289 الموضع الرابع قوله تعالى : وَلَوملاَ فَضملُ الل هِ عَلَيمكَ وَرَحممَتُهُ لَهَم ت ط ائِفَة م ِنمهُمم أَن يُضِل وكَ وَمَا يُضِل ونَ إِلا أَنفُسَهُمم وَمَا يَضُر ونَكَ مِن ش َيمء وَأَنزَلَ الل هُ عَلَيمكَ المكِتَابَ وَالمحِكممَةَ وَعَل مَكَ مَا لَمم تَكُن تَعملَمُ وكانَ فَضملُ الل هِ عَلَيمكَ عَظِيمًا (113) أولاً : سبب نزولها ذكر المفسرون : عن قتادة بن النعمان ، رض ي الله عنه ، قال : كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق : بشر وبشير ومبشر ، وكان بشير رجلا منافقا ، يقو ل الشعر يهجو به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم ينحله بعض العرب ، ثم يقول : قال فلان كذا وكذا ، وقال فلان كذا وكذا ، فإذا سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الشعر قالوا : والله ما يقول هذا الشعر إل هذا الخبيث ؟ - أو كما قال الرجل - وقالوا ابن الْبيرق قالها . قالوا : وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام ، وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير ، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة من الشام من الدرمك ابتاع الرجل منها فخص بها نفسه ، وأما العيال فإنما طعامهم التمر والشعير ، فقدمت ضافطة من الشام ، فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملا من الدرمك فحطه في مشربة له ، وفي المشربة سلاح : درع وسيف ، فعدي عليه من تحت البيت ، فنقبت المشربة وأخذ الطعام والسلاح . فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال : يا ابن أخي ، إنه قد عدي علينا في ليلتنا هذه . فنقبت مشر بتنا وذهب بطعامنا وسلاحنا . قال : فتجسسنا في الدار وسألنا ، فقيل لنا : قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة ، ول نرى فيما نرى إل على بعض طعامكم . قال : وكان بنو أبيرق قالوا - ونحن نسأل في الدار - : والله ما نرى صاحبكم إل لبيد بن سهل رجلا منا له صلا ح وإسلام . فلما سمع لبيد اخترط سيفه وقال : أنا أسرق ؟ والله ليخالطنكم هذا السيف ، أو لتبينن هذه السرقة . قالوا : إليك عنا أيها الرجل ، فما أنت بصاحبها . فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها .
عدد الصفحات ٢٨٩290 فقال لي عمي : يا ابن أخي ، لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له . قال قتادة : فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : إن أهل بيت منا أهل جفاء عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد ، فنقبوا مشربة له ، وأخذوا سلاحه وطعامه . فليردوا علينا سلاحنا ، فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه . فقال النبي صلى الله عليه وسلم " سآمر في ذلك . " فلما سمع بنو أبيرق أتوا رجلا منهم يقال له : أسير بن عمرو فكلموه في ذلك ، فاجتمع في ذلك أناس من أهل الدار فقالوا : يا رسول الله ، إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح ، يرمونهم بالسرقة من غير بينة ول ثبت . قال قتادة : فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فكلمته ، فقال : " عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ، ترميهم بالسرقة على غير ثبت ول بينة ؟ ؟ قال : فرجعت ولوددت أني خرجت من بعض مالي ، ولم أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، فأتاني عمي رفاعة فقال : يا ابن أخي ، ما صنعت ؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : الله المستعان . فلم نلبث أن نزل القرآن : ( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ول تكن للخائنين خصيما ) بني أبيرق ) ورواه الترمذي عند تفسير هذه الآية من جامعه ثانياا : قبل التعرض لبيان أوجه الدفاع في الآية الكريمة ل بد من ذكر أن الآيات من قوله تعالى :( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما ) إلى هذه الآيات الكريمة نشرح ما جرى في القصة المذكورة أعلاه ثم جاءت هذه الآية تبين منزل ة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم عند ربه جل وعلا ، وأما أوجه الدفاع عنه صلى الله عليه وسلم في كما يأتي : 1/ قال تعالى : ( ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك ) قال الرازي : المعنى : ولول أن الله خصك بالفضل وهو النبوة ، وبالرحمة . وهي العصمة لهمت طائفة منهم أن يضلوك ، وذلك لْن قوم طعمة كانوا قد عرفوا أنه سارق ، ثم سألوا النبي عليه السلام أن يدفع
