193 نعرفكم ونرشدكم . و أصل الدللة الإرشاد إلى الطريق الموصل إلى مكان مطلوب . وغالب استعمال هذا الفعل أن يكون إرشاد من يطلب معرفة ، وبذلك فالآية تقتض ي أن هذا القول يقولونه للذين يسألونهم عن خبر رجل ظهر بينهم يدعي النبوة فيقولون : هل ندلكم على رجل يزعم كذا ، أي ليس بنبي بل مفتر أو مجنون – وحاشاه - . 3/ ومعنى قولهم (يُنَب ِئُكُمم إِذَا مُز ِقمتُمم كُل مُمَز ق إِن كُمم لَفِي خَلمق جَدِيد ) ، هل نرشدكم إلى رجل ينبئكم ، أي يقول لكم : إنكم تبعثون بعد البلى في القبور . وهذا صادر عن فرط إنكارهم ،أي هل تريدون أن ندلكم على من هذه صفته ، أي وليس من صفته أنه نبي بل هو : إما كاذب أو غير عاقل .والإنباء : الإخبار عن أمر عظيم ، وعظمة هذا القول عندهم عظمة إقدام قائله على ادعاء وقوع ما يرونه محال الوقوع . قال الرازي : وهم أنكروا إعادة الحياة في سائر الْحوال ولكنهم خصوا في كلامهم الإعادة بعد التمزق كل ممزق ، أي بعد اضمحلال الْجساد أو تفرقها الشديد ، لقوة استحالة إرجاع الحياة إليها بعدئذ . والتمزيق : تفكيك الْجزاء المتلاصقة بعضها عن بعض بحيث تصير قطعا متباعدة . والممزق : مصدر ميمي لمزقه مثل المسرح للتسريح . و ( كل ) على الوجهين مستعملة في معنى الكثرة كقوله تعالى ( ولو جاءتهم كل آية ) 3 /وجملة ( إنكم لفي خلق جديد ) وقال الرازي : والخلق الجديد : الحديث العهد بالوجود ، أي في خلق غير الخلق الْول الذي أبلاه الزمان ، فجديد فعيل من جد بمعنى قطع . فأصل معنى جديد مقطوع وأصله وصف للثوب الذي ينسجه الناسج فإذا أتمه قطعه من المنوال . الآية الثانية : قوله تعالى (أَفمتَرَى عَلَى الل هِ كَذِبًا أَم بِهِ جِن ة بَلِ ال ذِينَ لاَ يُؤممِنُونَ بِالآمخِرَةِ فِي المعَذَابِ وَالض لاَلِ المبَعِيدِ ) وإليك بيانها : 1/ قوله تعالى (أَفمتَرَى عَلَى الل هِ كَذِبًا أَ م بِهِ جِن ة ) أي جعلوا حال الرسول - صلى الله عليه وسلم - دائرا بين الكذب والجنون بناء على أنه إن كان ما قاله من البعث قاله عن عمد وسلامة عقل فهو في زعمهم مفتر لْنهم يزعمون أن ذلك ل يطابق الواقع ؛ لْنه محال في نظرهم القاصر ، وإن كان قاله بلسانه لإملاء عقل مختل فهو مجنون وكلام المجنون ل يوصف بالفتراء .
عدد الصفحات ١٩٣194 وإنما رددوا حاله بين الْمرين بناء على أنه أخبر عن تلقي وحي من الله فلم يبق محتملا لقسم ثالث وهو أن يكون متوهما أو غالطا كما ل يخفى . والفتراء : الختلاق وإيجاد خبر ل مخبر له . وقد تقدم عند قوله تعالى ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب في سورة العقود . 2/ قوله تعالى (بَلِ ال ذِينَ لاَ يُؤممِنُونَ بِالآمخِرَةِ فِي المعَذَابِ وَالض لاَلِ المبَعِيدِ ) في هذا الجملة قد رد الله عليهم استدللهم بما أشار إلى أنهم ضالون أو مضلون ، وواهمون أو موهمون ، فأبطل قولهم بحذافره بحرف الإضراب (بل) ، ثم بجملة ( الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد ): فقابل سبحانه ما وصفوا به الرسول - صلى الله عليه وسلم - بوصفين : أنهم في العذاب وذلك مقابل قولهم ( أفترى على الله كذبا ) لْن الذي يكذب على الله يسلط الله عليه عذابه ، وأنهم في الضلال البعيد ، وذلك مقابل قولهم ( به جنة ) .ولم يقل لهم : بل أنتم في العذاب والضلال بل قال الذين ل يؤمنون بالآخرة والحكمة من ذلك إدماجا لتهديدهم . والضلال : خطأ الطريق الموصل إلى المقصود . والبعيد وصف به الضلال باعتبار كونه وصفا لطري ق الضال ، فإسناد وصفه إلى الضلال مجازي ؛ لْنه صفة مكان الضلال وهو الطريق الذي حاد عن المكان المقصود ؛ لْن الضال كلما توغل مسافة في الطريق المضلول فيه ازداد بعدا عن المقصود فاشتد ضلاله وعسر خلاصه ، وهو مع ذلك ترشيح للإسناد المجازي . وقوله ( في العذاب ) إدماج يصف به حالهم في الآخرة مع وصف حالهم في الدنيا .
