المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

فتح الودود بيان آيات الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم

أحمد خضر حسنين الحسن

صفحة ١٢ من ٢٥

177 3/ قال صاحب المنار والآية تدل على نفي الرياسة الدينية المعهودة في الملل الْخرى ، وهي سيطرة رؤساء الدين على أهل دينهم في عقائدهم وعباداتهم ومحاسبتهم عليها ، وعقاب من يرون عقابه منهم حتى بالطرد من الدين والحرمان من حقوقه ، ويجب في بعض تلك الملل أن يعترف كل مكلف من ذكر وأنثى للرئيس الديني بأعماله النفسية والبدنية ، وللرئيس أن يغفر له ما يعترف به من المعاص ي ، ويعتقدون أن مغفرة الله تعالى تتبع مغفرته ، وإذا كان الله تعالى لم يجعل للرسول الذي أوجب طاعته حق محاسبة الناس على أعمالهم الدينية ونيتهم فيها ، ول حق طردهم من حضرته - دع حق طردهم من الدين - فكيف يمكن أن يكون لمن دونه من الْمراء أو القضاء أو غيرهم من الرؤساء مثل هذا الحق ؟ ! ويستنبط من الآية أل يجوز لرؤساء المدارس الدينية ول ينبغي لغيرهم - عقاب أحد من طلاب العلم بالحرمان من بعض الدروس فضلا عن طرده من المدرسة ، وحرمانه من تلقي الدين والعلم ألبتة ، ولكن قد يجوز ذلك بمقتض ى نظام ل لْجل النتقام . وقد كان من هدي الرسول - صلى الله عليه وسلم تأليف قلوب ضعفاء الإيمان حتى بعد قوة الإسلام وإعزازه ، بل كان يعامل المنافقين بما يقتضيه ظاهر إسلامهم ، عملا بقاعدة بناء الْحكام على الظواهر ، وأن الله هو الذي يتولى السرائر فأين هذا من طرد كملة المؤمنين السابقين الْولين ، الذين لم يكن لهم حظ دنيوي من إسلامهم إل الصبر والبلاء المبين ؟

عدد الصفحات ١٧٧

178 الموضع الثامن قوله تعالى : وَمَا قَدَرُوا الل هَ حَق قَدمرِهِ إِذم قَالُوا مَا أَنزَلَ الل هُ عَلَى بَشَر م ِن ش َيمء قُلم مَنم أَنزَلَ المكِتَابَ ال ذِي جَاءَ بِهِ مُوس َى نُورًا وَهُدًى ل ِلن اسِ تَجمعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبمدُونَهَا وَتُخمفُونَ كَثِيرًاوَعُل ِممتُم م ا لَمم تَعملَمُوا أَنتُمم وَلاَ آبَاؤُكُمم قُلِ الل هُ ثُم ذَرمهُمم فِي خَومضِهِمم يَلمعَبُونَ (91) أولاً : سبب نزولها قال البغوي : قال سعيد بن جبير : جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " أنشدك بالذي أنزل التوراة على موس ى أما تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين " وكان حبرا سمينا فغضب ، وقال : والله ما أنزل الله على بشر من ش يء .وقال السدي : نزلت في فنحاص بن عازوراء ، وهو قائل هذه المقالة . وفي رواية : أن مالك بن الصيف لما سمعت اليهود منه تلك المقالة عتبوا عليه ، وقالوا : أليس أن الله أنزل التوراة على موس ى؟ فلم قلت ما أنزل الله على بشر من ش يء؟ فقال مالك بن الصيف أغضبني محمد فقلت ذلك ، فقالوا له : وأن ت إذا غضبت تقول - على الله - غير الحق فنزعوه من الحبرية ، وجعلوا مكانه كعب بن الْشرف . وقال ابن عباس رض ي الله عنهما : قالت اليهود : يا محمد أنزل الله عليك كتابا؟ قال : نعم ، قالوا : والله ما أنزل الله من السماء كتابا ، فأنزل الله : " وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من ش يء " فنزلت . ثانياً : نزلت الآية دفاعاا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن جميع الْ نبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام ، لْن ما جاءوا به من الرسالت هو منزل من عند الله تعالى حقا وصدقا ونزلت أيضا فضحا لكذب اليهود القائلين لتلك المقولة الباطلة ( والله ما أنزل الله من السماء كتابا) فرد الله عليهم وبين كذبهم ووقاحتهم ، وكشف تاريخهم الْسود القبيح الملئ بالتحريف لكلام الله تعالى ،فقال تعالى : ( وَمَا قَدَرُوا الل هَ حَق قَدمرِهِ إِذم قَالُوا مَا أَنزَلَ الل هُ عَلَى بَشَ ر م ِن ش َيمء قُلم مَنم أَنزَلَ