عدد الصفحات ٢٩٠291 ويجادل عنه ويبرئه عن السرقة ، وينسب تلك السرقة إلى اليهودي ، ومعنى يضلوك أي : يلقوك في الحكم الباطل الخطأ . 2/ ويحتمللهمت طائفة منهم أن يضلوك ) أى: لهمت طائفة من هؤلء الذين في قلوبهم مرض أن يضلوك عن القضاء بالحق بين الناس، ولكن الله- تعالى- حال بينهم وبين هذا الهم بإشعارهم بأن ما يفعلونه معك من سوء سيكشفه الله لك عن طريق الوحى . وقال ابن عاشور رحمه الله: وظاهر الآية أن هَم طائفة من الذين يختانون أنفسهم بأن ي ضل ون الرسول غير واقع من أصله فضلا عن أن يضل وه بالفعل . ومعنى ذلك أن علمهم بأمانته يزعهم عن محاولة ترويج الباطل عليه إذ قد اشتهر بين الناس ، مؤمنهم وكافرهم ، أن محمداا صلى الله عليه وسلم أمين فلا يسعهم إل حكاية الصدق عنده ، وأن بني ظَفَر لما اشتكوا إليه من صنيع قتادة بن النعمان وعم ه كانوا يظن ون أن أصحابهم بني أبيرق على الحق ، أوْ أن بني أبيرق لم ا شكوا إلى رسول الله بما صنعه قتادة كانوا موجسِين خِيفة أن ي طلع الله رسوله على جلي ة الْمر ، فكان ما حاولوه من تضليل الرسول طمعاا ل هَ م ا ، لْن الهم هو العزم على الفعل والثقة به ، وإن ما كان انتفاء هم هم تضليلَه فضلاا ورحمة ، لدللته على وقاره في نفوس الناس ، وذلك فضل عظيم . وقيل في تفسير هذا النتفاء : إن المراد انتفاء أثره ، أي لول فضل الله لضلِلْت بهم هم أن ي ضل وك ، ولكن الله عصمك عن الضلال ، فيكون كناية . وفي هذا التفسير ب عد من جانب نظم الكلام ومن جانب المعنى . 3/ قوله تعالى (وَما يُضِل ونَ إِلا أَنمفُسَهُمم ) أى: أنهم بمحاولتهم إخفاء الحق والدفاع عن الخائن، وتعاونهم على الإثم والعدوان، ما يضلون إل أنفسهم، لْن سوء عاقبة ذلك ستعود عليهم وحدهم، أما أنت يا محمد فقد عصمك الله من شرورهم، وحماك من كل انحراف عن الحق والعدل . 4/ ثم قال تعالى : ( وما يضلون إلا أنفسهم ) قال ابن عاشور : المعنى : أن هم لو هم وا بذلك لكان الضلال لحقاا بهم دونك ، أي يكونون قد حاولوا ترويج الباطل واستغفا ل الرسول صلى الله عليه وسلم ، فحق عليهم الضلال بذلك ، ثم ل يجدونك مصغِيا لضلالهم.
عدد الصفحات ٢٩١292 5( / وما يضرونك من ش يء ) فيه وجهان : الأول : قال القفال -رحمه الله - : وما يضرونك في المستقبل ، فوعده الله تعالى في هذه الآية بإدامة العصمة له مما يريدون من إيقاعه في الباطل . الثاني : أن المعنى أنهم وإن سعوا في إلقائك في الباطل فأنت ما وقعت في الباطل ؛ لْنك بنيت الْمر على ظاهر الحال ، وأنت ما أمرت إل ببناء الْحكام على الظواهر . 6/ ثم قال تعالى : ( وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة) : واعلم أنا إن فسرنا قوله : ( وما يضرونك من ش يء ) بأن المراد : أنه تعالى وعده بالعصمة في المستقبل كان قوله : ( وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة ) مؤكدا لذلك الوعد ، يعني : لما أنزل عليك الكتاب والحكمة وأمرك بتبليغ الشريعة إلى الخلق فكيف يليق بحكمته أن ل يعصمك عن الوقوع في الشبهات والضلالت ؟ . وإن فسرنا تلك الآية بأن النبي عليه الصلاة والسلام كان معذورا في بناء الحكم على الظاهر كان المعنى : وأنزل عليك الكتاب والحكمة ، وأوجب فيها بناء أحكام الشرع على الظاهر ، فكيف يضرك بناء الْمر على الظاهر ؟ . 7/ ثم قال تعالى : ( وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما ) : قال القفال - رحمه الله - : هذه الآية تحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون المراد ما يتعلق بالدين ، كما قال : ( ما كنت تدري ما الكتاب ول الإيمان ) [الشورى : 52 ]وعلى هذا الوجه تقدير الآية : أنزل الله عليك الكتاب والحكمة وأطلعك على أسرارهما ، وأوق فك على حقائقهما مع أنك ما كنت قبل ذلك عالما بش يء منهما ، فكذلك يفعل بك في مستأنف أيامك ، ل يقدر أحد من المنافقين على إضلالك وإزللك . الوجه الثاني : أن يكون المراد : وعلمك ما لم تكن تعلم من أخبار الْولين ، فكذلك يعلمك من حيل المنافقين ووجوه كيدهم ، ما تقدر به على الحتراز عن وجوه كيدهم ومكرهم . وقال السعدي رحمه الله : ( وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَك نْ تَعْلَم ) وهذا يشمل جميع ما علمه الله تعالى. فإنه صلى الله عليه وسلم كما وصفه الله قبل النبوة بقوله { :مَا ك نْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَاب وَلَ ِيمَان الإْ { }
عدد الصفحات ٢٩٢293 وَوَجَدَكَ ضَالًّ فَهَدَى }ثم لم يزل يوحي الله إليه ويعلمه ويكمله حتى ارتقى مقاما من العلم يتعذر وصوله على الْولين والآخرين، فكان أعلم الخلق على الإطلاق، وأجمعهم لصفات الكمال، وأكملهم فيها 8/ ثم قال : ( وكان فضل الله عليك عظيما ) قال السعدي : ففضله تعالى على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أعظم من فضله على كل مخلوق وأجناس الفضل الذي قد فضله الله به ل يمكن استقصاؤها ول يتيسر إحصاؤها. وقال بعضهم : أى وكان فضل الله عليك عظيما عظما ل تحده عبارة، ول تحيط به إشارة. فالآية الكريمة فيها ما فيها من التنويه بشأن الرسول صلى الله عليه وسلم ومن مظاهر فضل الله عليه ورحمته به. وهذا من أعظم الدلئل على أن العلم أشرف الفضائل والمناقب ؛ وذلك لْن الله تعالى ما أعطى الخلق من العلم إل القليل ، كما قال : ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) [الإسراء : 85 ]ونصيب الشخص الواحد من علوم جميع الخلق يكون قليلا ، ثم إنه سمى ذلك القليل عظيما حيث قال : (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) . وسمى جميع الدنيا قليلا حيث قال : ( قل متاع الدنيا قليل ) [النساء : 77 . ]وذلك يدل على غاية شرف العلم .
