المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

فتح الودود بيان آيات الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم

أحمد خضر حسنين الحسن

صفحة ١٤ من ٢٥

209 المبحث الخامس والعشرون ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة فصلت الموضع الأول : بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعمرَضَ أَكمثَرُهُمم فَ هُمم لاَ يَسممَعُونَ . الموضع الثاني : وَقَالَ ال ذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسممَعُوا لِهَ ذَا المقُرمآنِ وَالمغَوما فِيهِ .

عدد الصفحات ٢٠٩

210 الموضع الأول قوله تعالى : بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعمرَضَ أَكمثَرُهُمم فَهُمم لاَ يَسممَعُونَ (4 )وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِ ي أَكِن ة م ِم ا تَدمعُونَا إِلَيمهِ وَفِي آذَانِنَا وَقمر وَمِن بَيمنِنَا وَبَيمنِكَ حِجَاب فَاعممَلم إِن نَا عَامِلُونَ (5 )قُلم إِن مَا أَنَا بَشَر م ِثملُكُمم يُوحَى إِلَي أَن مَا إِلَ هُكُمم إِلَ ه وَاحِد فَاسمتَقِيمُوا إِلَيمهِ وَاسمتَ غمفِرُوهُ وَوَيمل ل ِلممُشمرِكِينَ (6) أولاً : سبب نزولها قال القرطبي: وروي أن الريان بن حرملة قال : قال الملأ من قريش وأبو جهل قد التبس علينا أمر محمد ، فلو التمستم رجلا عالما بالشعر والكهانة والسحر فكلمه ثم آتانا ببيان من أمره ، فقال عتبة بن ربيعة : والله لقد سمعت الكهانة والشعر والسحر ، وعلمت من ذلك علما ل يخفى علي إن كان كذلك . فقالوا : إيته فحدثه . فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له : يا محمد أنت خير أم قص ي بن كلاب ؟ أنت خير أم هاشم ؟ أنت خير أم عبد المطلب ؟ أنت خير أم عبد الله ؟ فبم تشتم آلهتنا ، وتضلل آباءنا ، وتسفه أحلامنا ، وتذم ديننا ؟ فإن كنت إنما تريد الرياسة عقدنا إليك ألويتنا فكنت رئيسنا ما بقيت ، وإن كنت تريد الباءة زوجناك عشر نساء من أي بنات قريش شئت ، وإن كنت تريد المال جمعنا لك ما تستغني به أنت وعقبك من بعدك ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا من الجن قد غلب عليك بذلنا لك أموالنا في طلب ما تتداوى به أو نغلب فيك . والنبي - صلى الله عليه وسلم - ساكت ، فلما فرغ قال : قد فرغت يا أبا الوليد ؟ قال : نعم . فقال : يا ابن أخي اسمع قال : أسمع . قال : " بسم الله الرحمن الرحيم " حم تنزيل من الرحمن الرحيم . كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون إلى قوله : فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود فوثب عتبة ووضع يده على فم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وناشده الله والرحم ليسكتن ، ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش فجاءه أبو جهل ، فقال : أصبوت إلى محمد ؟ أم أعجبك طعامه ؟ فغضب عتبة وأقسم أل يكلم محمدا أبدا ، ثم قال : والله لقد تعلمون أني من أكثر قريش مال ، ولكني لما قصصت عليه القصة أجابني بش يء والله ما هو بشعر ول كهانة ول سحر ، ثم تلا عليهم ما سمع منه إلى قوله : مثل صاعقة عاد وثمود وأمسكت بفيه وناشدته بالرحم أن يكف ، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب ، فوالله لقد خفت أن ينزل بكم العذاب ، يعني الصاعقة .