عدد الصفحات ١٩٤195 الموضع الثاني قوله تعالى : قُلم إِن مَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَة أَن تَقُومُوا لِل هِ مَثمنَى وَفُرَادَى ثُم تَتَفَك رُوا مَا بِصَاحِبِكُم م ِن جِن ة إِنم هُوَ إِلا نَذِير ل كُم بَيمنَ يَدَ يم عَذَاب شَدِيد (46) أولاً : سبب نزولها قال ابن كثير : وقوله : ( إن هو إل نذير لكم بين يدي عذاب شديد ) : قال البخاري عندها : عن ابن عباس قال : صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا ذات يوم ، فقال : " يا صباحاه " . فاجتمعت إليه قريش ، فقالوا : ما لك ؟ فقال : " أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو يصبحكم أو يمسيكم ، أما كنتم تصدقوني ؟ " قالوا : بلى . قال : " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " . فقال أبو لهب : تبا لك! ألهذا جمعتنا ؟ فأنزل الله : ( تبت يدا أبي لهب وتب ) . ثانياً : نزلت الآية دفاعاا عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث كذبه المشركون بناءاا اتهام باطل افتروه ليبرروا لْنفسهم عدم الإيمان والإذعان لدين فقالوا به جنة وحاشاه ، وهم في الحقيقة إنما ثقل عليه ترك مانشأوا عليه من تقليد الآباء والْجداد في دينهم الباطل الذي ل يحرم عليهم شيئاا ول يكلفهم بفعل ش ئ يوجبه علي هم ، فلما أراد الله تعالىأن يردهم إلى الصواب وأن يدفع التهمة الباطلة عن سيد أولي الْلباب صلى الله عليه وسلم أنزل هذه الآية ، وإليك ما فيها من الهداية ولذيذ الخطاب: 1/ قوله تعالى :( قُلم إِن مَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَة ) يقتض ي أن ل يكون - الوعظ - إل بالتوحيد ، لْن التوحيد هو المقصود ومن وحد الله حق التوحيد يشرح الله صدره ويرفع في الآخرة قدره فالنبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بما يفتح عليهم أبواب العبادات ويهيئ لهم أسباب . 2/ قوله تعالى : (أَن تَقُومُوا لِل هِ مَثمنَى وَفُرَادَى ) إشارة إلى جميع الْحوال ، فإن الإنسان إما أن يكون مع غيره أو يكون وحده ، فإذا كان مع غيره دخل في قوله : ( مثنى ) وإذا كان وحده دخل في قوله : ( فرادى ) فكأنه يقول : تقوموا لله مجتمعين ومنفردين ل تمنعكم الجمعية من ذكر الله ول يحوجكم النفراد إلى معين يعينكم على ذكر الله .قاله الرازي .
عدد الصفحات ١٩٥196 وقال ابن عاشور : ويجوز أن يكون المعنى أن تقوموا لحق الله مستعيناا أحدكم بصاحب له أو منفرداا بنفسه فإن من أهل النظر من ينشط إليه بالمدارسة ما ل ينشطه بالخَلوة . ومنهم من حاله بعكس هذا ، فلهذا اقتصر على (مثنى وفرادى ) لْن ما زاد على ذلك ل اضطرار إليه . وقدم ( مثنى ) لْن الستعانة أعون على الفهم فيكون المراد دفع عوائق الوصول إلى الحق بالنظر الصحيح الذي ل ي غالِط فيه صاحب هوىا ول شبهة ول يخش ى فيه الناظر تشنيعاا ول سمعة ، فإن الجماهير إذا اجتمعت لم يخل مجتمعهم من ذي هوى وذي شبهة وذي مكر وذي انتفاع ، وهؤلء بما يلازم نواياهم من الخبث تصحبهم ج رأة ل تترك فيهم وازعاا عن الباطل ول صدًّا عن الختلاق والتحريف للأقوال بعمد أو خطأ ، ول حياء يهذب من حِد تهم في الخصام والْذى ، ثم يطيرون بالقالة وأعمال أهل السفالة . والمقصود – كما بينه بعضهم - اجتمعوا اثنين اثنين، أو واحدا واحدا، ثم تفكروا بإخلاص وروية فترون بكل تأكيد أن محمدا صل ى الله عليه وسل م ليس به ش يء من الجنون، إنما هو أرجح الناس عقلا، وأصدقهم قول، وأفضلهم علما، وأحسنهم عملا، وأزكاهم نفسا، وأنقاهم قلبا، وأجمعهم لكل كمال يشرى . 3/ قوله تعالى : ( ثم تتفكروا ) يعني اعترفوا بما هو الْصل والتوحيد ول حاجة فيه إلى تفكر ونظر بعد ما بان وظهر ، ثم تتفكروا فيما أقول بعده من الرسالة والحشر ، فإنه يحتاج إلى تفكر ، وكلمة ثم تفيد ما ذكرنا ، فإنه قال : أن تقوموا لله ثم تتفكروا ، ثم بين ما يتفكرون فيه وهو أمر النبي عليه السلام فقال : ( ما بصاحبكم من جنة) . 