عدد الصفحات ١٧٨

179 المكِتَابَ ال ذِي جَاءَ بِهِ مُوس َى نُورًا ) .. الخ والآن سنذكر ما تحتويه الآية المعاني المحكمة التي تدل على عناية الله بنبي الْمة صلى الله عليه وسلم : 1/ قوله تعالىوَمَا قَدَرُوا الل هَ حَق قَدمرِهِ إِذم قَالُوا مَ ا أَنزَلَ الل هُ عَلَى بَشَر م ِن ش َيمء ) : قال في التفسير الوسيط: المعنى: ما عظموا الله حق تعظيمه، وما عرفوه حق معرفته في اللطف بعباده وفي الرحمة بهم، بل أخلوا بحقوقه إخلال عظيما، وضلوا ضلال كبيرا، إذ أنكروا بعثة الرسل وإنزال الكتب، وقالوا تلك المقالة الشنعاء ما أنزل الله على بشر شيئا من الْشياء، قاصدين بهذا القول الطعن في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وفي أن القرآن من عند الله. و قدر الش يء يقدره إذا سبره وحزره ليعرف مقداره، ثم استعمل في معرفة الش يء على أتم الوجوه حتى صار حقيقة فيه. وقال ابن عاشور : فلا جرم أن ال ذين قالوا : ما أنزل الله على بشر من ش يء ، قد جاءوا إفكاا وزوراا وأنكروا ما هو معلوم في أجيال البشر بالت واتر . وهذه الجملة مثل ما حكاه الله عنهم في قوله : ( وقال ال ذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بال ذي بين يديه ) سبأ ( 31. ) 2/ ثمأمر الله- تعالى- رسوله صلى الله عليه وسلم أن يلزمهم بما يخرس ألسنتهم، وأن يرد على سلبهم العام بإثبات قضية جزئية بديهية التسليم فقال تعالى( قُلم مَنم أَنمزَلَ المكِتابَ ال ذِي جاءَ بِهِ مُوس ى نُوراً وَهُدىً لِلن اسِ ) أى: قل يا محمد لهؤلء الزاعمين بأن الله ما أنزل على بشر شيئا من الْشياء : قل لهم من الذي أنزل التوراة وهو الكتاب الذي جاء به موس ى ن وراا وَه دىا لِلنَّاسِ أى: ضياء من ظلمة الجهالة وهداية تعصم من الْباطيل والضلالة. 3 /ثم بين- سبحانه- ما فعله الجاحدون بكتبه من تحريف وتغيير فقال: ( تَجمعَلُونَهُ قَراطِ يسَ تُبمدُونَها وَتُخمفُونَ كَثِيراً ) القراطيس : جمع قرطاس وهو ما يكتب فيه من ورق ونحوه. أى: تجعلون هذا الكتاب الذي أنزله الله نورا وهداية للناس أوراقا مكتوبة مفرقة لتتمكنوا من إظهار ما تريدون إظهاره منها، ومن إخفاء الكثير منها على حسب ما تمليه عليكم نفوسكم السقيمة وشهواتكم الْثيمة.

عدد الصفحات ١٧٩

180 فالمراد من هذه الجملة الكريمة ذم المحرفين لكتب الله، وتوبيخهم على هذا الفعل الشنيع، الذي قصدوا من ورائه الطعن في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم والتوصل إلى ما يبغونه من مطامع وأهواء . 4 /وقوله تعالى ( وَعُل ِممتُمم ما لَمم تَعملَمُ وا أَنمتُمم وَلا آباؤُكُمم ) أى: وعلمتم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ما لم تعلموا أنتم ول آباؤكم من المعارف التي ل يرتاب عاقل في أنها تنزيل رباني. وقال الرازي : ( وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ول آباؤكم ) والمراد أن التوراة كانت مشتملة على البشارة بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم ، و كان اليهود قبل مقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرءون تلك الآيات وما كانوا يفهمون معانيها ، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ظهر أن المراد من تلك الآيات هو مبعثه - صلى الله عليه وسلم - فهذا هو المراد من قوله : ( وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ول آباؤكم ) . 5 /وقوله تعالى ( قُلِ الل هُ ): أى: قل أيها الرسول لهؤلء الجاحدين: الله- تعالى- هو الذي أنزل الكتاب على موس ى - وكما قال ابن عاشور – ( قل الله ) جواب الستفهام الت قريري . وقد تول ى السائل - صلى الله عليه وسلم - الجواب لنفسه بنفسه لْن المسؤول - اليهود - ل يسعه إل أن يجيب بذلك لْن ه ل يقدر أن يكابر ، على ما قر رت ه في تفسير قوله تعالى : ( قل لمن ما في الس ماوات والأرض قل لله ) في هذه الس ورة (12 )والمعنى قل الله أنزل الكتاب على موس ى . 6/ (ثُم ثم بعد هذا القول الفصل ( ذَرمهُمم فِي خَومضِهِمم يَلمعَبُون ) في باطلهم الذي يخوضون فيه يلعبون، وفي غيهم يعمهون حتى يأتيهم من الله اليقين. وفي أمره صلى الله عليه وسلم بأن يجيب عنهم، إشعار بأن الجواب متعين ل يمكن غيره، وتنبيهه على أنهم بهتوا بحيث إنهم ل يقدرون على الجواب . وكا ن العطف بثم في قوله ث مَّ ذَرْه مْ للدللة على الترتيب الرتبى أى: أنهم ل تنجع فيهم الحجج والْدلة فتركهم وخوضهم بعد التبليغ هو الْولى، وإنما كان الحتجاج عليهم لتبكيتهم وقطع معاذيرهم .