عدد الصفحات ٢١٠

211 وقد روى هذا الخبر أبو بكر الْنباري في كتاب الرد له عن محمد بن كعب القرظي ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ حم فصلت حتى انتهى إلى السجدة فسجد وعتبة مصغ يستمع ، قد اعتمد على يديه من وراء ظهره . فلما قطع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القراءة قال له : يا أبا الوليد قد سمعت الذي قرأت عليك فأنت وذاك فانصرف عتبة إلى قريش في ناديها فقالوا : والله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي مض ى به من عندكم . ثم قالوا : ما وراءك أبا الوليد ؟ قال : والله لقد سمعت كلاما من محمد ما سمعت مثله قط ، والله ما هو بالشعر ول بالكهانة ، فأطيعوني في هذه وأنزلوها بي ، خلوا محمدا وشأنه واعتزلوه ، فوالله ليكونن لما سمعت من كلامه نبأ ، فإن أصابته العرب كفيتموه بأيدي غيركم ، وإن كان ملكا أو نبيا كنتم أسعد الناس به ; لْن ملكه ملككم وشرفه شرفكم . فقالوا : هيهات! سحرك محمد يا أبا الوليد . وقال : هذا رأيي لكم فاصنعوا ما شئتم . ثانياً : تضمنت الآيات بحسب سبب النزول إصرار الكفار على كفرهم بالقرآن وبالنبي صلى الله عليه وسلم مع أنه قد ظهر ظهورا جليا أن القرآن ليس بسحر ول شعر ول كهانة وأرادوا العتذار عن تمسكهم بالباطل فقالوا إن قلوبنا قد كستها أغطية متكاثفة جعلتها ل تفقه ما تقوله لنا ، وما تدعونا إليه ، وإن آذاننا فيها صمم يحول بيننا وبين سماع حديثك ، وإن من بيننا ومن بينك حاجزا غليظا يحجب التواصل والتلاقى بيننا وبينك ، وما دام حالنا وحالك كذلك فاعمل ما شئت فيما يتعلق بدينك ، ونحن من جانبنا سنعمل ما شئنا فيما يتعلق بديننا . ( فَأَعْرَضَ أَكْثَر ه مْ فَه مْ لَ يَسْمَع ونَ ) . ثالثاً : لقن الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم الجواب الذى يرد به علي أقوالهم الباطلة آنفة الذكر فقال : ( قُلم إِن مَآ أَنَام بَشَر م ِثملُكُمم يوحى إِلَي أَن مَآ إلهكم إله وَاحِد ).وإليك بيان شبهاتهم وبيان ما في هذه اليات من الحكمة في الرد عليها : 1/ قال تعالى حكايا حالهم حيال القرآن : ( فَأَعمرَضَ أَكمثَرُهُمم فَهُمم لاَ يَسممَعُونَ ):بيان لموقف الناس من هذا القرآن المنزل من الرحمن الرحيم .والمراد بالْكثر هنا : الكافرون الذين ل ينتفعون بهدايات القرآن الكريم .

عدد الصفحات ٢١١

212 أى : هذا القرآن أنزلناه إليك لتخرج الناس به من الظلمات إلى النور ، فأعرض أكثرهم عن هداياته لستحواذ الشيطان عليهم ، فهم ل يسمعون سماع تدبر واتعاظ ، وإنما يسمعون بقلوب قاسية ، وعقول خالية من إدراك معانيه ، ومن الستجابة له .ونفى - سبحانه - سماعهم له ، مع أنهم كانوا يسمعون من الرسول صلى الله عليه وسلم ومن أصحابه ، لْنهم لما سمعوه ولم يؤمنوا به . . صار سماعهم بمنزلة عدمه . 2/ قال تعالى ( وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِن ة م ِم ا تَدمعُونَا إِلَيمهِ وَفِي آذَانِنَا وَقمر وَمِن بَيمنِنَا وَبَيمنِكَ حِجَاب فَاعممَلم إِن نَا عَامِلُونَ ) قال في التفسير الوسيط : الْكنة : جمع كنان وهو الغطاء للش ئ . و ( وَقْر ) الصمم الذى يحول بين الإِنسان وبين سماع ما يقال له .والحجاب : من الحجب بمعنى الستر لْنه يمنع المشاهدة ، ومنه قيل للبواب حاجب ، لْنه يمنع من الدخول . وهذه الْقوال التى حكاها القرآن عنهم ، تدل على أنهم قوم قد بلغوا أقص ى درجات الجحود والعناد : فقلوبهم قد أغلقت عن إدراك الحق ، وأسماعهم قد صمت عن سماعه ، وأشخاصهم قد أبت القتراب من شخص الرسول صلى الله عليه وسلم الذى يحمل لهم الخير والنور ، وما حملهم على ذلك إل اتباعهم للهوى والشيطان .وصدق الله إذ يقول : ( فَلَمَّا زاغوا أَزَاغَ الله ق ل و بَه مْ والله لَ يَهْدِي القوم الفاسقين ). 3/ قوله تعالى : (قُلم إِن مَا أَنَا بَشَر م ِثملُكُمم يُوحَى إِلَي أَن مَا إِلَ هُكُمم إِلَ ه ) أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلء الجاحدين : إنما أنا بشر مثلكم فى الصفات البشرية أوجدنى الله - تعالى - بقدرته كما أوجدكم ، وينتهى نسبى ونسبكم إلى آدم - عليه السلام - إل أن الله - تعالى - قد اختصنى بوحيه ورسالته - وهو أعلم حيث يجعل رسالته - وأمرنى أن أبلغكم أن إلهكم وخالقكم ..هو إله واحد ل شريك له ، فعليكم أن تخلصلوا له العبادة والطاعة . 4/ قوله تعالى : ( فاستقيموا إِلَيمهِ واستغفروه ) أى : فالزموا الستقامة فى طريقكم إليه - تعالى - بالإِيمان به وطاعته والإخلاص فى عبادته .

