225 الموضع الثالث قوله تعالى : وَإِذَا رَآكَ ال ذِينَ كَفَرُوا إِن يَت خِذُونَكَ إِلا هُ زُوًا أَهَ ذَا ال ذِي يَذمكُرُ آلِهَتَكُمم وَهُم بِذِكمرِ الر حممَ نِ هُمم كَافِرُونَ (36 )خُلِقَ ِنسَانُ الإم مِنم عَجَل سَأُرِيكُمم آيَاتِي فَلاَ تَسمتَعمجِلُونِ (37) أولاًفي هذه الآيات الكريمات ذكر الله تعالى جانبا من السفاهات التي كان المشركون يقابلون بها النبي صل ى الله عليه وسل م ثم رد عليهم وبين جهلهم وعنادهم ثم تهددهم بما سيؤل إليه أمرهم في الآخرة . 1/ قوله تعالى : ( وَإِذا رَآكَ ال ذِينَ كَفَرُوا إِنم يَت خِذُونَكَ إِلا هُزُواً) أى: وإذا أبصرك المشركون - أيها الرسول الكريم - سخروا منك، واستخفوا بك وقالوا على سبيل التهوين من شأنك: أَهذَا الَّذِي يَذْك ر آلِهَتَك مْ أى: أهذا هو مدعى النبوة الذي يذكر آلهتكم بسوء ويعيبها، وينفى شفاعتها لنا، وأنها تقربنا إلى الله زلفى. 2/ قوله تعالى : ( وَهُمم بِذِكمرِ الر حممنِ هُمم كافِرُونَ ) أى: أنهم يقولون فيما بينهم أهذا هو الرسول الذي يذكر آلهتكم بسوء، والحال أن هؤلء المشركين الجاهلين، كافرون بالقرآن الذي أنزله الله- تعالى- عليك- أيها الرسول الكريم - لتخرج الناس به من الظلمات إلى النور . فالآية الكريمة تنعى على هؤلء المشركين جهالتهم وسفاهاتهم، حيث استكثروا على الرسول صل ى الله عليه وسل م أن يذم آلهتهم التي ل تنفع ول تضر ولم يستكثروا على أنفسهم، أن يكفروا بخالقهم وبذكره الذي أنزله على نبيه صل ى الله عليه وسل م ليكون رحمة لهم. 3/ قال صاحب الكشاف: (الذكر) يكون بخير وبخلافه. فإذا دلت الحال على أحدهما أطلق و لم يقيد. كقولك للرجل : سمعت فلانا يذكرك، فإن كان الذاكر صديقا فهو ثناء، وإن كان عدوا فهو ذم، ومنه قوله : أَهذَا الَّذِي يَذْك ر آلِهَتَك مْ .والمعنى : أنهم عاكفون على ذكر آلهتهم بهممهم، وربما يجب أن ل تذكر به من كونهم شفعاء وشهداء. ويسوءهم أن يذكرها ذاكر بخلا ف ذلك.
عدد الصفحات ٢٢٥226 وأما ذكر الله- تعالى- وما يجب أن يذكر به من الوحدانية، فهم به كافرون ل يصدقون به أصلا، فهم أحق بأن يت خذوا هزوا منك، فإنك محق وهم مبطلون .. فسبحان من أضلهم حتى تأدبوا مع الْوثان، وأساءوا الْدب مع الرحمن » . 4/ قوله تعالى (خُلِقَ ِنسَانُ الإم مِنم عَ جَل سَأُرِيكُمم آيَاتِي فَلاَ تَسمتَعمجِلُونِ ) قال ابن كثير: والحكمة في ذكر عجلة الإنسان هنا: أنه- سبحانه- لما ذكر المستهزئين بالرسول صل ى الله عليه وسل م وقع في النفوس سرعة النتقام منهم. فقال- سبحانه-: خ لِقَ ِنْسان الإْ مِنْ عَجَل لْنه- تعالى- يملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، يؤجل ثم يعجل، وينظر ثم ل يؤخر، ولهذا قال: ( سَأُرِيكُمم آياتِي) أى: نقمى واقتدارى على من عصاني ( فَلا تَسمتَعمجِلُونِ) . 5/ قال ابن عاشور(سَأُرِيكُمم آيَاتِي فَلاَ تَسمتَعمجِلُونِ ) والمعنى : وعد بأنهم سيرون آيات الله في نصر الدين ، وذلك بما حصل يوم بدر من النصر وهلك أيمة الشرك وما حصل بعده من أيام الإسلام التي كان النصر فيها عاقبة المسلمين .
عدد الصفحات ٢٢٦227 المبحث السابع والعشرون ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الرعد الموضع الأول : وَيُسَب ِحُ الر عمدُ بِحَممدِهِ وَالممَلاَئِكَةُ مِنم خِيفَتِهِ . الموضع الثاني : وَلَوم أَن قُرمآنًا سُي ِرَتم بِهِ المجِبَالُ أَوم قُط ِعَتم بِهِ الأمَرمضُ . الموضع الثالث : وَلَقَدم أَرمسَلمنَا رُسُلاً م ِن قَبملِكَ وَجَعَلمنَا لَهُمم أَزموَاجًا .