عدد الصفحات ٢٩٣294 الموضع الخامس قوله تعالى : يَسمأَلُكَ أَهم لُ المكِتَابِ أَن تُنَز ِلَ عَلَيمهِمم كِتَابًا م ِنَ الس مَاءِ فَقَدم سَأَلُوا مُوس َى أَكمبَرَ مِن ذَ لِكَ فَقَالُوا أَرِنَا الل هَ جَهمرَةً فَأَخَذَتمهُمُ الص اعِقَةُ بِظُلممِهِمم ثُم ات خَذُوا المعِجملَ مِن بَعمدِ مَا جَاءَتمهُمُ المبَي ِنَاتُ فَ عَفَومنَا عَن ذَ لِكَ وَآتَيمنَا مُوس َى سُلمطَانًا م بِينًا (153) أولاً : سبب نزولها ذكر المفسرون فى سبب نزولها روايات منها: ما أخرجه ابن جرير عن محمد بن كعب القرظى قال: جاء أناس من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد، إن موس ى جاء بالْلواح من عند الله، فأتنا أنت بالْلواح من عند الله حتى نصدقك. فأنزل الله - تعالى - {يَسْأَل كَ أَهْل ٱلْكِتَابِ }إلى قوله {وَقَوْلِهِمْ عَلَىَٰ مَرْيَمَ ب هْتَاناا عَظِيماا }وعن السدى: قالت اليهود: يا محمد، إن كنت صادقا فأتنا بكتاب من السماء كما جاء به موس ى. وعن قتادة: أنهم سألوه أن ينزل على رجال منهم بأعيانهم كتبا، تأمر بتصديقه واتباعه . والمراد بأهل الكتاب هنا اليهود خاصة، بدليل سياق الْيات الكريمة التى ذكرت أوصافا تنطبق عليهم، وبدليل ما ذكرناه فى سبب نزول الآيات. ثانياً : جاء دفاع الله عن النبي صل ى الله عليه وسل م في الآيات الكريمات ببيان أن اليهود سالوا - على سبيل التعنت والعناد –النبي صل ى الله عليه وسل م أن تنزل عليهم كتابا من السماء مكتوبا جملة كما جاء موس ى لآبائهم بالتوراة مكتوبة فى الْلواح جملة. أو يسألونك أن تنزل على رجال منهم بأعيانهم كتبا من السماء تأمرهم بتصديقك، وسؤالهم هذا مقصدهم من ورائه التعنت والجحود، ولو كانوا يريدون الإِيمان حقا لما وجهوا إليك هذه الْسئلة المتعنتة؛ لْن الْدلة القاطعة قد قامت على صدقك. والآن إليك بيانها : 1/ قوله تعالى (يَسمأَلُكَ أَهملُ المكِتَابِ أَن تُنَز ِلَ عَلَ يمهِمم كِتَابًا م ِنَ الس مَاءِ فَقَدم سَأَلُوا مُوس َى أَكمبَرَ مِن ذَ لِكَ فَقَالُوا أَرِنَا الل هَ جَهمرَةً) قال القرطبي: سألت اليهود محمدا صلى الله عليه وسلم أن يصعد إلى السماء وهم يرونه فينزل عليهم كتابا مكتوبا فيما يدعيه على صدقه دفعة واحدة ، كما أتى موس ى بالتوراة ؛ تعنتا له صلى الله عليه وسلم ؛ فأعلم الله عز وجل أن آباءهم قد عنتوا موس ى
عدد الصفحات ٢٩٤295 عليه السلام بأكبر من هذا فقالوا أرنا الله جهرة أي عيانا ؛ أى: أرنا الله مجاهرين معاينين كما ورد في سورة البقرة ،حيث يقول تعالى : (وإذ قلتم يا موس ى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون . ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون ) [البقرة : 55 ، 56 . ]وجهرة نعت لمصدر محذوف أي رؤية جهرة ؛ فعوقبوا بالصاعقة لعظم ما جاءوا به من السؤال والظلم من بعد ما رأوا من المعجزات . 2/ وقال بعضهم : والمعنى يسألك اليهود يا محمد صلى الله عليه وسلم على سبيل التعنت والعناد، وعبر بالمضارع فى قوله {يَسْأَل كَ }لقصد استحضار حالتهم العجيبة فى هذا السؤال، حتى لكأن السامع يراهم، وللدللة على تكرار أسئلتهم وتجددها المرة تلو الْخرى بدون حياء أو خجل. 3 ( /فَقَدم سَأَلُوام ) أي : ل تبتئس يا محمد صلى الله عليه وسلم من أقوال هؤلء اليهود، ول تهتم بأسئلتهم، فتلك سنشنة قديمة معروفة عن آبائهم، فقد سأل آباؤهم موس ى أسئلة أكبر من ذلك فقالوا له: أرنا الله جهرة أى رؤية ظاهرة بحيث نعاينه ونشاهده بأبصارنا ويطلب إلينا الإِيمان بك. وقال صاحب الكشاف بقوله { :فَقَدْ سَأَل واْ م وس َىَٰ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ }، معناه (إن استكبرت ما سألوك فقد سألوا موس ى أكبر من ذلك) وإنما أسند السؤال إليهم وإن وجد من آبائهم فى أيام موس ى وهم النقباء السبعون لْنهم كانوا على مذهبهم، وراضين بسؤالهم . ومضاهين لهم فى التعنت. أى: أن حاضر هؤلء اليهود الذين يعيشون معك يا محمد صلى الله عليه وسلم كماض ى آبائهم الْقدمين، وأخلاق الْبناء صورة من أخلاق الآباء، وجميعهم ل يبغون من سؤالهم الهتداء إلى الحق وإنما يبغون إعنات الرسل - عليهم الصلاة والسلام - والإِساءة إليهم.والفاء فى قوله : {فَقَال وااْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةا }تفسيرية كما فى قولهم : توضأ فغسل وجهه . 4/ وقوله { :فَأَخَذَتْه م ٱلصَّاعِقَة بِظ لْمِهِمْ }بيان للعقوبة التى حلت بهم نتيجة سوء أدبهم وجرأتهم على خالقهم وعلى أنبيائهم.والصاعقة - كما يقول ابن جرير -: كل أمر هائل ر آه الرائى أو عاينه أو أصابه، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل صوتا كان ذلك أو نارا أو زلزلة أو رجفة.
