فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلف وجحد . قال : فصدقه رسو ل الله صلى الله عليه وسلم وكذبني . قال :
عدد الصفحات ٣١١312 فجاء عمي إلي فقال : ما أردت إلى أن مقتك رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبك والمنافقون . قال : فوقع علي من جرأتهم ما لم يقع على أحد . قال : فبينما أنا أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر قد خففت برأس ي من الهم إذ أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرك أذني وضحك في وجهي ; فما كان يسرني أن لي بها الخلد في الدنيا . ثم إن أبا بكر لحقني فقال : ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلت : ما قال شيئا إل أنه عرك أذني وضحك في وجهي ; فقال : أبشر ! ثم لحقني عمر فقلت له مثل قولي لْبي بكر . فلما أصبحنا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المنافقين . قال أبو عيس ى : هذا حديث حسن صحيح . ثانيأً : تضمنت الآية كما في سبب نزلها وقوع المنافقين في إساءة عظيمة وجريمة كبيرة في حق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وظهر ما في ب واطنهم من الخبث والسوء حين قالوا ما قالوا من تلك الكلمات النتنة ثم زادوا الْمر سوءاا عندما سئلوا عن ذلك فكذبوا وأنكروا . ثالثاً : ووجه الدفاع في الآية الكريمة عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينت الآية أن هؤلء المنافقين قد جهلوا أن الله تعالى بيده خزائن السموات والْرض وأنه لن يضيع رسوله صلى الله عليه وسلم ول صحبه الكرام ، وإليك تفصيل ذلك: 1 /قوله تعالى : هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله ) قال ابن عاشور : هذا من مقالت المنافقين في مجامعهم وجماعتهم يقولونها لإخوانهم الذين كانوا ينفقون على فقراء المسلمين تظاهراا بالإِسلام كأنهم يقول بعضهم لبعض تظاهَرْ الإِسلام بغير الإِنفاق مثل قولهم لمن يقول لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله ، ولذلك عقبت بها . وقد جاء في الْحاديث الصحيحة أن قائل هذه المقالة عبد الله بن أ بَي ابن سلول كما تقدم – في سبب النزول - فإسناد هذا القول إلى ضمير المنافقين لْنهم تقبلوه منه إذ هو رأس المنافقين أو فشا هذا القول بين المنافقين فأخذوا يبثونه في المسلمين . 2/ قوله تعالى (وَلِل هِ خَزَائِنُ الس مَاوَاتِ وَالأمَرمضِ وَلَ كِن الممُنَافِقِينَ لاَ يَفمقَهُ ونَ ) قال ابن عاشور : هذا إبطال لمكر المنافقين فيما قصدوه من قولهم المتظاهرين بأنهم قصدوا به نصح المسلمين ، أي لو تمشت حيلتهم على المسلمين فأمسكوا هم وبعض المسلمين عن إنفاق الْعراب ومن يأوون
عدد الصفحات ٣١٢313 إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من العفاة ، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم ل يقطع عنهم الإِنفاق وذلك دأبَه كما دل عليه حديث عمر بن الخطاب «أن رجلاا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما عندي ش يء ولكن ابتع عليَّ فإذا جاءني ش يء قضيت ه . فقال عمر : يا رسول الله ما كلفك الله ما ل تقدر عليه ، فكره النبي صلى الله عليه وسلم قول عمر . فقال رجل من الْنصار : يا رسول الله أَنفق ول تخشَ من ذِي العرششِ إقلالا . فتبس م رسول الله صلى الله عليه وسلم وع رف في وجهه البشر لقول الْنصاري ثم قال : بهذا أ مرت » .رواه الترمذي في كتاب «الشمائل» ) اهـ 4/ و خزائن السماوات والْرض }لإِفادة قصر القلب وهو قلب للازم قولهم ل لصريحه لْن المنافقين لما قالوا { :ل تنفقوا على من عند رسول الله }حسبوا أنهم إذا قطعوا الإِنفاق على مَن عند رسول الله ل يجد الرسول صلى الله عليه وسلم ما ينفق منه عليهم فأعلم الله رسوله مباشرة وأعلمهم تبعاا بأن ما عند الله من الرزق أعظم وأوسع . 5/ لم في {لله }الملك أي التصرف في ذلك ملك لله تعالى . ولما كان الإِنفاق على فقراء المسلمين مما يعين على ظهور الدين الذي أرسل الله به رسوله صلى الله عليه وسلم كان الإِخبار بأن الخز ائن لله كنايةا عن تيسير الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم حصول ما ينفق منه كما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لما قال له الْنصاري «ول تَخشَ من ذي العرش إقلالا » «بهذا أ مرت » .وذلك بما يسره الله لرسوله صلى الله عليه وسلم من زكوات المسلمين وغنائم الغزو ات ، وما فتح الله عليه من البلاد بخيراتها ، وما أفاء الله عليه بغير قتال . 6/ لقد أعلمهم الله سبحانه أن خزائن السموات والْرض له ، ينفق كيف يشاء . قال رجل لحاتم الْصم : من أين تأكل ؟ فقال : ولله خزائن السموات والْرض .وقال الجنيد : خزائن السموات الغيوب ، وخز ائن الْرض القلوب ، فهو علام الغيوب ومقلب القلوب . وكان الشبلي يقول : ولله خزائن السموات والْرض فأين تذهبون .ولكن المنافقين ل يفقهون أنه إذا أراد أمرا يسره .