عدد الصفحات ٢٢٧228 اوضع الأول قوله تعالى :وَيُسَب ِحُ الر عمدُ بِحَممدِهِ وَالممَلاَئِكَةُ مِنم خِيفَتِهِ وَيُرمسِلُ الص وَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمم يُجَادِلُونَ فِي الل هِ وَهُوَ شَدِيدُ الممِحَالِ (13) أولاً : سبب نزولها ذكر المفسرون عن ابن عباس أنه قال : ( أقبل عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة العامريان يريدان النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في المسجد جالس في نفر من أصحابه ، فدخلا المسجد ، فاستشرف الناس لجمال عامر وكان أعور ، وكان من أجمل الناس ; فقال رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - : هذا يا رسو ل الله عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك ; فقال : دعه فإن يرد الله به خيرا يهده فأقبل حتى قام عليه فقال : يا محمد ما لي إن أسلمت ؟ فقال : لك ما للمسلمين وعليك ما على المسلمين . قال : أتجعل لي الْمر من بعدك ؟ قال : ليس ذاك إلي إنما ذلك إلى الله يجعله حيث يشاء . قال : أفتجعلني على الوبر وأنت على المدر ؟ قال : ل . قال : فما تجعل لي ؟ قال : ( أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها في سبيل الله ) . قال : أوليس لي أعنة الخيل اليوم ؟ قم معي أكلمك ، فقام معه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان عامر أومأ إلى أربد : إذا رأيتني أكلمه فدر من خلفه واضربه بالسيف ، فجعل يخاصم النبي - صلى الله عليه وسلم - ويراجعه ، فاخترط أربد من سيفه شبرا ثم حبسه الله ، فلم يقدر على سله ، ويبست يده على سيفه ، وأرسل الله عليه صاعقة في يوم صائف صاح فأحرقته ، وولى عامر هاربا وقال : يا محمد ! دعوت ربك على أربد حتى قتلته، والله لْملأنها عليك خيلا جردا ، وفتيانا مردا ، فقال - عليه السلام - : يمنعك الله من ذلك وأبناء قيلة يعني الْوس والخزرج ; فنزل عامر بيت امرأة سلولية ،وأصبح وهو يقول : والله لئن أصحر لي محمد وصاحبه - يريد ملك الموت - لْنفذتهما برمحي ، فأرسل الله ملكا فلطمه بجناحه فأذراه في التراب ،وخرجت على ركبته غدة عظيمة في الوقت ; فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول : غدة كغدة البعير ، وموت في بيت سلولية ; ثم ركب على فرسه فمات على ظهره ). وفي سبب النزول روايات أخرى .
عدد الصفحات ٢٢٨229 ثانياً : تضمن سبب النزول محاولة المشركين قتل النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن الله تعالى دافع عنه عن طريقين : الفعل والقول : أحدهما : أما دفاعه تعالى الفعلي : فقد قتل كلا الرجلين اللذين حاولا قتل النبي صلى الله عليه وسلم : فأما أربد - لعنه الله - على سيفه عندما أراد أن يسله لقتل النبي صلى الله عليه و سلم ثم أرسل الله عليه الصاعقة فقتلته ، وأما عامر فلم يتعظ صاحبه بل استمر في المحاولة وتوعد النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل الله ملكا فلطمه بجناحه فأذراه في التراب . فهاتان معجزتان الله تعالى دافع بهما عن نبيه ومصطفاه محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا فيه من العناية الربانية ما فيه . الثاني :وأما دفاعه تعالى القولي ففيما انزله في الآية الكريم ( وَيُسَب ِحُ الر عمدُ بِحَممدِهِ وَالممَلاَئِكَةُ مِنم خِيفَتِهِ وَيُرمسِلُ الص وَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمم يُجَادِلُونَ فِي الل هِ وَهُوَ شَدِيدُ الممِ حَالِ ) وإليك بيانها : 1/ وَيُسَب ِحُ الر عمدُ بِحَممدِهِ بيان لمظهر من مظاهر قدرته.والرعد : اسم للصوت الهائل الذي يسمع إثر تفجير شحنة كهربية في طبقات الجو.وعطف- سبحانه- الرعد على البرق والسحاب، لْنه مقارن لهما في كثير من الْحوال .والتسبيح : مشتق من السبح وهو المرور السريع في الماء أو في الهواء وسمى الذاكر لله- تعالى- مسبحا، لْنه مسرع في تنزيهه سبحانه عن كل نقص. وتسبيح الرعد - وهو هذا الصوت الهائل- بحمد الله، يجب أن نؤمن به، ونفوض كيفيته إلى الله- تعالى- لْنه من الغيب الذي ل يعلمه إل هو- سبحانه- وقد بين لنا- سبحانه- في كتابه أن كل ش يء يسبح بحمده فقال: ت سَب ِح لَه السَّماوات السَّبْع وَالَْْرْض وَمَنْ فِيهِنَّ، وَإِنْ مِنْ ش َيْء إِلَّ ي سَب ِح بِحَمْدِهِ وَلكِنْ ل تَفْقَه ونَ تَسْبِيحَه مْ إِنَّه كانَ حَلِيماا غَف وراا .
