1 سلسلة إعلام الأنام بعلو قدر النبي عليه الصلاة والسلام الكتاب الثالث فتح الودود ببيان آيات الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم ب أحكم الردود اشتمل الكتاب على مائة موضع في القرآن الكريم دافع الله فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم تأليف د.أحمد خضر حسنين الحسن
عدد الصفحات ١2 المقدمة الحمد لله رب العالمين أحمده تعالى أكمل حمد وأجله وأعظمه وأبلغه وأفصحه وأوسعه وأفضله وأكثره بركة وأحسنه قبولا لديه وأكثر ثواباا عنده {فَلِلَّهِ الْحَمْد رَب ِ السَّمَاوَاتِ وَرَب ِ الَْْرْضِ رَب ِ الْعَالمَِينَ }فالحمد لله . والصلاة والسلا م الْتمان الْكملان الباقيان ما بقى إنسان ول جان و ما تحرك بهما لسان وما غفل عنهما جنان على سيدنا ولد عدناد ، بل سيد الإنس والجان ، نبينا محمد صاحب الوسيلة والفضيلة الذي أعلى الله قدره ورفع له ذكره وجعله من أحسن الناس خ لقاا وخَل قاا وأكمل المخلوقات علماا و عملاا، وأشد الخلْق حباا لله وأفضلهم تقرباا إليه وثناءاا عليه. أما بعد : فم ما ل يخفى على مسلم أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اختصه الله تعالى بخصائص كثيرة وفضله بفضائل لم يعطها أحداا من الْنبياء والمرسلين - عليهم السلام - قبله ، بها علا قدره وعظم شأنه وسمت منزلته عند ربه جل وعلا ، وكان من بين تلك الخصائص خصوصية قد ل يعلمها الكثيرون بل وإن علموها لم يعرفوها بتفاصيله ا مع أنها مذكورة في القرآن بصور عديدة وطرائق متنوعة في آيات كثيرة جداا ، تلك الخصوصية هي دفاع الله تعالى عنه صلى الله عليه وسلم ضد كل من حاول إيذاءه أو النيل منه أو إثارة الشبهات حوله . و لقد حاول الكثير من المستكبرين على دعوته من مشركي العرب بل وكان ب عضهم من ذوي قرابته - في مكة - والحاقدين عليه من اليهود والنصارى والمنافقين - بعد هجرته في المدينة - أن ي لحِ قوا الْذى به صلى الله عليه وسلم من خلال اتهاماتهم الباطلة ، فكان الله تعالى لهم بالمرصاد إما بأن ينزل الآيات التي ترد على شبهاتهم التي يريدون من خلالها إثارة الشغب وصد العوام عن دعوة الإسلام، أو أن ينزل آيات تذب عن الحبيب عليه الصلاة والسلام وتدحض اتهاماهم الباطلة التي هي مبنية على أحقادهم وحسدهم الذي امتلأت به صدورهم . وفي كل ذلك - إضافة إلى الدفاع عن الحبيب عليه الصلاة والسلام - إظهار لشرفه وعلو منزلته عند الله تعالى العلي الْعلى لعل بعض أولئك يرتدع عن غيه وضلاله ويرجع إلى يرشده ، فيكون من أتباعه عليه الصلاة والسلام ، فيحوز شرف الدنيا وسعادة الآخرة .
عدد الصفحات ٢3 وفي نفس الوقت لتعلم الْجيال المسلمة التي لم تعاصر نبيها صلى الله عليه وسلم ولم تره كيف دافع الله تعالى عنه وصد عنه الْعداء ورد على الشبهات ، وفي هذا بيان لما عاناه الحبيب صلى الله عليه وسلم من أجل نشر الإسلام وإقامته في الْرض ، فكم صبر على الْذى وكم جاهد لتكون كلمة الله هي العليا . ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام أن دفاع الله تعالى عنه صلى الله عليه وسلم لم يقتصر على إنزال الآيات التي تدحض الشبهات أو ترد على تلك التهامات بل أحيانا ينزل عقوبة حسية بمن يحاول العتداء عليه وأبرز مثال على ذلك ما أصاب أبا جهل من خوف وذعر شديدين عندما حاول أن يرمي النبي صلى الله عليه وسلم بحجر وهو ساجد ، والقصة ستأتي في موضعها إن شاء الله تعالى . وهذا ما أسميه بالدفاع بالفعل أي أن الله تعالى يدافع عنه صلى الله عليه وسلم قولا : بإزال القرآن وفعلاا بإنزال العقوبة على المعتدين . بناءاا على ما سبق أقول : إن هذا الكتاب قد اعتنى بالتفسير الموضوعي لل يات التي فيها دفاع الله تعالى عن سيدنا رسول الله صلى اله عليه وسلم ، وهو الكتاب الثالث ضمن سلسلة إعلام الأنام بعلو قدر النبي عليه الصلاة والسلام وعلى حسب علمي ومع كثرة بحثي لم أجد كتاباا مستقلاا في هذا الموضوع ، ولكن هناك عدد من العلماء قد نصوا على هذه الخصوصية ،ومن أولئكم ما نقله العلامة السيوطي رحمه الله تعالى