المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

فتح الودود بيان آيات الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم

أحمد خضر حسنين الحسن

صفحة ١٨ من ٢٥

273 آدم كذلك ، والمثل هنا: بمعنى الصفة والحال العجيبة الشأن، ومحل التمثيل كون كليهما قد خلق بدون أب، والش يء قد يشبه بالش يء متى اجتمعا ولو في وصف واحد . والمعنى : إن شأن عيس ى وحاله الغريبة عِنْدَ اللَّهِ أى في تقديره وحكمه كَمَثَلِ آدَمَ أى كصفته وحاله العجيبة في أن كليهما قد خلقه الله- تعالى- من غير أب، ويزيد آدم على عيس ى أنه خلق بدون أم- أيضا- فالآية الكريمة ترد ردا منطقيا حكيما يهدم زعم كل من قال بألوهية المسيح أو اعتبره ابن الله. - وكأن الآية الكريمة تقول لمن ادعى ألوهية عيس ى لْنه خلق من غير أب: أنه إذا كان وجود عيس ى بدون أب يسوغ لكم أن تجعلوه إلها أو ابن إله فأولى بذلك ثم أولى آدم لْنه خلق من غير أب ول أم. ومادام لم يدع أحد من الناس ألوهية آدم لهذا السبب فبطل حينئذ القول بألوهية عيس ى لنهيار الْساس الذي قام عليه وهو خلقه من غير أب. الأية الثانية : قوله تعالى (المحَق مِن ر ب ِكَ ) :هذا الذي أخبرناك به من شأن المسيح عليه السلام هو الحق الذي في أعلى رتب الصدق، لكونه من ربك الذي من جملة تربيته الخاصة لك ولْمتك أن قص عليكم ما قص من أخبار الْنبياء عليهم السلام. (فلا تكن من الممترين ) أي: الشاكين في ش يء مما أخبرك به ربك، الآية الثالثة : ( فَمَنم حَاج كَ فِيهِ مِن بَعمدِ مَا جَاءَكَ مِنَ المعِلممِ فَقُلم تَعَالَوما نَدمعُ أَبمنَاءَنَا وَأَبمنَاءَكُمم وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمم وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمم ثُم نَبمتَهِلم فَنَجمعَل ل عمنَتَ الل هِ عَلَى المكَاذِبِينَ ) لقد لقن الله تعالى، نبيه صل ى الله عليه وسل م، الجواب الذي يقطع لسان المجادلين بالباطل في شأن عيس ى عليه الس لام، فقال تعالى فَمَنم حَاج كَ فِيهِ مِنم بَعمدِ ما جاءَكَ مِنَ المعِلممِ .. إلخ. ) وهذه الآية الكريمة تسمى بآية المباهلة، وقد ذكر العلماء أنها نزلت للرد على نصارى نجر ان الذين جادلوا النبي صل ى الله عليه وسل م في شأن عيس ى- عليه الس لام ، وإليك بيانها : 1/ قال ابن كثير ما ملخصه : وكان نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نصارى نجران حين قدموا المدينة فجعلوا يحاجون في عيس ى ويزعمون فيه ما يزعمون من النبوة والْلوهية فأنزل صدر هذه السورة ردا عليهم.. وكانوا ستين راكبا منهم ثلاثة إليهم يؤول أمرهم

