المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

فتح الودود بيان آيات الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم

أحمد خضر حسنين الحسن

صفحة ١٦ من ٢٥

241 الباب الثاني ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة المبحث الأول : ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة البقرة : الموضع الْول : وَلمََّا جَاءَه مْ كِتَاب م ِنْ عِ ندِ اللَّهِ م صَد ِق . الموضع الثاني : وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَات بَي ِنَات وَمَا يَكْف ر بِهَا إِلَّ الْفَاسِق ونَ . الموضع الثالث : يَا أَي هَا الَّذِينَ آمَن وا لَ تَق ول وا رَاعِنَا وَق ول وا انظ رْنَا وَاسْمَع وا . الموضع الرابع : وَ قَالَ الَّذِينَ لَ يَعْلَم ونَ لَوْلَ ي كَل ِم نَا اللَّه أَوْ تَأْتِينَا آيَة . الموضع الخامس : سَيَق ول الس فَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّه مْ عَن قِبْلَتِهِم . الموضع السادس : وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أ وت وا الْكِتَابَ بِك ل ِ آيَة مَّا تَبِع وا قِبْلَتَكَ . المبحث الثاني : ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الأنفال: الموضع الْول : وَإِذْ يَمْك ر بِكَ الَّذِينَ كَفَر وا لِي ثْبِت وكَ أَوْ يَقْت ل وكَ أَوْ ي خْرِج وكَ . الموضع الثاني : وَإِن ي رِيد وا أَن يَخْدَ ع وكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّه . الموضع الثالث : يَا أَي هَا النَّبِي حَسْب كَ اللَّه وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المْ ؤْمِنِينَ . المبحث الثالث : ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة آل عمران الموضع الْول : ق ل ل ِلَّذِينَ كَفَر و ا سَت غْلَب ونَ وَت حْشَر ونَ إِلَىَٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المِْهَاد . الموضع الثاني : إِنَّ الد ِينَ عِندَ اللَّهِ ِسْلاَم الإْ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أ وت وا الْكِتَابَ . الموضع الثالث : فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ . الموضع الرابع : يَ ا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ ت حَاج ونَ فِي إِبْرَاهِيمَ .

عدد الصفحات ٢٤١

242 الموضع الخامس : إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَع وه وَهََٰذَا النَّبِي . الموضع السادس : ك ل الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ ل ِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيل . الموضع السابع : الَّذِينَ قَال وا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّ ن ؤْمِنَ لِرَس ول . المبحث الرابع : ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة النساء : الموضع الْول : م ِنَ الَّذِينَ هَاد وا ي حَر ِف ونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِ عِهِ وَيَق ول ونَ . الموضع الثاني : يَا أَي هَا الَّذِينَ أ وت وا الْكِتَابَ آمِن وا بِمَا نَزَّلْنَا م صَد ِقاا . الموضع الثالث : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أ وت وا نَصِيباا م ِنَ الْكِتَابِ ي ؤْمِن ونَ بِالْجِبْتِ . الموضع الرابع : وَلَوْلَ فَضْل اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَت ه لَهَمَّت طَّائِفَة م ِنْه مْ أَن ي ضِل وكَ . الموضع الخامس : يَسْأَل كَ أَهْل الْكِتَابِ أَن ت نَز ِلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباا م ِنَ السَّمَاءِ . الموضع السادس : كِنِ لََّٰ اللَّه يَشْهَد بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَه بِعِلْمِ هِ . المبحث الخامس : ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة النور الموضع الْول :إِنَّ الَّذِينَ جَاء وا ِفْكِ بِالإْ ع صْبَة م ِنك مْ . الموضع الثاني : وَأَقْسَم وا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَه مْ لَيَخْر ج نَّ . الموضع الثالث: لَّ تَجْعَل وا د عَاءَ الرَّس ولِ بَيْنَك مْ كَد عَاءِ بَعْضِك م بَعْضاا . المبحث السادس: ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة المنافقون الموضع الْول :إِذَا جَاءَكَ المْ نَافِق ونَ قَال وا نَشْهَد إِنَّكَ لَرَس ول اللَّهِ . الموضع الثاني : ه م الَّذِينَ يَق ول ونَ لَ ت نفِق وا عَلَىَٰ مَنْ عِندَ رَس ولِ اللَّهِ حَتَّىَٰ بنفضوا . الموضع الثالث : يَق ول ونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى المَْدِينَةِ لَي خْرِجَنَّ الَْْعَز مِنْهَا الَْْذَلَّ .