عن أبي نعيم حيث يقول : ( قَالَ أَب و نعيم وَمن خَصَائِصه أَن من تقدمه من الَْْنْبِيَاء كَان وا يدافعون عَن أنفسهم ويردون على أعدائهم كَقَوْل نوح ( يَا قوم لَيْسَ بِي ضَلاَلَة ) وَقَول هود ( يَا قوم لَيْسَ بِي سفاهة ) وَأَشْبَاه ذَلِك وَنَبِينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تولى الله تبريته عَمَّا نسبه إِلَيْهِ اعداؤه ورد عَلَيْهِم بِنَفسِهِ فَقَالَ ( مَا أَنْت بِنِعْ مَة رَبك بمجنون ) وَقَالَ ( مَا ضل صَاحبك م وَمَا غوى وَمَا ينْطق عَن الْهوى ) وَقَالَ {وَمَا علمناه الش عْر }إِلَى غير ذَلِك من الآْيَات )1 1 / الخصائص الكبرى- للسيوطي - (2/327)
عدد الصفحات ٣4 وقالالعلامة الغماري رحمه الله تعالى 2 : (ونذكر لهذه المناسبة أن الله تعالى تولى الدفاع عن نبيه الصلاة والسلام فيما وجه إليه من التهم ، فما من تهمة أو نقيصة رماه بها المشركون أو اليهود أو النصارى إل ردها الله عليهم أبلغ رد بالتأكيد تارة وبالقسم أخرى وبغير ذلك مما يقتضيه فن البلاغة ... وهذا مما خص الله به رسوله عليه الصلاة والسلام وفضله به على سائر رسله الذين ت ركت لهم مهمة الدفاع عن أنفسهم فيما اتهموا به فقال نوح يدافع عن نفسه ( يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَة وَلََٰكِن ِي رَس ول م ِن رَّب ِ الْعَالمَِينَ ) سورة الْعراف (61) وقال هوديدافع عن نفسه ( يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَة وَلََٰكِن ِي رَ س ول م ِن رَّب ِ الْعَالمَِينَ ) سورة الْعراف(67)وقال موس ى يرد على فرعون اتهامه بالسحرقَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هََٰؤ لَءِ إِلَّ رَب السَّمَاوَاتِ وَالَْْرْضِ بَصَائِرَ وَإِن ِي لََْظ ن كَ يَا فِرْعَوْن مَثْب وراا ) سورة الإسراء (102) وهكذا بقية الْنبياء عليهم السلام فاحفظ هذه القاعدة التي تبين علو رتبة النبي صلى الله عليه وسلم ) 3 وقد أسميت هذ الكتاب بــــ فتح الودود ببيان آيات الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم بأحكم الردود وإنما اخترت اسمه تعالى الودود إشارة إلى وده تعالى لنبيه ومصطفاه محمد صلى الله عليه وسلم فمن معاني الودود : أنه الذي يحب أنبياءه ورسله وأتباعهم، ويحبونه، فهو أحب إليهم من كل 2 / هو السيد العلامة المحدث الشيخ عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري (المتوفى سنة 1413هـ )م حَد ِث الديار المغربية والبلاد الْفريقي ة ،و لد رحمه الله تعالى في آخر يوم من جمادى الآخرة سنة 1328هـ - 1910ر بثغر طنجة. ونشأ في رعاية والده رحمه الله فحفظ القرءان الكريم برواية ورش، ثم حفص، ثم شرع في حفظ بعض المتون فحفظ معظم منظومة الخراز المسماة "مورد الظمآن" وجملة كبيرة من الْلفي ة، والْربعين نووية، والآجرومية، وقطعة من بلوغ المرام، ومن مختصر الشيخ خليل ، وكان يدر س عددا من الكتب ، منها : جمع الجوامع بشرح المحلي، وشرح الملوي على السلم، وسلم الوصول إلى علم الْصول لبن أبي حجاب، والجوهر المكنون في البلاغة للأخضري، وشرح المكودي على الْلفي ة، وتفسير النسفي، والْحكام للمدي، والخبيص ي على تهذيب السعد في المنطق، وتفسير البيضاو . وله ما يقرب من ستين مؤلفاا ، منها :اتقان الصنعة في بيان معنى البدعة ، وتوضيح البيان لوصول ثواب القرءان، والتحقيق الباهر في معنى الإيمان بالله واليوم الآخر، ونوير البصيرة ببيان علامات الساعة الكبيرة ، و الغرائب والوحدان في الحديث الشريف ،و التنصل والنفصال من فضيحة الإشكال . وله تحقيقات على عدة كتب أخرى منها: المقاصد الحسنة للسخاوي، وتنزيه الشريعة لبن عراق، والبحر الزخ ار في مذاهب علماء الْمصار، والإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي، وأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم لْبي الشيخ، وقام بإخراج عشرات الْجزاء الحديثي ة والكتب من عالم المخطوطات إلى عالم المطبوعات . توفي رحمه الله سنة 1413هـ - 1993ر بطنجة ودفن فيها قرب والده. رحم الله الشيخ الغماري وأسكنه فسيح جناته . 3 / دللة القرآن المبين على أن النبي أفضل العالمين تأليف العلامة عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري – ص (29،30)