عدد الصفحات ٢٧٣

274 وهم: العاقب أميرهم واسمه عبد المسيح، والسيد صاحب رحلهم واسمه الْبهم، وأبو حارث بن علقمة أسقفهم وحبرهم . وفي القصة أن النبي صل ى الله عليه وسل م لما أتاه الخبر من الله تعالى، والفصل من القضاء بينه وبينهم، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم. دعاهم إلى المباهلة فقالوا: يا أبا القاسم دعنا ننظر في أمرنا .. ثم خلوا بالعاقب فقالوا . يا عبد المسيح ماذا ترى؟ فقال : والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمدا لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم أنه ما لعن قوم نبي ا قط، فبقى كبيرهم ول نبت صغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم.. فأتوا النبي صل ى الله عليه وسل م . فقالوا : يا أبا القاسم قد رأينا أن ل نلاعنك وأن نتركك على دينك، ونرجع على ديننا، فلم يلاعنهم صل ى الله عليه وسل م وأقرهم على خراج يؤدونه إليه. 2/ وروى البخاري عن حذيفة قال: جاء العاقب والسيد صاحب نجران إلى رسول الله صل ى الله عليه وسل م يريدان أن يلاعناه قال: فقال أحدهما لصاحبه: ل تفعل، فو الله لئن كان نبي ا فلاعناه ل نفلح نحن ول عقبنا من بعدنا، ثم قال للنبي صل ى الله عليه وسل م : إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلا أمينا.. فقال« :لْبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين» .فاستشرف لها أصحاب رسول الله صل ى الله عليه وسل م فقال صل ى الله عليه وسل م « :قم يا أبا عبيدة بن الجراح » .فلما قام قال رسول الله صل ى الله عليه وسل م « :هذا أمين هذه الْمة » . 3/ ( فَمَنم حَاج كَ فِيهِ مِنم بَعمدِ ما جاءَكَ مِنَ المعِلممِ ) والمعنى : فمن جادلك وخاصمك :يا محمد - صل ى الله عليه وسل م - من أهل الكتاب ( فيه ) أى في شأن عيس ى- عليه الس لام - بأن زعموا أنه إله أو ابن إله أو ثالث ثلاثة أو غير ذلك من الْقاويل الكاذبة في شأنه. 4/ وقوله ( مِنم بَعمدِ ما جاءَكَ مِنَ المعِلممِ ) أى فمن جادلك في شأن عيس ى من بعد الذي أنزلناه إليك وقصصناه عليك في أمره، فلا تبادله المجادلة، فإنه معاند ل يقنعه الدليل مهما كان واضحا، ولكن قل له ولْمثاله من الظالمين: تَعالَوْا نَدْع أَبْناءَنا وَأَبْناءَك مْ وَنِساءَنا وَنِساءَك مْ، وَأَنْف سَنا وَأَنْف سَك مْ ث مَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ . 5/ وقوله : (فَقُلم تَعالَوما نَدمعُ أَبمناءَنا وَأَبمناءَكُمم وَنِساءَنا وَنِساءَكُمم، وَأَنمفُسَنا وَأَنم فُسَكُمم ثُم نَبمتَهِلم فَنَجمعَلم لَعمنَتَ الل هِ عَلَى المكاذِبِينَ ) أي : فإن جادلك أهل الكتاب في شأن عيس ى من بعد أن

عدد الصفحات ٢٧٤

275 أخبرك ربك بما هو الحق من أمره فقل لهم تَعالَوْا أى أقبلوا أيها المجادلون إلى أمر يعرف فيه الحق من الباطل، وهو أن ندعو نحن وأنتم الْبناء والنساء ثم نجتمع جميعا في مكان واحد، ثم نتضرع إلى الله ونبتهل إليه بأن يجعل لعنته على الكاذبين في دعواهم المنحرفين عن الحق في اعتقادهم. 6/ فأنت ترى أن الآية الكريمة قد لقنت النبي صل ى الله عليه وسل م الجواب الحاسم الذي يخرس ألسنة المجادلين في عيس ى، ويتحداهم- إن كانوا صادقين- أن يقبلوا هذه المباهلة، ولكنهم نكصوا على أعقابهم فثبت كذبهم وضلالهم. 7/ وقال صاحب الكشاف: إن قلت ما كان دعاؤه إلى المباهلة إل ليتبين الكاذب منه ومن خصمه وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه فما معنى ضم الْبناء والنساء؟ قلت: ذلك آكد في الدللة على ثقته بحاله، واستيقانه بصدقه، حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده وأحب الناس إليه لذلك، ولم يقتصر على تعريض نفسه له. وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الستئصال إن تمت المباهلة. وخص الْبناء والنساء لْنهم أعز الْهل وألصقهم بالقلوب، وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل. ومن ثمة كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب .. 8/ في الآية دليل واضح على صحة نبوة النبي صل ى الله عليه وسل م لْنه لم يرو أحد من موافق ول مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك» .