4/ قوله تعالى : (مَا بِصَاحِبِكُم م ِن جِن ة ) يفيد كونه رسول وإن كان ل يلزم في كل من ل يكون به جنة أن يكون رسول ، وذلك لْن النبي عليه السلام كان يظهر منه أشياء ل تكون مقدورة للبشر ، وغير البشر ممن تظهر منه العجائب إما الجن أو الملك ، وإذا لم يكن الصادر من النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة الجن يكون بواسطة الملك أو بقدرة الله تعالى من غير واسطة ، وعلى التقديرين فهو رسول الله ، وهذا من أحسن الطرق ، وهو أن يثبت الصفة التي هي أشرف الصفات في البشر بنفي أخس الصفات ، فإنه لو قال أول هو رسول الله كانوا يقولون : فيه
عدد الصفحات ١٩٦197 النزاع ، فإذا قال : ما هو مجنون ؛ لم يسعهم إنكار ذلك لعلمهم بعلو شأنه وحاله في قوة لسانه وبيانه فإذا ساعدوا على ذلك لزمتهم المسألة . ولهذا قال بعده ( إن هو إل نذير ) يعني إما هو به جنة أو هو رسول لكن تبين أنه ليس به جنة فهو نذير . قال ابن عاشور : والقتصار في التفكر المطلوب على انتفاء الجِنة عن النبي صلى الله عليه وسلم هو أن أصل الكفر هو الطعن في نبوءته وهم لما طعنوا فيه قالوا : مجنون ، وقالوا : ساحر ، وقالوا : كاذب . فابتدىء في إرجاعهم إلى الحق بنفي الجِن ة عنه حتى إذا أذعنوا إلى أنه من العقلاء انصرف النظر إلى أن مثل ما جاء به ل يأتي به إل عاقل وهم إنما ابتدأوا اختلاقهم بأنه مجنون كما جاء في القرآن ، قال تعالى { :ما أنت بنعمة ربك بمجنون [ }القلم : 2 ]في السورة الثانية نزولا . وقال { :وما صاحبكم بمجنون في السورة السابعة [ }التكوير : 22 ]وذلك هو الذي استمر وا عليه قال تعالى { :ثم تول وا عنه وقالوا معل م مجنون [ }الدخان : 14 ]إذ دعوى الجنون أروج بين أهل مكة لْن الجنون يطرأ على الإِنسان دفعة فلم يجدوا تعلة أقرب للقبول من دعوى أنه اعتراه جنون كما قالت عاد لهود {إِن نقول إل اعتراك بعض آلهتنا بسوء [ }هود : 54 ]، وقالت ثمود لصالح {قد كنت فينا مَرج وًّا قبل هذا [ }هود : 62 . ] 5/ قوله تعالى : (إِنم هُوَ إِلا نَذِير ل كُم بَيمنَ يَدَيم عَذَاب شَدِيد ) إشارة إلى قرب العذاب كأنه قال : ينذركم بعذاب حاضر يمسكم عن قريب بين يدي العذاب أي سوف يأتي العذاب بعده . وفي هذه الجملة بيان لوظيفته صل ى الله عليه وسلم أى: ليس به صل ى الله عليه وسل م من جنون، وإنما هو نذير لكم، يحذركم ويخوفكم من العذاب الشديد الذي سينزل بكم يوم القيامة، إذا ما بقيتم على شرككم وكف ركم، وهذا العذاب ليس بعيدا عنكم. فائدة مهمة : 1 /قال ابن عاشور : بعد ان فند دعوى المشركين أن بج جنة ، بقيت دعواهم أنه ساحر وأنه كاهن وأنه شاعر وأنه كاذب - حاشاه - فأما السحر والكهانة فسهل نفيهما بنفي خصائصهما؛ فأما انتفاء السحر فبي ن لْنه يحتاج إلى معالجة تعل م ومزاولة طويلة والنبي صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم ل يَخفى عليهم أمره ،
عدد الصفحات ١٩٧198 وأما الشعر فمسحته منفية عن القرآن كما قال الوليد بن المغيرة ، فلم يبق في كنانة مطاعنهم إل زعمهم أنه كاذب على الله ، وهذا يزيفه قوله { :بصاحبكم }فإنهم عرفوه برجاحة العقل و الصدق والْمانة في شبيبته وكهولته فكيف يصبح بعد ذلك كاذباا كما قال النضر بن الحارث : فلما رأيتم الشَيْب في صدغيه قلت م شاعر وقلتم كاهن وقلتم مجنون ، ووالله ما هو بأولئكم . وإذا كان ل يكذب على الناس فكيف يكذب على الله ، كما قال هرقل لْبي سفيان وقد سأله : هل جربتم عليه كذباا قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان : ل . قال : فقد علمت أنه لم يكن ليترك الكذب على الناس ويكذب على الله . 2 /وقال الرازي : ذكر الْصول الثلاثة في هذه الآية بعد ما سبق منه تقريرها بالدلئل فقوله : ( أن تقوموا لله ) إشارة إلى التوحيد ، وقوله : ( ما بصاحبكم من جنة إن هو إل نذير لكم ) إشارة إلى الرسالة ، وقوله : ( بين يدي عذاب شديد ) إشارة إلى اليوم الآخر .