عدد الصفحات ٢٢٩230 2/ وقوله - سبحانه- ( وَالمَْ لائِكَة مِنْ خِيفَتِهِ ) نوع من الْدلة الدالة على وحدانية الله وقدرته. أى ويسبح الرعد بحمد الله، ويسبح الملائكة- أيضا- بحمد الله، خوفا منه- تعالى- وإجلال لمقامه وذاته. ومِنْ في قوله - تعالى- مِنْ خِيفَتِهِ للتعليل، أى: يسبحون لْجل الخوف منه. وقوله وَي رْ سِل الصَّواعِقَ فَي صِيب بِها مَنْ يَشاء نوع خامس من الظواهر الكونية الدالة على كمال قدرته- سبحانه-. 3/ قوله تعالى : ( ويرسل الصواعق ) جمع صاعقة ، وهي : العذاب المهلك ، ينزل من البرق فيحرق من يصيبه ( فيصيب بها من يشاء ) كما أصاب أربد بن ربيعة . وقال محمد بن علي الباقر : الصاعقة تصيب المسلم وغير المسلم ول تصيب الذاكر . 4 / (وهم يجادلون ) يخاصمون ( في الله ) نزلت في شأن أربد بن ربيعة حيث قال للنبي صلى الله عليه وسلم : مم ربك أمن در أم من ياقوت أم من ذهب ؟ فنزلت صاعقة من السماء فأحرقته . كما سبق . والمجادل ة: المخاصمة والمراجعة بالقول . والمراد بمجادلتهم في الله: تكذيبهم للنبي صلى الله عليه وسلم فيما أمرهم به من وجوب إخلاص عبادتهم لله- تعالى- وإيمانهم بيوم القيامة وما فيه من ثواب وعقاب. 5/ (وَهُوَ شَدِيدُ الممِحَالِ ) والمحال : الكيد والمكر، والتدبير والقوة، و العقاب ... يقال: محل فلان بفلان- بتثليث الحاء- محلا ومحال، إذا كاده وعرضه للهلاك. قال القرطبي : قال ابن الْعرابى : المحال المكر وهو من الله- تعالى- التدبير بالحق أو إيصال المكروه إلى من يستحقه من حيث ل يشعر.وقال الْزهرى : المحال: أى القوة والشدة . والمراد : أى: أن هؤلء الكافرين يجادلونك- أيها الرسول في ذات الله وفي صفاته، وفي وحدانيته، وفي شأن البعث، وينكرون ما جئتهم به من بينات والحال أن الله- تعالى- شديد المماحلة والمكايدة والمعاقبة لْعدائه . كما قال- تعالى-: وَمَكَر وا مَكْراا وَمَكَرْنا مَكْراا وَه مْ ل يَشْع ر ونَ فَانْظ رْ كَيْفَ كانَ عاقِبَة مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناه مْ وَقَوْمَه مْ أَجْمَعِينَ .
عدد الصفحات ٢٣٠231 الموضع الثاني قوله تعالى : وَلَوم أَن قُرمآنًا سُي ِرَتم بِهِ المجِبَالُ أَوم قُط ِعَتم بِهِ الأمَرمضُ أَوم كُل ِمَ بِهِ الممَومتَى بَل ل ِل هِ الأمَ ممرُ جَمِيعًا أَفَلَمم يَيمأَسِ ال ذِينَ آمَنُوا أَن ل وم يَشَاءُ الل هُ لَهَدَى الن اسَ جَمِيعًاوَلاَ يَزَالُ ال ذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَة أَوم تَحُل قَرِيبًا م ِن دَارِهِمم حَت ى يَأمتِيَ وَعمدُ الل هِ إِن الل هَ لاَ يُخملِفُ الممِيعَادَ (31) أولاً : سبب النزول قال المفسرون : نزلت في نفر من مشركي مكة; منهم أبو جهل بن هشام ، وعبد الله بن أبي أمية; جلسوا خلف الكعبة وأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأتاهم ، فقال له عبد الله بن أبي أمية : إن سرك أن نتبعك فسير جبال مكة بالقرآن فأذهبها عنا حتى تنفسح ، فإنها أرض ضيقة لمزارعنا ، واجعل لنا فيها عيونا وأنهارا لنغرس فيها الْشجار ونزرع ، ونتخذ البساتين ، فلست كما زعمت بأهون على ربك من داود عليه السلام حيث سخر له الجبال تسبح معه ، أو سخر لنا الريح فنركبها إلى الشام لميرتن ا وحوائجنا ونرجع في يومنا ، فقد سخرت الريح لسليمان كما زعمت ، ولست بأهون على ربك من سليمان ، وأحي لنا جدك قصيا أو من شئت من آبائنا وموتانا لنسأله عن أمرك أحق ما تقول أم باطل ؟ فإن عيس ى كان يحيي الموتى ، ولست بأهون على الله منه فأنزل الله عز وجل : ( ولو أن قرآنا سيرت به الجبال ) .. الخ . ثانياً : جاء دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم ورد على هذه الشبهة التي تكرروقوعها من المشركين في مناسبات عديد ألا وهي : اقتراحهم أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بمعجزات كونية وعدم اعترافهم بالمعجزة الكبرى ( القرآن )، وإليك بيانها : 1/ ( وَلَوم أَن قُرمآناً سُي ِرَتم بِهِ المجِبالُ، أَوم قُط ِعَتم بِهِ الأمَرمضُ، أَوم كُل ِمَ بِهِ المَْوْتى ) في الآية إشارة إلى عظمة هذا القرآن الذي أوحاه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم . أي ولو أن كتابا مقروءا كان من وظيفته أن يفعل ذلك لكان هذا القرآن، لكونه الغاية القصوى في الهداية والتذكير، والنهاية العظمى في الترغيب والترهيب .