عدد الصفحات ٣١٣314 الموضع الثاني قوله تعالى : يَقُولُونَ لَئِن ر جَعمنَا إِلَى الممَدِينَةِ لَيُخمرِجَن الأمَعَز مِنمهَا الأمَذَل وَلِل هِ المعِز ةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلممُؤممِنِينَ وَلَ كِن الممُنَافِقِينَ لاَ يَعملَمُونَ (8) أولاً : سبب نزولها : تقدم في ذكر سبب نزول الموضع السابق : ما رواه الترمذي عن زيد بن أرقم قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم و كان معنا أناس من الْعراب فكنا نبدر الماء ) إلى أن قال : (ثم قال لْصحابه – يعني ابن أبي المنافق - : لئن رجعتم إلى المدينة ليخرجن الْعز منها الْذل . ثانيأً : تضمنت الآية كما في سبب نزلها وقوع المنافقين في إساءة عظيمة وجريمة كبيرة – أكبر من سابقتها -في حق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وظهر ما في بواطنهم من الخبث والسوء حين قالوا لئن لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى المَْدِينَةِ لَي خْرِجَنَّ الَْْعَز مِنْهَا الَْْذَلَّ ، كيف سمحت لهم ألسنتهم أن تطق بهذه العبارة التي تنضح بالنفاق وتعفن الآفاق ، كبرت كلمة تخرج من أفوههم إن يقولون إل كذباا . ثالثاً : من أجل ذلك الكلام الخبيث والإثم العظيم الذي صدر من أهل النفاق والشقاق جاء دفاع الرب الجليل عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبين أن هؤلء المنافقين قد جهلوا : وَلِلَّهِ الْعِزَّة وَلِرَس ولِهِ وَلِلْم ؤْمِنِينَ وَلََٰكِنَّ المْ نَافِقِينَ ،وإليك تفصيل ذلك: 1/ قوله تعالى : يَق ول ونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى المَْدِينَةِ لَي خْرِجَنَّ الَْْعَز مِنْهَا الَْْذَلَّ ) . والمراد بالرجوع : الرجوع إلى المدينة بعد انتهاء غزوة بنى المصطلق. والقائل هو عبد الله بن سلول، ولكن القرآن نسب القول إليهم جميعا لْنهم رضوا بقوله، ووافقوه عليه. وجاء الْسلوب بصيغة المضارع، لستحضار هذه المقالة السيئة، وتلك الصورة البغيضة لهؤلء القوم.والْعز : هو القوى لعزته، بمعنى أنه يغلب غيره، والْذل هو الذي يغلبه غيره لذلته وضعفه.