عدد الصفحات ٢١٢

213 5/ قوله تعالى : (وَوَيمل ل ِلممُشمرِكِينَ ) توعدهم تعالى بالويل وهو شدة العذاب في نار جهنم ، الويل : لفظ دال على الشر أو الهلاك ، وهو مصدر ل فعل له من لفظه ، والمراد به هنا : الدعاء عليهم بالخزى والهلاك .أى : فهلاك وخزى وعقاب شديد لهؤلء المشركين . هذا وإن تهديد الله تعالى لْعداء النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذا فيه نوع من الدفاع عنه ولون من إراحة قلبه صلى الله عليه وسلم فلعل ذلك التهديد يرجع إليهم عقولهم ويردهم إلى رشدهم فيؤمنوا به .

عدد الصفحات ٢١٣

214 الموضع الثاني قوله تعالى : وَقَالَ ال ذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسممَعُوا لِهَ ذَا المقُرمآنِ وَالمغَوما فِيهِ لَعَل كُمم تَغملِبُونَ (26) فَلَنُذِيقَن ال ذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجم زِيَن هُمم أَسموَأَ ال ذِي كَانُوا يَعممَلُونَ (27) أولاً : سبب نزولها قال القرطبي : قال ابن عباس : قال أبو جهل : إذا قرأ محمد فصيحوا في وجهه حتى ل يدري ما يقول . وقيل : إنهم فعلوا ذلك لما أعجزهم القرآن . وقال مجاهد : المعنى والغوا فيه بالمكاء والتص فيق والتخليط في المنطق حتى يصير لغوا . وقال الضحاك : أكثروا الكلام ليختلط عليه ما يقول . وقال أبو العالية وابن عباس أيضا : قعوا فيه وعيبوه . لعلكم تغلبون محمدا على قراءته فلا يظهر ول يستميل القلوب . ثانياً : تضمنت الآية بحسب سبب النزول انتقال المشركين إلى أسلوب جديد من أساليب محاربة القرآن ومحاربة النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بإحداث الضوضاء والْصوات العالية المزعجة عندما يقرأ النبي صلى الله عليه وسلم القرآن داعياا به إلى الله تعالى ليصدوا الناس عن الستماع إلى الحق ( لعلكم تغلبون ) وقد علموا أن للقرآن تأثيراا في النفوس فقد أسلم كثير ممن جاء مكة بسبب استماعه للقرآن من فم النبي صلى الله عليه وسلم ، ول شك أن ما يفعله المشركون فيه أذى شديد للنبي صلى الله عليه وسلم كما أنه صد عن سبيل الله تعالى . ثالثاً : جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم ببيان أن هذا الأسلوب من الأساليب لن ينحج في إسكات صوت القرآن أو التأثير على النبي عليه الصلاة والسلام فأنزل هذه الآيات وبين ما سيكون لهم من العذاب في الآخرة إن هم لم يتوبوا إلى الله تعالى ، فقال سبحانه (وَقَالَ ال ذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسممَعُوا لِهَ ذَا المقُرمآنِ ) .. الخ وإليك بيانها : الآية الأولى : ( وَقَالَ ال ذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسممَعُوا لِهَ ذَا المقُرمآنِ وَالمغَوما فِيهِ لَعَل كُمم تَغملِبُونَ): 1/ قال في التفسير الوسيط : حكى- سبحانه- ما تواص ى به المشركون فيما بينهم فقال: وَقالَ الَّذِينَ كَفَر وا ل تَ سْمَع وا لِهذَا الْق رْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّك مْ تَغْلِب ونَ .