عدد الصفحات ٢٣١232 وعلى هذا المعنى يكون الغرض من الآية الكريمة بيان عظم شأن القرآن الكريم، وإبطال رأى الكافرين الذين طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم آية كونية سواه . 2/ ويصح أن يكون المعنى: ولو أن كتابا مقروءا من الكتب السماوية، سُي ِرَتم بِهِ المجِبالُ أى: تحركت من أماكنها، أَوم قُط ِعَتم بِهِ الأمَرمضُ أى شققت وصارت قطعا، أَوْ ك ل ِمَ بِهِ المَْوْتى بأن يعودوا إلى الحياة بعد قراءته عليهم. لما آمن هؤلء المعاندون . وهذ كقوله تع الى ( وَلَوم أَن نا نَز لمنا إِلَيمهِمُ الممَلائِكَةَ وَكَل مَهُمُ الممَومتى وَحَشَرمنا عَلَيمهِمم كُل ش َيمء قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤممِنُوا إِلا أَنم يَشاءَ الل هُ ) وعلى هذا المعنى يكون المقصود من الآية الكريمة، بيان غلوهم في العناد والطغيان، وتماديهم في الكفر والضلال، وأن سبب عدم إيمانهم ليس مرده إلى عدم ظهور الدلئل الدالة على صدقه صلى الله عليه وسلم وإنما سببه الحسد والعناد والمكابرة . 3/ ووجه تخصيص هذه الْشياء الثلاثة من بين الخوارق التي طلبوها منه صلى الله عليه وسلم ما ذكره الإمام ابن كثير من أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، لو سيرت لنا جبال مكة حتى تتسع فنحرث فيها، أو قطعت لنا الْرض كما كان سليمان يقطع لقومه بالريح، أو أحييت لنا الموتى كما كان عيس ى يحيى الموتى لقومه، فأنزل الله- تعالى- هذه الآية . 4/ وقوله - سبحانه-( بَلم لِ ل هِ الأمَممرُ جَمِيعاً ) إضراب عن مطالبهم المتعنتة إلى بيان أن الْمور كلها بيد الله، وأن قدرته- سبحانه- ل يعجزها ش يء. أى: إن الله- تعالى- ل يعجزه أن يأتى بالمقترحات التي اقترحوها، ولكن إرادته- سبحانه- لم تتعلق بما اقترحوه، لعلمه- سبحانه- بعتوهم ونفورهم عن الحق مهما أوتوا من آيات. 5/ وقوله - سبحانه: ( أَفَلَمم يَيمأَسِ ال ذِينَ آمَنُوا أَنم لَوم يَشاءُ الل هُ لَهَدَى الن اسَ جَمِيعاً ) تيئيس للمؤمنين من استجابة أولئك الجاحدين للحق، إل أن يشاء الله لهم الهداية، والستفهام للإنكار. وأصل اليأس: قطع الطمع في الش يء والقنوط من حصوله .