عدد الصفحات ٢٩٥296 5/ قوله تعالى (ثُم ات خَذُوا المعِجملَ مِن بَعمدِ مَا جَاءَتمهُمُ المبَي ِنَاتُ فَعَفَومنَا عَن ذَ لِكَ وَآتَيمنَا مُوس َى سُلمطَانً ا م بِينًا ) أي : اتَّخَذ وا الْعِجْلَ من بعد ما رأوا من الآيات الباهرة والْدلة القاهرة على يد موس ى ، عليه السلام ، في بلاد مصر وما كان من إهلاك عدو الله فرعون وجميع جنوده في اليم ، فما جاوزوه إل يسيرا حتى أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم ، فقالوا لموس ى ( اجعل لنا إلها كما لهم آلهة [قال إنكم قوم تجهلون . إن هؤلء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون [ ) ] الْعراف : 138 ، 139 ] 6/ قال السعديفلما ذكر الله تعالى اعتراضهم الفاسد على النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه ليس بغريب من أمرهم، بل سبق لهم من المقدمات القبيحة ما هو أعظم مما سلكوه مع الرسول – موس ى عليه السلام - الذي يزعمون أنهم آمنوا به. من سؤالهم له رؤية الله عيانا، وهذه الطريقة من أحسن الطرق لمحاجة الخصم المبطل، وهو أنه إذا صدر منه من العتراض الباطل ما جعله شبهة له ولغيره في رد الحق أن يبين من حاله الخبيثة وأفعاله الشنيعة ما هو من أقبح ما صدر منه، ليعلم كل أحد أن هذا العتراض من ذلك الوادي الخسيس، وأن له مقدمات ي جعل هذا معها. وكذلك كل اعتراض يعترضون به على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم يمكن أن يقابل بمثله أو ما هو أقوى منه في نبوة من يدعون إيمانهم به ليكتفى بذلك شرهم وينقمع باطلهم، وكل حجة سلكوها في تقريرهم لنبوة من آمنوا به فإنها ونظيرها وما هو أقوى منها، دالة ومقررة لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
عدد الصفحات ٢٩٦297 الموضع السادس كِنِ قوله تعالى : ل الل هُ يَشمهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيمكَ أَنزَلَهُ بِعِلممِهِ وَالممَلاَئِكَةُ يَشمهَدُونَ وَكَفَى بِالل هِ شَهِيدًا (166 ) أولاً : سبب نزولها أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال ":دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من اليهود فقال لهم: " إنى والله أعلم أنكم لتعلمون أنى رسول الله. فقالوا : ما نعلم ذلك " فأنزل الله قوله { : لَّـَٰكِنِ ٱللَّه يَشْهَد }الآية. ثانياً : لما بلغ اليهود هذا المبلغ من الوقاحة وقلة الْدب والحياء مع سيد الْنبياء صلى الله عليه وسلم فانكروا علمهم به وبما جاء به رد الله تعالى عليهم وأن نبيه صلى الله عليه وسلم ليس في حاجة إلى شهادتهم له، وإ ليك بيان ذلك : 1/ قال أهل التفسير : المقصود من الآية الكريمة تسلية النبى صلى الله عليه وسلم عن تكذيب كثير من الناس له، وإدخال الطمأنينة على قلبه، فكأنه - سبحانه - يقول له: لم يشهد أهل الكتاب بأنك رسول من عند الله وصادق فيما تبلغه عنه {لَّـَٰكِنِ ٱللَّه يَ شْهَد بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ }أى: لكن الله يشهد بأن الذى أنزله إليك من قرآن هو الحق الذى ل ريب فيه. 2/ وقد أجاد صاحب الكشاف فى توضيح تلك المعانى حيث قال: فإن قلت الستدارك ل بد له من مستدرك فما هو فى قوله : ( ل ـ كِنِ ٱلل هُ يَشمهَدُ ) ؟ قلت: لما سأل أهل الكتاب إنزال كتاب من السماء، واحتج عليهم بقوله (ا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىَٰ ن وح وَالنَّبِي ِينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَىَٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْق وبَ وَالَْْسْبَاطِ وَعِيس َىَٰ وَأَي وبَ وَي ون سَ وَ هَار ونَ وَس لَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاو ودَ زَب وراا )(163) قال: لكن الله يشهد. بمعنى: أنهم - اليهود - ل يشهدون لكن الله يشهد، ومعنى شهادة الله بما أنزل إليه، إثباته لصحته بإظهار المعجزات، كما تثبت الدعاوى بالبينات وشهادة الملائكة: شهادة بأنه حق وصدق .
