المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

فتح الودود بيان آيات الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم

أحمد خضر حسنين الحسن

صفحة ١١ من ٢٥

161 الموضع الرابع وَمِنمهُم م ن يَسمتَمِعُ إِلَيمكَ وَجَعَلمنَا عَلَى قُلُوبِهِمم أَكِن ةً أَن يَفمقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمم وَقمرًا وَإِن يَرَوما كُل آيَة لا يُؤممِنُوا بِهَا حَت ى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ ال ذِينَ كَفَرُوا إِنم هَ ذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأمَو لِينَ (25). أولاً : سبب نزولها : قال أهل التفسير : قال ابن عباس: " إن أبا سفيان بن حرب، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأمية بن خلف. استمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن، فقالوا للنضر: يا أبا قتيلة ما يقول محمد؟ فقال: والذي جعلها - الكعبة - بيته ما أدرى ما يقول، إل أنى أرى تحر كَ شفتيه يتكلم بش يء فما يقول إل أساطير، مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية، وكان النضر كثير الحديث عن القرون الْولى وكان يحدث قريشا فيستملحون حديثه فأنزل الله هذه الآية" . ثانياً : تضمنت الآية حسب سبب النزول زعم المشركين بعدم فههم لما يقرؤه سيد العالمين صلى الله عليه وسلم من آيات قرآنية . وهذا نوع منكذبهم على أنفسهم فرد الله تعالى عليهم فقال الله تعالى (وَمِنْه م مَّن يَسْتَمِع إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَ لَىَٰ ق ل وبِهِمْ أَكِنَّةا أَن يَفْقَه وه وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراا ) .. الخ وإليك بيانها وبيان ما فيها من دفاع عنه صلى الله عليه وسلم : 1/ قوله تعالى (وَمِنمهُم م ن يَسمتَمِعُ إِلَيمكَ وَجَعَلمنَا عَلَى قُلُوبِهِمم أَكِن ةً أَن يَفمقَهُوهُ ) والمعنى: ومن هؤلء المشركين يا محمد من يستمع إليك حين تقرأ القرآن وقد جعلنا- بسبب عنادهم وجحودهم - على قلوبهم أغطية تحول بينهم وبين فقهه، (وَفِي آذَانِهِمم وَقمرًا ) كما جعلنا في أسماعهم صمما يمنع من سماعه بتدبر وتعقل. 2 /قال صاحب المنار: وجعل الْكنة على القلوب والوقر في الآذان في الآية من تشبيه الحجب والموانع المعنوية بالحجب والموانع الحسية فإن القلب الذي ل يفقه الحديث ول يتدبره كالوعاء الذي وضع عليه الكن أو الكنان وهو الغطاء حتى ل يدخل فيه ش يء. والآذان التي ل تسمع الكلام سماع فهم وتدبر كالآذان المصابة بالثقل أو الصمم، لْن سمعها وعدمه سواء .

عدد الصفحات ١٦١

162 4 /ثم صور - سبحانه- عنادهم وإعراضهم عن الحق مهما وضحت براهينه فقال: ( وَإِنم يَرَوما كُل آيَة لا يُؤممِنُوا بِها ) أى: وإن يروا كل آية من الآيات الدالة على صحة نبوتك وصدق دعوتك فلن يؤمنوا بها لستحواذ الغرور والعناد على قلوبهم. والمراد من الرؤية هنا البصرية، ومن الآيات المعجزات الحسية كانشقاق القمر ونبع الماء من بين أصابعه الشريفة .وهذه الجملة الكريمة المقصود بها ذمهم لعدم انتفاعهم بحاسة البصر بعد ذمهم لعدم انتفاعهم بعقولهم وأسماعهم. وجيء بكلمة ( كُل ) لعموم النفي، أى: أنهم ل يؤمنون بأية معجزة يرونها مهما وضحت براهينها، ومهما كانت دللتها ظاهرة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم. 5 /ثم بين- سبحانه- ما كان يجرى منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( حَتَّى إِذا جاؤ كَ ي جادِل ونَكَ يَق ول الَّذِينَ كَفَر وا إِنْ هذا إِلَّ أَساطِير الَْْوَّلِينَ ) أى: حتى إذا ما صاروا إليك أيها الرسول ليخاصموك وينازعوك في دعوتك فإنهم يقولون لك بسبب كفرهم وجحودهم، ما هذا القرآن الذي نسمعه منك إل أقاصيص الْولين المشتملة على خرافاتهم وأوهامهم. وفي قوله تعالى (حَتَّى إِذا جاؤ كَ ي جادِل ونَكَ ) إشارة إلى أن مجيئهم لم يكن من أجل الوصول إلى الحق، وإنما كان من أجل المجادلة المتعنتة مع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. و الْساطير جمع إسطارة أو أسطورة ومعناها الخرافات والترهات . فائدة مهمة : قال بعض العلماء« :وهنا يسأل سائل: إذا كان منع الهداية من الله- تعالى- بالغشاوة على قلوبهم والختم عليها وبالوقر في آذانهم فلا يسمعون سماع تبصر فماذا يكون عليهم من تبعة يحاسبون عليها حسابا عسيرا بالعذاب الْليم؟ والجواب عن ذلك أن الله- سبحانه- يسير الْمور وفق حكمته العلياء فمن يسلك سبيل الهداية يرشده وينير طريقه ويثيبه، ومن يقصد إلى الغواية ويسير في طريقها تجيئه النذر تباعا إنذارا بعد إنذار، فإن أيقظت النذر ضميره وتكشفت العماية عن قلبه فقد اهتدى وآمن بعد كفر. ومن لم تجد فيه النذر المتتابعة ولم توقظ له ضميرا ولم تبصره من عمى فقد وضع الله- تعالى- على قلبه غشاوة وفي آذانه وقرا » .