عدد الصفحات ١٩٨199 المبحث الثاني والعشرون ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة النحل الموضع الأول : وَإِذَا بَد لمنَا آيَ ةً م كَانَ آيَة وَالل هُ أَعملَمُ بِمَا يُنَز ِلُ قَالُوا إِن مَا أَنتَ مُفمتَر الموضع الثاني: وَلَقَدم نَعملَمُ أَن هُمم يَقُولُونَ إِن مَا يُعَل ِمُهُ بَشَر ل ِسَانُ
عدد الصفحات ١٩٩200 الموضع الأول قوله تعالى : وَإِذَا بَد لمنَا آيَةً م كَانَ آيَة وَالل هُ أَعملَمُ بِمَا يُنَز ِلُ قَالُوا إِن مَا أَنتَ مُفمتَر بَلم أَكمثَرُهُمم لاَ يَعملَمُونَ (101 )قُلم نَز لَهُ رُوحُ المقُدُسِ مِن ر ب ِكَ بِالمحَق ِ لِيُثَب ِتَ ال ذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشمرَى لِلممُسملِمِينَ (102) أولاً سبب نزولها قال المفسرون : إن المشركين قالوا : إن محمدا صلى الله عليه وسلم يسخر بأصحابه، يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غدا، ما هذا إل مفترى يتقوله من تلقاء نفسه، فأنزل الله- تعالى ( وَإِذا بَدَّلْنا آيَةا مَكانَ آيَة ) . ثانياً : تضمنت الآية كما جاء في سبب نزولها ذكر نو ع من أنواع السخرية التي كان يقع فيها المشركون بالنبي صلى الله عليه وسلم فادعوا ما ادعوه من أنه صلى الله عليه وسلم يغير الْحكام وفق هواه - وحاشاه – وكأنهم على اقتناع من أن القرآن كلام الله تعالى . ثالثاً : نزلت الآية دفاعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم مبرئة لساحته من أن يتلاعب بدين الله تعالى أو أن يكون متبعاً لهواه أو أن يسخر بأصحابه ، وإليك بيانها : 1 / وقوله تعالى : ( وَإِذا بَد لمنا آيَةً مَكانَ آيَة ) التبديل رفع الش يء مع وضع غيره مكانه. فتبديل الآية رفعها بآية أخرى .وجمهور المفسرين على أن المراد بالآية هنا: الآية القرآنية . وعلى أن المراد بتبديلها نسخها.قال صاحب الكشاف: تبديل الآية مكان الآية هو النسخ، والله- تعالى- ينسخ الشرائع بالشرائع لْنها مصالح، وما كان مصلحة بالْمس يجوز أن يكون مفسدة اليوم وخلافه مصلحة. والله- تعالى- عالم بالمصالح والمفاسد، فيثبت ما يشاء، وينسخ ما يشاء بحكمته. 2 ( /وَالل هُ أَعملَمُ بِما يُنَز ِلُ ) جملة معترضة بين الشرط وجوابه للمسارعة إلى توبيخ المشركين وتجهيلهم.أى: والله- تعالى- أعلم من كل مخلوق بما هو أصلح لعباده، وبما ينزله من آيات، وبما يغير ويبدل من أحكام، فكل من الناسخ والم نسوخ منزل حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة، ل ي سْئَل عَمَّا يَفْعَل وَه مْ ي سْئَل ونَ .