عدد الصفحات ٢٤٢

243 المبحث السابع : ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة المائدة الموضع الْول : أَي هَا الرَّس ول لَ يَحْز نكَ الَّذِينَ ي سَارِع ونَ فِي الْك فْرِ الموضع الثاني : يَا أَي هَا الرَّس ول بَل ِغْ مَا أ نزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّب ِكَ المبحث الثامن : ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة التوبة الموضع الْول : إِلَّ تَنص ر وه فَقَدْ نَصَرَه اللَّه إِذْ أَخْرَجَه الَّذِينَ كَفَر وا ثَانِيَ اثْنَيْنِ الموضع الثاني : لَقَدِ ابْتَغَو ا الْفِتْنَةَ مِن قَبْل وَقَلَّب وا لَكَ الموضع الثالث : إِ ن ت صِبْكَ حَسَنَة تَس ؤْه مْ وَإِن ت صِبْكَ م صِيبَة يَق ول وا الموضع الرابع : يَحْلِف ونَ بِاللَّهِ لَك مْ لِي رْض وك مْ وَاللَّه وَرَس ول ه أَحَق أَن ي رْض وه الموضع الخامس : وَلَئِن سَأَلْتَه مْ لَيَق ول نَّ إِنَّمَا ك نَّا نَخ وض وَنَلْعَب الموضع السادس : يَحْلِف ونَ بِاللَّهِ مَا قَال وا وَلَقَدْ قَال وا كَلِمَةَ الْك فْرِ المبحث التاسع : ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في المعوذتين . أجوبة العلماء عن خبر سحر النبي صلى الله عليه و سلم .

عدد الصفحات ٢٤٣

244 المبحث الأول ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة البقرة الموضع الْول : وَلمََّا جَاءَه مْ كِتَاب م ِنْ عِندِ اللَّهِ م صَد ِق . الموضع الثاني : وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَات بَي ِنَات وَمَا يَكْف ر بِهَا إِلَّ الْفَاسِق ونَ. الموضع الثالث : يَا أَي هَا الَّذِينَ آمَن وا لَ تَق ول وا رَاعِنَا وَق ول وا انظ رْنَا وَاسْمَع وا . الموضع الرابع : وَقَالَ الَّذِينَ لَ يَعْلَم ونَ لَوْلَ ي كَل ِم نَا اللَّه أَوْ تَأْتِينَا آيَة . الموضع الخامس : سَيَق ول الس فَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّه مْ عَن قِبْلَتِهِم . الموضع السادس : وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أ وت وا الْكِتَابَ بِك ل ِ آيَة مَّا تَبِع وا قِبْلَتَكَ .

عدد الصفحات ٢٤٤

245 الموضع الأول قوله تعالى : وَلمَ ا جَاءَهُمم كِتَاب م ِنم عِندِ الل هِ مُصَد ِق َِا لم مَعَهُ مم وَكَانُوا مِن قَبملُ يَسمتَفمتِحُونَ عَلَى ال ذِينَ كَفَرُوا فَلَم ا جَاءَهُم م ا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعمنَةُ الل هِ عَلَى المكَافِرِينَ (89) أولاً : سبب نزولها قال القرطبي : قال ابن عباس : كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فلما التقوا هزمت يهود ، فعادت يهود بهذا الدعاء وقالوا : إنا نسألك بحق النبي الْمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إل تنصرنا عليهم . قال : فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان ، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كفروا ، فأنزل الله تعالى : وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا أي بك يا محمد ، إلى قوله : فلعنة الله على الكافرين . ثانياً : تبين من سبب النزول جحود اليهود لنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مع علمهم التام بأنه هو النبي الخاتم الذي كانوا ينتظرونه وأنه انطبفت عليه الصفات المذكورة في كتبهم ، ولهذا نزلت الآيات موجهة لهم العتاب ومدافعة عن خير من دعا إلى الملك التواب ، وإليك ما فيها من بالغ الحكمة وجميل الخطاب : 1/ قوله تعالى : (وَلمَ ا جَاءَهُمم كِتَاب م ِنم عِندِ الل هِ مُصَد ِق َِا لم مَعَهُمم ) يعني بقوله ( ولما جاءهم ) اليهود . ( كتاب ) يعني القرآ ن . ( من عند الله مصدق )نعت لكتاب ، ( لما معهم ) يعني التوراة والإنجيل يخبرهم بما فيهما . 2/ قوله تعالى : (وَكَانُوا مِن قَبملُ يَسمتَفمتِحُونَ عَلَى ال ذِينَ كَفَرُوا ) أي يستنصرون . والستفتاح الستنصار . استفتحت : استنصرت . وفي الحديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح بصعاليك المهاجرين ، أي يستنصر بدعائهم وصلاتهم . ومنه قوله تعالى ( فعس ى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ) . والنصر : فتح ش يء مغلق ، فهو يرجع إلى قولهم : فتحت الباب . وروى النسائي عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إنما نصر الله هذه الْمة بضعفائها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم . وروى النسائي أيضا عن أبي الدرداء قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " أبغوني الضعيف فإنكم إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم ".