عدد الصفحات ٢٧٥

276 الموضع الثالث قوله تعالى : ال ذِينَ قَالُوا إِن الل هَ عَهِدَ إِلَيمنَا أَلا نُؤممِنَ لِرَسُول حَت ى يَأمتِيَنَا بِقُرمبَان تَأمكُلُهُ الن ارُ قُلم قَدم جَاءَكُمم رُسُل م ِن قَبملِي بِالمبَي ِنَاتِ وَبِال ذِي قُلمتُمم فَلِمَ قَتَلمتُمُوهُمم إِن كُنتُمم صَ ادِقِينَ (183) فَإِن كَذ بُوكَ فَقَدم كُذ ِبَ رُسُل م ِن قَبملِكَ جَاءُوا بِالمبَي ِنَاتِ وَالز بُرِ وَالمكِتَابِ الممُنِيرِ (184) أولاً : سبب نزولها قال القرطبي : قوله تعالى : الذين في موضع خفض بدل من " الذين " في قوله عز وجل لقد سمع الله قول الذين قالوا أو نعت " للعبيد " أو خبر ابتداء ، أي هم الذين قالوا . وقال الكلبي وغيره . نزلت في كعب بن الْشرف ، ومالك بن الصيف ، ووهب بن يهوذا وفنحاص بن عازوراء وجماعة أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - ; فقالوا له : أتزعم أن الله أرسلك إلينا ، وإنه أنزل علينا كتابا عهد إلينا فيه أل نؤمن لرسول يزعم أنه من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار ، فإن جئنا به صدقناك . فأنزل الله هذه الآية . فقيل : كان هذا في التوراة ، ولكن كان تمام الكلام : حتى يأتيكم المسيح ومحمد فإذا أتياكم فآمنوا بهما من غير قربان ثانياً : تضمنت الآية بحسب سبب نزولها رذيلة من رذائل اليهود أل وهي ادعاءهم أنهم ما تركوا الإيمان بالنبي صل ى الله عليه وسل م حسدا له، وإنما تركوا الإيمان به، لْنه لم يأت بالمعجزات التي أتى بها الْنبياء السابقون، فهم معذورون إذا لم يؤمنوا به لْنه ليس نبيا صادقا- في زعمهم. ثالثاً : جاء دفاع الله عن النبي صل ى الله عليه وسل م في الآيات الكريمات ببيان كذب اليهود على الله تعالى وعلى ورسله كما بينت صدق النبي صل ى الله عليه وسل م في نبوته ورسالته ، وإليك بيان ما فيها من العلم الوفير وأوجه الدفاع عن البشير النذير صل ى الله عليه وسل م . الآية الأولى : (ال ذِينَ قَالُوا إِن الل هَ عَهِدَ إِلَيمنَا أَلا نُؤممِنَ لِرَسُول حَت ى يَأمتِيَنَا بِقُرمبَان تَأمكُلُهُ الن ارُ قُلم قَدم جَاءَكُمم رُسُل م ِن قَبملِي بِالمبَي ِنَاتِ وَبِال ذِي قُلمتُمم فَلِمَ قَتَلمتُمُوهُمم إِن كُ نتُمم صَادِقِينَ) 1/ قوله تعالى (ال ذِينَ قَالُوا إِن الل هَ عَهِدَ إِلَيمنَا أَلا نُؤممِنَ لِرَسُول حَت ى يَأمتِيَنَا بِقُرمبَان تَأمكُلُهُ الن ارُ) المراد بالموصول - الذين - جماعة من اليهود منهم كعب بن الْشرف، وفنحاص بن عازوراء، وحي

عدد الصفحات ٢٧٦

277 بن أخطب - كما مض ى ذكرهم في سبب النزول - فقد أتوا النبي صل ى الله عليه وسل م وقالوا له هذا القول وهو: إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا ... إلخ. والقربان هو ما يتقرب به إلى الله من نعم أو غير ذلك من القربات . والمعنى : أن عذابنا الْليم سيصيب أولئك اليهود الذين والذين قالوا إن الله أمرنا في التوراة وأوصانا بأن ل نصدق ونعترف لرسول يدعى الرسالة إلينا من قبل الله- تعالى- حتى يأتينا بقربان يتقرب به إلى الله، فتنزل نار من السماء فتأكل هذا القربان، فإذا فعل ذلك كان صادقا في رسالته. 2/ ول شك أن قولهم هذا ظاهر البطلان، لْن الإتيان بالقربان إذا كان معجزة لرسول ل يستلزم أن يكون معجزة لكل رسول، إذ أن آيات الله في إثبات رسالت رسله متعددة النواحي، مختلفة المناهج، وكون هذا الإتيان بالقربان الذي تأكله النار معجزة لبعض الرسل ل يستدعى أن يكون معجزة لجميعهم ولذا فقد أمر الله- تعالى- ر سوله محمدا صل ى الله عليه وسل م أن يرد عليهم بما يبطل قولهم. 3/ لما كان قولهم ظاهر البطلان لقن الله تعالى سيد بني عدنان عليه الصلاة والسلام فقال له :( قُلم قَدم جاءَكُمم رُسُل مِنم قَبملِي بِالمبَي ِناتِ وَبِال ذِي قُلمتُمم، فَلِمَ قَتَلمتُمُوهُمم إِنم كُ نمتُمم صادِقِينَ ) : أى: قل لهم يا محمد صل ى الله عليه وسل م ( قَدْ جاءَك مْ ر س ل مِنْ قَبْلِي ) كثير عددهم «بالبينات» أى بالحجج الواضحة، وبالمعجزات الساطعة الدالة على صدقهم وَبِالَّذِي ق لْت مْ أى وجاءكم هؤلء الرسل بالقربان الذي تأكله النار فَلِمَ قَتَلْ ت م وه مْ بعد أن جاءوكم بتلك المعجزات الباهرة إِنْ ك نْت مْ صادِقِينَ في دعواكم أنكم تتبعون الحق، وتطيعون الرسل متى أتوكم بما يشهد بصدقهم؟. 4/ فالجملة الكريمة ترد على هؤلء اليهود بأبلغ الوجوه التي تثبت كذبهم فيما يدعون، لْن قتلهم للأنبياء بعد أن جاءوهم بالمعجزات الواضحة الدالة على صدقهم، دليل على أن هؤلء اليهود قد بلغوا منتهى الجحود والظلم والعدوان، وأن دعواهم أن إيمانهم بمحمد صل ى الله عليه وسل م متوقف على مجيئه بالقربان الذي تأكله النار دعوى كاذبة، لْن من جاءهم بالقربان كان جزاؤه القتل منهم .