عدد الصفحات ٢٠٠201 3( / قالُوا إِن ما أَنمتَ مُفمتَر ) أى: قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم عند تبديل آية مكان آية: إنما أنت يا محمد تختلق هذا القرآن من عند نفسك، وتفتريه من إنشائك واختراعك 4(/ بَلم أَكمثَرُهُمم لا يَعملَمُونَ ) هذا فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم.أى: ل تهتم- أيها الرسول الكريم - بما قاله هؤلء المشركون في شأنك وفي شأن القرآن الكريم، فإن أكثرهم جهلاء أغبياء، ل يعلمون ما في تبديلنا لليات من حكمة، ول يفقهون من أمر الدين الحق شيئا. وقال- سبحانه- بَلْ أَكْثَر ه مْ ل يَعْلَم ونَ للإشارة إلى أن هناك قلة منهم تعرف الحق وتدركه، ولكنها تنكره عنادا وجحودا وحسدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ما آتاه الله من فضله. 5 /ثم لقن الله- تعالى- رسوله صلى الله عليه وسلم الرد الذي يقذفه على باطلهم فيزهقه فقال له ( قُلم نَز لَهُ رُوحُ المقُدُسِ مِن ر ب ِكَ بِالمحَق ِ لِيُثَب ِتَ ال ذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشمرَى لِلممُسملِمِينَ ) قوله ( قُلم نَز لَهُ رُوحُ المقُدُسِ ) : وروح القدس: هو جبريل - عليه السلام-، و الإضافة فيه إضافة الموصوف إلى الصفة. أى: الروح المقدس. ووصف بالقدس لطهارته وبركته . وسمى روحا لمشابهته الروح الحقيقي في أن كلا منهما مادة الحياة للبشر، فجبريل من حيث ما يحمل من الرسالة الإلهية تحيا به القلوب، والروح تحيا به الْجسام . والمعنى : قل- أيها الرسول الكريم - لهؤلء الجاهلين، إن هذا القرآن الذي تزعمون أننى افتريته، قد نزل به الروح الْمين على قلبي من عند ربي، نزول ملتبسا بالحق الذي ل يحوم حوله باطل، ليزيد المؤمنين ثباتا في إيمانهم، وليكون هداية وبشارة لكل من أسلم وجهه لله رب العالمين. وفي قوله ( مِنم رَب ِكَ ) تكريم وتشريف للرسول صلى الله عليه وسلم حيث اختص- سبحانه- هذا النبي الكريم بإنزال القرآن عليه، بعد أن رباه برعايته، وتوله بعنايته. وقوله ( بِالمحَق ِ ) في موضع الحال، أى: نزله إنزال ملتبسا بالحكمة المقتضية له، بحيث ل يفارقها ول تفارقه. 6 /وقول ه: ( لِيُثَب ِتَ ال ذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشمرى لِلممُسملِمِينَ )بيان للوظيفة التي من أجلها نزل القرآن الكريم، وهي وظيفة تسعد المؤمنين وحدهم، أما الكافرون فهم بعيدون عنها.
عدد الصفحات ٢٠١202 فائدةمهمة : منهم المفسرين من يرى أن المراد بالآية في قوله تعالى ( وَإِذا بَدَّلْ نا آيَةا مَكانَ آيَة ) الآية الكونية ، أى المعجزة التي أتى بها كل نبي لقومه وأن المراد بتبديلها: الإتيان بمعجزة أخرى سواها . قال الشيخ القاسمى عند تفسيره لهذه الآية: وذهب قوم إلى أن المعنى تبديل آية من آيات الْنبياء المتقدمين. كآية موس ى وعيس ى وغيرهما من الآيات الكونية الآفاقية، بآية أخرى نفسية علمية، وهي كون المنزل هدى ورحمة وبشارة يدركها العقل. فبدلت تلك- وهي الآيات الكونية- بآية هو كتاب العلم والهدى من نبي أمى صلى الله عليه وسلم . ويبدو لنا أن الرأى الْول أقرب إلى الصواب، لْن قوله - تعالى- بعد ذلك: ( ق لْ نَزَّلَه ر وح الْق د سِ مِنْ رَب ِكَ )يدل دللة واضحة على أن المراد بالآية، الآية القرآنية .