عدد الصفحات ١٦٢

163 الموضع الخامس قوله تعالى : وَقَالُوا لَوملاَ نُز ِلَ عَلَيمهِ آيَة م ِن ر ب ِهِ قُلم إِن الل هَ قَادِر عَلَى أَن يُنَز ِلَ آيَةً وَلَ كِن أَكمثَرَهُمم لاَ يَعملَمُونَ (37) أولاً : سبب النزول قال ابن كثير : يقول تعالى مخبرا عن المشركي ن أنهم كانوا يقولون : ( لول نزل عليه آية من ربه ) أي : خارق على مقتض ى ما كانوا يريدون ، ومما يتعنتون كما قالوا : ( لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الْرض ينبوعا ) إلى آخر الآيات من سور الإسراء . ثانياً : تضمنت الآ يات بحسب سبب النزول طلب المشركين من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي بالمعجزات الحسية المشاهدة ، وكان هذا منهم - كما قال ابن عاشور - تعنتا بعد ظهور البراهين ،وإقامة الحجة بالقرآن الذي عجزوا أن يأتوا بسورة مثله . وفي قولهم - كما حكى القرآن عنهم- لَوْل ن ز ِلَ عَلَيْهِ آيَة مِنْ رَب ِهِ ببناء الفعل للمجهول وذكر لفظ الرب، للإشارة إلى أنهم ل يوجهون الطلب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإنما يوجهونه إلى الله تعالى، لْنه إذا كان رسول من عنده، فليجب له هذا الطلب الذي نتمناه ونكون من بعده مؤمنين . وفي هذا القتراح دللة مهمة وهي أن هؤلء المشركين لم يكتفوا بالقر آن معجزة خالدة للنبي صلى الله عليه وسلم وإنما يريدون معجزات حسية من جنس معجزات الْنبياء السابقين. وإنما قالوا ذلك مع تكاثر ما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآيات، لتركهم العتداد بما أنزل عليه، حتى لكأنه لم ينزل عليه ش يء عنادا وجحودا منهم. ثالثاً : جاء الرد من الله تعالى على هذه الشبهة التي طرحها المشركون ، وتوجهوا بها إلى الله تعالى ، وكان الرد على سبيل التلقين لسيد العالمين صلى الله عليه وسلم فقال تعالى : ( قُلم إِن الل هَ قَادِر عَلَى أَن يُنَز ِلَ آيَةً وَلَ كِن أَكمثَرَهُمم لاَ يَعملَ مُونَ) .. الخ وإليك بيا ن ما فيها من الحكم والدللت : 1 /(قُلم إِن الل هَ قَادِر عَلَى أَن يُنَز ِلَ آيَةً ) قل لهم أيها الرسول الكريم على سبيل التوبيخ والتقريع إن الله- تعالى- قادر على تنزيل ما اقترحوا من آيات، لْنه- سبحانه- ل يعجزه ش يء، ولكنه -