عدد الصفحات ٢٧٧

278 5 /قال الفخر الرازي : وقد بين الله بهذه الدلئل أنهم يطلبون هذه المعجزة ل على سبيل السترشاد وإنما على سبيل التعنت. وذلك لْن أسلافهم طلبوا هذه المعجزة من الْنبياء المتقدمين مثل: زكريا ويحيى وعيس ى، فلما أظهروا لهم هذا المعجزة سعوا في قتلهم بعد أن قابلوهم بالتكذيب والمخالفة والمعاندة . وذلك يدل على أن مطالبهم كانت على سبيل التعنت إذ لو لم يكن الْمر كذلك لما سعوا في قتلهم، ومتأخرو اليهود راضون بفعل متقدميهم. وهذا يقتض ى كونهم متعنتين- أيضا- في مطالبهم. ولهذا لم يجبهم الله فيها» . الآية الثانيةقوله تعالى :فَإِن كَذَّب وكَ فَقَدْ ك ذ ِبَ ر س ل م ِن قَبْلِكَ جَاء وا بِالْبَي ِنَاتِ وَالز ب رِ وَالْكِتَابِ المْ نِيرِ (184) والمعنى فإن كذبوك هؤلء اليهود يا محمد بعد أن قام الدليل على صدقك وعلى كذبهم وتعنتهم وجحودهم ، فلا تبتئس ول تحزن ، فإن الْنبياء من قبلك قد قوبلوا بالتكذيب من أقوامهم بعد أن جاءوهم بالدلئل الواضحة الدالة على صدقهم وبعد أن جاءوهم ( بالزبر ) أى بالكتب الموحى بها من الله - تعالى - لوعظ الناس وزجرهم ، وبعد أن جاءوهم بالكتاب المنير أى بالكتاب الواضح المستنير المشتمل على سعادة الناس فى دنياهم وآخرتهم . فالآ ية الكريمة مسوقة على سبيل التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم والتخفيف عنه مما يلقاه من الجاحدين والمكذبين .

عدد الصفحات ٢٧٨

279 المبحث الرابع ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة النساء الموضع الأول : م ِنَ ال ذِينَ هَادُوا يُحَر ِفُونَ المكَلِ مَ عَن م وَاضِعِهِ الموضع الثاني : يَا أَي هَا ال ذِينَ أُوتُوا المكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَز لمنَا مُصَد ِقًا الموضع الثالث : أَلَمم تَرَ إِلَى ال ذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا م ِنَ المكِتَابِ يُؤممِنُونَ بِالمجِبمتِ الموضع الرابع : وَلَوملاَ فَضملُ الل هِ عَلَيمكَ وَرَحممَتُهُ لَهَم ت ط ائِفَة م ِنمهُمم أَن يُضِل وكَ الموضع الخامس : يَسمأَلُكَ أَهملُ المكِتَابِ أَن تُنَز ِلَ عَلَيمهِمم كِتَابًا م ِنَ الس مَاءِ الموضع السادس : كِنِ ل الل هُ يَشمهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيمكَ أَنزَلَهُ بِعِلممِهِ

عدد الصفحات ٢٧٩

280 الموضع الأول قوله تعالى : م ِنَ ال ذِينَ هَادُوا يُحَر ِفُونَ المكَلِمَ عَن م وَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعمنَا وَعَصَيمنَا وَاسممَعم غَيمرَ مُسممَع وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلمسِنَتِهِمم وَطَعمنًا فِي الد ِينِ وَلَوم أَن هُمم قَالُوا سَمِعمنَا وَأَطَ عمنَا وَاسممَعم وَانظُرمنَا لَكَانَ خَيمرًا ل هُمم وَأَقموَمَ وَلَ كِن ل عَنَهُمُ الل هُ بِكُفمرِهِمم فَلاَ يُؤممِنُونَ إِلا قَلِيلاً (46) أولاً : سبب النزول قال البغوي رحمه الله : قال ابن عباس رض ي الله عنهما : كانت اليهود يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسألونه عن الْمر ، فيخبرهم ، فيرى أنهم يأخذون بقوله ، فإذا انصرفوا من عنده حرفوا كلامه ، وقال القرطبي رحمه الله : قال ابن عباس : كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم : اسمع ل سمعت ، هذا مرادهم - لعنهم الله - وهم يظهرون أنهم يريدون اسمع غير مسمع مكروها ول أذى . ثانياً : تضمنت الآية كما في سبب النزول ألوانا من الْقوال والْعمال القبيحة التي كان اليهود يقولونها ويفعلونها للإساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى المسلمين فكانوا يقولون له عليه الصلاة والسلام (سمعنا ) قولك ( وعصينا ) أمرك ، ( واسمع غير مسمع ) أي : اسمع منا ول نسمع منك ، ( غير مسمع ) أي : غير مقبول منك . وقيل : كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم : اسمع ، ثم يقولون في أنفسهم : ل سمعت ، ( وراعنا ) أي : ويقولون راعنا ، يريدون به النسبة إلى الرعونة ، ( ليا بألسنتهم ) تحريفا ( وطعنا ) قدحا ( في الدين ) أن قوله : " وراعنا " من المراعاة ، وهم يحرفونه ، يريدون به الرعونة . ثالثاً : لما بلغ اليهود هذا المبلغ من الوقاحة وقلة الأدب والحياءمع سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم أنزل الله تعالى تلك الآيات المباركات دفاعاً عنه وكبتاً وتأديباً للي هود ، وإليك بيان ما فيها من العلم بعون العليم المعبود : 1/ قوله تعالى : ( م ِنَ ال ذِينَ هَادُوا يُحَر ِفُونَ المكَلِمَ عَن م وَاضِعِهِ ) تحريف الش يء إمالته وتغييره . وأصله من الحرف يقال: حرف الش يء عن وجهه، صرفه عنه .