عدد الصفحات ٢٠٢203 الموضع الثاني قوله تعالى : وَلَقَدم نَعملَمُ أَن هُمم يَقُولُونَ إِن مَا يُعَل ِمُهُ بَشَر ل ِسَانُ ال ذِي يُلمحِدُونَ إِلَيمهِ أَعمجَمِي وَهَ ذَ ا لِسَان عَرَبِي م بِين (103) أولاً : سبب نزولها قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: يقول - تعالى- مخبرا عن المشركين ما كانوا يقولونه من الكذب والفتراء : إن محمدا صلى الله عليه وسلم إنما يعلمه هذا الذي يتلوه علينا من القرآن بشر، ويشيرون إلى رجل أعجمى كان بياعا يبيع عند الصفا، وربما كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس إليه ويكلمه بعض الش يء، وذاك كان أعجمى اللسان ل يعرف إل اليسير من العربية . وعن عكرمة وقتادة كان اسم ذلك الرجل «يعيش» ، وعن ابن عباس كان اسمه «بلعام» ، وكان أعجمى اللسان، و كان المشركون يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل عليه ويخرج من عنده، فقالوا : إنما يعلمه بلعام، فأنزل الله هذه الآية . ثانياً : تضمنت الآية كما جاء في سبب نزولها ذكر نوع من أنواع التهامات التي كان يوجهها المشركون إلى النبي صلى الله عليه وسلم فادعوا ما ادعوه زورا وبهتانا - من أنه صلى الله عليه وسلم تعلم القرآن من أحد غيره وليس هو منزل من عند الله تعالى . ثالثاً : نزلت الآية دفاعاا عن النبي صلى الله عليه وسلم مبرئة لساحته من أن يكون له معلم من البشر بل جعله الله تعالى أمياا لكي ل يكون له معلم سواه سبحان ه وتعالى ثم إنه صلى الله عليه وسلم لم يكن ليقيبل أن يتعلم من عربي فضلاا عن أعجمي ،اكتفاءاا بتعليم ربه العليم العلي ، و الآن إليك بيانها : 1/ قوله تعالى : ( وَلَقَدم نَعملَمُ أَن هُمم يَقُولُونَ إِن مَا يُعَل ِمُهُ بَشَر ) أي: ولقد نعلم- أيها الرسول الكري م- علما مستمرا ل يعزب عنه ش يء مما يقوله المشركون في شأنك، من أنك تتعلم القرآن من واحد من البشر.
عدد الصفحات ٢٠٣204 قال الآلوس ى: وإنما لم يصرح القرآن باسم من زعموا أنه يعلمه- عليه الصلاة والسلام - مع أنه أدخل في ظهور كذبهم، للإيذان بأن مدار خطئهم، ليس بنسبته صلى الله عليه وسلم إلى التعلم من شخص معين، بل من البشر كائنا من كان، مع كونه صلى الله عليه وسلم معدنا لعلوم الْولين والآخرين . 2/وقوله تعالى: ( لِسانُ ال ذِي يُلمحِدُونَ إِلَيمهِ أَعمجَمِي وَهذا لِسان عَرَبِي مُبِين ) هذا هو ال رد عليهم فيما زعموه وافتروه .والمراد باللسان هنا: الكلام الذي يتكلم به الشخص، واللغة التي ينطق بها. وقوله : ي لْحِد ونَ من الإلحاد بمعنى الميل. يقال لحد وألحد، إذا مال عن القصد، وسمى الملحد بذلك، لْنه أمال مذهبه عن الْديان كلها. والْعجمي : نسبة إلى الْعجم: وهو الذي ل يفصح في كلامه سواء أكان من العرب أم من العجم. وزيدت فيه ياء النسب على سبيل التوكيد . والمعنى : لقد كذبتم- أيها المشركون - كذبا شنيعا صريحا، حيث زعمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمه القرآن بشر، مع أن لغة هذا الإنسان الذي زعمتم أنه يعلم الرسول صلى الله عليه وسلم لغة أعجمية، ولغة هذا القرآن لغة عربية في أعلى درجات البلاغة والفصاحة، فقد أعجزكم بفصاحته وبلاغته، وتحداكم وأنتم أهل اللسن والبيان أن تأتوا بسورة من مثله. فخبروني بربكم، من أين للأعجمى أن يذوق بلاغة هذا التنزيل وما حواه من العلوم، فضلا عن أن ينطق به، فضلا عن أن يكون معلما له!!.
عدد الصفحات ٢٠٤205 المبحث الثالث والعشرون ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة غافر قوله تعالى : قُلم إِن ِي نُهِيتُ أَنم أَعمبُدَ ال ذِينَ تَدمعُونَ مِن دُونِ الل هِ لمَ ا جَاءَنِيَ المبَي ِنَاتُ مِن ِي ر ب وَأُمِرمتُ أَنم أُسملِمَ لِرَب ِ المعَالمَِينَ (66) أولاً : سبب نزولها قال السيوطي في اللباب : وأخرج جويبر عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة قال يا محمد ارجع عما تقول وعليك بدين آبائك وأجدادك فأنزل الله ( قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله ) الآية ثانياً : تضمنت الآيات بحسب سبب النزول عدم توقف الكفار على كفرهم برسالة النبي صلى الله عليه وسلم بل وصل بهم الحال إلى الجرأة عليه صلى الله عليه وسلم حتى طلبوا منه أن يرجع إلى دينهم الباطل . ثالثاً : جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم ورد على هذا القتراح السمج الذي يدل على عناد المشركين وجهلهم وانطماس بصائرهم ولقن نبيه صلى الله عليه وسلم الرد الحاسم كي ل يعودوا إلى مثله ثانية فقال له ( ق لْ إِن ِي ن هِيت أَنْ أَعْب دَ الَّذِينَ تَدْع ونَ مِن د ونِ اللَّهِ لمََّا جَاءَنِيَ الْبَي ِنَات مِن رَّب ِي وَأ مِرْ ت أَنْ أ سْلِمَ لِرَب ِ الْعَالمَِينَ ) والآن نورد ما جاء فيها من المعاني من أقوال علمائنا : 1 / لقن الله- تعالى- نبيه صل ى الله عليه وسلم الرد الذي يوبخ به المشركين فقال: ( قُلم إِن ِي نُهِيتُ أَنم أَعمبُدَ ال ذِينَ تَدمعُونَ ) أى: قل- أيها الرسول الكري م- لهؤلء المشركين الذين يطلبون منك مشاركتهم في عبادة آلهتهم: قل لهم إنى نهيت من ربي وخالقي ومالك أمرى عن عبادة غيره - تعالى-، والسبب في ذلك أن كل الدلئل والبراهين التي أكرمنى - سبحانه- بها، تشهد وتصرح بأن المستحق للعبادة هو الله- تعالى- وحده .