عدد الصفحات ١٦٣

164 سبحانه- ينزل ما تقتضيه حكمته، إل أنهم لجهلهم وعنادهم ل يعلمون شيئا من حكم الله في أفعاله، ول من سننه في خلقه. إذ حكمته تعالى تقتض ي تأخير ذلك ، لْنه لو أنزلها وفق ما طلبوا ثم لم يؤمنوا ، لعاجلهم بالعقوبة ، كما فعل بالْمم السالفة ، كما قال تعالى : ( وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا ) [الإسراء : 59 ]، وقال تعالى : ( إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين ) [الشعراء : 4 . ] 2/ وقوله تعالى (وَلكِن أَكمثَرَهُمم لا يَعملَمُونَ ) يفيد أنهم ل يؤمنون حتى ولو جاءتهم الآيات التي اقترحوها، لْن عدم إيمانهم ليس عن نقص في الدليل ولكنه عن تكبر وجحود . وقال ابن عاشور : ( ولكن أكثرهم ل يعلمون ) ، أي ل يعلمون ما وجه الرتباط بين دللة الآية ومدلولها . ولذلك قال في الرد عليهم في سورة الرعد :(7 )( ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من رب ه إن ما أنت منذر ) فهم جعلوا إيمانهم موقوفاا على أن تنز ل آية من السماء . وهم يعنون أن تنزيل آية من السماء جملة واحدة . فقد قالوا : (لول ن ز ل عليه القرآن جملة واحدة ) الفرقان (32 ) وقالوا : ( ولن نؤمن لرق يك حت ى ت نَز ل علينا كتاباا نقرؤه }) الإسراء : (93) فرد الله عليهم بقوله : ( إن ما أنت منذر ) ، أي ل علاقة بين الإنذار وبين اشتراط كون الإنذار في كتاب ينز ل من السماء ، لْن الإنذار حاصل بكونه إنذاراا مفص لاا بليغاا دال على أن المنذِر به ما اخترعه من تلقاء نفسه ، ولذلك رد عليهم بما يبي ن هذا في قوله : ( وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ول تخط ه بيمينك إذَنْ لرْتَابَ الم بطلون إلى قوله وقالوا لول أنزل عليه آيات من رب ه قل إنَّما الآيات عند الله وإن ما أنا نذير مبين أو لم يكفهم أنَّ ا أنزلنا عليك الكتاب ي تلى عليهم ) العنكبوت ( 48 51 ) ، أي فما فائدة كونه ينزل في قرطاس من السماء مع أن المضمون واحد . ومن المفس ِرين من جعل معنى قوله ( ولكن أكثرهم ل يعلمون ) أن هم ل يعلمون أن إنزال الآية على وفق مقترحهم يعقبها الستئصال إن لم يؤمنوا ، وهم لعنادهم ل يؤمنون . إل أن ما فس رتها به أولى لئلا يكون معناها إعادة لمعنى الآية التي سبقتها ، وبه يندفع التوق ف في وجه مطابقة الجواب لمقتض ى السؤال حسبما توق ف فيه التفتزاني في تقرير كلام «الكشاف» .

عدد الصفحات ١٦٤

165 الموضع السادس قُل لا أَقُولُ لَكُمم عِندِي خَ زَائِنُ الل هِ وَلاَ أَعملَمُ المغَيمبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمم إِن ِي مَلَك إِنم أَت بِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَي قُلم هَلم يَسمتَوِي الأمَعممَى وَالمبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَك رُونَ (50) أولاً : سبب النزول : قال المفسرون : ( قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ) نزل حين اقترحوا الآيات - يشير إلى ما سبق ذكره في سورة الإسراء في الحديث الطويل - حيث قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم إن كنت رسول من الله فاطلب منه أن يوسع عيشنا ويغنى فقرنا، وسله أن يبعث معك ملكا يصدقك، واسأله أن يجعل لك جنانا وقصورا أو كنوز ا من ذهب وفضة. تعينك على معاشك. ثانياً : جاء دفاع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم ضد أولئك المستهزئن وبين لهم خطورة اقتراحهم فرد على قولهم هذا ببيان المهمة الحقيقية للرسول صلى الله عليه وسلم ألا وهي تبيغ رسالة الله تعالى واتباع أمره ، وقد أراد الله أن يري أولئك المعاندين منزلة النبي صلى الله عليه وسلم عنده فلقنه أحسن جواب وأمر ه أن يظهر لهم نهاية القول والخطاب فقال له ( قل لا أقول لكم ) .. الخ ، وإليك بيان ما في الآية من الرد المفحم والكلام المفهم : 1 /قوله تعالى (قُل لا أَقُولُ لَكُمم عِندِي خَزَائِ نُ الل هِ ) والمعنى : قل يا محمد - صلى الله عليه وسلم - لهؤلء المشركين الذين يقترحون عليك المقترحات الباطلة قل لهم: ليس عندي خزائن الرزق فأعطيكم منها ما تريدون، وإنما ذلك لله- تعالى- فهو الذي له خزائن السموات والْرض . - قال الشعراوي رحمه الله تعالى " ( ق ل لَّ أَق ول لَك مْ عِندِي خَزَآئِن ٱللَّهِ وَلا أَعْلَم ٱلْغَيْبَ ) وهو بذلك صلى الله عليه وسلم ينفي عن نفسه أي صفة من صفات الْلوهية؛ لْن الخزائن الكونية هي في يد الله . وكلمة " خزائن " هذه مفردها " خِزانة " وهي الش يء الذي يكنز فيه كل نفيس ليخرج منه وقت الحاجة. ول تقل: خِزانة إل لش يء جعلته ظرفاا لش يء نفيس تخاف عليه من أن تخرجه في غير أَوَانِ وزمان إخراجه . وخزائن الْرض كلها يملكها الله، فهو سبحانه وتعالى القائل:

عدد الصفحات ١٦٥

166 (وَٱلأَرمضَ مَدَدمنَاهَا وَأَلمقَيمنَا فِيهَا رَوَاس ِيَ وَأَنمبَتمنَا فِيهَا مِن كُل ِ ش َ يمء م ومزُون * وَجَعَلمنَا لَكُمم فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن ل سمتُمم لَهُ بِرَازِقِينَ * وَإِن م ِن ش َيمء إِلا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَز ِلُهُ إِلا بِقَدَر م عملُوم ) الحجر:( 19-21) " اهـ 3/ قوله تعالى ( وَلاَ أَعملَمُ المغَيمبَ ) أي : وقل لهم كذلك إنى ل أعلم الغيب فأخبركم بما مض ى وبما سيقع في المستقبل، وإنما علم ذلك عند الله، وقد كانوا يقولون له أخبرنا بما ينفعنا ويضرنا في المستقبل. حتى نستعد لتحصيل المصالح ودفع المضار. قال الشعراوي رحمه الله تعالى " وكيف تطلبون معرفة الغيب حتى تقبلوا على النافع وتتجنبوا الضار؟. أل يكفيكم المنهج الإلهي الذي يهديكم إلى صناعة كل نافع لكم ويجنبكم كل أمر ضار بكم؟ ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل لهم إنه يعلم الغيب. وهو بشهادتهم هم يقولون عنه ما جاء بالقرآن الكريم : (وَقَالُوام مَالِ هَـ ذَا ٱلر سُولِ يَ أمكُلُ ٱلط عَامَ وَيَممش ِي فِي ٱلأَسموَاقِ لَوملاا أُنزِلَ إِلَيمهِ مَلَك فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً * أَوم يُلمقَى إِلَيمهِ كَنمز أَوم تَكُونُ لَهُ جَن ة يَأمكُلُ مِنمهَا وَقَالَ ٱلظ المُِونَ إِن تَت بِعُونَ إِلا رَجُلاً م سمحُوراً )الفرقان (7-8.) " وقال أيضاا وكذلك ينفي عن نفسه علم الغيب. ولقائل أن يقول : ولكن ماذا عن الْشياء والْحداث التي كان يخبرنا بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهي أحداث مستقبلية؟ ونقول : إن ذلك ليس علماا بالغيب، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم م عَلَّم غيب، أي أن ر بنا سبحانه وتعالى قد علمه، ومثال ذلك قول القرآن الكريم : ( ذَٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ ن وحِيهِ إِلَيكَ وَمَا ك نتَ لَدَيْهِمْ إِذْ ي لْق ون أَقْلاَمَه مْ أَي ه مْ يَكْف ل مَرْيَمَ وَمَا ك نْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِم ونَ [ )آل عمران : 44]. إن الحق سبحانه هو الذي علَّم رسوله صلى الله عليه وسلم تلك الْخبار التي كانت من أنباء الغيب، ويحسم الحق هذه المسألة عندما يقول : ( عَالِم ٱلْغَيْبِ فَلاَ ي ظْهِر عَلَىَٰ غَيْبِهِ أَحَداا * إِلَّ مَنِ ٱرْتَض َىَٰ مِن رَّس ول فَإِنَّه يَسْل ك مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداا [ )الجن: 26-27.] 3/ قوله تعالى ( وَلاَ أَقُولُ لَكُمم إِن ِي مَلَك ) وقل لهم: إنى لست ملكا فأطلع على ما ل يطلع عليه الناس وأقدر على مال يقدرون عليه. وقد كانوا يقولون : ما لهذا الرسول يأكل طعاما ويمش ى في الْسواق ثم يتزوج النساء