عدد الصفحات ٢١٤

215 وقوله : وَالْغَوْا فِيهِ من اللغو، وهو الكلام الساقط الذي ل فائدة فيه يقال: لغا فلان في كلامه يلغو، إذا نطق بكلام ساقط ل خير فيه.ويبدو أن هذا الكلام قد قاله الزعماء من كفار مكة لْتباعهم، فقد ورد عن ابن عباس أنه قال: قال أبو جهل- لْتباعه-: إذا قرأ محمد فصيحوا في وجهه، حتى ل يدرى ما يقول . 2/ والمعنى: وقال زعماء الكفر لْتباعهم: ل تسمعوا لهذا القرآن الذي يقرأه محمد صل ى الله عليه وسلم وأصحابه، ول تنصتوا إليه، بل ابتعدوا عن قارئيه، والغوا فيه أى: وأظهروا عند قراءته أصواتكم باللغو من القول، كالتشويش على القارئ، والتخليط عليه في قراءته بالتصفيق وبرفع الصوت بالخرافات والهذيان ..لَعَلَّك مْ تَغْلِب ونَ أى: لعلكم بعملكم هذا تتغلبون على المسلمين، وتجعلونهم ينصرفون عن قراءة القرآن . 3/ ول شك أن قو لهم هذا دليل واضح على خوفهم من تأثير القرآن في القلوب، هذا التأثير الذي حمل كثيرا منهم عند سماعه على الدخول في الإسلام ونبذ الكفر والكافرين .كما يدل على أنهم لعجزهم عن معارضته، وعن الإتيان بسورة من مثله، لجئوا إلى تلك الْساليب السخيفة، لصرف الناس عن سماع القرآن الكريم . الآية الثانية : ( فَلَنُذِيقَن ال ذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً، وَلَنَجمزِيَن هُمم أَسموَأَ ال ذِي كانُوا يَعممَلُونَ ): 1/ المعنى : فو الله لنجعلن الذين كفروا بهذا القرآن والذين شوشوا على قارئيه بالصياح والستهزاء، لنجعلنهم يذوقون العذاب الذي يهينهم، ويحسون به إحساسا أليما. ولنجزينهم في الآخرة الجزاء المناسب لقبح أعمالهم التي عملوها في الدنيا. وقال الآلوس ى: قوله - تعالى-: وَلَنَجْزِيَنَّه مْ أَسْوَأَ الَّذِي كان وا يَعْمَل ونَ أى: جزاء سيئات أعمالهم التي هي في أنفسها أسوأ، فأفعل للزياد ة المطلقة وقيل: إنه- سبحانه- ل يجازيهم بمحاسن أعمالهم كإغاثة الملهوف، وصلة الْرحام. وإكرام الضيف ... لْن هذه الْعمال قد حبطت بسبب كفرهم . .. 2/ وقال الجمل في حاشيته: وفي هذا تعريض بمن ل يكون عند سماعه لكلام الله خاضعا خاشعا متفكرا متدبرا . وتهديد ووعيد شديد لمن يصدر عنه عند سماعه ما يشوش على القارئ ويخلط

عدد الصفحات ٢١٥

216 عليه القراءة، فانظر إلى عظمة القرآن المجيد، وتأمل في هذا التغليظ والتشديد، واشهد لمن عظمه وأجل قدره، وألقى إليه السمع وهو شهيد، بالفوز العظيم فائدة : قال ابن عاشور: والعذاب الشديد عن ابن عباس : أنه عذاب يوم بدر فهو عذاب الدنيا .وعطف {ولنَجْزِيَنَّه م أسوَأَ الذي كان وا يعمَل ونَ }عن ابن عباس : لنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون في الآخرة .

عدد الصفحات ٢١٦

217 المبحث السادس والعشرون ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الأنبياء الموضع الأو ل : لاَهِيَةً قُلُوبُهُمم وَأَسَر وا الن جموَى ال ذِينَ ظَلَمُوا هَلم هَ ذَا إِلا بَشَر م ِثملُكُمم . الموضع الثاني : وَمَا أَرمسَلمنَا قَبملَكَ إِلا رِجَالاً ن وحِي إِلَيمهِمم . الموضع الثالث : وَإِذَا رَآكَ ال ذِينَ كَفَرُوا إِن يَت خِذُونَكَ إِلا هُزُوًا .