عدد الصفحات ٢٤٥

246 وقال بعض المفسرين وقوله تعالى: وَكانُوا مِنم قَبملُ يَسمتَفم تِحُونَ عَلَى ال ذِينَ كَفَرُوا : بيان لحالتهم قبل البعثة المحمدية، فإن اليهود كانوا عند ما يحصل بينهم وبين أعدائهم نزاع،يستنصرون عليهم بالنبي صل ى الله عليه وسل م قبل بعثته فيقولون اللهم انصرنا عليهم بالنبي الذي نجد نعته في التوراة كما سبق ذكره في سبب النزول . 3/قوله تعالى : (فَلَم ا جاءَهُمم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ) أى: فلما جاءهم ما كانوا يستفتحون به على أعدائهم ويرتقبونه جحدوه وكفروا به. ولم يقل فلما جاءهم الكتاب أو الرسول، ليكون اللفظ أشمل، فيتناول الكتاب والرسول الذي جاء به لْنه ل يجيء الكتاب إل عن طريق رسول . ومعرفتهم بصدق الرسول صل ى الله عليه وسل م وما أنزل عليه حاصلة بانطباق العلامات والصفات الواردة في التوراة عن النبي صل ى الله عليه وسل م فكان من الواجب عليهم أن يؤيدوا هذه المعرفة بالإيمان به، ولكن خوفهم على زوال رئاستهم وأموالهم، وفوات ما كانوا يحرصون عليه من أن يكون النبي المبعوث منهم ل من العرب، ملأ قلوبهم غيظا وحسدا، وأخذ هذا الغيظ والحسد يغالب تلك المعرفة حتى غلبها، وحال بينها وبين أن يكون لها أثر نافع لهم لعدم اقترانها بالقبول والتصديق .ولقد حاول رئيسهم عبد الله بن سلام - رض ي الله عنه- أن يصرفهم عن العناد وأقسم لهم بأن ما جاء به النبي صل ى الله عليه وسل م هو الحق المصدق لما معهم أن يتبعوه ولكنهم عموا وصموا وتنقصوه ولذا لعنهم الله تعالى، وأبعدهم عن رحمته كما قال تعالى: فَلَعمنَةُ الل هِ عَلَى المكافِرِينَ .وقال- سبحانه- عَلَى الْكافِرِينَ ولم يقل عليهم، للإشعار بأن حلول اللعنة عليهم كان بسبب كفرهم .

عدد الصفحات ٢٤٦

247 الموضع الثاني قوله تعالى : وَلَقَدم أَنزَلمنَا إِلَيمكَ آيَات بَي ِنَات وَمَا يَكمفُرُ بِهَا إِلا المفَاسِقُونَ (99) أَوَكُل مَا عَاهَدُوا عَهمدًا ن بَذَهُ فَرِيق م ِنمهُم بَلم أَكمثَ رُهُمم لاَ يُؤممِنُونَ (100) أولاً : سبب نزولها قال القرطبي : قال ابن عباس رض ي الله عنهما : هذا جواب لبن صوريا حيث قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا محمد ما جئتنا بش يء نعرفه ، وما أنزل عليك من آية بينة فنتبعك بها ؟ فأنزل الله هذه الآية (وَلَقَدْ أَن زَلْنَا إِلَيْكَ آيَات بَي ِنَات ) ذكره الطبري . وقال ابن عباس رض ي الله عنهما: "لما ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخذ الله عليهم من الميثاق وعهد إليهم في محمد أن يؤمنوا به، قال مالك بن الصيف: والله ما عهد إلينا في محمد عهد، فأنزل الله تعالى هذه الآية (أَوَك لَّمَا عَاهَد وا عَهْداا نَّبَذَه فَرِيق م ِنْه م ) ذكره البغوي . ثانياا : لقد كذب هذان الحبران اليهوديان لبن صوريا و مالك بن الصيف على النبي صلى الله عليه وسلم فأنكرا معرفتهما به وبعلاماته ، ولما كانا لهما اتباعاا يتأسون بهما كان ل بد فض ح كذبهما وبيان أن الله تعالى قد أنزل صفات النبي صلى الله عليه وسلم وعلاماته في الكتب السابقة ، وأن الله تعالى قد أخذ العهد والميثاق على جميع الْبياء السابين وأتباعهم الإيمان به صلى الله عليه وسلم ورد على هذين الفاسقين قوله بهاتين الآيتين الكريمتين، وإليك بيانهما : الآية الأولى :( وَلَقَدم أَنمزَلمنَآ إِلَيمكَ آيَات بَي ِنَات وَمَا يَكمفُرُ بِهَآ ) أى: لقد أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات دالة على معانيها وعلى كونها من عند الله، وبينا لك فيها علوم اليهود، ومكنونات سرائرهم وأخبارهم، وما حرفه أوائلهم وأوا خرهم من كتبهم، وما بدلوه من أحكامهم قال تعالى:إِنَّ هذَا الْق رْآنَ يَق ص عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي ه مْ فِيهِ يَخْتَلِف ونَ . 2/ويمكن أن يقال : أطلع الله في كتابه الذي أنزله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ما وقع فيه أهل الكتاب من البعد عن دينهم ما حرفه أوائلهم وأواخرهم وبدلوه من أحكامهم ، التي كانت في التوراة ، فكان في ذلك من أمره الآيات البينات لمن أنصف نفسه ، ولم يدعه إلى هلاكها الحسد