عدد الصفحات ٢٩٧298 فإن قلت: ما معنى قوله : ( أَنزَلَهُ بِعِلممِهِ ) قلت: معناه أنزله متلبسا بعلمه الخاص الذى ل يعلمه غيره . وهو تأليفه على نظم وأسلوب يعجز عنه كل بليغ وصاحب بيان، وموقعه مما قبله موقع الجملة المفسرة، لْنه بيان للشهادة. وقيل: أنزله وهو عالم بأنك أهل لإِنزاله إليك وأنك مبلغه. ويحتمل: أنه أنزله وهو عالم به رقيب عليه حافظ له من الشيطان برصد من الملائكة، والملائكة يشهدون بذلك. وقال السعدي : يحتمل أن يكون المراد أنزله مشتملا على علمه، أي: فيه من العلوم الإلهية والْحكام الشرعية والْخبار الغيبية ما هو من علم الله تعالى الذي علم به عباده. ويحتمل أن يكون المراد : أنزله صادرا عن علمه، ويكون في ذلك إشارة وتنبيه على وجه شهادته، وأن المعنى: إذا كان تعالى أنزل هذا القرآن المشتمل على الْوامر والنواهي، وهو يعلم ذلك ويعلم حالة الذي أنزله عليه، وأنه دعا الناس إليه، فمن أجابه وصدقه كان وليه، ومن كذبه وعاداه كان عدوه واستباح ماله ودمه، والله تعالى يمكنه ويوالي نصره ويجيب دعواته، ويخذل أعداءه وينصر أولياءه، فهل توجد شهادة أعظم من هذه الشهادة وأكبر؟ " ول يمكن القدح في هذه الشهادة إل بعد القدح بعلم الله وقدرته وحكمته وإخباره تعالى بشهادة الملائكة على ما أنزل على رسوله، لكمال إيمانهم ولجلالة هذا المشهود عليه. فإن الْمور العظيمة ل يستشهد عليها إل الخواص، كما قال تعالى في الشهادة على التوحيد{ :شَهِدَ اللَّه أَنَّه لَ إِلَهَ إِلَّ ه وَ وَالمَْلاَئِكَة وَأ ول و الْعِلْمِ قَائِماا بِالْقِ سْطِ لَ إِلَهَ إِلَّ ه وَ الْعَزِيز الْحَكِيم }وكفى بالله شهيدا. 3/ وقوله : ( وَٱلممَلاائِكَةُ يَشمهَدُونَ ) أى: والملائكة يشهدون بأنك صادق فى رسالتك، وبأن ما أنزله الله عليك هو الحق الذى ل تحوم حوله شبهة. 4/ وقوله { .وَكَفَى بِٱللَّهِ شَهِيداا }أى: وكفى بشهادة الله شهادة بأنك على الحق وإن لم يشهد غيره لك. فإنه ل عبرة لإِنكار المنكرين لنبوتك، ول قيمة لجحود الجاحدين لما نزل عليك بعد شهادة الله لك بأنك نبيه ورسوله، لتخرج الناس بإذنه من ظلمات الجاهلية إلى نور الإِسلام.
عدد الصفحات ٢٩٨299 المبحث الخامس ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة النور الموضع الأول :إِن ال ذِينَ جَاءُوا ِفمكِ بِالإم عُصمبَة م ِنكُمم . الموضع الثاني : وَأَقمسَمُوا بِالل هِ جَهمدَ أَيممَانِهِمم لَئِنم أَمَرمتَهُمم لَيَخمرُجُن . الموضع الثالث: لا تَجمعَلُوا دُعَا ءَ الر سُولِ بَيمنَكُمم كَدُعَاءِ بَعمضِكُم بَعمضًا .