عدد الصفحات ٣١٤315 وأراد عبد الله بن أبى بالْعز، نفسه، وشيعته من المنافقين، وأراد بالْذل، الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المهاجرين وغيرهم من المؤمنين الصادقين.والمراد بالرجوع في قوله لَئِنْ رَجَعْنا الرجوع إلى المدينة بعد انتهاء غزوة بنى المصطلق. 2/ قوله تعالى (ولله العزة ولرسوله وللمؤمن ين ) وهو جواب بالطريقة التي تسمي القول بالموجَب في علم الجدل وهي مما يسم ى بالتسليم الجَدلي في علم آداب البحث . والمعنى : إن كان الْعز يخرج الْذل فإن المؤمنين هم الفريق الْعز . وعزتهم بكون الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم وبتأييد الله رسولَه صلى الله عليه وسلم وأولياءه لْن عز ة الله هي العز ة الحق المطلقة ، وعز ة غيره ناقصة ، فلا جرم أن أولياء الله هم الذين ل ي قهرون إذا أراد الله نصرهم ووعدهم به . فإن كان إخراج من المدينة فإنما ي خرج منها أنتم يا أهل النفاق . 3/ لقد كذب المنافقون فيما قالوه، فإن لله- تعالى- وحده العزة المطلقة والقوة التي ل تقهر، وهي- أيضا- لمن أفاضها عليه من رسله ومن المؤمنين الصادقين، وهي بعيدة كل البعد عن أولئك المنافقين. 4 /وقوله - تعالى( وَلكِن الممُنافِقِينَ لا يَعملَمُونَ ) استدراك قصد به تجهيل هؤلء المنافقين، أى: ليست العزة إل لله- تعالى- ولرسوله وللمؤمنين، ولكن المنافقين ل يعلمون ذلك، ول يعرفونه لستيلاء الجهل والغباء عليهم، لْنهم لو كانت لهم عقول تعقل، لعلموا أن العزة لدعوة الحق، بدليل انتشارها في الآفاق يوما بعد يوم، وانتصار أصحابها على أعدائهم حينا بعد حين، وازدياد سلطانهم وقتا بعد وقت.
عدد الصفحات ٣١٥316 المبحث السابع ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة المائدة الموضع الأول : : يَا أَي هَا ال ذِينَ آمَنُوا اذمكُرُوا نِعممَتَ الل هِ عَلَيمكُمم . الموضع الثاني : يَا أَي هَا الر سُولُ بَل ِغم مَا أُنزِلَ إِ لَيمكَ مِن ر ب ِكَ .
عدد الصفحات ٣١٦317 الموضع الأول قوله تعالى : يَا أَي هَا ال ذِينَ آمَنُوا اذمكُرُوا نِعممَتَ الل هِ عَلَيمكُمم إِذم هَم قَومم أَن يَبمسُطُوا إِلَيمكُمم أَيمدِيَهُمم فَكَف أَيمدِيَهُمم عَنكُمم وَات قُوا الل هَ وَعَلَى الل هِ فَلميَ تَوَك لِ الممُؤممِنُونَ (11) أولاً : سبب نزولها قد أورد المفسرون في سبب نزول هذه الآية الكريمة روايات منها : عن جابر : أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل منزل وتفرق الناس في العضاة يستظلون تحتها . وعلق النبي صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرة فجاء أعرابي إلى سيف رسول الله فأخذه فسله . ثم أقبل عليه فقال : من يمنعك منى؟ قال : الله - عز وجل - فسقط السيف من يد الْعرابي . فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فأخبرهم خبر الْعرابي ، وهو جالس إلى جانبه ولم يعاقبه . قال ابن كثير : وقصة هذا الأعرابي - وهو غورث بن الحارث - ثابتة في الصحيح . وقال ابن كثير : وذكر محمد بن إسحاق ومجاهد وعكرمة وغير واحد أنها نزلت في شأن بني النضير حين أرادوا أن يلقوا على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحى لما جاءهم يستعينهم في دية العامرين ووكلوا عمرو بن جحاش بذلك . وأمروه إن جلس النبي صلى الله عليه وسلم تحت الجدار واجتمعوا عنده أن يلقي الرحي من فوقه . فأطلع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على ما تمالْوا عليه . فرجع إلى المدينة وتبعه أصحابه . فأنزل الله في ذلك هذه الآية . وقد رجح ابن جرير أن تكون الآية قد نزلت بسبب ما أضمره بنو النضير من كيد وسوء للنبي وأصحابه فقال : وأولى الْقوال بالصحة في تأويل ذلك قول من قال : عني الله بالنعمة التي ذكر في هذه الآية نعمته على المؤمنين به وبرسوله التي أنعم بها عليهم في استنقاذه نبيهم صلى الله عليه وسلم مما كانت يهودي بني النضير همت به من قتله وقتل من معه يوم سار إليهم في الدية التي كان تحملها عن قتيل عمرو بن أمية وإنما قلنا ذلك أولى بالصحة في تأويل ذلك لْن الله عقب ذكر ذلك برمى اليهود بسوء صنائعها ، وقبيح أفعالها ، وخيانتها ربها وأنبياءها .