عدد الصفحات ١٨٠

181 الموضع التاسع قوله تعالى : وَأَقمسَمُوا بِالل هِ جَهمدَ أَيممَانِهِمم لَ ئِن جَاءَتمهُمم آيَة ل يُؤممِنُن بِهَا قُلم إِن مَا الآميَاتُ عِندَ الل هِ وَمَا يُشمعِرُكُمم أَن هَا إِذَا جَاءَتم لاَ يُؤممِنُونَ (109 )وَنُقَل ِبُ أَفمئِدَتَهُمم وَأَبمصَارَهُمم كَمَا لَمم يُؤممِنُوا بِهِ أَو لَ مَر ة وَنَذَرُهُمم فِي طُغميَ انِهِمم يَعممَهُونَ (110)وَلَوم أَن نَا نَز لمنَا إِلَيمهِمُ الممَلاَئِكَةَ وَكَل مَهُمُ الممَومتَى وَحَشَرمنَا عَلَيمهِمم كُل ش َيمء قُبُلاً م ا كَانُوا لِيُؤممِنُوا إِلا أَن يَشَاءَ الل هُ وَلَ كِن أَكمثَرَهُمم يَجمهَلُونَ (111) أولاً : سبب نزولها : قال البغوي : قال محمد بن كعب القرظي والكلبي : قالت قريش يا محمد إنك تخبرنا أن موس ى كان معه عص ى يضرب بها الحجر فينفجر منه اثنتا عشرة عينا ، وتخبرنا أن عيس ى عليه السلام كان يحيي الموتى فأتنا من الآيات حتى نصدقك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي ش يء تحبون؟ قالوا : تجعل لنا الصفا ذهبا أو ابعث لنا بعض أمواتنا حتى نسأله عنك أحق ما تقول أم باطل ، أو أرنا الملائكة يشهدون لك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإن فعلت بعض ما تقولون أتصدقونني؟ قالوا : نعم والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعين ، وسأل المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزلها عليهم حتى يؤمنوا ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الله أن يجعل الصفا ذهبا فجاءه جبريل عليه السلام ، فقال له : اختر ما شئت إن شئت أصبح ذهبا ولكن إن لم يصدقوا عذبتهم ، وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل يتوب تائبهم ، فأنزل الله عز وجل : ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم ) الآية . ثانياً : سبق وأن ذكرنا عند الكلام على المواضع التي وردت في سورة الإسراء أن كفار قريش اقترحوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بمعجزات تتعلق بحيات هم كقولهم ( فسل لنا ربك الذي بعثك، فليسير عنا هذا الجبل الذي قد ضيق علينا، وليبسط لنا بلادنا، ويفجر فيها الْنهار ) .. الخ وأما هنا فهم يقترحون معجزات أخرى ويبدو أن هذا المجلس هو غير المجلس آنف الذكر المشار إليه في سورة الإسراء ، وواضح أن هذا المجلس كان فيه خليط من المسلمين و المشركين وأن المسلمين طمعوا في إسلامهم حتى إنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجيب طلبهم ، ولكن العناية الإلهية بخير البرية أدركت الجميع فأنزل الله تعالى قوله البديع : ( وَأَقْسَم وا بِاللَّهِ

عدد الصفحات ١٨١

182 جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَتْه مْ آيَة لَّي ؤْمِن نَّ بِهَا ق لْ إِنَّمَا الآْيَات عِندَ اللَّهِ وَمَا ي شْعِر ك مْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَ ي ؤْمِن ونَ ) إلى آخر الآيات ، و إليك أحسن البيان لما في هذه الآيات بعون الله المنان : 1/ قوله تعالى (وَأَقمسَمُوا بِالل هِ جَهمدَ أَيممَا نِهِمم ) قال القرطبي : أي حلفوا . وجهد اليمين أشدها ، وهو بالله . فقوله : جهد أيمانهم أي غاية أيمانهم التي بلغها علمهم ، وانتهت إليها قدرتهم . وذلك أنهم كانوا يعتقدون أن الله هو الإله الْعظم ، وأن هذه الآلهة إنما يعبدونها ظنا منهم أنها تقربهم إلى الله زلفى ; كما أخبر عنهم بقوله تعالى : (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) . وكانوا يحلفون بآبائهم وبالْصنام وبغير ذلك ، وكانوا يحلفون بالله تعالى وكانوا يسمونه جهد اليمين إذا كانت اليمين بالله . 2/ قوله تعالى ( لَئِن جَاءَتمهُمم آيَة ل يُؤممِنُن بِهَا ) أي معلنين أنهم لئن جاءتهم آية من الآيات الكونية التي اقترحوها عليك يا محمد - صلى الله عليه وسلم - ليؤمنن بها أنها من عند الله وأنك صادق فيما تبلغه عن ربك. 3 /قوله تعالى : ( قُلم إِن مَا الآميَاتُ عِندَ الل هِ ) قال السعدي رحمه الله تعالى " أي: هو الذي يرسلها إذا شاء، ويمنعها إذا شاء، ليس لي من الْمر ش يء، فطلبكم مني الآيات ظلم، وطلب لما ل أملك، وإنما توجهون إلي توضيح ما جئتكم به، وتصديقه، وقد حصل، ومع ذلك، فليس معلوما، أنهم إذا جاءتهم الآيات يؤمنون ويصدقون، بل الغالب ممن هذه حاله، أنه ل يؤمن " 4 /قوله تعالى : (وَمَا يُشمعِرُكُمم أَن هَا إِذَا جَاءَتم لاَ يُؤممِنُونَ ) : واختلفوا في المخاطبين بقوله ( وما يشعركم ) فقال بعضهم : الخطاب : للمشركين الذين أقسموا . وقال بعضهم : الخطاب للمؤمنين ، وذلك لْنهم تمنوا نزول الآية ليؤمن المشركون وهو الذي إليه الرازي ، كأنه قيل للمؤمنين تتمنون ذلك وما يدريكم أنهم يؤمنون ؟ . الآية الثانية : وهي تتكلم عن أحوالهم في بواطنهم وما سيؤل إليه أمرهم وهي : قوله تعالى :( وَنُقَل ِبُ أَفمئِدَتَهُمم وَأَبمصَارَهُمم كَمَا لَمم يُؤممِنُوا بِهِ أَو لَ مَر ة مَر ة وَنَذَرُهُمم فِي طُ غميَانِهِمم يَعممَهُونَ ) وإليك بيانها :