عدد الصفحات ٤5 ش يء، قد امتلأت قلوبهم من محبته، ولهجت ألسنتهم بالثناء عليه، وانجذبت أفئدتهم إليه وداا وإخلاصاا وإنابةا من جميع الوجوه ، وقيل : الودود الذي يَوَ د عبَادَه الصالحين فيحبهم ويقربهم ويرض ى عنهم ويتقبَّل أعمالَهم، وهذه محبة خاصة بالمؤمنين . وكان الدفاع عنه محمد صلى الله عليه وسلم ( بأحكم الردود )مأخوذ من الحكمة لْن الرد يأتي وقد روعي فيه ما يناسب الحال والمقام بأبلغ العبارات ثم إن الله تعالى قد وصف القرآن بأنه محكم فقال : (الر كِتَاب أ حْكِمَتْ آيَات ه ث مَّ ف ص ِلَتْ مِن لَّد نْ حَكِيم خَبِير ) سورة هود الآية (1) قال القرطبي : " وأحسن ما قيل في معنى أحكمت آياته قول قتادة أي جعلت محكمة كلها ل خلل فيها ول باطل . والإحكام منع القول من الفساد ". فكان هذا العنوان مناسباا للموضوع ،والله أعلم . وأما المنهج الذي اتبعته في كتابة الحث فبيانه في النقاط التال ية : 1/ تتبعت مواضع الآيات المطلوبة في القرآن على حسب ترتيب ا لنزول ل على حسب تؤتيب المصحف لْن نزول القرآن الكريم كان على حسب وقوع الحوادث ولهذا كان الْذى والشبهات والتهامات الواقعة على النبي صلى الله عليه وسلم في مكة قبل الهجرة هي التي أخذت حيزاا واسعاا ثم إن معرفتها يعطي القارئ تصوراا عن كيفية مسيرة الدعوة وكيف كانت العناية الإلهية خير البرية صلى الله عليه وسلم . 2/ ذكرت التهامات والشبهات الموجهة إ لى النبي صلى الله عليه وسلم الواردة في كل موضع من تلك المواضع، ثم ذكرت بعدها كيف كان الرد أو الدفاع فقد يكون الدفاع بإهلاك الكافر الذي قام بذلك ، ثم ذكرت بعض اللطائف الواردة في الآية إن كانت هناك لطائف . 3/ اعتمدت على كتب التفسير المعتبرة في تفسير الآيات ، وتكاد تكون محصورة في نحو من عشرة كتب ، منها : تفسير البغوي و ابن كثير والقرطبي والرازي والآلوس ي والشنقيطي والسعدي و تفسير المنار للسيد رشيد رضا و التفسير الوسيط لمؤلفيه ، وتفسير الشعرواي في مواضع قليلة وأقل منه مواضع الكشاف للزمخشري رحمهم الله جميعا ورض ي عنهم.
عدد الصفحات ٥6 4 /قمت بعزو أقوال المفسرين إلى قائلها عند النقل إل في بعض الْحايين ، وذلك لسببين : الأول : تكاد تكون أقوال المفسرين متفقة في تفسير الآيات وذكر أسباب النزول ، فمن قرأ في كتاب هذا تفسيراا للية ثم فتح أي كتابا من كتب التفسير فسيجد المعنى المنصوص عليه عند ي هنا . الثاني : احتجت إلى دمج الكلام بعضه في بعض ليتضح المعنى ولكتمل الصورة في ذهن القارئ فالعزو يؤدي بتر الكلان وتشتيت المعنى . ومن هنا أقول ليس في هذا الكتاب سوى الجمع والتنسيق . وأما محتويات الكتاب فهي عبارة عن تمهيد وثلاثة أبواب تحتوي على عدد كبير من المباحث ولذا سأكتفي هنا بذكر الْبواب فقط وخاتمة ، كالتالي : تمهيد : ويحتوي على محورين : المحور الأول : في بيان أثر أسباب النزول في التفسير . المحور الثاني : تفسير قوله تعالى :( إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم ) . الباب الأول : ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة : وبلغ عدد السور فيه ثلاثين سورة ، وكل سورة فيها عدد من الآيات ووصلت الآيات إلى أكثر من ستين آية . الباب الثاني : ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة : وبلغ عدد السو ر فيه تسع سور ، وكل سورة فيها عدد من الآيات ووصلت الآيات إلى نحو من أربعين آية . وبهذا يكون مجموع آيات الدفاع عنه صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة آية ، وقد يكون العدد أكثر من هذا لْن المذكور منها هنا حسب علمي القاصر وبحثي الضعيف ، فقد يتوصل غير من الباحثين إلى آيات أخر سوى ما توصلت إليه ، والله أعلم . الباب الثالث : حكم من سب النبي صلى الله عليه وسلم مسلما كان أو كافراً . الخاتمة : وتحتوى على بعض الفوائد الهامة .