عدد الصفحات ٢١٧

218 الموضع الأول قوله تعالى : لاَهِيَةً قُلُوبُهُمم وَأَسَر وا الن جموَى ال ذِينَ ظَلَمُوا هَلم هَ ذَا إِلا بَشَر م ِثملُكُمم أَفَتَأمتُونَ الس ِحمرَ وَأَنتُمم تُبمصِرُونَ (3 )قَالَ ِي رَب يَعملَمُ المقَوملَ فِي الس مَاءِ وَ الأمَرمضِ وَهُوَ الس مِيعُ المعَلِيمُ (4 )بَلم قَالُوا أَضمغَاثُ أَحملاَم بَلِ افمتَرَاهُ بَلم هُوَ شَاعِر فَلميَأمتِنَا بِآيَة كَمَا أُرمسِلَ الأمَو لُونَ (5) أولاً : سبب نزولها ذكر المفسرون : أن المشركين قالوا في تناجيهم: ما هذا الذي يدعى النبوة، وهو محمد صل ى الله عليه وسل م إل بشر مثلكم، ول يمكن أن يكون رسول، وما جاءنا به إنما هو السحر بعينه، فكيف تذهبون إليه، وتقبلون منه ما يدعيه، والحال أنكم تعاينون بأبصاركم سحره ...وما حملهم على هذا القول الباطل إل توهمهم أن الرسول ل يكون من البشر، وأن كل ما يظهر على يد مدعى النبوة من البشر من خوارق، إنما هو من قبيل السحر. ثانياً : تضمنت الآية بحسب سبب النزول أن اتهام المشركين القرآن بأنه سحر وأن النبي صل ى الله عليه وسل م ساحر ثم انتقلووا في اتهامهم إلى القول بأنه صل ى الله عليه وسل م شاعر ثم انتقلوا إلى القول بأن القرآن أضغاث أحلام . وإنما أسروا ذلك - كما قال الآلوس ي - لْنه كان على طريق توثيق العهد، وترتيب مبادئ الشر والفساد وتمهيد مقدمات المكر والكيد في هدم أمر النبوة. وإطفاء نور الدين ويأبى الله إل أن يتم نوره ولو كره المشركون . ثالثاً : تلك كلها افتر اءات رد الله عليها وبين بطلانها ودافع عن الحبيب المصطفى صل ى الله عليه وسل م وعن كلامه، وجاء هذا الرد تلقيناً للرسول عليه الصلاة والسلام فقال سبحانه ( : وَأَسَر وا الن جموَى ال ذِينَ ظَلَمُوا هَلم هَ ذَا إِلا بَشَر م ِثملُكُمم أَفَتَأمتُونَ الس ِحمرَ وَأَنتُمم تُبمصِرُونَ ) ..الخ ، وإليك بيانها : الآية الأولى : ( وَأَسَر وا الن جموَى ال ذِينَ ظَلَمُوا هَلم هَ ذَا إِلا بَشَر م ِثملُكُمم أَفَتَأمتُونَ الس ِحمرَ وَأَنتُمم تُبمصِرُونَ )