عدد الصفحات ٢٨٠

281 أى من الذين هادوا قوم أو فريق من صفاتهم أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه أى يميلونه عن مواضعه، ويجعلون مكانه غيره، ويفسرونه تفسيرا سقيما بعيدا عن الحق والصواب . قال الفخر الرازي : في كيفية التحريف وجوه : أحدها: أنهم كانوا يبدلون اللفظ بلفظ آخر. مثل تحريفهم اسم «ربعة» عن موضعه في التوراة بوضعهم «آدم طويل» ، وكتحريفهم الرجم بوضعهم الجلد بدله. الثاني: أن المراد بالتحريف إلقاء الشبه الباطلة، والتأويلات الفاسدة، وصرف اللفظ من معناه الحق إلى معنى باطل بوجوه من الحيل اللفظية، كما يفعله أهل البدعة في زماننا هذا بالآيات المخالفة لمذاهبهم. وهذا هو الْصح. الثالث: أنهم كانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم ويسألونه عن أمر فيخبرهم ليأخذوا به فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه» .والذي نراه أولى أن تحريف هؤلء اليهود للكلم عن مواضعه يتناول كل ذلك، لْنهم لم يتركوا وسيلة من وسائل التحريف الباطل إل فعلوها، أملا منهم في صرف الناس عن الدعوة الإسلامية، ولكن الله- تعالى- خيب آمالهم. 2/ ثم حكى- سبحانه- لونا من ضلالتهم فقال: ( وَيَقُولُونَ سَمِعمنا وَعَصَيمنا )أى : ويقولون للنبي صلى الله عليه وسلم إذا ما أمرهم بش يء: سمعنا قولك وعصينا أمرك فنحن مع فهمنا لما تقول ل نطيعك لْننا متمسكون باليهودية. 3/ ثم حكى- سبحانه- لونا ثانيا من مكرهم فقال: ( وَاسممَعم غَيمرَ مُسممَع ) وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها وداخلة تحت القول السابق.أى: ويقولون ذلك في أثناء مخاطبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم وهو كلام ذو وجهين وجه محتمل للشر. بأن يحمل على معنى «اسمع» حال كونك غير مسمع كلاما ترضاه . ووجه محتمل للخير. بأن يحمل على معنى اسمع منا غير مسمع كلاما تكرهه . فأنت تراهم - لعنهم الله- أنهم كانوا يخاطبون النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الكلام المحتمل للشر والخير موهمين غيرهم أنهم يريدون الخير، مع أنهم ل ير يدون إل الشر، بسبب ما طفحت به نفوسهم من حسد للنبي صلى الله عليه وسلم وللمسلمين .