عدد الصفحات ١٨٢

183 1 /قوله تعالى: :( وَن قَل ِب أَفْئِدَتَه مْ وَأَبْصَارَه مْ كَمَا لَمْ ي ؤْمِن وا بِهِ ) قال ابن عباس : يعني ونحول بينهم وبين الإيمان ، فلو جئناهم بالآيات التي سألوا ما آمنوا بها كما لم يؤمنوا به أول مرة أي : كما لم يؤمنوا بما قبلها من الآيات من انشقاق القمر وغيره . وقيل : كما لم يؤمنوا به أول مرة ، يعني معجزات موس ى وغيره من الْنبياء عليهم السلام ، كقوله تعالى ( أولم يكفروا بما أوتي موس ى من قبل ) القصص ( 48 ) وورد عن ابن عباس : المرة الْولى دار الدنيا ، يعني لو ردوا من الآخرة إلى الدنيا نقلب أفئدتهم وأبصارهم عن الإيمان كما لم يؤمنوا في الدنيا قبل مماتهم ، كما قال : ( ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ) الْنعام ( 28 . ) قال السعدي " أي : ونعاقبهم، إذا لم يؤمنوا أول مرة يأتيهم فيها الداعي، وتقوم عليهم الحجة، بتقليب القلوب، والحيلولة بينهم وبين الإيمان، وعدم التوفيق لسلوك الصراط المستقيم. وهذا من عدل الله، وحكمته بعباده، فإنهم الذين جنوا على أنفسهم، وفتح لهم الباب فلم يدخلوا، وبين لهم الطريق فلم يسلكوا، فبعد ذلك إذا حرموا التوفيق " 2 /قوله تعالى : (وَنَذَرُهُمم فِي طُغميَانِ هِمم يَعممَهُونَ ) ونتركهم في تجاوزهم الحد في العصيان يترددون متحيرين، ل يعرفون لهم طريقا، ول يهتدون إلى سبيل. قال عطاء : نخذلهم وندعهم في ضلالتهم يتمادون . الآ ية الثالثة : وتتحدث عن إصرارهم على الكفر وعنادهم وعندم انتفاعم بالمعجزات وهي : قوله تعالى : ( وَلَوم أَن نَا نَز لمنَا إِلَيمهِمُ الممَلاَئِكَةَ وَكَل مَهُمُ الممَومتَى وَحَشَرمنَا عَلَيمهِمم كُل ش َيمء قُبُلاً م ا كَانُوا لِيُؤممِنُوا إِلا أَن يَشَاءَ الل هُ وَلَ كِن أَكمثَرَهُمم يَجمهَلُونَ ) 1 /قوله تعالى : ( وَلَوم أَن نَا نَز لمنَ ا إِلَيمهِمُ الممَلاَئِكَةَ ) قال ابن كثير: يقول تعالى : ولو أننا أجبنا سؤال هؤلء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم ( لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها ) فنزلنا عليهم الملائكة ، أي : تخبرهم بالرسالة من الله بتصديق الرسل ، كما سألوا فقالوا : ( أو تأتي بالله والملائك ة قبيلا ) الإسراء (92 ) (قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ) الْنعام ( 124 ) ، ( وقال