عدد الصفحات ٢١٨

219 1 /حكى- سبحانه- لونا من ألوان مكرهم وخبثهم فقال: ( وَأَسَر وا الن جموَى ال ذِينَ ظَلَمُوا ) والنجوى : المسارة بالحديث، وإخفاؤه عن الناس.أى: بعد أن استمعوا إلى القرآن بإعراض ولهو واستهتار، اختلى بعضهم ببعض، وبالغوا في إخفاء ما يضمرونه من سوء نحو النبي صل ى الله عليه وسل م ونحو ما جاء به من عند الله- تعالى-، وحاولوا أن يظهروا ذلك فيما بينهم فحسب، مبالغة منهم في المكر السيئ الذي حاق بهم. 2/ وقوله سبحانه : ( هَلم هذا إِلا بَشَر مِثملُكُمم أَفَتَأمتُونَ الس ِحمرَ وَأَنمتُمم تُبمصِرُونَ )بيان لما قالوه في تناجيهم من سوء. والستفهام للنفي والإنكار .أى: أنهم قالوا في تناجيهم: ما هذا الذي يدعى النبوة، وهو محمد صل ى الله عليه وسل م إل بشر مثلكم، ول يمكن أن يكون رسول، وما جاءنا به إنما هو السحر بعينه، فكيف تذهبون إليه، وتقبلون منه ما يدعيه، والحال أنكم تعاينون بأبصاركم سحره ...وما حملهم على هذا القول الباطل إل توهمهم أن الرسول ل يكون من البشر، وأن كل ما يظهر على يد مدعى النبوة من البشر من خوارق، إنما هو من قبيل السحر. - قال الآلوس ى: وأرادوا بقولهم : (ما هذا إلا بشر مثلكم) أى: من جنسكم، وما أتى به سحر، تعلمون ذلك فتأتونه وتحضرونه على وجه الإذعان والقبول وأنتم تعاينون أنه سحر. قالوا ذلك بناء على ما ارتكز في اعتقادهم الزائغ أن الرسول ل يكون إل ملكا، وأن كل ما يظهر على يد البشر من الخوارق من قبيل السحر. وعنوا بالسحر. هنا القرآن الكريم، ففي ذلك إنكار لحقيته على أبلغ وجه، قاتلهم الله- تعالى-: أن ى يؤفكون . 3/ هذا، ودعوى المشركين أن الرسول ل يكون بشرا، قد حكاها القرآن في كثير من آياته، ومن ذلك قوله - تعالى-: (وَما مَنَعَ الن اسَ أَنم يُؤممِنُوا إِذم جاءَهُمُ المهُدى، إِلا أَنم قالُوا أَبَعَثَ الل هُ بَشَراً رَسُولاً ) وقد رد الله- تعالى- عليهم هذه الدعوى الكاذبة في كثير من آيات كتابه- أيضا، ومن ذلك قوله عز وجل-: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّ رِجالا ن وحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْق رى .. . الآية الثانية : ( قَالَ ِي رَب يَعملَمُ المقَوملَ فِي الس مَاءِ وَالأمَرمضِ وَهُوَ الس مِيعُ المعَلِيمُ ) : أى: قال الرسول صل ى الله عليه وسل م في الرد على ما تناجوا به سرا : ربي الذي أرسلنى لإخراجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. يعلم ما تقولونه سواء كان سرا أم جهرا، وسواء أكان القائل موجودا في السماء أم

عدد الصفحات ٢١٩

220 في الْرض، وهو وحده السميع لجميع ما يسمع، العليم بكل ش يء في هذا الكون . وما دام الْمر كذلك فأنا سأمض ى في طريقي مبلغا رسالته- سبحانه-، أما أنتم فسترون سوء عاقبتكم إذا ما سرتم في طريق الكفر والعناد .. وفي قراءة سبعية بلفظ قل على الْمر للنبي صل ى الله عليه وسل م . أى: قل لهم- أيها الرسول الكريم - ربي يعلم القول في السماء والْرض وهو السميع العليم. الآية الثالثة : قوله تعالى ( بَلم قَالُوا أَضمغَاثُ أَحملاَم بَلِ افمتَرَاهُ بَلم هُوَ شَاعِر فَلميَأمتِنَا بِآيَة كَمَا أُرمسِلَ الأمَو لُونَ ): 1/ قوله تعالى (بَلم قَالُوا أَضمغَاثُ أَحملاَم بَلِ افمتَرَاهُ ) هذا فيه إضراب من جهته تعالى انتقال من حكاية قولهم السابق هَلْ هذا إِلَّ بَشَر مِثْل ك مْ .. إلى حكاية أقوال أخرى باطلة قالوها في شأنه صل ى الله عليه وسل م وفي شأن ما جاء به. أى: أن هؤلء الكافرين لم يكتفوا بما قالوه قبل ذلك في شأن الرسول صل ى الله عليه وسل م من أنه بشر وما جاء به سحر، بل أضافوا إلى ذلك أن القرآن أضغاث أحلام. أى: أخلاط كأخلاط الْحلام، وأنه أباطيل ل حقيقة لها. والْضغاث : جمع ضغث. وأصله ما جمع من أنواع شتى من النبات ثم حزم في حزمة واحدة .والْحلام : جمع حلم- بضم الحاء وسكون اللام- وهو ما يراه النائم مما ليس بحسن. وقد استعير هذا التركيب لما يراه النائم من وساوس وأحلام خلال نومه بَلِ افْتَراه أى: اختلق هذا القرآن من عند نفسه. 2 /قوله تعالى ( بَلم هُوَ شاعِر ) أى: أن الرسول صل ى الله عليه وسل م شاعر- في زعمهم- وما أتى به هو نوع من الشعر التخييلى الذي ل حقيقة له.ثم أضافوا إلى هذا التخبط واضطراب قولهم : 3 ( /فَلميَأمتِنا بِآيَة كَما أُرمسِلَ الأمَو لُونَ ) ومرادهم بالآية هنا: آية كونية، والمعنى : إن لم يكن كما قلنا في شأنه من أنه شاعر بل كان رسول حقا فليأتنا بخارق يدل على صدقه كناقة صالح، وعصا موس ى، وإحياء عيس ى للأموات .. فإن المرسلين السابقين فعلوا ذلك. وكأنهم - لنطماس بصائرهم وشدة جهالتهم- ل يعتبرون القرآن الذي هو آية الآيات- ل يعتبرونه آية ومعجزة تدل على صدقه صل ى الله عليه وسل م .فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد صورت