عدد الصفحات ٦7 هذا وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا الكتاب نافعاا لي ولمن يطلع عليه من المسلمين وغير المسلمين لْن فيه بيان لعو قدر المرسلين صلى الله عليه وسلم عند رب العالمين . كتبه أخوكم : أحمد خضر حسنين – الدوحة – شوال 1438 الوافق يوليو 2017
عدد الصفحات ٧8 تمهيد وفيه محوران : المحور الأول :في بيان أثر أسباب النزول في التفسير مجلة البحو ث الإسلامية - العدد الثامن والثلاثون - الإصدار : من ذو القعدة إلى صفر لسنة 1413هـ 1414 – ص181 وما بعدها لما كان هذا الكتاب في معظمه معتمد على أسباب النزول أحببت أن أجعل هذا التمهيد في بيان منزلة أسباب النزول وأثرها في فهم القرآن وتفسيره فأقول ومن الله أرجو العون والقبول: يرى بعض الناس أنه ل فائدة في أسباب النزول ، فهي مجرد تاريخ يذكر فلا جدوى من ذكرها والهتمام بدراستها ، وهذا رأي ليس بصحيح فلأسباب النزول فوائد كثيرة ، من تدبرها علم أهميتها حتى لقد قال الواحدي : " ل يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها " . أسباب النزول - للواحدي - ص5 وقال الإمام ابن تيمية : " معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب " مقدمة في أصول التفسير – ص13 وقال ابن دقيق العيد : " معرفة سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن . "منهج الفرقان - لمحمد علي سلامة ( 1/36) مفهوم سبب النزول: سبب النزول : هو الحادثة التي تقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، أو السؤال يوجه إليه فتنزل الآية أو الآيات أيام وقوع ذلك مبينة لحكم تلك الحادثة أو مجيبة على ذلك السؤال ومعنى التقييد بأيام وقوع ذلك أن الحادثة أو السؤال ل يعتبران سببا لنزول الآية أو الآيات إل إذا نزلت عقب ذلك مباشرة ، كما في حادثة خولة بنت ثعلبة التي ظاهر منها زوجها أوس بن الصامت فنزلت بسببها آيات الظهار في أول سورة المجادلة ، أو تأخر نزولها يسيرا لحكمة ، كما في حادثة الإفك ، فقد نزل ت الآيات بعدها بشهر كما رواها البخاري عن عائشة في حديث طويل نقتطف منه قول السيدة عائشة رض ي الله عنها وقد لبث شهرا ل يوحى إليه في شأني الحديث .
عدد الصفحات ٨9 أما الحوادث القديمة ، وقصص الْنبياء السابقين ، فلا تعتبر أسبابا للنزول ، لْنها لم تقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، لذا أخذ على الواحدي جعله قدوم الْحباش إلى البيت الحرام بالفيلة سببا لنزول سورة الفيل . قال السيوطي في الإتقان ( 1 /31 ( : )والذي يتحرر في سبب النزول ، أنه ما نزلت الآية أيام وقوعه ليخرج ما ذكره الواحدي في تفسيره في سورة الفيل من أن سببها قصة قدوم الحبشة به ، فإن ذلك ليس من أسباب النزول في ش يء بل هو من باب الإخبار عن الوقائع الماضية كذكر قصة قوم نوح ، وعاد ، وثمود ، وبناءالبيت ، ونحو ذلك ) وكذلك ذكره في قوله تعالى : وَاتَّخَذَ اللَّه إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا ( النساء : 125 )سبب اتخاذه خليلا ، فليس ذلك من أسباب نزول القرآن كما ل يخفى . " وهذا ل يمنع من أن يكون لبعض هذه القصص والْخبار الماضية أسباب نزول كما روى الواحدي عن سعد بن أبي وقاص في نزول قوله تعالى : نَحْن نَق ص عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ( يوسف : 3 ) قال : أنزل الله القرآن على رسوله صلى الله عليه وسلم فتلاه عليهم زمانا فقالوا : يا رسول الله لو قصصت علينا ، فأنزل الله تعالى الر تِلْكَ آيَات الْكِتَابِ المْ بِينِ إلى قوله نَحْن نَق ص عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ( يوسف : 1 - 3 ) .فيلحظ هنا أن سبب النزول هو قول الصحابة رض ي الله عنهم لو قصصت علينا . وهذا على القول بأنه حادثة وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت بعدها الآيات ، وليس السبب ما تحدثت الآيات عنه من قصة يوسف ، لْنها وقعت في الْزمان الماضية . أثر سبب النزول في تفسير القرآن: لقد جعل العلماء من شروط المفسر أن يكون عالما بأسباب النزول وسنبين مدى أهميتها وأثرها في التفسير فيما يلي :- أولا : إزالة الإشكال الوارد على الآية : ولذلك أمثلة كثيرة نذكر منها ما يلي : 1 /قال تعالى : ( إِن الص فَا وَالممَرموَةَ مِنم شَعَائِرِ الل هِ فَمَنم حَج المبَيمتَ أَوِ اعمتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَ يمهِ أَنم يَط و فَ بِهِمَا ) سورة البقرة : 158 .