عدد الصفحات ١٨٣

184 الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا ) الفرقان ( 21 ). 2 /قوله تعالى : (وَكَل مَهُمُ الممَومتَى ) أي : فأخبروهم بصدق ما جاءتهم به الرسل ، ( وحشرنا عليهم كل ش يء قبلا ) - قرأ بعضهم : " قبلا " بكسر القاف وفتح الباء ، من المقابلة ، والمعاينة . وقرأ آخرون وقبلا بضمهما قيل : معناه من المقابلة والمعاينة أيضا ، كما رواه علي بن أبي طلحة ، والعوفي ، عن ابن عباس . وبه قال قتادة ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم .وقال مجاهد : ( قبلا ) أفواجا ، قبيلا قبيلا أي : تعرض عليهم كل أمة بعد أمة فتخبرهم بصدق الرسل فيما جاءوهم به 3 /قوله تعالى : (م ا كَانُوا لِيُؤممِنُوا إِلا أَن يَشَاءَ الل هُ ) أي : إن الهداية إليه ، ل إليهم . بل يهدي من يشاء ويضل من يشاء ، وهو الفعال لما يريد ، ول يسأل عما يفعل وهم يسألون ، لعلمه وحكمته ، وسلطانه وقهره وغلبته . وهذه الآية كقوله تعالى : ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك ل يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الْليم [ )يونس : 96 ، 97 ] . 4/ قوله تعالى ( وَلكِن أَكمثَرَهُمم يَجمهَلُونَ) : أى: ولكن أكثر هؤلء المشركين يجهلون أنهم لو أوتوا كل آية لم يؤمنوا فهم لذلك يحلفون الْيمان المغلظة بأنهم لو جاءتهم آية ليؤمنن بها. أو يجهلون أن الإيمان بمشيئة الله ل بخوارق العادات. وقيل الضمير يعود على المؤمنين فيكون المعنى. ولكن أكثر المؤمنين يجهلون عدم إيمان أولئك المشركين عند مجيء الآيات لجهلهم عدم مشيئة الله- تعالى- لإيمانهم، فيتمنون مجيء الآيات طمعا في إيمانهم.

عدد الصفحات ١٨٤

185 الموضع العاشر قوله تعالى : ( أَفَغَيمرَ الل هِ أَبمتَغِي حَكَمًا وَهُوَ ال ذِي أَ نزَلَ إِلَيمكُمُ المكِتَابَ مُفَص لاً وَال ذِينَ آتَيمنَاهُمُ المكِتَابَ يَعملَمُونَ أَن هُ مُنَز ل م ِن ر ب ِكَ بِالمحَق ِ فَلاَ تَكُونَن مِنَ الممُممتَرِينَ ) (114) أولاً : سبب النزول قال المفسرون : رو ي أن مشركي مكة قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم اجعل بيننا حكما من أحبار اليهود أو من أساقفة النصارى ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك فنزل قوله - تعالى- أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماا الآية ثانياً : مما وقع فيه المشركون من إيذائهم للنبي صلى الله عليه وسلم هذا الذي طلبوه من أن يجعل أحبار اليهود أو أساقفة النصارى يحكمون بينهم في قضة الإيمان ،مع علم المشركين بأنه صلى الله عليه وسلم ل أحد أصدق منه حديثاا في البشرية ومع طول عشرتهم له ومعرفتهم به منذ نشأته بينهم ، فأمره الله تعالى أن يخاطبهم مستفهماا لهم ،فقال له ( أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَ كَماا وَه وَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْك م الْكِتَابَ م فَصَّلاا ) وإليك أحسن البيان لما في هذه الآيات بعون الله المنان : 1 /قوله تعالى : ( أَفَغَيمرَ الل هِ أَبمتَغِي حَكَماً ) والمعنى: قل يا محمد لهؤلء المشركين، أأميل إلى زخارف الشياطين، فأطلب معبودا سوى الله- تعالى- ليحكم بيني وبينكم، ويفصل المحق منها من المبطل. وأسند صلى الله عليه وسلم البتغاء لنفسه ل إلى المشركين، لإظهار كمال النصفة أو لمراعاة قولهم : اجعل بيننا وبينك حكما. والحكم - بفتحتين- هو من يتحاكم إليه الناس ويرضون بحكمه، وقالوا : إنه أبلغ من الحاكم «وأدل على الرسوخ، كما أنه ل يطلق إل على العادل وعلى من تكرر منه الحكم بخلاف الحاكم. 2/ قوله تعالى : ( وَهُوَ ال ذِي أَنزَلَ إِلَيمكُمُ المكِتَابَ مُفَص لاً ) أى: أفغير الله أطلب من يحكم بيني وبينكم، والحال أنه- سبحانه- هو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا، أى مبينا فيه الحق والباطل، والحلال والحرام، والخير والشر، وغير ذلك من الْحكام التي أنتم في حاجة إليها في دينكم