عدد الصفحات ٢٩٩300 الموضع الأول قوله تعالى : إِن ال ذِينَ جَاءُوا ِفمكِ بِالإم عُصمبَة م ِنكُمم لاَ تَحمسَبُوهُ شَرًّا ل كُم بَلم هُوَ خَيمر ل كُمم لِكُل ِ اممرِئ م ِنمهُم م ا اكمتَسَبَ مِنَ ِثممِ الإم وَال ذِي تَوَل ى كِبمرَهُ مِنمهُمم لَهُ عَذَاب عَظِيم (11) أولاً : سبب نزولها قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : " هذه الآيات نزلت فى شأن السيدة عائشة - رض ى الله عنها - حين رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين ، بما قالوه من الكذب البحت ، والفرية التى غار الله لها ولنبيه صلى الله عليه وسلم فأنزل براءتها صيانة لعرض الرسول صلى الله عليه وسلم . جاء فى الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة أنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه ، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه . فأقرع بيننا فى غزوة غزاها فخرج سهمى - وكان ذلك فى غزوة بنى المصطلق على الْرجح - ، فخرجت مع النبى صلى الله عليه وسلم ، وذلك بعدما أ نزل الحجاب ، وأنا أ حمل فى هودج وأنزل فيه .فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك ، وقفل ودنونا من المدينة ، آذن ليلة بالرحيل ، فقمت حين آذنوا بالرحيل ، حتى جاوزت الجيش .فلما قضيت من شأنى أقبلت إلى الراحلة ، فلمست صدرى ، فإذا عقد لى قد انقطع ، فرجعت فالتمست عقدى فاحتبسنى ابتغاؤه ، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بى ، فاحتملوا هودجى ، فرحلوه على بعيرى . وهم يحسبون أنى فيه . و كان النساء إذ ذاك خفافا ، لم يثقلهن اللحم ، فلم يستنكر القوم حين رفعوه خفة الهودج ، فاحتملوه ، وكنت جارية حديثة السن ، فبعثوا الجمل وساروا ، فوجدت عقدى بعد ما سار الجيش . فجئت منزلهم ، وليس فيه أحد منهم فيممت منزلى الذى كنت فيه . وظننت أن القوم سيفقدوننى فيرجعون إلى .فبينا أنا جالسة فى منزلى غلبتنى عيناى فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمى ، قد عرَّس - أى تأخر - من وراء الجيش ، فأصبح عند منزلى فرأى سواد إنسان نائم ، فأتانى فعرفنى حين رآنى . وقد كان يرانى قبل أن ي ضْرَب علينا الحجاب .فاستيقظت باسترجاعه حتى عرفن ى . فخمرت وجهى بجلبابى ، والله ما كلمنى كلمة ، ول سمعت منه كلمة غير استرجاعه ، حين أناخ راحلته ، فوطىء على يديها فركبتها ، فانطلق يقود بى الراحلة . حتى أتينا الجيش ، بعدما نزلوا فى نحو الظهيرة .
عدد الصفحات ٣٠٠301 فهلك من هلك فى شأنى ، وكان الذى تولى كبره عبد الله بن أبى بن سلول ) .وقد افتتحت هذه الآيات الكريمة بقوله - تعالى - : ( إِنَّ الذين جَآء وا بالإفك ع صْبَة م ِنْك مْ) . ثانياا : اشتهرت هذه الآيات من سورة النور بأنها نزلت في حادثة الإفك التي ذكرت أعلاه ، وفيها دفاع عن رسول لله صلى الله عليه وسلم وعن أمنا عائشة رض ي الله عنها كما أنها دفاع عن سيدنا أبي بكر الصديق رض ي الله عنه ، والحديث حول هذه الآيات العشر ( 11-20) من سورة النور ربما يحتاج إلى كتاب كامل واذا أن أحببت أن ألتقط من در ر العلماء وجواهر أقوالهم حول هذه الحادثة ما يثلج صدر كل مؤمن ويرد على كل أفاك أشر ، فأقول ومن الله أردجو العون والقبول : 1/ قوله تعالى : ( إِن ال ذِينَ جَاءُوا ِفمكِ بِالإم عُصمبَة م ِنكُمم ) أى : إن الذين قالوا ما قالوا من كذب قبيح ، وبهتان شنيع ، على السيدة عائشة - رض ى الله عنها - هم جماعة ينتسبون إليكم - أيها المسلمون - بعضهم قد استزلهم الشيطان . كمسطح بن أثاثة ، وبعضهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر والنفاق - كعبد الله بن أبى بن سلول - وأتباعه .