عدد الصفحات ٩10 فقد فهم عروة بن الزبير عدم فرضية السعي بين الصفا والمروة ، لْن نفي الجناح يفهم منه عدم التكليف ، فسأل عن هذا خالته أم المؤمنين عائشة - رض ي الله عنها - فبينت له أن الْمر ليس كما فهم ، واستدلت على ذلك بسبب نزول الآية ، وهو ما روي عن عروة بن الزبير - رض ي الله عنهما - قال : سألت عائشة رض ي الله عنها : ( أرأيت قول الله تعالى : إِنَّ الصَّفَا وَالمَْرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا ج نَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا الآية . فوالله ما على أحد جناح أل يطوف بالصفا والمروة ) قالت : (بئسما قلت يا ابن أختي إن هذه لو كانت على ما أولتها كانت ل جناح عليه أن ل يطوف بهما ، ولكنها أنزلت في الْنصار كانوا قبل أن يسلموا يهلون " لمناة " الطاغية التي كانوا يعبدونها عند " المشلل " وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة ، فلما أسلموا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقالوا : يا رسول الله . إن كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة فأنزل الله عز وجل : إِنَّ الصَّفَا وَالمَْرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ الآية ، قالت عائشة : " و قد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما فليس لْحد أن يترك الطواف بينهما . فبالرجوع إلى سبب نزول الآية زال الإشكال عنها الذي أدى إلى فهم عدم شرعية السعي ، وأن من تركه ل إثم عليه ، والْمر خلاف هذا فليس لْحد أن يترك السعي بينهما كما دل على ذلك سبب النزول . 2 /قال تعالى : ( وَلَيمسَ المبِر بِأَنم تَأمتُوا المبُيُوتَ مِنم ظُهُورِهَا وَلَكِن المبِر مَنِ ات قَى وَأمتُوا المبُيُوتَ مِنم أَبموَابِهَا وَات قُوا الل هَ لَعَل كُمم تُفملِحُونَ ) البقرة : 189 فالقارئ لهذه الآية الكريمة يشكل عليه نفي البر في إتيان البيوت من الخلف لْنه ل يعرف أن أحدا يرى أن في إتيان البيوت من الخلف برا - أي خيرا - ولكنه إذا رجع إلى سبب النزول وعرف أن الْنصار كانوا إذا حجوا ل يأتون بيوتهم إل من الخلف ، ويرون أن في ذلك برا ، وقد عابوا رجلا حج ودخل بيته من بابه ، فنزل ت هذه الآية تنفي ما اعتقدوه وتثبت أن البر والخير في تقوى الله ، ل في إتيان البيوت من ظهورها كما اعتقدوا ، بل عليهم أن يأتوا البيوت من أبوابها عن البراء رض ي الله عنه قال : ( نزلت هذه الآية فينا ، كانت الْنصار إذا حجوا فجاءوا لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم و لكن من ظهورها . فجاء رجل من الْنصار فدخل من قبل بابه ، فكأنه عير
عدد الصفحات ١٠11 بذلك فنزلت : وَلَيْسَ الْبِر بِأَنْ تَأْت وا الْب ي وتَ مِنْ ظ ه ورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْت وا الْب ي وتَ مِنْ أَبْوَابِهَا فبالرجوع إلى سبب النزول يزول الإشكال . 3 /قوله تعالى : لَيمسَ عَلَى ال ذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الص الِحَاتِ جُنَاح فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا ات قَوما وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الص الِحَاتِ الآية : 93 من سورة المائدة . هذه الآية قد أشكلت على جماعة في عهد عمر بن الخطاب رض ي الله عنه فكانوا يرون أن الخمر مباحة ويحتجون بالآية ، ولكن عمر بن الخطاب عارضهم في ذلك ، ورد ابن عباس عليهم بسبب نزول الآية ، روى الدارقطني عنه : ( أن عمر بن الخطاب أتي برجل من المهاجرين الْولين وقد شرب ، فأمر به أن يجلد فقال : لم تجلدني ؟ بيني وبينك كتاب الله ، فقال عمر : وأي كتاب الله تجد أن ل أجلدك ؟ فقال له : إن الله عز وجل يقول في كتابه : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَن وا وَعَمِل وا الصَّالِحَاتِ ج نَاح فِيمَا طَعِم وا الآية فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، ثم اتقوا وآمنوا ، ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ، شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا وأحدا والخندق والمشاهد ، فقال عمر : أل تردون عليه ما يقول ؟ فقال ابن عباس : إن هؤلء الآيات أنزلت عذرا للماضين ، وحجة على المنافقين ؛ لْن الله عز وجل يقول : يَا أَي هَا الَّذِينَ آمَن وا إِنَّمَا الْخَمْر وَالمَْيْسِر الآية ( المائدة : 90 )ثم قرأ حتى أنفذ الآية الْخرى ، فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، فإن الله قد نهاه أن يشرب الخمر ، فقال عمر رض ي الله عنه : صدقت ، ماذا ترون ؟ قال علي رض ي الله عنه : إنه إذا شرب سكر ، وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى ، وعلى المفتري ثمانون جلدة ، فأمر به عمر فجلد ثمانين جلدة . " وروى الترمذي عن البراء قال : مات رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن تحرم الخمر ، فلما حرمت الخمر ، قال رجال : كيف بأصحابنا وقد ماتوا يشربون الخمر ، فنزلت الآية . . ) قال الترمذي : ( هذا حديث حسن صحيح ) فسبب نزول الآية قد أزال الإشكال عنها ، حيث خصها بمن مات من الصحابة وهم يشربون الخمر قبل تحريمها ، وبه رد ابن عباس على من أخطأ في فهم الآية ، فلول سبب النزول لبقي هؤلء على خطئهم حيث فهموا من الآية العموم .