عدد الصفحات ٢٨١

282 4/ ثم حكى- سبحانه- لونا ثالثاا من خبثهم فقال: ( وَراعِنا لَيًّا بِأَلمسِنَتِهِمم وَطَعمناً فِي الد ِينِ ) وكلمة راعِنا كلمة ذات وجهين- أيضا- فهي محتملة للخير بحملها على معنى ارقبنا وأمهلنا أو انتظرنا نكلمك. ومحتملة للشر بحملها على شبه كلمة عبرانية كانوا يتسابون بها. أو على السب بالرعونة أى الحمق. قال الراغب : قوله : - تعالى- ( وراعِنا لَيًّا بِأَلمسِنَتِهِمم وَطَعمناً ) فِي الد ِينِ كان ذلك قول يقولونه للنبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التهكم يقصدون به رميه بالرعونة، ويوهمون أنهم يقولون : راعنا أى: أحفظنا. من قولهم : رعن الرجل يرعن رعنا فهو رعن» أى أحمق. وأصل كلمة لَيًّا لويا لْنه من لويت، فأدغمت الواو في الياء لسبقها بالسكون . و(اللى ) :النحراف واللتفات والنعطاف ، والمراد أنهم كانوا يلوون ألسنتهم بالكلمة أو بالكلام ليكون اللفظ في السمع مشبها لفظا آخر هم يريدونه لْنه يدل على معنى ذميم. أى أنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التهكم والستهزاء راعِنا ويقصدون بهذا القول الإساءة إليه صلى الله عليه وسلم وينطقون بهذه الكلمة وما يشابهها نطقا ملتويا منحرفا ليصرفوها عن جانب احتمالها للخير إلى جانب احتمالها للشر. ولذا فقد نهى الله- تعالى- المؤمنين عن مخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم بمثل هذه الْلفاظ. كما تقدم في سورة البقرة 5/ وقوله تعالى ( وَطَعمناً فِي الد ِينِ ) أى يقولون ذلك من أجل القدح في الدين والستهزاء بتعاليمه، وبنبيه صلى الله عليه وسلم. 6/ ثم بين- سبحانه- ما كان بحب عليهم أن يقولوه لو كانوا يعقلون فقال: تعالى- ( وَلَوم أَن هُمم قالُوا سَمِعمنا وَأَطَعمنا وَاسممَعم وَانمظُرمنا لَكانَ خَيمراً لَهُمم وَأَقموَمَ ) أى: ولو أنهم قالوا عند سماعهم لما يدعوهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم من حق وخير، سَمِعْنا قولك سماع قبول واستجابة، وأطعنا أمرك بدل قولهم سمعنا وعصينا. ولو أنهم قالوا عند مخاطبتهم له صلى الله عليه وسلم وَاسْمَعْ إجابتنا لدعوة الحق وَانْظ رْنا حتى نفهم عنك ما تريده منا بدل قولهم وَاسْمَعْ غَيْرَ م سْمَع وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ لو أنهم فعلوا ذلك لكان قولهم هذا خيرا لهم وأعدل من أقوالهم السابقة الباطلة التي حكاها القرآن عنهم.

عدد الصفحات ٢٨٢

283 7/ ولكنهم لسوء طباعهم لم يفعلوا ذلك فحقت عليهم اللعنة في الدنيا والآخرة وقد صرح القرآن بذلك فقال: وَلكِنْ لَعَنَه م اللَّه بِك فْرِهِمْ فَلا ي ؤْمِن ونَ إِلَّ قَلِيلاا . أى: ولكنهم لم يقولوا ما هو خير لهم وأقوم بل قالوا ما هو شر وباطل، فاستحقوا اللعنة من الله بسبب كفرهم وسوء أفعالهم: ولفظ قَلِيلاً في قوله فَلا ي ؤْمِن ونَ إِلَّ قَلِيلاا منصوب على الستثناء من قوله لَعَنَه م أى: ولكن لعنهم الله إل فريقا منهم آمنوا فلم يلعنوا : أو منصوب على الوصفية لمصدر محذوف أى: ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إل إيمانا قليلا أى ضعيفا ركيكا ل يعبأ به، ول يغنى عنهم من عذاب الله شيئا لْنه إيمان غير صحيح بسبب تفريقهم بين رسل الله في التصديق والطاعة .

عدد الصفحات ٢٨٣

284 الموضع الثاني قوله تعالى: يَا أَي هَا ال ذِينَ أُوتُوا المكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَز لمنَا مُصَد ِقًا َِا لم مَعَكُم م ِن قَبملِ أَن ن طممِسَ وُجُوهًا فَنَرُد هَا عَلَى أَدمبَارِهَا أَوم نَلمعَنَهُمم كَمَا لَعَن ا أَصمحَابَ الس بمتِ وَكَانَ أَممرُ الل هِ مَفمعُولاً (47). أولاً : سبب النزول : قال القرطبي : قال ابن إسحاق : كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود منهم عبد الله بن صوريا الْعور وكعب بن أسد فقال لهم : يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به الحق قالوا : ما نعرف ذلك يا محمد . وجحدوا ما عرفوا وأصروا على الكفر ؛ فأنزل الله عز وجل فيهم يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها إلى آخر الآية . ثانياً : لقد أنكرت اليهود أن محمداا صل ى الله عليه وسل م هو النبي الخاتم الذي كانوا ينتظرون وقد علموا صفاته وعلاماته من كتبهم فذهب إليهم صل ى الله عليه وسل م وذكرهم بذلك ولكن أصروا على كفرهم وعنادهم فأنزل الله هذه الآية الكريمة مهدداا ومبيناا لنهاياتهم ، والن إليك بيان ما في الآية من أوجه الدفاع عن خير البريات صل ى الله عليه وسل م : 1/ قوله تعالى: ( يَا أَي هَا ال ذِينَ أُوتُوا المكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَز لمنَا مُصَد ِقًا َِا لم مَعَكُم ) أمر الله تعالى أهل الكتاب بالإيمان بما نزل على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب العظيم الذي فيه تصديق الْخبار التي بأيديهم من البشارات . 2/ وفي ندائهم بقولهم يا أَي هَا الَّذِينَ أ وت وا الْكِتابَ آمِن وا تحريض لهم على الإيمان، لْن اعطاءهم علم الكتاب من شأنه أن يحملهم على المسارعة إلى تلبية دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وأل تأخذهم العصبية الدينية كما أخذت أهل مكة العصبية الجاهلية، ولْن هذا الإيمان الذي يدعون إليه هو التصديق بما أنزله الله على نبيه صلى الله عليه وسلم من قرآن، إذ هو يطابق- في جوهره - ما أنزله - سبحانه- على الْنبياء السابقين الذين يزعم أهل الكتاب أنهم يؤمنون بهم. إذا فوحدة المنزل توجب عليهم أن يؤمنوا بجميع ما أنزله الله.