عدد الصفحات ٢٤٧

248 والبغي ، إذ كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة تصديق من أتى بمثل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الآيات البينات التي وصف ، من غير تعلم تعلمه من بشري ول أخذ شيئا منه عن آدمي . قاله ابن كثير . وإن هذه الآيات التي أنزلها الله إليك يا محمد، ما يكفر بها، ويجحد صدقها إل المتمردون من الكفرة، الخارجون على حدود الله المنتهكون لحرماته . الآية الثانية : ( أَوَكُل مَا عَاهَدُوا عَهمدًا ن بَذَهُ فَرِيق م ِنمهُم بَلم أَكمثَرُهُمم لاَ يُؤممِنُونَ ) : 1/ قوله تعالى ( أَوَكُل مَا عَاهَدُوا عَهمدًا ن بَذَهُ فَرِيق م ِنمهُم ) قال ابن كثير " القوم ذمهم الله بنبذهم العهود التي تقدم الله إليهم في التمسك بها والقيام بحقها . ولهذا أعقبهم ذلك التكذيب بالرسول المبعوث إليهم وإلى الناس كافة ، الذي في كتبهم نعته وصفته وأخباره ، وقد أمروا فيها باتباعه ومؤازرته ومناصرته ، كما قال : ( الذين يتبعون الرسول النبي الْمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ) الآية [الْعراف : 157 ] 2/ قال الرازي : دل بقوله : ( أَوَكُل ما عاهَدُوا ) على عهد بعد عهد نبذوه ونقضوه، بل يدل على أن ذلك كالعادة منهم، فكأنه- تعالى- أراد تسلية النبي صل ى الله عليه وسل م عند كفرهم بما أنزل عليه من الآيات، بأن بين له أن ذلك ليس ببدع منهم، بل هو سجيتهم وعادتهم وعادة سلفهم ) اهـ وقيل : إن اليهود عاهدوا لئن خرج محمد لنؤمن به ولنكونن معه على مشركي العرب ، فلما بعث كفروا به . وقال عطاء : هي العهود التي كانت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين اليهود فنقضوها كفعل قريظة والنضير ، دليله قوله تعالى : الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم ل يتقون . قال صاحب الكشاف، واليهود موسومون بالغدر ونقض العهود، وكم أخذ الله الميثاق منهم ومن آبائهم فنقضوا، وكم عاهدوا رسول الله فلم يفوا ( ال ذِينَ عاهَدمتَ مِنمهُمم ثُم يَنمقُضُونَ عَهمدَهُمم فِي كُل ِ مَر ة وَهُمم لا يَ ت قُونَ).

عدد الصفحات ٢٤٨

249 2/ قوله تعالى : ( بَلم أَكمثَرُهُمم لاَ يُؤممِنُونَ ) يفيد الترقي إلى الْغلظ فالْغلظ، أى أن فريقا منهم عرف بنقضه للعهد، وأكثرهم عرف بكفره وجحده للحق. وقال السعدي : وهذا فيه التعجيب من كثرة معاهداتهم, وعدم صبرهم على الوفاء بها. فـ " ك لَّمَا " تفيد التكرار , فكلما وجد العهد ترتب عليه النقض، ما السبب في ذلك؟ السبب أن أكثرهم ل يؤمنون، فعدم إيمانهم هو الذي أوجب لهم نقض العهود، ولو صدق إيمانهم, لكانوا مثل من قال الله فيهم: ( مِنَ الممُؤممِنِينَ رِجَال صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا الل هَ عَلَيمهِ ) .