عدد الصفحات ١٦٦

167 4 /ثم بين لهم وظيفته فقال: ( إِنم أَت بِعُ إِلا ما يُوحى إِلَي ) أى إن وظيفتي اتباع ما يوحى إلى من ربي. فأنا عبده وممتثل لْمره، وحاشاى أن أدعى شيئا من تلك الْشياء التي اقترحتموها على.فالآية الكريمة مسوقة على سبيل الستئناف لإظهار تبريه عما يقترحونه عليه. 5 /ثم بين لهم- سبحانه- الفرق بين المهتدى والضال فقال: ( قُلم هَلم يَسمتَوِي الأمَعممى وَالمبَصِيرُ ) أى: قل لهم: هل يستوي أعمى البصيرة الضال عن الصراط المستقيم الذي دعوتكم إليه، وذو البصيرة المنيرة التي اهتدت إلى الحق فآمنت به واتبعته؟ فالمراد بالْعمى الكافر الذي لم يستجب للحق، وبالبصير المؤمن الذي انقاد له. والستفهام للإنكار ونفى الوقوع، أى: كما أنه ل يتساوى أعمى العينين وبصيرهما، فكذلك ل يتساوى المهتدى والضال والرشيد والسفيه، بل إن الفرق بين المهتدى والضال أقوى وأظهر، لْنه كم من أعمى العينين وبصير القلب هو من أعلم العلماء وأهدى الفضلاء وكم من بصير العينين أعمى القلب هو أضل من الْنعام. قال الشعراوي : " وساعة يأتي الحق بقضية يستخدمها كمثل، فلا بد أن يأتي بقضية متفق عليها حتى من الخصوم المواجهين له؛ فهم يعرفون أن الْعمى ل يستوي مع البصير، تماماا مثلما ل يستوي الظل والحرور أو الظلمات والنور . إن الفطرة ل تقبل الخلاف في هذه الْمور . والعمى - كما نعرف - هو عدم الرؤية لمن مِن شأنه وحاله أن يرى، فلا يقول إنسان عن حجر: إن الحجر أعمى؛ لْن الْحجار ل تبصر. إذن ل نقول العمى إل كوصف لمن يفترض فيه أن يرى . وماذا تفعل عدم الرؤية في الْمر المحس؟ إن عدم الرؤية يؤذي الإنسان لْنه كائن متحرك . فقد يقع في حفرة أو يصطدم بش يء يؤذيه، وبإقرار الجميع نعرف أن الْعمى تضطرب حركته ويتعرض للمتاعب، والذي يحمي الإنسان من ذلك أن يكون مبصراا أو مستعيناا بمن يبصر حتى يمكن أن يستقبل المرئيا ت. إذن فالإنسان قد يستغني عن البصر، ولكنه ل غنى له عن الهدى؛ لْن الضلال سيصيبه، والضلال في القيم أبلغ وأشد قسوة من الضلال في الْمور المحس ة ( ق لْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَْعْمَىَٰ وَٱلْبَصِير أَفَلاَ تَتَفَكَّر ونَ ) "