عدد الصفحات ١٨٥

186 ودنياكم، وأسند الإنزال إليهم لستمالتهم نحو المنزل واستدعائهم إلى قبول حكمه، لْن من نزل الش يء من أجله، من الواجب عليه أن يتقبل حكمه. 3 /ثم ساق- سبحانه- دليلا آخر على أن القرآن حق فقال: ( وَال ذِينَ آتَيمناهُمُ المكِتابَ يَعملَمُونَ أَن هُ مُنَز ل مِنم رَب ِكَ بِالمحَق ِ ) أى: والذين آتيناهم الكتاب أى التوراة والإنجيل من اليهود والنصارى يعلمون علم اليقين أن هذا القرآن منزل عليك من ربك بالحق. لْنهم يجدون في كتبهم البشارات التي تبشر بك، ولْن هذا القرآن الذي أنزله الله عليك مصدق لكتبهم ومهيمن عليها. فهذه الجملة الكريمة تقرير لكون القرآن منزل من عند الله، لْن الذين وثق بهم المشركون من علماء أهل الكتاب عالمون بحقيقته وأنه منزل من عند الله. 3 /قوله تعالى :( فَلا تَكُونَن مِنَ الممُممتَرِينَ ) أى: فلا تكونن من الشاكين في أن أهل الكتاب يعلمون أن القرآن منزل من عند ربك بالحق، لْن عدم اعتراف بعضهم بذلك مرده إلى الحسد والجحود، وهذا النهى إنما هو زيادة في التوكيد، وتثبيت لليقين، كي ل يجول في خاطره طائف من التردد في هذا اليقين. قال ابن كثير: وهذا كقوله تعالى( فَإِنم كُنمتَ فِي شَك مِم ا أَنمزَلمنا إِلَيمكَ فَسمئَلِ ال ذِينَ يَقمرَؤُنَ المكِتابَ مِنم قَبملِكَ لَقَدم جاءَكَ المحَق مِنم رَب ِكَ فَلا تَكُونَن مِنَ المُممتَرِينَ ) قال: وهذا شرط، والشر ط ل يقتض ى وقوعه، ولهذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:(ل أشك ول أسأل) . وقيل: الخطاب لكل من يتأتى له الخطاب على معنى أنه إذا تعاضدت الْدلة على صحته وصدقه فلا ينبغي أن يشك في ذلك أحد. وقيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمقصود أمته، لْنه صلى الله عليه وسلم حاشاه من الشك.

عدد الصفحات ١٨٦

187 المبحث العشرون ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الصافات قوله تعالى : إِن هُمم كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمم لاَ إِلَ هَ إِلا الل هُ يَسمتَكمبِرُونَ (35 )وَيَقُولُونَ أَئِن ا لَتَارِكُو آلِ هَتِنَا لِشَاعِر م جمنُون (36 )بَلم جَاءَ بِالمحَق ِ وَصَد قَ الممُرمسَلِينَ (37) إِن كُمم لَذَائِقُو المعَذَابِ الأمَلِيمِ (38) وَمَا تُجمزَومنَ إِلا مَا كُنمتُمم تَعممَلُونَ (39) أولاً : سبب النزول قال القرطبي : ولما قال النبي - صلى الله عليه و سلم - لْبي طالب عند موته واجتماع قريش : قولوا ل إله إل الله تملكوا بها العرب وتدين لكم بها العجم أبوا وأنفوا من ذلك . وقال أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أنزل الله تعالى في كتابه فذكر قوما استكبروا فقال : إنهم كانوا إذا قيل لهم ل إله إل الله يستكبرون وقال تعالى : إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وهي ( ل إله إل الله محمد رسول الله ) استكبر عنها المشركون يوم الحديبية يوم كاتبهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قضية المدة ، ذكر هذا الخبر البيهقي ، والذي قبله القشيري . وذكر المفسرون :أن موقف المشركين ممن يدعوهم إلى الإيمان أنهم كانوا َ يَق ول ونَ : أَإِنَّا لَتارِك وا آلِهَتِنا لِشاعِر مَجْن ون .أى: ويقولون باستهزاء وغرور لمن دعاهم إلى الإيمان وإلى قول ل إله إل الله، يقولون له أتدعونا إلى أن نترك ما عليه آباؤنا وأجدادنا من عقائد وأفعال، وإلى أن نتبع ما جاءنا به هذا الشاعر المجنون .ويعنون بالشاعر المجنون - قبحهم الله- رسول الله صل ى الله عليه وسلم الذي أرسله الله- تعالى- لهدايتهم. ثانياً : تضمن سبب النزول ذكر جريمتين عظيمتين وقع فيها المشركون في حق الله تعالى وحق رسول الله صل ى الله عليه وسلم الذي أرسله الله- تعالى- لهدايتهم. ونص الله تعالى فيها كتابه عظة لغيرهم وردا على باطلهم :