عدد الصفحات ٢٤٩

250 الموضع الثالث قوله تعالى : يَا أَي هَا ال ذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرمنَا وَاسممَعُوا وَلِلمكَافِرِينَ عَذَاب أَلِيم (104) أولاً : سبب نزولها قال المفسرون : كان المسلمون يقولون راعنا يا رسول الله وأرعنا سمعك، يعنون المراعاة، وكانت هذه اللفظة سبا قبيحا بلغة اليهود فلما سمعتها اليهود اغتنموها وقالوا فيما بينهم: كنا نسب محمدا سرا فأعلنوا له الآن بالشتم، وكانوا يأتونه ويقولون : راعنا يا محمد ويضحكون فيما بينهم، فسمعها «سعد بن معاذ» ففطن لهم، - وكان يعرف لغتهم- فقال لليهود: عليكم لعنة الله، والذي نفس ي بيده يا معشر اليهود لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله صل ى الله عليه وسل م لْضر بن عنقه، فقالوا : أولستم تقولونها، فأنزل الله- تعالى- يا أَي هَا الَّذِينَ آمَن وا ل تَق ول وا راعِنا لكي ل يتخذ اليهود ذلك سبيلا إلى شتم الرسول صل ى الله عليه وسل م . ثانياً : مما ذكر في سبب النزول يتبين لنا أن هذه فيها صيانة لجناب الحبيب صل ى الله عليه وسل م مِن أن يمس أو يهان حتى ولو كان الفاعل لذلك لا قصد له في توجيه شيئ من الإساءة إليه صل ى الله عليه وسل م بل ولو كان ذلك ممن كان يحبه ويع ظمه وهم الصحب الكرام ولا شك أنهم لا يقبلون ذلك من غيرهم فضلاً من أن يقعوا فيه هم أنفسهم ولذا نببهم ربهم إلى أن لا يأتوا بكلام موهم يتخذه اليهود ذريعة إلى النيل منه صل ى الله عليه وسل م فأنزل الآية الكريمة ، وإليك بيان ما فيها من الآداب وجميل الخطاب : 1 / وجه القرآن نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم بألفاظ معينة حتى ل يتخذها اليهود ذريعة للإِساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال تعالى :( يَاأَي هَا الذين آمَنُوام لاَ تَقُولُوام ) راعِنا من المراعاة، وهي المبالغة في الرعي بمعنى حفظ الغير، وإمهاله، وتدبير أموره، وتدارك مصالحه، وكان المؤمنون يقولون لرسول الله صل ى الله عليه وسل م إذا حدثهم بحديث راعنا يا رسول الله، أى: راقبنا وانظرنا حتى نفهم كلامك ونحفظه، فتلقف اليهود هذه الكلمة لموافقتها كلمة سيئة عندهم، وأخذوا يلوون بها ألسنتهم، ويقولون «راعنا» يا أبا القاسم،

عدد الصفحات ٢٥٠

251 يظهرون أنهم يريدون طلب المراعاة والنتظار، وهم يريدون في الحقيقة الإساءة إليه صل ى الله عليه وسل م إذ أن هذه الكلمة عبرية كانوا يتسابون بها يقصدون جعله راعيا من رعاة الغنم أو من الرعونة التي هي الحمق والخفة، فنهى الله- تعالى- المسلمين عن استعمال هذه الكلمة حتى ل يتخذها اليهود وسيلة إلى إيذاء النبي صل ى الله عليه وسل م والتنقيص من شأنه. قال قتادة: ( كانت اليهود تقول للنبي صل ى الله عليه وسل م راعنا سمعك، يستهزئون بذلك وكانت - هذه الكلمة - في اليهود قبيحة ) . وقال الإمام ابن كثير: «نهى الله- تعالى- عباده المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم،وذلك أن اليهود كانوا يعلنون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص فإذا أرادوا أن يقولوا :اسمع لنا، يقولوا راعنا يورون بالرعونة كما قال تعالى:مِنَ الَّذِينَ هاد وا ي حَر ِ ف ونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَق ول ونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا، وَاسْمَعْ غَيْرَ م سْمَع وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناا فِي الد ِينِ، وَلَوْ أَنَّه مْ قال وا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظ رْنا لَكانَ خَيْراا لَه مْ وَأَقْوَمَ، وَلكِنْ لَعَنَه م اللَّه بِك فْرِهِمْ، فَلا ي ؤْمِن ونَ إِلَّ قَلِيلاا . وكذلك جاءت الْحاديث بالإخبار عنهم بأنهم كانوا إذا سلموا، إنما يقولون السام عليكم والسام هو الموت ولهذا أمرنا أن نرد عليهم بقولنا وعليكم، وأنما يستجاب لنا فيهم ول يستجاب لهم فينا، والغرض أن الله تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قول وفعلا ) . ثم أرشد الله- تعالى- المؤمنين إلى ما يقولونه بدل هذه الكلمة فقال تعالى: وَق ول وا انْظ رْنا أى: ل تقولوا تلك الكلمة- وهي راعِنا أيها المؤمنون لئلا يتخذها اليهود ذريعة لسب نبيكم صل ى الله عليه وسل م وقولوا مكانها «انظرنا » أى: انتظرنا وتأن معنا حتى نفهم عنك، من نظر بمعنى انتظر تقول نظرت الرجل انظره إذا انتظرته وارتقبته، وبهذا المعنى ورد قوله تعالى انْظ ر ونا نَقْتَبِسْ مِنْ ن ورِك مْ أى: انتظرونا نقتبس من نوركم. فالآية الكريمة تنبيه وإرشاد إلى الْدب الجميل، وهو أن يتجنب الإنسان في مخاطباته الْلفاظ التي توهم جفاء أو تنقيصا في مقام يقتض ى إظهار مودة أو تعظيم.