عدد الصفحات ٢٨٤

285 3/ ثم تهددهم بقوله تعالى : ( م ِن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ و ج وهاا فَنَر دَّهَا عَلَىَٰ أَدْبَارِهَا ) اختلف العلماء في المعنى المراد بهذه الآية ؛هل هو حقيقة فيجعل الوجه كالقفا فيذهب بالْنف والفم والحاجب والعين . أو ذلك عبارة عن الضلال في قلوبهم وسلبهم التوفيق ؟ قولن . الأول : روي عن أبي بن كعب أنه قال : من قبل أن نطمس من قبل أن نضلكم إضلال ل تهتدون بعده . يذهب إلى أنه تمثيل - أي عقوبة معنوية وليست حسية - وأنهم إن لم يؤمنوا فعل هذا بهم عقوبة . وقال قتادة : معناه من قبل أن نجعل الوجوه أقفاء . أي يذهب بالْنف والشفاه والْعين والحواجب ؛ هذا معناه عند أهل اللغة . الثاني : وروي عن ابن عباس وعطية العوفي : أن الطمس أن تزال العينان خاصة وترد في القفا ؛ فيكون ذلك ردا على الدبر ويمش ي القهقرى . وقال مالك رحمه الله : كان أول إسلام كعب الْحبار أنه مر برجل من الليل وهو يقرأ هذه الآية : يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا فوضع كفيه على وجهه ورجع القهقرى إلى بيته فأسلم مكانه وقال : والله لقد خفت أل أبلغ بيتي حتى يطمس وجهي . وكذلك فعل عبد الله بن سلام ، لما نزلت هذه الآية وسمعها أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي أهله وأسلم وقال : يا رسول الله ، ما كنت أدرى أن أصل إليك حتى يحول وجهي في قفاي . - فإن قيل : كيف جاز أن يهددهم بطمس الوجوه إن لم يؤمنوا ثم لم يؤمنوا ولم يفعل ذلك بهم ؛ فقيل : إنه لما آمن هؤلء ومن اتبعهم رفع الوعيد عن الباقين . وقال المبرد : الوعيد باق منتظر . وقال : ل بد من طمس في اليهود ومسخ قبل يوم القيامة . 4/ قوله تعالى : ( أَوم نَلمعَنَهُمم كَمَا لَعَن ا أَصمحَابَ الس بمتِ ) أي أصحاب الوجوه كما لعنا أصحاب السبت أي نمسخهم قردة وخنازير ؛ وأريد باللعن هنا الخزي ، فهو غير الطمس ، فإن كان الطمس مراداا به المسخ فاللعن مراد به الذل ، وإن كان الطمس مراداا به الذل فاللعن مراد به المسخ . و أَصْحَابَ السَّبْتِ هم الذين في قوله { :ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين وقد تقد م في سورة البقرة .

عدد الصفحات ٢٨٥

286 5 ( /وكان أمر الله مفعولا ) أي كائنا موجودا . ويراد بالْمر المأمور فهو مصدر وقع موقع المفعول ؛ فالمعنى أنه متى أراده أوجده . وقيل : معناه أن كل أمر أخبر بكونه فهو كائن على ما أخبر به . والجملة الكريمة تذييل قصد به تهديد هؤلاء الضالين المعاندين حتى يثوبوا إلى رشدهم، ويدخلوا في صفوف المؤمنين.