عدد الصفحات ١١12 4 /قوله تعالى وَاللائِي يَئِسمنَ مِنَ الممَحِيضِ مِنم نِسَائِكُمم إِنِ ارمتَبمتُمم فَعِد تُهُن ثَلاثَةُ أَشمهُر وَاللائِي لَمم يَحِضمنَ وَأُولاتُ الأَحممَالِ أَجَلُهُن أَنم يَضَعمنَ حَمملَهُن ( سورة الطلاق : 4 ) فقد أشكل على بعض الناس المراد من الشرط في الآية ، حتى فهموا منه أن الآيسة ل عدة عليها إل إذا ارتابت في الحيض . فهذا فهم خاطئ ، ولكن بالرجوع إلى سبب النزول يتبين أن المراد بالشرط مخالف لذلك الفهم ، وسبب نزولها ما أخرجه الحاكم عن أبي بن كعب " أنه لما نزلت الآية في سورة البقرة في عدد النساء ، قالوا بقي عدد لم تذكر ، وهي عدد الصغار والكبار وأول ت الْحمال فنزلت الآية . فبين السبب أن المراد بالشرط إن ارتبتم في حكمهن ل حيضهن كما هو الظاهر من الآية . ثانيا - أن أسباب النزول تعين على معرفة الحكمة التي من أجلها شرع الحكم : وذلك أن سبب النزول يحكي الملابسات والظروف والْوضاع التي كان الناس عليها قبل تشر يع الحكم ، فبالرجوع إليه نتعرف على الحكمة التي قصدها الشارع ، ومن الْمثلة على ذلك : 1- قوله تعالى : نِسَاؤُكُمم حَرمث لَكُمم فَأمتُوا حَرمثَكُمم أَن ى شِئمتُمم ( سورة البقرة : 223 . ) فسبب نزول هذه الآية ما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله أن يهود كانت تقول إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول ) فنزلت الآية . 2- ما رواه البخاري عن ابن عباس في سبب نزول قوله تعالى : ( يَا أَي هَا الَّذِينَ آمَن وا لَ يَحِل لَك مْ أَنْ تَرِث وا الن ِسَاءَ كَرْهاا وَلَ تَعْض ل وه نَّ لِتَذْهَب وا بِبَعْ ضِ مَا آتَيْت م وه نَّ ) سورة النساء : 19 )قال : كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته ، إن شاء بعضهم تزوجها ، وإن شاءوا زوجوها ، وإن شاءوا لم يزوجوها ، فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية في ذلك . 3- ما رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال : أتيت على نفر من الْنصار والمهاجرين ، فقالوا : تعال نطعمك ونسقيك خمرا ، وذلك قبل أن تحرم الخمر ، قال : فأتيتهم في حش - والحش البستان - فإذا رأس جزور مشوي عندهم ، وزق من خمر ، قال : فأكلت وشربت معهم ، قال :
عدد الصفحات ١٢13 فذكرت الْنصار والمهاجرين عندهم ، فقلت : المهاجرون خير من الْ نصار ، قال فأخذ رجل أحد لحيي الرأس فضربني به فجرح أنفي ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فأنزل الله عز وجل في - يعني نفسه - شأن الخمر : ( إِن مَا المخَممرُ وَالممَيمسِرُ وَالأَنمصَابُ وَالأَزملامُ رِجمس مِنم عَمَلِ الش يمطَانِ فَاجمتَنِبُوهُ لَعَل كُمم تُفملِحُونَ ) سورة المائدة / 90 ) . فبالرجوع إلى أسباب نزول هذه الآيات تتبين الحكم العظيمة من تشريع هذه الْحكام . ففي الآية الْولى التيسير على الناس في جماع نسائهم على أي وجه كان ما دام في موضع الحرث ، وإبطال لما ألقاه اليهود في أذهان الصحابة من الوهم الباطل . وفي الآية الثانية رفع الظلم عن النساء ، حيث كان الناس في الجاهلية يحرمونهن من الميراث مستغلين ضعفهن ، وعجزهن ، ويضطهدونهن ويسيئون عشرتهن إذا أرادوا التخلص منهن ، حتى يفتدين ، فحرم الإسلام ذلك إل إذا أتين بفاحشة مبينة . وفي الآية الثالثة تحريم الخمر ، لْنها تسبب أضرارا كثيرة ومفاسد عظيمة ، ومن ضمنها ما حدث بين الصحابة من اعتداء بعضهم على بعض لما شربوها . فلول أسباب النزول ما اهتدينا إلى هذه الحكم النافعة على وجه التفصيل ، ومعرفة هذه الحكم تزيد المؤمن إيمانا ، وثقة في دينه وما شرعه الله له من الْحكام النافعة المبنية على مقاصد