عدد الصفحات ٢٥١

252 ثم بين- سبحانه - مصير اليهود المؤلم جزاء تعديهم على رسول الله صل ى الله عليه وسل م فقال: وَلِلْكافِرِينَ عَذاب أَلِيم ، أى: لهؤلء اليهود الذين اتخذوا كلمة راعِنا وسيلة إلى سب الرسول صل ى الله عليه وسل م عذاب أليم جزاء كفرهم وتطاولهم وسفاهتهم.هذا، وقد وردت أحاديث صحيحة صرحت بأن اليهود كانوا يحيون رسول الله صل ى الله عليه وسل م بكلام محرف ل يفطن له أكثر الناس يقصدون به الدعاء عليه بالموت، فكان الر سول صل ى الله عليه وسل م يرد عليهم بما يكبتهم ويخزيهم ومن هذه الْحاديث ما أخرجه البخاري عن أنس بن مالك قال: 1/ مر يهودي برسول الله صل ى الله عليه وسل م فقال السام عليك، فقال رسول الله صل ى الله عليه وسل م (وعليك) ، ثم قال رسول الله صل ى الله عليه وسل م لْصحابه- أتدرون ما يقول؟ قالوا : ل، قال يقول (السام عليك) قالوا يا رسول الله أل نقتله. قال: ( ل، إذا سل م عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم) . 2/ وأخرج الشيخان عن عائشة- رض ي الله عنها- قالت:دخل رهط من اليهود على رسول الله صل ى الله عليه وسل م فقالوا :السام عليك قالت عائشة: ففهمتها، فقلت: عليكم السام واللعنة، قالت: فقال رسول الله صل ى الله عليه وسل م «مه يا عائشة إن الله يحب الرفق في الْمر كله» فقلت يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا؟ قال " لقد قلت وعليكم" 3/ وروى مسل م عن جابر بن عبد الله قال« :سل م ناس من اليهود على رسول الله صل ى الله عليه وسل م فقالوا السام عليك يا أبا القاسم فقال« :وعليكم» فقالت عائشة وغضبت: ألم تسمع ما قالوا : قال بلى قد سمعت فرددت عليهم، وإنما نجاب ول يجابون علينا» «3» . وإذن فالآية الكريمة وهي قوله تعالى: يا أَي هَا الَّذِينَ آمَن وا ل تَق ول وا راعِنا إلخ، وهذه الْحاديث الشريفة تثبت أن اليهود كانوا يستعملون من بين مسالكهم الخبيثة لكيد الدعوة الإسلامية القول الملتوى القبيح، والخطاب المحرف السيئ، ولكن الله- تعالى- أحبط خطتهم، ونهى المؤمنين عن استعمال الْلفاظ التي كان يتخذها اليهود ذريعة لبلو غ مآربهم، وكان الرسول صل ى الله عليه وسل م يرد عليهم بما يغيظهم ويخزيهم، وبذلك ذهبت مكايد اليهود أدراج الرياح وأيد الله- تعالى- رسوله والمؤمنين بقوته ونصره .