عدد الصفحات ٢٠٥206 قال ابن عاشور : والمقصود من إسناد المنهية إلى الرسول صلى الله عليه وسلم التعريض بنهي المشركين ، فإن الْمر بأن يقول ذلك ل قصد منه إل التبليغ لهم وإل فلا فائدة لهم في الإِخبار بأن الرسول عليه الصلاة والسلام منهي عن أن يعبد الذين يدعون من دون الله ، يعني : فإذا كنت أنا منهياا عن ذلك فتأملوا في شأنكم واستعملوا أنظاركم فيه ، ليسوقهم إلى النظر في الْدلة سوقاا لي ناا خفياا لتِ بَاعِه فيما نهى عنه ، كما جاء ذلك صريحاا ل تعريضاا في قول إبراهيم عليه السلام لْبيه : ( يا أبت إني قد جَاءني من العلم ما لم يَأتِك فات بِعمني أهدِك صراطاً سويًّا يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمان عصيا ) مريم ( 43 ، 44 ) ويكتمل المعنى بالتنويه إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - من حين نشأته لم يسجد لصنم قط وكان ذلك مصرفة من الله تعالى إياه عن ذلك إلهاما إلهيا إرهاصا لنبوءته . 2/ وقوله : ( لمَ ا جاءَنِي المبَي ِناتُ مِنم ِي ) رَب بيان السبب الذي من أجله نهاه ربه عن عبادة غيره، وهذه البينات تشمل دلئل التوحيد العقلية والنقلية . قال الرازي : وتلك البينات أن إله العالم قد ثبت كونه موصوفا بصفات الجلال والعظمة على ما تقدم ذكره ، وصريح العقل يشهد بأن العبادة ل تليق إل به ، وأن جعل الْحجار المنحوتة والخشب المصورة شركاء له في المعبودية مستنكر في بديهة العقل . وقال بعضهم : ومعنى ( من ربي ) أي: المربي لي تربية خاصة هي أعلى من تربية كل مخلوق سواي ، فلذلك أنا أعبده عبادة تفوق عبادة كل عابد. 3/ وقوله ( وَأُمِرمتُ أَنم أُسملِمَ لِرَب ِ المعالمَِينَ ) أى: إنى بعد أن نهاني ربي عن عبادة غيره، أمرنى بأن أسلم وجهى إليه بالعبادة والطاعة، إذ هو وحده رب العالمين ومالك أمرهم . قال الرازي : وإنما ذكر هذه الْحكام في حق نفسه ؛ لْنهم كانوا يعتقدون فيه أنه في غاية العقل وكمال الجوهر ، ومن المعلوم بالضرورة أن كل أحد فإنه ل يريد لنفسه إل الْفضل الْكمل ، فإذا ذكر أن مصلحته ل تتم إل بالإعراض عن غير الله والإقبال بالكلية على طاعة الله ظهر به أن هذا الطريق أكمل من كل ما سواه .