عدد الصفحات ١٨٧

188 الأولى إنهم كانوا إذا قيل لهم ل إله إل الله يستكبرون ، و لم يذكر من هو القائل لهم الناصح المشفق عليهم أي أنهم يردون بهذا الرد الملئ بالكبر والستعلاء على من دعاهم إلى التوحيد ، حتى ولو كان القائل هو رسول الله صل ى الله عليه وسلم . الثانية : أنهم كان قد وصفو ا النبي صل ى الله عليه وسلم بصفتين ل تليقان به وهم يعلمون أنهم يكذبون في وصفهم إياه بذلك فكانوايَق ول ونَ لمن نصحهم: ( أَإِنَّا لَتارِك وا آلِهَتِنا لِشاعِر مَجْن ون ) ثالثاً : دافع الله تعالى عن حبيبه ومصطفاه محمد صل ى الله عليه وسلم ورد على المشركين ذينك الوصفين المفترين ، وتوعدهم وبين مآلهم في الآخرة وهو العذاب الْليم ، إن لم يتوبوا عن غيهم وضلالهم ، فقال تعالى ( بَلم جَاءَ بِالمحَق ِ وَصَد قَ الممُرمسَلِينَ ) .. الخ الآيات ، والآن سنذكر ما تحتويه الآية المعاني المحكمة التي تدل على عناية الله بنبي الْمة صلى الله عليه وسلم : 1/ قوله تعالى ( بَلم جاءَ بِالم حَق ِ وَصَد قَ الممُرمسَلِينَ) أى: ليس الرسول صل ى الله عليه وسلم شاعرا أو مجنونا، كما زعمتم- أيها الجاهلون -، بل هو رسول صادق فيما يبلغه عن ربه، وقد جاءكم بالحق وهو دين التوحيد الذي دعا إليه جميع الرسل، فكان مصدقا لهم في الدعوة إليه. فكيف تزعمون أنه شاعر مجنون؟ . قال ابن عاشور : قوله تعالى : (بل جاءَ بالحقِ ) م ثبتاا لكون الرسول على غير ما وصفوه إثباتاا بالبينة .وأتبع ذلك بتذكيرهم بأنه ما جاء إل بمثل ما جاءت به الرسل من قَبله ، فكان الإِنصاف أن يلحقوه بالفريق الذي شابههم دون فريق الشعراء أو المجانين .وتصديق المرسلين يجمع ما جاء به الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إجمالا وتفصيلاا . وقــال الســعدي : ( وَصَــدَّقَ المْ رْسَــلِينَ ) أي: ومجيئــه صــدق المرســلين ، فلــول مجيئــه وإرســاله لــم يكــن الرســـل صـــادقين، فهـــو آيـــة ومعجـــزة لكـــل رســـول قبلـــه، لْنهـــم أخبـــروا بـــه وبشـــروا، وأخـــذ الل ـــه علـــيهم العهد والميثاق، لئن جـاءهم، ليـؤمنن بـه ولينصـرنه، وأخـذوا ذلـك علـى أممهـم، فلمـا جـاء ظهـر صـدق الرســل الـــذين قبلـــه، وتبـــين كـــذب مـــن خـــالفهم، .فلـــو قــدر عـــدم مجيئـــه، وهـــم قـــد أخبـــروا بـــه، لكـــان ذلك قادحا في صدقهم.وصدق أيضا المرسلين، بأن جاء بما جاءوا به، ودعا إلى ما دعـوا إليـه، وآمـ ن بهم، وأخبر بصحة رسالتهم ونبوتهم وشرعهم .

عدد الصفحات ١٨٨

189 2/ قوله تعالى (إِن كُمم لَذَائِقُو المعَذَابِ الأمَلِيمِ ) قال الطبري رحمه الله تعالى " يقول تعالى ذكره لهؤلء المشركين من أهل مكة، القائلين لمحمد: شاعر مجنون (إنَّك مْ ) أيها المشركون ( لَذَائِق و الْعَذَابِ الْلِ يم ) الموجع في الآخرة " . 3 /قوله تعالى ( وَمَا تُجمزَومنَ إِلا مَا كُنمتُمم تَعممَلُونَ ): ولما وصف عذابهم بأنه أليم ع طف عليه إخبارهم بأن ذلك المقدار ل حيف عليهم فيه لْنه على وفاق أعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا من آثار الشرك ، والحَظ الْكبر من ذلك الجزاءِ هو حظ الشرك ولكن كني عن الشرك بأعمالهم وأما هو فهو أمر اعتقادي . وفي هذا دليل على أن الكفار مجازَوْن على أعمالهم السيئة من الْقوال والْعمال كتمجيد آلهتهم والدعاءِ لها ، وتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وأذاه وأذى المؤمنين ، وقولِهم في أصنامهم إنهم شفعاء عند الله ، وفي الملائكة إنهم بنات الله ، ومن قتل الْنفس والغارة على الْموال ووأد البنات والزنا فإن ذلك كله مما يزيدهم عذاباا ، وهو يؤيد قول الذين ذهبوا إلى أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة وأن ذلك واقع . قاله ابن عاشور .

عدد الصفحات ١٨٩

190 المبحث الحادي والعشرون ما ورد من دفاع الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سورة سبأ الموضع الأول : وَقَالَ ال ذِينَ كَفَرُوا هَلم نَدُل كُمم عَلَى رَجُل يُنَب ِئُكُمم . الموضع الثاني : قُلم إِن مَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَة أَن تَقُومُوا لِل هِ مَثمنَى وَفُرَ ادَى ثُم تَتَفَك رُوا ) .