عدد الصفحات ١٦٧

168 6 /ولذا قرعهم الله- تعالى- بقوله : ( أَفَلا تَ تَفَك رُونَ؟ ) أى: أفلا تتفكرون في ذلك فتميزوا بين ضلالة الشرك وهداية الإسلام، وبين صفات الرب وصفات الإنسان. والستفهام هنا للتحريض على التفكر والتدبر . قال الشعراوي : " هناك تفكر، وتذكر، وتدبر. التفكر هو شغل العقل ابتداء بأمر ظاهر، يريد أن يستنبط منه شيئاا . وعندما يقول إنسان لآخر : فكر في هذا الْمر .. أي أدر عقلك في كل ما يتعرض لهذا الْمر . والذي يطلب من آخر التفكير في هذا الْمر كأنه واثق من أن الذي يتفكر في أمر لن يصل إل إلى الرأي الذي قاله من عرض عليه التفكير. وأما التذكر فهو أن يصل الإنسان إلى حكم انتهى إليه بالتفكر ثم نسيه، ويأتي من يلفت الذهن إلى ذلك الحكم الذي انتهى منه فكرياا . إذن فالفكر يأتي بحكم أَوَلِي ناضج، والتذكر يأتي بحكم كان معلوماا للإنسان ولكنه غفل عنه. أما التدبر فهو أل يكتفي الإنسان بالنظر إلى واجهة الْمور ولكن إلى ما وراء ذلك أيضاا؛ لْن كل ش يء له واجهة، وقد تخفى الواجهة ما خلفها، لذلك يطلب الحق من الإنسان أن ينظر إلى أعقاب الْشياء وأقفائها، أي يدير الْمر على كل جهاته ول يكتفي بالنظر إلى واجهاتها، مثلما يشتري الإنسان شيئاا من تاجر أمين، ويعرض التاجر على المشتري مواصفات الش يء بأمانة ويطلب منه أن يختبر الش يء حسب مواصفاته، لكن التاجر الغشاش يحاول أن يخفي المواصفات لْنه يريد خداع المشتري . و لذا عندما يطلب الحق منا أن التفكر والتذكر والتدبر إنما يوقظ فينا المقاييس الحقيقية التي نصل بها إلى المطلوب الذي يريده الله " فوائد مهمة : ( تفسير الشعر اوي رحمه الله ) : 1 /و ( قل ) - كما نعلم - هي أمر من الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والرسول يبلغ ما أمر به الله، وكان يكفي أن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ل أقول لكم عندي خزائن الله. لكنها دقة البلاغ عن الله، إن القرآن توقيفي بمعنى أن كل كلمة فيه نزلت من الله كما هي وبلغها الوحي الْمين لسيدنا رسول الله، وبلغها لنا صلى الله عليه وسلم كما هي، ويدل ذلك على أن أحداا ل يملك التصرف حتى في اللفظ، بل ل بد من أمانة النقل المطلقة.

عدد الصفحات ١٦٨

169 وأبلغنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن الحق قد أرسله هادياا ومبشراا ونذيراا بآية دالة على صدق البلاغ عنه وهي القرآن . وكان يجب على مَن يستقبل هذا البلاغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه. فليس من حق أحد أن يطلب من الرسول آيات غير التي أنزلها الله؛ لْنه صلى الله عليه وسلم لم يدَّع إل أنه مبلغ عن الله، فيجب أن تكون المقابلة له في إطار هذا الدعاء. 2/ لقد سخروا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطالبوا أن تكون له آيات أخرى، وتساءلوا كيف يمكن أن يزعم أنه رسول وهو يأكل الطعام كما يأكلون، ويغش ى الْسواق لكسب العيش كما يفعل البشر، ولو كان رسولا لكفاه الله مشقة كسب العيش، ولْنزل إليه مَل كاا يساعده في البلاغ عن الله، أو يلقي إليه الله من السماء بكنز ينفق منه، أو تكون له حديقة غناء يأكل من ثمارها. هذا ما قاله كبار المشركين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر، وأرادوا أن يصدوا الناس عن الإيمان بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمرة يتهمونه بأنه مسحو ر، ومرة بأنه مجنون، وثالثة بأنه يهذي، ورابعة بأنه كذاب، وخامسة بأنه يتلقى القرآن من أعاجم، ويدحض الحق كل هذه الْكاذيب وكل تلك الفتراءات التي ضلوا بها وأضلوا بها سواهم .إنه صلى الله عليه وسلم رسول من الرسل ( وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلمْ رْسَلِينَ إِ لَّ إِنَّه مْ لَيَأْك ل ونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْش ونَ فِي ٱلَْسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَك مْ لِبَعْض فِتْنَةا أَتَصْبِر ونَ وَكَانَ رَب كَ بَصِيراا ) الفرقان : ( 20. ) 3/ إن كل تلك الْقوال دليل التعنت؛ لْنهم قد طلبوا أشياء تخرج عن مجال ما ادعاه رسول الله لنفسه من أنه رسول مبلغ عن الله؛ إنهم طلبوا الخير النافع والينابيع التي تجري، والجنات والقصور، وأشياء كلها ليست في مقدور رسول مبلغ عن الله، لْن الذي يهبها هو الله سبحانه وتعالى. 4/ إذن فالرسول صلى الله عليه وسلم ينفي عن نفسه بقول الحق (قُل لا أَقُولُ لَكُمم عِندِي خَزَائِنُ الل هِ ) .. الخ ثلاثة أشياء: منها شيئان ينفيان الْلوهية عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي ملكية خزائن الكون، وعلم الغيب، وش يء ثالث وهو أنه ليس مَلَكاا، فهل يعني ذلك أن المَلَكَ أرفع من النبي؟ ل، ولكنهم قالوا له: إنما يمش ي في الْسواق ويتكسب العيش بالعمل، والمَلَك ل