عدد الصفحات ٢٣٢233 وللعلماء في تفسير هذه الجملة الكريمة اتجاهان: أحدهما : يرى أصحابه أن الفعل ييأس على معناه الحقيقي وهو قطع الطمع في الش يء، وعليه يكون المعنى: أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان كفار قريش، ويعلموا أن الله- تعالى- لو يشاء هداية الناس جميعا لهتدوا، ولكنه لم يشأ ذلك، ليتميز الخبيث من الطيب. وعلى هذا التجاه سار الإمام ابن كثير فقد قال- رحمه الله-: وقوله - تعالى: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَن وا أى: من إيمان جميع الخلق ويعلموا أو يتبينوا أَنْ لَوْ يَشاء اللَّه لَهَدَى النَّاسَ جَمِي عاا فإنه ليس هناك حجة ول معجزة أبلغ ول أنجع في النفوس والعقول من هذا القرآن، الذي لو أنزله الله على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله. وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال« :ما من نبي إل وقد أوتى ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أو تيته وحيا أوحاه الله إلى، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة . ويؤيد هذا التجاه ما ذكره السيوطي في تفسيره من أن بعض الصحابة قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم يا رسول الله، اطلب لهم- أى للمشركين - ما اقترحوه عس ى أن يؤمنوا . أما الاتجاه الثاني : فيرى أصحابه أن الفعل ييأس بمعنى يعلم، وعليه يكون المعنى: أفلم يعلم المؤمنون أنه- سبحانه- لو شاء هداية الناس جميعا لآمنوا . وهذا الاتجاه صدر به الآلوس ى تفسيره فقال ما ملخصه: ومعنى قوله - سبحانه-: أَفَلَمم يَيمأَسِ ال ذِينَ آمَنُوا أفلم يعلموا . وهي كما قال القاسم بن معن لغة هوازن . وقال الكلبي هي لغة حي من النخع، وأنشدوا على ذلك قول سحيم بن وئيل الرباحي : أقول لهم بالشعب إذ يأسروننى ألم تيأسوا أنى ابن فارس زهدم وقول رباح بن عدى: ألم ييأس الأقوام أنى أنا ابنه وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا والظاهر أن استعمال اليأس في ذلك حقيقة.
عدد الصفحات ٢٣٣234 6 /ثم حذر- سبحانه- الكافرين من التمادي في كفرهم، وبشر المؤمنين بحسن العاقبة فقال- تعالى-: وَلا يَزالُ ال ذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمم بِما صَنَعُوا قارِعَة أَوم تَحُل قَرِيباً مِنم دارِهِمم حَت ى يَأمتِيَ وَعمدُ الل هِ إِن الل هَ لا يُخم لِفُ الممِيعادَ . والقارعة: من القرع، وهو ضرب الش يء بش يء آخر بقوة وجمعها قوارع . والمراد بها: الرزية والمصيبة والكارثة. أى: ول يزال الذين كفروا من أهل مكة وغيرهم تصيبهم بسبب ما صنعوه من الكفر والضلال «قارعة» أى مصيبة تفجؤهم وتزعجهم أو تحل تلك المصيبة في مكان قريب من دارهم، فيتطاير شرها إليهم، حتى يأتى وعد الله بهلاكهم وهزيمتهم ونصر المؤمنين عليهم، إن الله- تعالى- ل يخلف الميعاد، أى: موعوده لرسله ولعباده المؤمنين. وأبهم - سبحانه- ما يصيب الكافرين من قوارع، لتهويله وبيان شدته. والتعبير بقوله وَل يَزال يشير إلى أن ما أصابهم من قوارع كان موجودا قبل نزول هذه الآية، واستمرت إصابته لهم بعد نزولها، لْن الفعل ل يَزال يدل على الإخبار باستمرار ش يء واقع . 7/ ولعل هذه الآية الكريمة كان نزولها في خلال سنى الجدب التي حلت بقريش والتي أشار إليها القرآن بقوله : فَارمتَقِبم يَ وممَ تَأمتِي الس ماءُ بِدُخان مُبِين يَغمش َى الن اسَ هذا عَذاب أَلِيم . ... وعبر- سبحانه- عما أصابهم من بلاء بالقارعة، للمبالغة في شدته وقوته. حتى إنه ليقرع قلوبهم فجأة فيبهتهم ويزعجهم، ولذلك سميت القيامة بالقارعة، لْنها تقرع القلوب بأهوالها . وقال- سبحانه-: أَوْ تَح ل قَرِيباا مِنْ دارِهِمْ لبيان أنهم بين أمرين أحلاهما مر لْن القارعة إما أن تصيبهم بما يكرهونه ويتألمون له، وإما أن تنزل قريبا منهم فتفزعهم، وتقلق أمنهم، وهم مستمرون على ذلك حتى يقض ى الله أمرا كان مفعول . ولقد قض ى الله- تعالى- أمره، بهزيمتهم في بدر وفي غيرها . وأتم نصره على المؤمنين بفتح مكة. وبدخول الناس في دين الله أفواجا .