عدد الصفحات ٢٨٦

287 الموضع الثالث أَلَمم تَرَ إِلَى ال ذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا م ِنَ المكِتَابِ يُؤممِنُونَ بِالمجِبمتِ وَالط اغُوتِ وَيَقُولُونَ لِل ذِينَ كَفَرُوا هَ ؤُلاَءِ أَهمدَى مِ نَ ال ذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (51) أولَ ئِكَ ال ذِينَ لَعَنَهُمُ الل هُ وَمَن يَلمعَنِ الل هُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52) . أولاً : سبب نزولها روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها: ما جاء عن ابن عباس أن حيي بن أخطب وكعب بن الْشرف خرجا إلى مكة في جمع من اليهود ليحالفوا قريشا على حرب النبي صلى الله عليه وسلم. فنزل كعب على أبى سفيان فأحسن مثواه . ونزلت اليهود في دور قريش . فقال أهل مكة لليهود: إنكم أهل كتاب ومحمد صلى الله عليه وسلم صاحب كتاب فلا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم. فإن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا لهذين الصنمين وآمنوا بهما ففعلوا . ثم قال كعب: يا أهل مكة ليجيء منا ثلاثون ومنكم ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب البيت على قتال محمد صلى الله عليه وسلم ففعلوا ذلك. فلما فرغوا قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن أميون ل نعلم فأينا أهدى طريقا وأقرب إلى الحق نحن أم محمد؟ قال كعب: اعرضوا على دينكم. فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكرماء، ونسقيهم اللبن، ونقرى الضيف، ونفك العاني، ونصل الرحم، ونعمر بيت ربنا ونطوف به، ونحن أهل الحرم، ومحمد صلى الله عليه وسلم فارق دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم، وديننا القديم ودين محمد الحديث.فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلا مما عليه محمد صلى الله عليه وسلم فأنزل الله الآية. ثانياً : بين الله تعالى في الآيات الكريمة لونا من رذائل اليهود وقبائحهم التي تدعو إلى مزيد من التعجيب من أحوالهم . والتحقير من شأنهم ، إذ كيف يقولون لعباد الْصنام أنتم والله أهدى سبيلا مما عليه محمد صلى الله عليه وسلم . أم كيف يتعاهدون في البلد الحرام على قتال النبي عليه الصلاة والسلام . أم كيف سجدوا لصنمين وآمنوا بهما ؟ ثالثاً : جاء دفاع الله عن النبي صل ى الله عليه وسل م في الآيات الكريمات ببيان كذب اليهود على النبي صل ى الله عليه وسل م في نبوته ورسالته حيث ادعوا أن أهل مكة أهدى سبيلاً منه ،كما

عدد الصفحات ٢٨٧

288 أوضحت وقوعهم في الكفر بالله تعالى حين سجدوا لصنمين وآمنوا بهما ، وإليك بيان ما فيها من العلم الوفير وأوجه الدفاع عن البشير النذير صل ى الله عليه وسل م . 1/ قوله تعالى : ( أَلَمم تَرَ إِلَى ال ذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا م ِنَ المكِتَابِ يُؤممِنُونَ بِالمجِبمتِ وَالط اغُوتِ ) والصواب من القول في تأويل ي ؤْمِن ونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغ وتِ أن يقال: يصدقون بمعبودين من دون الله، ويتخذونهما إلهين، وذلك أن الجبت والطاغوت اسمان لكل معظم بعبادة من دون الله أو طاعة أو خضوع له، كائنا ما كان ذلك المعظم من حجر أو إنسان أو شيطان . 2/ وقوله تعالى ( وَيَقُولُونَ لِل ذِينَ كَفَرُوا ) بيان لما نطقوا به من زور وبهتان. أى: ويقولون إرضاء للذين كفروا وهم مشر كو مكة. هؤلء في شركهم وعبادتهم للجبت والطاغوت، أَهمدى مِنَ ال ذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً أى أقوم طريقا، وأحسن دينا من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم.واللام في قوله لِلَّذِينَ كَفَر وا لم العلة. أى: يقولون لْجل الذين كفروا..والإشارة بقوله هؤ لءِ أَهْدى إلى الذين كفروا. - وإيراد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعنوان الإيمان، ليس من قبل القائلين، بل من جهة الله تعالى، تعريفا لهم بالوصف الجميل، وتحقيرا لمن رجح عليهم المتصفين بأقبح الصفات. 3/ ثم بين- سبحانه- مصيرهم السيئ بسبب انحرافهم عن الحق فقال : (أُولَ ئِكَ ال ذِينَ لَعَنَهُمُ الل هُ وَمَن يَلمعَنِ الل هُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا )أى: أولئك الذين استحوذ عليهم الشيطان، فأيدوا المشركين بالقول والعمل وسجدوا لْصنامهم، وزكوا أفعالهم ... أولئك الذين هذه صفاتهم لَعَنَه م اللَّه أى: أبعدهم عن رحمته وطردهم وأخ زاهم بسبب كذبهم في حقدهم وإيثارهم عبادة الشيطان على طاعة الرحمن .وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّه فَلَنْ تَجِدَ لَه نَصِيراا أى ومن يلعنه الله ويبعده عن رحمته فلن تجد له ناصرا ينصره، أو شفيعا يشفع له.واسم الإشارة أ ولئِكَ مبتدأ. والموصول وصلته خبر. والجملة مستأنفة لبيان حالهم. وإظهار سوء مآلهم.

عدد الصفحات ٢٨٨