عدد الصفحات ٢٥٢

253 الموضع الرابع قوله تعالى : وَقَالَ ال ذِينَ لاَ يَعملَمُونَ لَوملاَ يُكَل ِمُنَا الل هُ أَوم تَأم تِينَا آيَة كَذَ لِكَ قَالَ ال ذِينَ مِن قَبملِهِم م ِثملَ قَوملِهِمم تَشَابَهَتم قُلُوبُهُمم قَدم بَي ن ا الآميَاتِ لِقَومم يُوقِنُونَ (118) إِن ا أَرمسَلمنَاكَ بِالمحَق ِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلاَ تُسمأَلُ عَنم أَصمحَابِ المجَحِيمِ (119) أولاً : سبب نزولها : قال المفسرون : عن ابن عباس قال: قال رافع بن حريملة اليهودي لرسول الله صل ى الله عليه وسل م يا محمد، إن كنت رسول من الله كما تقول، فقل لله يكلمنا حتى نسمع كلامه فأنزل الله هذه الآية. ثانياً : تمضنت الآية الكشف عن شبهة من شبهات اليهود التي أثاورها وبعض المطالب المتعنتة التي طلبوها من النبي صل ى الله عليه وسل م ومرادهم منها التشكيك في نبوته صل ى الله عليه وسل م . ثالثاً : جاء دفاع الله تعالى عن الحبيب المصطفى صل ى الله عليه وسل م وتوبيخ أولئك المقترحين لتلك الاقتراحات الباطلة – من رؤية الله تعالى أو سماع كلامه – وقد قلدوا في هذا الباطل آباءهم ، مع علمهم بأن مطالبهم هذه لا تكون في الدنيا أبداً لبشر عادي ، ولهذا إليك بيان ما في الآية من دفاع عظيم عن النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم : 1/ قوله تعالى : ( وَقالَ ال ذِينَ لا يَعملَمُونَ ) أي علما نافعا أمثال هؤلء اليهود الذين طالبوك بالمطالب المتعنتة- يا محمد- صل ى الله عليه وسل م - ( لَوملا يُكَل ِمُنَا الل هُ ) إما مشافهة، أو بواسطة الوحى إلينا ل إليك، أو يرينا حجة تقوم على صدق رسالتك، قالوا هذا على وجه العناد والجحود أن تكون الآيات التي أقامها الله على صدق رسالته آيات حقا. 2/ وقد رد الله تعالى عليهم بقوله : ( كَذلِكَ قالَ ال ذِينَ مِنم قَبملِهِمم مِثملَ قَوملِهِمم ) أى: مثل هذا القول المتعنت، قال الجاحدون من أسلافهم الذين أرسل الله إليهم الرسل ليخرجوهم من الظلمات إلى النور وفي هذه الجملة تسلية للرسول صل ى الله عليه وسل م بأن ما لقاه من قومه مثل ما لقيه الرسل من قبله

عدد الصفحات ٢٥٣

254 3/ قوله تعالى ( تَشابَهَتم قُلُوبُهُمم ) أى تشابهت قلوب هؤلء وأولئك في العناد والضلال . أي : أشبهت قلوب مشركي العرب قلوب من تقدمهم في الكفر والعناد والعتو ، كما قال تعالى : ( كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إل قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون [ ) الذاريات : 52 ، 53 . ] 4/ قوله تعالى (قَدم بَي ن ا الآمياتِ لِقَومم يُوقِنُونَ) أى: جعلناها بينة واضحة في ذاتها لمن شأنهم الإخلاص في طلب الحق أينما كان، فيتجهون إليه عن طريق الْدلة الصحيحة بقلوب نقية من الْهواء موقنة بجلال الحق ووجوب الطاعة. قال ابن عاشور : وتبيين الآيات هو ما جاء من القرآن المعجز للبشر الذي تحدى به جميعهم فلم يستطيعوا الإتيان بمثله كما تقدم ، وفي الحديث « :ما من الْنبياء نبيء إل أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيت وحياا أوحى الله إليَّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاا يوم القيامة »فالمعنى قد بينا الآيات لقوم من شأنهم أن يوقنوا ول يشككوا أنفسهم أو يعرضوا حتى يحول ذلك بينهم وبين الإيقان أو يكون المعنى قد بينا الآيات لقوم يظهرون اليقين ويعترفون بالحق ل لقوم مثلكم من المكابرين . 5/ قوله تعالى (لِقَومم يُوقِنُونَ ) أي لمن أيقن وصدق واتبع الرسل ،وفَهِم ما جاءوا به عن الله تبارك وتعالى . وأما من ختم الله على قلبه وجعل على بصره غشاوة فأولئك الذين قال الله تعالى فيهم : ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك ل يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الْليم [ )يونس : 96 ، 97 . ] وفي هذا الكلام تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن ما لقيه من قومه مثل ما لقاه الرسل قبله ولذلك أردفت هذه الآية بقوله { :إنا أرسلناك بالحق [ }البقرة : 119 ]الآية . 6 /(إِن ا أَرمسَلمنَاكَ بِالمحَق ِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلاَ تُسمأَلُ عَنم أَصمحَابِ المجَحِيمِ ) قال ابن عاشور : هذه الآية كالجملة المعترضة بين حكايات أحوال المشركين وأهل الكتاب ، القصد منها تأنيس الرسول عليه الصلاة والسلام من أسفه على ما لقيه من أهل الكتاب مما يماثل ما لقيه من المشركين وقد كان يود أن يؤمن به أهل الكتاب فيتأيد بهم الإسلام على المشركين فإذا هو يلقى