عدد الصفحات ٣١٧318 ثانياً : تضمنت الآية كما ورد في سبب النزول أن الله تعالى حفظ النبي صلى الله عليه وسلم من محاولت الغتيال التي حاكها ضده الكفار سواء أكانوا من مشركي العرب أو من يهود بني النضير وذلك بناءا الروايتين المذكورتين أعلاه فكون المراد بقوله - تعالى - ( اذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْك مْ ) تذكير للمؤمنين بنعمة الله عليهم حيث نجى نبيهم صلى الله عليه وسلم مما أضمره له أعداؤه وأعدؤاهم . ثالثاً : جاء دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم عندما حاول من حاول اغتياله دفاع بالفعل وبالقول : - أما دفاعه بالفعل فهو ما وقع للعرابي عندما جاء إلى الشجرة فأخذ سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فسله . ثم أقبل عليه فقال : من يمنعك منى؟ قال : الله - عز وجل - فسقط السيف من يد الأعرابي ، فسقوط السيف من يده معجزة إلهية دفع الله بها شر ذلك الْعرابي . - وأما دفاعه تعالى القولي عنه صلى الله عليه وسلم فهو نزول تلك الآية في كتابه تذكيراً للمؤمنين بنعمة نج اته صلى الله عليه وسلم ، وفي هذا إغاظة للأعداء في طيه تحذير من أن يحاول أحدهم من النيل من سيد الْنبياء صلى الله عليه وسلم، وإليك ما تحتويه الآية من جليل المعاني : 1/ قوله تعالى :( يَا أَي هَا ال ذِينَ آمَنُوا اذمكُرُوا نِعممَتَ الل هِ عَلَيمكُمم إِذم هَ م قَومم أَن يَبمسُطُوا إِلَيمكُمم أَيمدِيَهُمم) أي تنبهوا إلى نعم الله عليكم وقابلوهها بدوام الشكر والطاعة له - سبحانه - حيث أراد قوم من أعدائكم ، أن يبسطوا إليكم أيديهم .أي : أن يبطشوا بكم القتل والإِهلاك ولكنه - سبحانه - رحمة ربكم ، ودفاعاا عنكم ، حال بين أعدائكم وبين ما يريدونه بكم من سوء . فالآية الكريمة تذكير للمؤمنين بنعمة عظيمة من نعم الله عليهم حيث نجاهم من كيد أعدائهم ، ومن محاولتهم إهلاكهم . إثر تذكيرهم قبل ذلك بنعم أخرى كإكمال الدين ، وهدايتهم إلى الإِسلام ، وغير ذلك من الآلء والمنن .وفي تكرا ر هذا التذكير ما فيه من الحض على تأكيد المداومة على طاعة الله والمواظبة على شكره .