وفى التعبير بقوله - تعالى - ( ع صْبَة ) : إشعار بأنهم جماعة لها أهدافها الخبيثة ، التى تواطئوا عل نشرها ، وتكاتفوا على إشاعتها ، بمكر وسوء نية . و الإفك : أشنع الكذب وأفحشه ، يقال أفِكَ فلان - كضرب وعلم - أَفْكاا ، أى : كذب كذبا قبيحا والعصبة : الجماعة من العشرة إلى الْربعين ، من العصب وهو الشد ، لْن كل وأحد منها يشد الآخر ويؤازره 2/ وقوله - سبحانه - : ( لاَ تَحمسَبُوهُ شَر اً ل كُمم بَلم هُوَ خَيمر ل كُمم ) تسلية للنبى صلى الله عليه وسلم ولْصحابه المؤمنين الصادقين ، عما أصابهم من هم وغم بسبب هذا الحديث البالغ نهاية دركات الكذب والقبح .أى : ل تظنوا - أيها المؤمنون - أن حديث الإفك هذا هو شر لكم ، بل هو خير لكم ، لْنه كشف عن قوى الإيمان من ضعيفة . كما فضح حقيقة المنافقين وأظهر ما يضمرونه من سوء للنبى صلى الله عليه وسلم ولْهل بيته ، وللمؤمنين ، كما أنكم قد نلتم بصبركم عليه وتكذيبكم له أرفع الدرجات عند الله تعالى .ثم بين - سبحانه - ما أعده لهؤلء الخائضين فى حديث الإفك من عقاب فقال : ( لِكُل ِ امرىء م ِ نمهُمم م ا اكتسب مِنَ الإثم ) .أى لكل
عدد الصفحات ٣٠١302 واحد من هؤلء الذين اشتركوا فى إشاعة حديث الإفك العقاب الذى يستحقه بسبب ما وقع فيه من آثام ، وما اقترفه من سيئات . 3/ وقوله - تعالى - : ( والذي تولى كِبمرَهُ مِنمهُمم لَهُ عَذَاب عَظِيم ) بيان لسوء عاقبة من تولى معظم إشاعة هذا الحديث الكاذب .والكبر - بكسر الكاف وضمها - مصدر لمعظم الش ىء وأكثره . أى : والذى تولى معظم الخوض فى هذا الحديث الكاذب ، وحرض على إشاعته ، له عذاب عظيم ل يقادر قدره من الله - تعالى - .والمقصود بهذا الذى تولى كبره . عبد الله بن أبى بن سلول ، رأس المنافقين وزعيمهم ، فهو الذى قاد حملته ، واضطلع بالنصيب الْكبر لإشاعته . قال ابن جرير : " والْولى بالصواب قول من قال ، الذى تولى كبره عبد الله بن أبى بن سلول ، وذلك أنه ل خلاف بين أهل العلم بالسير ، وأن الذى بدأ بذكر الإفك . وكان يجمع أهله ويحدثهم به ، هو عبد الله بن ابى بن سلول . " وقال الآلوس ى : " والذى تولى كبره . . . كما فى صحيح البخارى عن الزهرى عن عروة عن عائشة : هو عبد الله بن أبى - عليه اللعنة - وقد سار على ذلك أكثر المحدثين . 4/ قال بعض أهل التحقيق : ( إن يوسف - عليه السلام - لما رمي بالفاحشة برأ ه الله على لسان صبي في المهد ، وإن مريم لما رميت بالفاحشة برأها الله على لسان ابنها عيس ى صلوات الله عليه ، وإن عائشة لما رميت بالفاحشة برأها الله تعالى بالقرآن ؛ فما رض ي لها ببراءة صبي ول نبي حتى برأها الله بكلامه من القذف والبهتان . وروي عن علي بن زيد بن جدعان ، عن جدته) 5/ قال صاحب الكشاف - رحمه الله - عند تفسيره لهذه الآيات ما ملخصه : " ولو فليت القرآن كله وفتشت عما أوعد به العصاة ، لم تر الله - تعالى - قد غلظ فى ش ىء تغليظه فى الإفك على عائشة - رضوان الله عليها . وأنزل - سبحانه - من الآيات القوارع ، المشحونة بالوعيد الشديد . ما أنزل فى حديث الإفك ، ولو لم ينزل الله إلى هذه الثلاث - يعنى قوله - تعالى - : ( إِنَّ الذين يَرْم ونَ المحصنات الغافلات . . . ) إلى قوله - سبحانه - ( وَيَعْلَم ونَ أَنَّ الله ه وَ الحق المبين ) لكفى بها . حيث جعل القذفة ملعونين فى الدارين جميعا ، وبأن جوارحهم تشهد عليهم بما أفكوا وبهتوا ،
عدد الصفحات ٣٠٢303 فأوجز - سبحانه - فى ذلك وأشبع ، وفصل وأجمل ، وأكد وكرر ، وما ذلك إل لإظهار علو منزلة رسوله صلى الله عليه وسلم ونفى التهمة عن حرمته " . 6/ وقال ابن القيم رحمه الله تعالى : فإن قيل: فما بال رسولِ الله صلى الله عليه وسلم توقَّفَ في أمرها وسألَ عنها وبحَثَ واستشارَ، وهو أعرف باللهِ وبمنزلتِهِ عِنده وبما يليق به، وهَلاَّ قال{ : س بْحَانَكَ هَذَا ب هْتَان عَظِيم [ }136]، كما قاله فضلاء الصحابة؟ فالجواب أن هذا مِن تمامِ الحِكَمِ البَاهِرةِ التي جعل الله هذهِ القِصةَ سبباا لها وامتحاناا وابتلاءا لرسولهِ صلى الله عليه وسلم، ولجميع الْمة إلى يومِ القيامة، ليرفع بهذه القصة أقواماا، ويضعَ بها آخرينَ، ويزيدَ الله الذين اهتَدَوْا ه دىا وإيماناا، ول يزيد الظالمين إل خَساراا، واقتض ى تمام المتحان وال بتلاء أن ح بِسَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي شهراا في شأنها، ل ي وحى إليه في ذلك ش ئ لتتم حِكمت ه التي قدَّرها وقضَاهَا، وتظهرَ على أكمل الوجوه، ويزدادَ المؤمنونَ الصادِق ونَ إيماناا وثباتاا على العدل والصدق، وح سْنِ الظنِ باللهِ ورسولهِ، وأهلِ بيتهِ، والصِ دِ قينَ مِن عباده، ويزدادَ المنافقون إفكاا ونفاقاا، وي ظْهِرَ لِرسوله وللمؤمنين سرائرهم، ولتتم العبودية المرادة مِن الصِ دِ يقةِ وأبويها، وتتمَ نعمة اللهِ عليهم، ولِتشتد الفاقة والرغبة مِنها ومِن أبويها، والفتقار إلى اللهِ والذل له، وح سن الظن به، والرجاء له، ولينقطع رجاؤها من المخلوقين، وتيأسَ مِن حصول الن صرةِ والفرج على يد أحد من الخلق، ولهذا وف ت هذا المقَام حقاَََ ه، لما قال لها أبواها : قومي إليه، وقد أنزلَ الله عليه براءتَها، فقالت: واللهِ ل أق وم إلَيْهِ، ول أَحْمَد إلَّ اللهَ ، ه و الذي أنْزَلَ بَرَاءَتِي . وأيضاا فكان مِن حكمةِ حَبْس الوحي شهراا، أن القضية م حِ صَتْ وتمحَّضتْ، واستشرفَتْ قلوب المؤمنين أعظَم استشراف إلى ما ي وحيه الله إلى رسوله فيها، وتطلَّعت إلى ذلك غايةَ التطل ع، فوافى الوحي أحوجَ ما كان إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، والصِ دِ يق وأهل ه، وأصحاب ه والمؤمنون، فورد عليهم ورودَ الغيثِ على الْرضِ أحوجَ ما كانت إليه، فوقع منهم أعظمَ موقع وأَلطَفَه، وس ر وا به أتمَّ الس رورِ، وحصل لهم به غاية الهناء، فلو أطلع الله رسولَه على حقيقة الحالِ مِن أوَّلِ وَهلة، وأنزل الوحي على الفور بذلك، لفاتت هذه الحِكم وأضعاف ها بل أضعاف أضعافها.
عدد الصفحات ٣٠٣304 وأيضاا فإن الله س بحانه أحبَّ أن ي ظْهِرَ منزلَةَ رسوله وأهلِ بيته عنده، وكرامتهم عليه، وأن ي خرِجَ رسولَه عن هذه القضية، ويتولَّى هو بنفسه الدفاعَ والمنافحَة عنه، والردَّ على أعدائه، وذمهم وعيبهم بأمر ل يكون له فيه عمل، ول ي نسب إليه، بل يكون هو وحدَه المتوليَ لذلك، الثائرَ لرسوله وأهل بيته. وأيضاا فإن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كان هو المقصودَ بالْذى، والتي ر مِيَتْ زوجت ه، فلم يكن يليق به أن يشهد ببراءتها مع علمه، أو ظنه الظنَّ المقاربَ للعلم ببراءتها، ولم يظنَّ بها س وءاا قط ، وحاشاه، وحاشاها، ولذلك لما استعذر مِن أهل الإفك، قال: " مَنْ يَعْذِر نى في رَج ل بلغني أذَاه في أهلي، واللهِ مَا عَلِمْت عَلى أهلي إلَّ خَيْراا، ولَقَدْ ذَكَر وا رَج لاا ما عَلِمْت عَلَيْهِ إلَّ خَيْراا، ومَا كَانَ يَدْخ ل عَلَى أهلي إلَّ مَعى "، فكان عنده مِنَ القرائن التي تشهد ببراءة الصِ دِ يقة أكثر مما عند المؤمنين، ولكن لِكمال صبره وثباته، ورِفقه، وح سنِ ظنه بربه، وثِقته به، وف ى مقامَ الصبر والثبات، وحسن الظن بالله حقَّه، حتى جاءه الوحي بما أقرَّ عينَه، وسرَّ قلبَه، وعظَّمَ قدرَه، وظهر لْ مته احتفال ربه به، واعتناؤه بشأنه. 7/ ولما جاء الوحي ببراءتها، أمرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن صرَّح بالإفك، فَح د وا ثمانين ثمانين، ولم ي حد الخبيث عبد الله بن أ بَي ، مع أنه رأس أهل الإفك، فقيل: لْن الحدودَ تخفيف عن أهلها وكفَّارة، والخبيث ليس أهلاا لذلك، وقد وَعَدَه الله بالعذابِ العظيمِ في الآخرةِ، فيكفيهِ ذلك عن الحد، وقيل: بل كان يستوش ى الحديثَ ويجمع ه ويحكيه، وي خرجه في قوالب مَن ل ي نسب إليه، وقيل: الحد ل يثبت إل بالإقرار، أو ببيِ نة، وهو لم ي قر بالقذف، ول شهد به عليه أحد، فإنه إنما كان يذك ره بين أصحابه، ولم يشهد وا عليه، ولم يكن يذك ره بين المؤمنين .
عدد الصفحات ٣٠٤