عدد الصفحات ٢٠٦207 المبحث الرابع والعشرون ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الزخرف قوله تعالى : وَقَالُوا لَوملاَ نُز ِلَ هَ ذَا المقُرمآنُ عَلَى رَجُل م ِنَ المقَرميَتَيمنِ عَظِيم (31 )أَهُمم يَقمسِمُونَ رَحممَتَ رَب ِكَ نَحمنُ قَسَممنَا بَيمنَهُم م عِيشَتَهُمم فِي المحَيَاةِ الد نميَ ا وَرَفَعمنَا بَعمضَهُمم فَومقَ بَعمض دَرَجَات ل ِيَت خِذَ بَعمضُهُم بَعمضًا سُخمرِيًّا وَرَحممَتُ رَب ِكَ خَيمر م ِم ا يَجممَعُونَ (32) أولاً : سبب نزولها قال البغوي : " وقال كفار قريش: لول نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ، يعنون الوليد بن المغيرة من مكة ، وعروة بن مسعود الثقفي بالطائف ، قاله قتادة .وقال مجاهد : عتبة بن ربيعة من مكة ، وابن عبد ياليل الثقفي من الطائف " اهـ فهم يريدون أن تكون النبوة في زعيم من زعمائهم، أو رئيس من رؤسائهم. قال القرطبي : وروي أن الوليد بن المغيرة - وكان يسمى ر يحانة قريش - كان يقول : لو كان ما يقوله محمد حقا لنزل علي أو على أبي مسعود . ثانياً : تضمنت الآيات بحسب سبب النزول استكثار الكفار أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أهلاا للنبوة وإنزال القرآن عليه ،ووصل بهم الحال إلى الجرأة على الله تعالى واقترحوا عيه بعض الْسماء التي يرون أن أصحابها أهل لْن يتزل عليه القرآن ، وهذا فيه دليل على حسدهم للرسول صل ى الله عليه وسلم . ثالثاً : جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم ورد على هذا الاقتراح السمج الذي يدل على عناد المشركين وحسدهم فهم لجهلهم وانطماس بصائرهم يظ نون أن الآهلية للرسالة بعظم الجسم وكثرة المال والرئاسة في العشيرة فقالوا ( لَوملاَ نُز ِلَ هَ ذَا المقُرمآنُ عَلَى رَجُل م ِنَ المقَرميَتَيمنِ عَظِيم ) وكان الرد عليهم بما يأتي : 1/ قال تعالى : (أَهُمم يَقمسِمُونَ رَحممَتَ رَب ِكَ ) يعني النبوة فيضعونها حيث شاءوا وهذا منهم- كما يقول الآلوس ى- لجهلهم بأن رتبة الرسالة، إنما تستدعى عظيم النفس، بالتخلي عن الرذائل
عدد الصفحات ٢٠٧208 الدنية، والتحلي بالكمالت والفضائل القدسية، دون التزخرف بالزخارف الدنيوية. فالستفهام للإنكار والتهكم بهم، والتعجب من تفكيرهم .والمراد بالرحمة : ما يشمل النبوة، وما أنزله على نبيه صل ى الله عليه وسل م من وحى، وما منحه إياه من خلق كريم، وخير عميم. 2/ بين- سبحانه- مظاهر قدرته في خلقه فقال: ( نَحمنُ قَسَممنا بَيمنَهُمم مَعِيشَتَهُمم فِي المحَياةِ الد نميا) أى: نحن قسمنا بينهم أرزاقهم في هذه الدنيا، ولم نترك تقسيمها لْحد منهم، ونحن الذين- بحكمتنا- تولينا تدبير أسبابها ولم نكلها إليهم لعلمنا بعجزهم وقصورهم. 3/ قال الرازي : بطل الله تعالى هذه الشبهة من وجهين يعني القتراح المذكور في الآية - : الأول : قوله ( أهم يقسمون رحمة ربك ) وتقرير هذا الجواب من وجوه : أحدها : أنا أوقعنا التفاوت في مناصب الدنيا ولم يقدر أحد من الخلق على تغييره ، فالتفاوت الذي أوقعناه في مناصب الدين والنبوة بأن ل يقدروا على التصرف فيه كان أولى . وثانيها : أن يكون المراد أن اختصاص ذلك الغني بذلك المال الكثير إنما كان لْجل حكمنا وفضلنا وإحساننا إليه ، فكيف يليق بالعقل أن نجعل إحساننا إليه بكثرة المال حجة علينا في أن نحسن إليه أيضا بالنبوة ؟ وثالثها : إنا لما أوقعنا التفاوت في الإحسان بمناصب الدنيا ل لسبب سابق ، فلم ل يجوز أيضا أن نوقع التفاوت في الإحسان بمناصب الدين والنبوة ، ل لسبب سابق ؟ فهذا تقرير الجواب . 4 /قال تعالى ( ورحمة ربك خير مما يجمعون ) قال الطاهر ابن عاشور : هذا رد ثانن عليهم بأن المال الذي جعلوه عماد الصطفاء للرسالة هو أقل من رحمة الله فهي خير مما يجمعون من المال الذي جعلوه سبب التفضيل حين قالوا : ( لول نزل هذا القرآن .. ) الخ فإن المال ش يء جَمَعه صاحبه لنفسه فلا يكون مثل اصطفاء الله العبد ليرسله إلى الن اس . وقال الرازي : " وتقريره أن الله تعالى إذا خص بعض عبيده بنوع فضله ورحمته في الدين فهذه الرحمة خير من الْموال التي يجمعها ؛ لْن الدنيا على شرف النقضاء والنقر اض ، وفضل الله ورحمته تبقى أبد الآباد " اهـ . فكيف إذا أعطاه الله تعالى النبوة وكلفه بتبليغ الرسالة .
عدد الصفحات ٢٠٨