عدد الصفحات ٢٢٠

221 تخبط هؤلء المشركين تصويرا حكيما، شأنهم في ذلك شأن الحائر المضطرب الذي ل يستطيع الثبات على قرار، بل هو لتمحله وتعلله ينتقل من دعوى باطلة إلى أخرى أشد منها بطلانا. 4/ وقد نفى القرآن عن الرسول صل ى الله عليه وسل م كل هذه الدعاوى الباطلة، ومن ذلك قوله - تعالى-: وَما ه وَ بِقَوْلِ شاعِر قَلِيلاا ما ت ؤْمِن ونَ وَل بِقَوْلِ كاهِن قَلِيلاا ما تَذَكَّر ونَ تَنْزِيل مِنْ رَب ِ الْعالمَِينَ وقوله - سبحانه- وَما عَلَّمْناه الش ِعْرَ وَما يَنْبَغِي لَه إِنْ ه وَ إِلَّ ذِكْر وَق رْآن م بِين لِي نْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْل عَلَى الْكافِرِينَ .

عدد الصفحات ٢٢١

222 الموضع الثاني قوله تعالى : وَمَا أَرمسَلمنَا قَبملَكَ إِلا رِجَالاً ن وحِي إِلَيمهِمم فَاسمأَلُوا أَهملَ الذ ِكمرِ إِن كُنتُمم لاَ تَعملَمُونَ (7) ومَا جَعَلمنَاهُمم جَسَدًا لا يَأمكُلُونَ الط عَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (8) أولاً : سبب نزولها : قال ابن كثير رحمه الله : عن ابن عباس- رض ى الله عنهما-: لما بعث الله- تعالى- محمدا صلى الله عليه وسلم رسول، أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر منهم، وقالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا، فأنزل الله: أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباا أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَج ل مِنْ ه مْ .. وما شاكلها من آيات . ثانياً : قال المفسرون : لقد حكى القرآن في مواطن عدة إنكار المشركين لبشرية الرسل ورد عليهم بما يخرسهم، ومن ذلك قوله تعالى: (وَما أَرمسَلمنا مِنم قَبملِكَ إِلا رِجالاً نُوحِي إِلَيمهِمم مِنم أَهملِ المقُرى) وقوله : (وَما مَنَعَ الن اسَ أَنم يُؤممِنُوا إِذم جاءَهُمُ المهُدى إِلا أَنم قالُوا، أَبَعَثَ الل هُ بَشَراً رَسُولاً ) وقوله تعالى : (ذلِكَ بِأَن هُ كانَتم تَأمتِيهِمم رُسُلُهُمم بِالمبَي ِناتِ، فَقالُوا أَبَشَر يَهمدُونَنا، فَكَفَرُوا وَتَوَل وما وَاسمتَغمنَى الل هُ وَ الل هُ غَنِي حَمِيد ). ثالثاً : جاء دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم ورد على هذه الشبهة المتكررة عبر تاريخ البشر أل وهي استحالة أن يرسل الله تعالى رسولا من البشر ، فقال تعالى ( وَما أَرمسَلمنا مِنم قَبملِكَ إِلا رِجالاً نُوحِي إِلَيمهِمم ) ، وإليك بيانها : الآية الأولى : قوله تعالى ( وَما أَرمسَلمنا قَبملِكَ إِلا رِجالاً نُوحِي إِلَيمهِمم ): أى: وما أرسلنا من قبلك- أيها الرسول الكريم - لهداية الناس وإرشادهم إلى الحق إل رجال مثلك، وقد أوحينا إليهم بما يبلغونه إلى أقوامهم، من نصائح وتوجيهات وعبادات وتشريعات، وقد لقى هؤلء الرسل من أقوامهم، مثل ما لقيت من قومك من أذى وتكذيب وتعنت في الْسئلة . فالمقصود من الآية الكريمة تسلية النبي صلى الله عليه وسلم والرد على المشركين فيما أثاروه حوله صلى الله عليه وسلم من شبهات.