عدد الصفحات ٢٣٤235 الموضع الثالث قوله تعالى : وَلَقَدم أَرمسَلمنَا رُسُلاً م ِن قَبملِكَ وَجَعَلمنَا لَهُمم أَزموَاجًا وَذُر ِي ةً وَمَا كَانَ لِرَسُول أَن يَأمتِيَ بِآيَة إِلا بِإِذمنِ الل هِ لِكُل ِ أَجَل كِتَاب (38 )يَممحُو الل هُ مَا يَشَاءُ وَيُثمبِتُ وَعِندَهُ أُم المكِتَابِ (39). أولاً : سبب نزولها قال القرطبي رحمه الله: : قيل : إن اليهود عابوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - الْزواج ، وعيرته بذلك وقالوا : ما نر ى لهذا الرجل همة إل النساء والنكاح ، ولو كان نبيا لشغله أمر النبوة عن النساء ، فأنزل الله هذه الآية . ثانياً : تضمنت الآية على ما جاء في سبب نزولها تلك التهمة السمجة من اليهود وليس لها أي وجه من الصحة ،لْنهم يعلمون أنه صلى الله عليه وسلم ما كان له أن يخالف الفطرة البشرية ول سنن الْنبياء قبله ومع وضوح بطلانها إل أن الله تعالى أبي إل أن يدافع عن حبيبه صلى الله عليه وسلم، وذلك خوفاا من أن تنطلي على البسطاء من الناس فيظن أن اليهود وهم أهل كتاب ل يمكن أن يقولوا على الْنبياء إل ما هو صدق فأنزل تعالى قوله ال صدق في تلك الآيات منبهاا بعلو قدر خير البريات عليه أفضل الصلوات وأتم التلسيمات .وإليك بيانها بعونه تعالى : 1/ قوله تعالى (وَلَقَدم أَرمسَلمنَا رُسُلاً م ِن قَبملِكَ وَجَعَلمنَا لَهُمم أَزموَاجًا وَذُر ِي ةً) أي جعلناهم بشرا يقصون ما أحل الله من شهوات الدنيا ، وإنما التخصيص في الوحي . وقال الرازي رحمه الله : يعني أن الْنبياء الذين كانوا قبله كانوا من جنس البشر ل من جنس الملائكة ، فإذا جاز ذلك في حقهم ، فلم ل يجوز أيضا مثله في حقه. ثم إنهم - اليهود - عابوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكثرة الزوجات ، فقد كان لسليمان عليه السلام ثلاثمائة امرأة مهيرة وسبعمائة سرية ولداود مائة امرأة . ول شك ،هم يعلمون أن جميع أنبياء بني إسرائيل كان لهم عددا من الزوجات . 2/ قالوا لو كان رسول من عند الله لكان أي ش يء طلبنا منه من المعجزات أتى به ولم يتوقف ، ولما لم يكن الْمر كذلك علمنا أنه ليس برسول ، فأجاب الله عنه بقوله : ( وما كان لرسول أن
عدد الصفحات ٢٣٥236 يأتي بآية إلا بإذن الله ) قال الرازي : وتقريره : أن المعجزة الواحدة كافية في إزالة العذر والعلة ، وفي إظهار الحجة والبينة ، فأما الزائد عليها فهو مفوض إلى مشيئة الله تعالى إن شاء أظهرها ، وإن شاء لم يظهرها ول اعتراض لْحد عليه في ذلك. 3/ /قال اليهود أيضا إشاعة للشبهات وطرحا للمشكلات وصدا للعامة عن توحيد رب البريات أنه عليه الصلاة والسلام كان يخوفهم بنزول العذاب وظهور النصرة له ولقومه ، ثم إن ذلك الموعود كان يتأخر ، فلما لم يشاهدوا تلك الْم ور احتجوا بها على الطعن في نبوته ، وقالوا : لو كان نبيا صادقا لما ظهر كذبه. فأجاب الله عنه بقوله : ( لكل أجل كتاب ) يعني نزول العذاب على الكفار وظهور الفتح والنصر للأولياء قض ى الله بحصولها في أوقات معينة مخصوصة ، ولكل حادث وقت معين و ( لكل أجل كتاب ) فقبل حضور [ص: 51 ]ذلك الوقت ل يحدث ذلك الحادث ، فتأخر تلك المواعيد ل يدل على كونه كاذبا. 4/ قال اليهود أيضا إشاعة للشبهات وصدا عن طريق الحق وتشويشا على سيد الخلق: لو كان في دعوى الرسالة محقا لما نسخ الْحكام التي نص الله تعالى على ثبوتها في الشرائع المتقدمة نحو التوراة والإنجيل ، لكنه نسخها وحرفها نحو تحريف القبلة ، ونسخ أكثر أحكام التوراة والإنجيل ، فوجب أن ل يكون نبيا حقا.فأجاب الله سبحانه وتعالى عنه بقوله : ( يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) ويمكن أيضا أن يكون قوله : ( لكل أجل كتاب ) كالمقدمة لتقرير هذا الجواب ، وذلك لْنا نشاهد أنه تعالى يخلق حيوانا عجيب الخلقة بديع الفطرة من قطرة من النطفة ، ثم يبقيه مدة مخصوصة ، ثم يميته ويفرق أجزاءه وأبعاضه ، فلما لم يمتنع أن يحيي أول ، ثم يميت ثانيا فكيف يمتنع أن يشرع الحكم في بعض الْوقات ، ثم ينسخه في سائر الْوقات؟ فكان المراد من قوله : ( لكل أجل كتاب ) ما ذكرناه ، ثم إنه تعالى لما قرر تلك المقدمة قال : ( يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) والمعنى : أنه يوجد تارة ويعدم أخرى ، ويحيي تارة ويميت أخرى ، ويغني تارة ويفقر أخرى ، فكذلك ل يبعد أن يشرع الحكم تارة ثم ينسخه أخرى بحسب ما اقتضته المشيئة الإلهية عند أهل السنة ، أو بحسب ما اقتضته رعاية المصالح عند المعتزلة ، فهذا إتمام التحقيق في تفسير هذه الآية