عدد الصفحات ١٩٠

191 الموضع الأول قوله تعالى : ( وَقَالَ ال ذِينَ كَفَرُوا هَلم نَدُل كُمم عَلَى رَجُل يُنَب ِئُكُمم إِذَا مُز ِقمتُمم كُل مُمَز ق إِن كُمم لَفِي خَلمق جَدِيد (7) أَفمتَرَى عَلَى الل هِ كَذِبًا أَم بِهِ جِن ة بَلِ ال ذِينَ لاَ يُؤممِنُونَ بِالآمخِرَةِ فِي المعَذَابِ وَالض لاَلِ المبَعِيدِ (8 )أَفَلَمم يَرَوما إِلَى مَا بَيمنَ أَيمدِيهِمم وَمَا خَلمفَهُم م ِنَ الس مَاءِ وَالأمَرمضِ إِن ن شَأم نَخمسِفم بِهِمُ الأمَرمضَ أَوم نُسمقِطم عَلَيمهِمم كِسَفًا م ِ نَ الس مَاءِ إِن فِي ذَ لِكَ لآَيَةً ل ِكُل ِ عَبمد م نِيب (9) أولاً : سبب نزولها قال المفسرون : قد كان المشركون هيأوا ما يكون جوابا للذين يردون عليهم في الموسم من قبائل العرب يتساءلون عن خبر هذا الذي ظهر فيهم يدعي أنه رسول من الله إلى الناس ، وعن الوحي الذي يبلغه عن الله كما ورد في خبر الوليد بن المغيرة إذ قال لقريش : إنه قد حضر هذا الموسم وأن وفود العرب ستقدم عليكم فيه ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا ، فأجمعوا فيه رأيا واحدا ول تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا ويرد قولكم بعضه بعضا ، فقالوا : فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأيا نقول به . قال بل أنتم قولوا أسمع ، قالوا : نقول كاهن ؟ قال ل والله ما هو بكاهن لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ول بسجعه . قالوا فنقول مجنون ؟ قال ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ول تخلجه ول وسوسته ، قالو ا فنقول شاعر ؟ قال : لقد عرفنا الشعر كله فما هو بالشعر ، فقالوا : فنقول ساحر ؟ قال : ما هو بنفثه ول عقده ، قالوا : فما نقول يا أبا عبد شمس ؟ قال : إن أقرب القول فيه أن تقولوا : ساحر ، جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجه وبين المرء وعشيرته . قال العلماء : " فلعل المشركين كانوا يستقبلون الواردين على مكة بهاته المقالة هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد طمعا منهم بأنها تصرف الناس عن النظر في الدعوة تلبسا باستحالة هذا الخلق الجديد . ويرجح ذلك إتمامها بالستفهام أفترى على الله كذبا أم به جنة " . ثانياً : تضمن سبب النزول استهزاء المشركين بسيدنا رسول الله صل ى الله عليه وسلم الذي أرسله الله تعالى- لهدايتهم.حيث أنكروا البعث بعد الموت وهزءوا منه صل ى الله عليه وسلم لْنه أخبرهم

عدد الصفحات ١٩١

192 بالجنة والنار وأمور الآخرة ، ووصل لهم الحالة إلى أنهم أصبحوا يتحدثو ن عنه وكأنهم ل يعرفونه فيقولون للغرباء عن مكة هَلْ نَد ل ك مْ عَلَىَٰ رَج ل ي نَب ِئ ك مْ وكانوا يقصدون بذلك الطنز والهزؤ والسخرية ، فأخرجوه مخرج التحكي ببعض الْحاجي التي يتحاجى بها للضحك والتلهي ، - قاله الزمخشري ، وهذا كله من الْذى الشديد له صل ى الله عليه وسلم . ثالثاً : دافع الله تعالى عن حبيبه ومصطفاه محمد صل ى الله عليه وسلم و رد على المشركين إنكارهم للبعث ثم توعدهم على هذا الاستهزاء بسيد الأنبياء صل ى الله عليه وسلم الذي ما دعاهم إلا لنيل السعادة في الدنيا والآخرة فأنزل سبحانه تلك الآيات ، وإليك بيان ما فيها من العلم الغزير والدفاع عن البشير النذير صل ى الله عليه وسلم . الآية الأولى : قوله تعالى ( وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد ) 1 /حكى الله عن المشركين قولهم ( هل ندلكم على رجل ) المخاطب غير مذكور لْن المقصود في الآية العتبار بشناعة القول ول غرض يتعلق بالمقول لهم . فيجوز أن يكون قولهم هذا تقاول بينهم ، أو يقوله بعضهم لبعض ، أو يقول كبراؤهم لعامتهم ودهمائهم . ويجوز أن يكون قول كفار مكة للواردين عليهم في الموسم . وهذا الذي يؤذن به فعل ( ندلكم ) من أنه خطاب لمن لم يبلغهم قول النبي صلى الله عليه وسلم . والستفهام المراد منه التعجب : أي هل ندلكم على أعجوبة من رجل ينبئكم بهذا النبأ المحال . و المعنى : تسمعون منه ما سمعناه منه فتعرفوا عذرنا في مناصبته العداء . 2/ ثم إن كان التقاول بين المشركين بعضهم لبعض ، فالتعبير عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بـ ( رجل ) منكر مع كونه معروفا بينهم وعند أهل بلدهم ، قصدوا من تنكيره أنه ل يعرف تجاهلا منهم . قال السكاكي : كأن لم يكونوا يعرفون منه إل أنه رجل ما . - وإن كان قول المشركين موجه ا إلى الواردين مكة في الموسم ، كان التعبير بـ ( رجل ) جريا على مقتض ى الظاهر لْن الواردين ل يعرفون النبيء - صلى الله عليه وسلم - ول دعوته فيكون كقول أبي ذر قبل إسلامه لْخيه اذهب فاستعلم لنا خبر هذا الرجل الذي يزعم أنه نبيء ، ومعنى ندلكم

عدد الصفحات ١٩٢