عدد الصفحات ٢٢٢

223 2/ قوله تعالى ( فَاسمأَلُوا أَهملَ الذ ِكمرِ إِن كُنتُمم لاَ تَعملَمُونَ ) المراد بأهل الذكر : علماء أهل الكتاب من اليهود والنصارى . قاله: ابن عباس والحسن والسدى وغيرهم .أى: لقد اقتضت حكمتنا أن يكون الرسول من البشر في كل زمان ومكان، فإن كنتم في شك من ذلك- أيها المكذبون - فاسألوا علماء أهل الكتب السابقة من اليهود والنصارى، فسيبينون لكم أن الرسل جميعا كانوا من البشر ولم يكونوا من الملائكة. وإنما وجه الله تعالى المشركين لسؤال أهل الكتاب ،لْن المشركين كانوا يستفسرون منهم عن أحوال النبي صلى الله عليه وسلم، أكثر من استفسارهم من المسلمين. وقال أبو حيان في البحر: " والمراد من لم يسلم من أهل الكتاب، لْنهم الذين ل يتهمون عند المشركين في إخبارهم بأن الرسل كانوا رجال، فإخبارهم بذلك حجة عليهم. والمراد كسر حجتهم وإلزامهم، وإل فالحق واضح في نفسه ل يحتاج إلى إخبار هؤلء " وهذه الجملة الكريمة ( فَاسْ أَل وا أَهْلَ الذ ِكْرِ ) معترضة بين قوله - تعالى- وَما أَرْسَلْنا .. وبين قوله بعد ذلك: بِالْبَي ِناتِ وَالز ب رِ .. للمبادرة إلى توبيخ المشركين وإبطال شبهتهم، لْنه قد احتج عليهم، بمن كانوا يذهبون إليهم لسؤالهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم. 3/ وفي قوله - تعالى- (إِنم كُنمتُمم لا تَعملَمُونَ) إيماء إلى أنهم كانوا يعلمون أن الرسل ل يكونون إل من البشر، ولكنهم قصدوا بإنكار ذلك الجحود والمكابرة، والتمويه لتضليل الجهلاء، ولذا جيء في الشرط بحرف «إن» المفيد للشك.وجواب الشرط لهذه الجملة محذوف، دل عليه ما قبله. أى: إن كنتم ل تعلمون، فاسألوا أهل الذكر . الآية الثانية : قوله تعالى ( مَا جَعَلمنَاهُمم جَسَدًا لا يَأمكُلُونَ الط عَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ ): في هذه تأكيد لهذه الحقيقة وهي كون الرسل من البشر ، والضمير في جَعَلْناه مْ يعود إلى الرسل، والجسد مصدر جسد الدم يجسد: إذا التصق بغيره، وأطلق على الجسم جسد، للتصاق أجزائه بعضها ببعض،.أى: وما جعلنا الرسل السابقين عليك يا محمد أجسادا ل تأكل ول تشرب كالملائكة، وإنما جعلناهم مثلك يأكلون ويشربون ويتزوجون ويتناسلون ويعتريهم ما يعترى البشر من سرور وحزن، ويقظة ونوم.. وغير ذلك مما يحسه البشر.

عدد الصفحات ٢٢٣

224 وما جعلناهم- أيضا- خالدين في هذه الحياة بدون موت، وإنما جعلنا لْعمارهم أجلا محددا تنتهي حياتهم عنده بدون تأخير أو تقديم.قال- تعالى-: إِنَّكَ مَي ِت وَإِنَّه مْ مَي ِت ونَ ث مَّ إِنَّك مْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَب ِك مْ تَخْتَ صِم ونَ . فائدة مهمة : قال العلماء وفي الآية دليل على وجوب الرجوع إلى أهل العلم فيما ل يعلم، وعلى أن الرسل جميعا كانوا من الرجال ولم يكن من بينهم امرأة قط.

عدد الصفحات ٢٢٤