عدد الصفحات ٢٣٦237 المبحث الثامن والعشرون ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الطور قوله تعالى : فَذَك ِرم فَمَا أَنتَ بِنِعممَتِ رَب ِكَ بِكَاهِن وَلاَ مَجمنُون (29) أَمم يَقُولُونَ شَاعِر ن تَرَب صُ بِهِ رَيمبَ الممَنُونِ (30 )قُلم تَرَب صُوا فَإِن ِي مَعَكُم م ِنَ الممُتَرَب ِصِينَ (31) أولاً : سبب نزولها قال المفسرون : ورد أن كفار قريش تناقشوا في أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، فعقبة بن أبي معيط قال : إنه مجنون ، وشيبة بن ربيعة قال : إنه ساحر ، وغيرهما قال : كاهن ، قال قتادة : قال قوم من الكفار تربصوا بمحمد الموت يكفيكموه كما كفى شاعر بني فلان. وروي أن قريشا اجتمعت في دار الندوة، وكثرت آراؤهم فيه صلى الله عليه وسلم حتى قال قائل منهم: تربصوا به ريب المنون، فإنه شاعر سيهلك كما هلك زهير والنابغة والْعش ى، فافترقوا على هذه المقالة. فأكذبهم الله تعالى ورد عليهم . بهذه الآيات . ثانياً : لما تطاول المشركون على النبي صلى الله عليه وسلم ووصموه بما ليس فيه فقال بعضهم ساحر ، وقال بعضهم كاهن وقال بعضهم شاعر ،وهو صلى الله عليه وسلم ل يرد عليهم شيئاا مما يقولونه لثقته بربه تعالى كان ل بد أن يدافع اله عنه ويرد على المشركين تهمهم الباطلة فنزلت هذه الآيات المباركات تسلي قلب خير البريات عليه أفضل الصلوات وأتم التسليمات ،وتزيل الغشاوة عن أهل الكفر أصحاب التهم الباطلات ، فقال تعالى (فَذَك ِرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَب ِكَ بِكَاهِن وَلَ مَجْن ون ) .. الخ الآيات ، وإليك ما فيها من المعاني والحكم الجليلات : الآية الأولى : قوله تعالى (فَذَك ِرم فَمَا أَنتَ بِنِعممَتِ رَب ِكَ بِكَاهِن وَلاَ مَجمنُون ): إن معنى فما أنت بنعمة ربك القسم : أي : وبنعمة الله ما أنت بكاهن ولا مجنون . وقيل : ليس قسما ، وإنما هو كما تقول : ما أنت بحمد الله بجاهل ، أي قد برأك الله من ذلك . قال القرطبي : قوله تعالى : فذكر أي فذكر يا محمد قومك بالقرآن .فما أنت بنعمة ربك يعني برسالة ربك بكاهن تبتدع القول وتخبر بما في غد من غير وحي .ول مجنون وهذا رد لقولهم
عدد الصفحات ٢٣٧238 الآية الثانية : قوله تعالى (أَمم يَقُولُونَ شَاعِر ن تَرَب صُ بِهِ رَيمبَ الممَنُونِ (30) قُلم تَرَب صُوا فَإِن ِي مَعَكُم م ِنَ الممُتَرَب ِصِينَ (31) قال في التفسير الوسيط: ثم أخذت السورة الكريمة في تقريع هؤلء الجاهلين بأسلوب استنكارى فيه ما فيه من التعجب من جهالتهم. وفيه ما فيه من الرد الحكيم على أكاذيبهم، فساقت أقاويلهم بهذا الْسلوب الذي تكرر فيه لفظ «أم» خمس عشرة مرة، وكلها إلزامات ليس لهم عنها جواب . وبدأت بقوله - تعالى-: 1 /(أَمم يَقُولُونَ شاعِر نَتَرَب صُ بِهِ رَيمبَ الممَنُونِ) .و «أم» في هذه الآيات بمعنى بل والهمزة . وقوله : نَتَرَبَّص من التربص بمعنى النتظار والترقب .وقوله : رَيْبَ المَْن ونِ يعنون به: حوادث الدهر التي تحدث له صلى الله عليه وسلم منها الموت. فالمنون : الدهر، وريبه: حوادثه التي يصيبه بسببها الهلاك.أى: بل أيقولون عنك- أيها الرسول الكريم - إنك شاعر، وأنهم يترقبون موتك لكي يستريحوا منك. كما استراحوا من الشعراء الذين من قبلك، كزهير والنابغة 2/ (قُلم تَرَب صُوا فَ إِن ِي مَعَكُم م ِنَ الممُتَرَب ِصِينَ) أي قل لهم على سبيل التبكيت والتهديد : ( تربصوا ) وترقبوا موتى فإنى معكم من المنتظرين، وستعلمون أينا خير مقاما وأحسن عاقبة. وقال القرطبي :قوله تعالى : أم يقولون شاعر أي بل يقولون : محمد شاعر ،. قال الضحاك : هؤلء بنو عبد الدار نسبوه إلى أنه شاعر ; أي يهلك عن قريب كما هلك من قبل من الشعراء ، وأن أباه مات شابا فربما يموت كما مات أبوه . والمنون : الموت في قول ابن عباس .قوله تعالى : قل تربصوا أي قل لهم يا محمد تربصوا أي : انتظروا .فإني معكم من المتربصين أي من المنتظرين بكم العذاب ، فعذبوا يوم بدر بالسيف .