عدد الصفحات ٢٥٤

255 منهم ما لقي من المشركين أو أشد وقد قال «لو آمن بي عشرة من اليهود لآمن بي اليهود كلهم» فكان لتذكير الله إياه بأنه أرسله تهدئة لخاطره الشريف وعذر له إذ أبلغ الرسالة وتطمين لنفسه بأنه غير مسؤول عن قوم رضوا لْنفسهم بالجحيم . وفيه تمهيد للتأييس من إيمان اليهود والنصارى . والمعنى : ل تذهب نفسك عليهم حسرات يا محمد، عليه الصلاة والسلام فإن وظيفتك أن تبشر وتنذر ولست بعد ذلك مؤاخذا ببقاء الكافرين على كفرهم، و لست مسئول عن عدم اهتدائهم فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغ وَعَلَيْنَا الْحِساب . وفي وصفهم بأنهم أصحاب الجحيم، إشعار بأنهم قد طبع على قلوبهم، فصاروا ل يرجى منها الرجوع عن الكفر. فائدتان مهمتان : الأولى : قال الإمام الرازي : وتقرير شبهتهم أن الحكيم إذا أراد تحصيل ش يء، اختار أقرب الطرق إليه، وبما أن الله قد كلم موس ى وكلمك يا محمد فلم ل يكلمنا مشافهة، أو يخصك بمعجزة يتجلى من ورائها صدق نبوتك، وهذا منهم طعن في أن القرآن معجزة، لْنهم لو أقروا بذلك لستحال أن يقولوا ما قالوه.أجابهم الله عن هذه الشبهة بقوله كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ وحاصل هذا الجواب : أنا قد أيدنا قول محمد بالمعجزات، وبينا صحة قوله بالقرآن وسائر الحجج، فكان طلب هذه الزوائد من باب التعنت. الثانية : قال ابن عاشور : وما قيل إن الآية نزلت في نهيه صلى الله عليه وسلم عن السؤا ل عن حال أبويه في الآخرة فهو استناد لرواية واهية ولوصحت لكان حمل الآية على ذلك مجافياا للبلاغة إذ قد علمت أن قوله { :إنا أرسلناك }تأنيس وتسكين فالإتيان معه بما يذكِ ر المكدرات خروج عن الغرض وهو مما يعبر عنه بفساد الوضع .

عدد الصفحات ٢٥٥

256 الموضع الخامس قوله تعالى : سَيَ قُولُ الس فَهَاءُ مِنَ الن اسِ مَا وَلا هُمم عَن قِبملَتِهِمُ ال تِي كَانُوا عَلَيمهَا قُل ل ِل هِ الممَشمرِقُ وَالممَغمرِبُ يَهمدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاط م سمتَقِيم (142) وقوله تعالى : وَلَئِنم أَتَيمتَ ال ذِينَ أُوتُوا المكِتَابَ بِكُل ِ آيَة م ا تَبِعُوا قِبملَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِع قِبملَتَهُمم وَمَا بَعمضُهُم بِتَابِع قِبملَةَ بَعمض وَلَئِنِ ات بَعمتَ أَهموَاءَهُم م ِن بَعمدِ مَا جَاءَكَ مِنَ المعِلممِ إِن كَ إِذًا لم ِنَ الظ المِِينَ (145) أولاً : سبب نزولها الآيات نزلت في شأن تحويل القبلة قبل أن يأمر الله تعالى بأن تحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة ، قال المفسرون : تضمنت هذه الآيات الكريمة إعلام النبي صل ى الله عليه وسل م والمؤمنين أن فريقا من الناس الذين خفت أحلامهم وضعفت عقولهم وعدلوا عما ينفعهم إلى ما يضره م، سيقولون على سبيل الإنكار عند تحويل القبلة إلى المسجد الحرام، ما صرفهم عن القبلة التي كانوا عليها، وهي بيت المقدس. ثانياً : بيان الأوجه في كونها دفاعاً عن الحبيب صل ى الله عليه وسل م : 1/ قال صاحب الكشاف: "فإن قلت، أى فائدة في الإخبار بقولهم قبل وقوعه؟ قلت: فائدته أن مفاجأة المكروه أشد، والعلم به قبل وقوعه أبعد من الضطراب إذا وقع، لما يتقدمه من توطين النفس، وأن الجواب العتيد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم وأرد لشغبه". 2/ والمراد بالسفهاء اليهود الذين استنكروا تحويل القبلة، ومن لف لفهم من المنافقين ومشركي العرب. وإنما سماهم الله- تعالى- سفهاء لْنهم سفهوا الحق، وجحدوه، وأنكروا نبوة النبي صل ى الله عليه وسل م . مع علمهم بصدقه في رسالته. وقد صرح البخاري - رحمه الله- بأن المراد بالسفهاء هم اليهود، فقد روى عن البراء بن عازب قال:كان رسول الله صل ى الله عليه وسل م يحب أن يتوجه إلى الكعبة، فأنزل الله- تعالى- قَدْ نَرى

عدد الصفحات ٢٥٦