عظيمة ، وترغب الكافر في الإيمان إذا تبين له سمو التشريع الإسلامي ويسره وسهولته وما اشتمل عليه من المنافع والمصالح والمقاصد الحسنة ، وكثير من الناس قد أدهشهم ذلك ، فكان سببا في إيمانهم . ثالثا : أن أسباب النزول تفيدنا في معرفة التدرج في تشريع بعض الأحكام والمراحل التي مرت بها ، ومعرفة هذا مهم للدعاة خصوصا الذين يدعون إلى الإسلام في بلاد الكفر فعليهم أن يتدرجوا معهم في تعليم الإسلام والدعوة إليه وتطبيق تعاليمه . ويدل على ذلك ما رواه الترمذي عن عمر بن الخطاب رض ي الله عنه أنه قال : اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء ، فنزلت التي في البقرة : يَسْأَل ونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالمَْيْسِرِ الآية . فدعي عمر فقرئت
عدد الصفحات ١٣14 عليه فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء ، فنزلت التي في النساء :يَا أَي هَا الَّذِينَ آمَن وا لَ تَقْرَب وا الصَّلاَ ةَ وَأَنْت مْ س كَارَى فدعي عمر فقرئت عليه ثم قال : اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء ، فنزلت التي في المائدة ( إِن مَا يُرِيدُ الش يمطَانُ أَنم يُوقِعَ بَيمنَكُمُ المعَدَاوَةَ وَالمبَغمضَاءَ فِي المخَممرِ وَالممَيمسِرِ إلى قوله : فَهَلم أَنمتُمم مُنمتَهُ ونَ ) فدعي عمر فقرئت عليه . فقال : انتهينا انتهينا . فسبب نزول هذه الآيات بين لنا أن تحريم الخمر كان على التدريج ، فآية البقرة بينت أن إثم الخمر أكبر من نفعها ولم تحرمها ، فالعاقل يدرك من هذا أن ما كان إثمه أكبر من نفعه فالْولى تركه . ثم نزلت آية النساء تنهى عن قربان الصلاة حالة السكر ، وفي هذا تقليل لْوقات شرب الخمر ، وتعويد للمسلمين على تركها في بعض الْوقات ثم نزلت آيتا المائدة ( 91 ، 90 )فحرمتها ، قال تعالى :( يَا أَي هَا ال ذِينَ آمَنُوا إِن مَا المخَممرُ وَالممَيمسِرُ وَالأَنمصَابُ وَالأَزملامُ رِ جمس مِنم عَمَلِ الش يمطَانِ فَاجمتَنِبُوهُ لَعَل كُمم تُفملِحُونَ (90 )إِن مَا يُرِيدُ الش يمطَانُ أَنم يُوقِعَ بَيمنَكُمُ المعَدَاوَةَ وَالمبَغمضَاءَ فِي المخَممرِ وَالممَيمسِرِ وَيَصُد كُمم عَنم ذِكمرِ الل هِ وَعَنِ الص لاَةِ فَهَلم أَنمتُمم مُنم تَهُونَ )فالستفهام إنكاري بمعنى النهي أي انتهوا ، فلذا لما قرئت على عمر رض ي الله عنه قال : انتهينا انتهينا . وبعد نزول هاتين الآيتين أراق الصحابة الخمر في الطرق وكسروا دنانها وانتهوا منها ، وفي التدرج في تحريم الخمر لطف من الله بعباده حيث لم يفاجئهم بالتحريم من أول لحظة لش يء كانوا يحبونه ويتعلقون به . وفي هذا درس للدعاة أن يتعلموا من منهج الله في تشريع الْحكام حيث راعى شعور الناس وما ألفوه من العادات فلم يحرم ذلك دفعة ، لئلا يؤدي إلى نفورهم ، أو حرجهم ، وإنما تدرج معهم في ذلك ، فقد بقي الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة عشر سنين تنزل عليه الآيات التشريعية بالتدريج حتى أكمل الله للمؤمنين دينهم وأتم عليهم نعمته . رابعا : أن أسباب النزول تعين على معرفة اسم من نزلت فيه الآية ، وفي هذا تعيين المبهم ومن أمثلته :- 1 - قوله تعالى :( وَإِذم تَقُولُ لِل ذِي أَنمعَ مَ الل هُ عَلَيمهِ وَأَنمعَممتَ عَلَيمهِ أَممسِكم عَلَيمكَ زَومجَكَ ) سورة الْحزاب : 37