عدد الصفحات ٢٣٨239 المبحث التاسع والعشرون ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة المؤمنون قوله تعالى : أَمم يَقُولُونَ بِهِ جِن ة بَلم جَاءَهُم بِالمحَق ِ وَأَكمثَرُهُمم لِلمحَق ِ كَارِهُونَ (70) أولاً : سبب نزولها : سبق وأن نقلنا ما ذكره المفسرون في الموضع السابق من سورة الطور وغيره من المواضع اتهام كفار قريش النبي صلى الله عليه وسلم بالجنون فرد الله عليهم وهكذا الأمر هنا رد عليهم . ثانياً : في الآية دفاع عن الحبيب المصطفى وتوبيخ لْولئك المتهمين له زوراا وبهتا نا بما هو برئ منه الجنون – حاشاه - وهم يعلمون باءته ولهذا نزلت الآية بأسلوب الستفهام دفاعاا عن خير الْنام عليه الصلاة والسلام :( أَمْ يَق ول ونَ بِهِ جِنَّة ) وإليك ما فيها من حسن البيان : 1 / (أَمم يَقُولُونَ بِهِ جِن ة ) أي أيكون سبب إصرارهم على كفر هم اتهامهم للرسول صل ى الله عليه وسل م بالجنون؟ كلا، فإنهم يعلمون حق العلم أن الرسول صل ى الله عليه وسل م هو أكمل الناس عقلا، وأرجحهم فكرا، وأثقبهم رأيا، وأوفرهم رزانة. 2( / بَلم جاءَهُمم بِالمحَق ِ وَأَكمثَرُهُمم لِلمحَق ِ كارِهُونَ ) بدأ بقوله ( بل ) إضر اب عما يدل عليه ما سبق من اتهامات باطلة دارت على ألسنة المشركين .أى: ليس الْمر كما زعموا من أنه صل ى الله عليه وسل م به جنة أو أنه أتاهم بما لم يأت آباءهم الْولين، بل الْمر الصدق، أن الرسول صل ى الله عليه وسل م جاءهم بالحق الثابت الذي ل يحوم حوله باطل ولكن هؤلء القوم أكثرهم كارهون للحق، لْنه يتعارض مع أنانيتهم وشهواتهم، وأهوائهم .. 3/ (وَأَكمثَرُهُمم لِلمحَق ِ كارِهُونَ ) لْن قلة من هؤلء المشركين كانت تعرف أن الرسول صل ى الله عليه وسل م قد جاءهم بالحق، وتحب أن تدخل في الإسلام، ولكن حال بينهم وبين ذلك، الخو ف من تعيير أقوامهم لهم بأنهم فارقوا دين آبائهم وأجدادهم، كأبى طالب- مثلا- فإنه مع دفاعه عن الرسول صل ى الله عليه وسل م بقي على كفره .
عدد الصفحات ٢٣٩240 قال صاحب الكشاف: فإن قلت: قوله وَأَكمثَرُهُمم فيه أن أقلهم كانوا ل يكرهون الحق؟ قلت: كان فيهم من يترك الإيمان به أنفة واستنكافا من توبيخ قومه، وأن يقولوا صبأ وترك دين آبائه، ل كراهة للحق، كما يحكى عن أبى طالب. فإن قلت: يزعم بعض الناس أن أبا طالب صح إسلامه؟ قلت: يا سبحان الله. كأن أبا طالب كان أخمل أعمام رسول الله صل ى الله عليه وسل م حتى يشتهر إسلام حمزة والعباس - رض ى الله عنهما- ويخفى إسلام أبى طالب» .
عدد الصفحات ٢٤٠