عدد الصفحات ١٦٩

170 يفعل ذلك. ولكن الرسول بالطبع أرقى منزلة من المَلَك؛ لْنه يقوم بهداية الإنس والجن ويتبع ما يوحيه إليه ملِك الملوك، وهو الحق سبحانه وتعالى: ( إِنم أَت بِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَي ). إنه من فرط ارتفاعه في الصدق المبلَّ غ عن الله يعلن حقيقته صلى الله عليه وسلم بأنه من البشر، والبشر ابن أغيار، ويعلم شيئاا، ويجهل شيئاا، ومن مصلحة المرسل إليهم أن يكون الرسول متبعاا ل مبتدعاا، ذلك أنه ينقل لهم تكاليف الخالق بألفاظها ل أفكار البشر التي قد تتغير أو تتبدل. فلو ابتدع لبتدع في إطار بشريته، وفي ذلك نزول ل ارتقاء، لكنه في التباع يأتي بالرتقاء للبشر؛ لْنه يتبع ما أوحى به الإله الذي اصطفاه رسولا . ولذلك كانت الْمية في رسول الله صلى الله عليه وسلم شرفاا له ولنا . أما أ م يَّة الإنسان العادي فهي عيب، إنما أ م يَّة محمد صلى الله عليه وسلم هي الكمال.

عدد الصفحات ١٧٠

171 الموضع السابع قوله تعالى : وَلاَ تَطمرُدِ ال ذِينَ يَدمعُونَ رَب هُم بِالمغَدَاةِ وَالمعَش ِي ِ يُرِيدُونَ وَجمهَهُ مَا عَلَيمكَ مِنم حِسَابِهِم م ِن ش َيمء وَمَا مِنم حِسَابِكَ عَلَيمهِم م ِن ش َيمء فَتَطمرُدَهُمم فَتَكُونَ مِنَ الظ المِِينَ (52) . أولاً : سبب نزولها : روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص ، قال : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ستة نفر . فقال المشركون للنبي - صلى الله عليه وسلم - : اطرد هؤلء عنك ل يجترئون علينا ! قال : وكنت أنا وابن مسعود ، ورجل من هذيل ، وبلال ، ور جلان لست أسميهما . . فوقع في نفس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما شاء الله أن يقع . فحدث نفسه . فأنزل الله عز وجل : ( ول تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعش ي يريدون وجهه) . إلى قوله : ( أليس الله بأعلم بالشاكرين ) وروى الواحدي : عن عبد الله بن مسعود أنه قال : مر الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب وخباب وبلال وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين ، فقالوا : يا محمد أرضيت بهؤلء عن قومك ؟ أفنحن نكون تبعا لهؤلء ؟ اطردهم عن نفسك ، فلعلك إن طردتهم اتبعناك ، فقال عليه السلام : " ما أنا بطارد المؤمنين " فقالوا : فأقمهم عنا إذا جئنا ، فإذا أقمنا فأقعدهم معك إن شئت ، فقال : " نعم " طمعا في إيمانهم . ثانياً : بناءا على ما سبق ذكره في سبب النزول أقول : عصم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم من أن يعطي لسادة قريش من المشركين ما طلبوه من أن يكون لهم مجلس يخصهم به دون ضعفاء المسلمين رغبة في إسلامهم وطمعاا في إيمانهم لْنه سيترتب على ذلك إسلام الكثير من عامة أهل مكة ، فرحمته التي تملأ جوانحه صلى الله عليه وسلم جعلته يفكر فيما أشرت إليه كما قال ابن مسعود رض ي اله عنه " فوقع في نفس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه . فأنزل الله عز وجل : ول تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعش ي يريدون وجهه " وقال القرطبي " وكان النبي صلى الله عليه وسلم إنما مال إلى ذلك طمعا في إسلامهم ، وإسلام قومهم ، ورأى أن ذلك ل يفوت أصحابه شيئا ، ول ينقص لهم قدرا ، فمال إليه فأنزل الله الآية "