عدد الصفحات ٣١٨319 2/ وقوله ( إِذم هَم قَومم ) ظرف لقوله : ( نِعممَتَ الله ) والهم : إقبال النفس على فعل الش يء .أي : اذكروا نعمة الله عليكم وقت أن قصدكم قوم من أعدائكم بالسوء والهلاك .وبسط اليد هنا كناية عن البطش والإِهلاك . يقال : بسط يده إليه ، إذا بطش به . وبسط إليه لسانه : إذا شتمه . والبسط في الْصل : مطلق المد . وإذا استعمل في اليد واللسان كان كناية عما ذكر . 3/ وقوله : ( فَكَف أَيمدِيَهُمم عَنكُمم ) معطوف على قوله : ( هَم قَومم ) وهذا الكف هو النعمة التي قصد تذكيرهم بها حتى يداوموا على شكره وطاعته .وعبر - سبحانه - بقوله ( إِذْ هَمَّ قَوْم ) للإِيذان بأن نعمة كف أيدي الْعداء عنهم قد جاءت عند شدة الحاجة إليها . وقال - سبحانه - ( فَكَف أَيمدِيَهُمم عَنكُمم ) بإظهار الْيدي ، ولم يقل فكفها عنكم؛ لزيادة التقرير . وللإِشارة إلى أنه - سبحانه - هو الذي قض ى على موضع قوة أعدائهم ، ومناط شدتهم إذ الْيدي هي من أهم وسائل البطش والقتل . أي : أنه - سبحانه - قد منع أيديهم عن أن تمتد إليكم بالْذى عقيب همهم بذلك دفاعا عنكم - أيها المؤمنون - وحماية لكم من الشرور ، فقابلوا ذلك بالشكر لخالقكم . 4/ وقوله : (واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) أي كونوا مواظبين على طاعة الله تعالى ، ول تخافوا أحدا في إقامة طاعات الله تعالى . 5 /وقوله : ( وَعَلَى الله فَلميَتَوَك لِ المؤمنون ) أمر لهم بالعتماد على الله وحده . أي : داوموا على شكر نعم الله عليكم ، وصونوا أنفسكم عن كل ما نهاكم عنه ، وعليه وحده اعتمدوا وتوكلوا فإنه - سبحانه - هو الفعال لما يريد ، وهو الذي يدفع الشر عمن توكل عليه ، ويعطي الخير لمن شكره وأطاعه . فالجملة الكريمة تذييل مقرر لما قبله ، من وجوب المداومة على طاعة الله وشكره على نعمه .
عدد الصفحات ٣١٩320 الموضع الثاني قوله تعالى : يَا أَي هَا الر سُولُ بَل ِغم مَا أُنزِلَ إِلَيمكَ مِن ر ب ِكَ وَإِن ل مم تَفمعَلم فَمَا بَل غمتَ رِسَالَتَهُ وَالل هُ يَعمصِمُكَ مِنَ الن اسِ إِن الل هَ لاَ يَهمدِي المقَوم مَ المكَافِرِينَ (67) أولاً : سبب نزولها روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه ابن أبى حاتم عن جابر بن عبد الله الْنصارى قال: لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى أنمار، نزل ذات الرقاع بأعلى نخل. فبينما هو جالس على رأس بئر قد دلى ر جليه، فقال الحارث من بنى النجار: لْقتلن محمدا فقال له أصحابه: كيف تقتله؟ قال: أقول له أعطنى سيفك، فإذا أعطانيه قتلته به. قال: فأتاه فقال يا محمد. أعطنى سيفك أشيمه- أى أراه- فأعطاه إياه- فرعدت يده حتى سقط السيف من يده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حال الله بينك وبين ما تريد . فأنزل الله- تعالى- يا أَي هَا الرَّس ول بَل ِغْ ما أ نْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَب ِكَ .. الآية. وقال الفخر الرازي : بعد أن ذكر عشرة أقوال في سبب نزولها- واعلم أن هذه الروايات وإن كثرت إل أن الْولى حمل الآية على أن الله- تعالى- آمنه من مكر اليهود والنصارى، وأمره بإظهار التبليغ من غير مبالة منه بهم، وذلك لْن ما قبل هذه الآية بكثير وما بعدها بكثير لما كان كلاما مع اليهود والنصارى، امتنع إلقاء هذه الآية الواحدة على وجه تكون أجنبية عما قبلها وما بعدها». ثانياً لما كان غرضنا من إيراد الآي ة هو ذكر ما فيها من دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم فسوف يكون الكلام في تفسيرها مقتصراا على موضع الشاهد وهو قوله تعالى (وَالل هُ يَعمصِمُكَ مِنَ الن اسِ ). ثالثاً : بناءاا عليه أقول : أياا كان سبب النزول فإن الله تعالى قد حفظ نبيه صلى الله عليه وسلم من محاولت الإيذاء الكثيرة التي تعر ض لها منذ أن جهر بالدعوة إلى توحيد الله تعالى والقيام بواجب عبودته ، ولهذا سأذكر هنا نماذج نص عليها العماء للتدليل على أن الله تعالى حفظ نبيه صلى الله عليه وسلم من شر الْشرار وكيد الفجار ، وذلك كما يأتي :
عدد الصفحات ٣٢٠