عدد الصفحات ١٤15 روى البخاري عن أنس بن مالك رض ي الله عنه ( أنها أنزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة ) . فإن هذا المنعم عليه زيد بن حارثة رض ي الله عنه ، وقد دلنا على ذلك سبب النزول . 2 /قوله تعالى : ( قَدم سَمِعَ الل هُ قَوملَ ال تِي تُجَادِلُكَ فِي زَومجِهَا وَتَشمتَكِي إِلَى الل هِ وَالل هُ يَسممَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِن الل هَ سَمِيع بَصِير ) المجادلة ( 1 ) . روى الحاكم في مستدركه ( 2 /481 )عن عائشة رض ي الله عنها قالت : تبارك الذي وسع سمعه كل ش يء ، إني لْسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه ، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي تقول : يا رسول الله أكل شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبرت سني وانقطع له ولدي ظاهر مني اللهم إني أشكو إليك) ، قالت عائشة : ( فما برحت حتى نزل جبريل عليه السلام بهؤلء الآيات : قَدْ سَمِعَ اللَّه قَوْلَ الَّتِي ت جَادِل كَ فِي زَوْجِهَا قال : وزوجها أوس بن الصامت . هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه . فسبب النزول بين اسم المجادلة وهي خولة بنت ثعلبة وزوجها أوس بن الصامت ، فمعرفة ذلك تفيدنا في التعرف على الظروف والملابسات التي أحاطت بنزول الآية ، وهذا مما يعين على فهمها ووضوح معناها ، ويمكن الستفادة من ذلك في دراسة تاريخ القرآن . هذا والْمثلة على أثر أسباب النزول في تفسير القرآن كثيرة وقد اكتفيت بما تقدم رغبة في الختصار ، وللمزي د من ذلك يمكن الرجوع إلى المؤلفات المتخصصة في أسباب النزول . ولعل مما هو معلوم : أن نزول القرآن على قسمين : الْول : ما نزل ابتداء من غير سبب ، وهو أكثر القرآن . والثاني : ما نزل مرتبطا بسبب ، وهو أقل القرآن .
عدد الصفحات ١٥16 احور الثاني تفسير قوله تعالى : ( إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا ) قال الرازي : فصل الْشياء بتبيين بعض أضدادها ، فبين حال مؤذي النبي ليبين فضيلة المسلم عليه ، واللعن أشد المحذورات ؛ لْن البعد من الله ل يرجى معه خير بخلاف التعذيب بالنار وغيره . أل ترى أن الملك إذا تغير على مملوك إن كان تأذيه غير قوي يزجره ول يطرده ولو خير المجرم [بين ]أن يضرب أو يطرد عندما يكون الملك في غاية العظمة والكرم يختار الضرب على الطرد ، ول سيما إذا لم يكن في الدنيا ملك غير سيده ، وقوله : ( في الدنيا والآخرة ) إشارة إلى بعد ل رجاء للقرب معه ؛ لْن المبعد في الدنيا يرجو القربة في الآخرة ، فإذا أبعد في الآخرة فقد خاب وخسر ؛ لْن الله إذا أبعده وطرده فمن الذي يقربه يوم القيامة ، ثم إنه تعالى لم يحصر جزاءه في الإبعاد بل أوعده بالعذاب بقوله : ( وأعد لهم عذابا مهينا ) وفيه مسائل : المسألة الْولى : ذكر إيذاء الله وإيذاء الرسول وذكر عقيبه أمرين ؛ اللعن والتعذيب ، فاللعن جزاء الله ؛ لْن من آذى الملك يبعده عن بابه إذا كان ل يأمر بعذابه ، والتعذيب جزاء إيذاء الرسول لْن الملك إذا آذى بعض عبيده كبير يستوفي منه قصاصه ، ل يقال : فعلى هذا من يؤذي الله ول يؤذي الرسول ل يعذب ؛ لْنا نقول : انفكاك أحدهما على هذا الوجه عن الآخر محال لْن من آذى الله فقد آذى الرسول ، وأما على الوجه الآخر وهو أن من يؤذي النبي عليه السلام ول يؤذي الله كمن عص ى من غير إشراك ، كمن فسق أو فجر من غير ارتداد وكفر ، فقد آذى النبي عليه السلام غير أن الله تعالى صبور غفور رحيم فيجزيه بالعذاب ول يلعنه بكونه يبعده عن الباب . المسألة الثانية : أكد العذاب بكونه مهينا لْن من تأذى من عبده وأمر بحبسه وضربه ؛ فإن أمر بحبسه في موضع مميز ، أو أمر بضربه رجلا كبيرا يدل على أن الْ مر هين ، وإن أمر بضربه على ملأ وحبسه بين المفسدين ينبئ عن شدة الْمر ، فمن آذى الله ورسوله من المخلدين في النار فيعذب عذابا مهينا ، وقوله : ( أعد لهم ) للتأكيد لْن السيد إذا عذب عبده حالة الغضب من
عدد الصفحات ١٦