عدد الصفحات ١٧١

172 والآن سنذكر ما تحتويه الآية المعاني المحكمة واللطائف التي تثلج الصدر فيما يتعلق بالعناية الإلهية بخير البرية صلى الله عليه وسلم . 1/ قوله تعالى : (وَلاَ تَطمرُدِ ال ذِينَ يَدمعُونَ رَب هُم بِالمغَدَاةِ وَالمعَش ِي ِ ) أي ل تطرد أيها الرسول هؤلء المؤمنين الموحدين الذين يدعون ربهم بالغداة والعش ي ، أي في النهار وآخره أو في عامة الْوقات ; لْنه يكنى بطرفي الش يء عن جملته ، يقال : يفعل كذا صباحا ومساءا إذا كان مداوما عليه ، وإذا أريد بالغدو والعش ي حقيقتهما فيحتمل أن يراد بالدعاء الصلاة ؛ لْنها كانت في أول الإسلام صلاتين : إحداهما في الصباح والْخرى في المساء ، وروي عن مجاهد أن المراد صلاتا الصبح والعصر ; وإل فالدعاء يشمل الدعاء الحقيقي والصلاة والقرآن المشتملين عليه ، والغداة والغدوة كالبكرة ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، والعش ي آخر النهار 2 / (يريدون وجهه ) أي : يدعون ربهم بالغداة والعش ي مريدين بهذا الدعاء وجهه سبحانه وتعالى ، مبتغين مرضاته ، أي يتوجهون به إليه وحده مخلصين له الدين ، فلا يشركون معه أحدا ، ول يرجون من غيره عليه ثوابا ، ول يتوقعون به من أحد مدحا ول نفعا ، فهذا التعبير يدل على الإخلاص لله تعالى في العمل وابتغاء مرضاته به وحده وعدم الرياء فيه ، كما قال تعالى حكاية عن المطعمين الطعام على حبه : ( إنما نطعمكم لوجه الله ل نريد منكم جزاء ول شكورا ) الإنسان ( 9 )وكما قال في الْتقى الذي ينفق ماله ليتزكى به عند الله تعالى ويكون مقبول مرضيا لديه : ( وما لْحد عنده من نعمة تجزى إل ابتغاء وجه ربه الْعلى ولسوف يرض ى ) ( الليل : 19 - 21 ) . وقال الرازيفي قوله : ( يدعون ربهم بالغداة والعش ي ) قولن : الأول : أن المراد من الدعاء الصلاة ، يعني يعبدون ربهم بالصلاة المكتوبة ، وهي صلاة الصبح وصلاة العصر وهذا قول ابن عباس والحسن ومجاهد . وقيل : المراد من الغداة والعش ي طرفا النهار ، وذكر هذين القسمين تنبيها على كونهم مواظبين على الصلوات الخمس . والقول الثاني : المراد من الدعاء الذكر قال إبراهيم : الدعاء ههنا هو الذكر و المعنى يذكرون ربهم طرفي النهار .

عدد الصفحات ١٧٢

173 3/ قوله تعالى ( مَا عَلَيمكَ مِنم حِسَابِهِم م ِن ش َيمء وَمَا مِنم حِسَابِكَ عَلَيمهِم م ِن ش َيم )قال الرازي : اختلفوا في أن الضمير في قوله : " حسابهم " وفي قوله : " عليهم " إلى ماذا يعود ؟ والقول الأول : أنه عائد إلى المشركين ، والمعنى ما عليك من حساب المشركين من ش يء ول حسابك على المشركين وإنما الله هو الذي يدبر عبيده كما يشاء وأراد . والغرض من هذا الكلام أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يتحمل هذا القتراح من هؤلء الكفار ، فلعلهم يدخلون في الإسلام ويتخلصون من عقاب الكفر ، فقال تعالى : ل تكن في قيد أنهم يتقون الكفر أم ل فإن الله تعالى هو الهادي والمدبر . القول الثاني : أن الضمير عائد إلى الذين يدعون ربهم بالغداة والعش ي ، وهم الفقراء ، وذلك أشبه بالظاهر . والدليل عليه أن الكناية في قوله : ( فتطردهم فتكون من الظالمين ) عائدة ل محالة إلى هؤلء الفقراء ، فوجب أن يكون سائر الكنايات عائدة إليهم . وعلى هذا التقدير فذكروا في قوله : ( ما عليك من حسابهم من ش يء ) قولين : أحدهما : أن الكفار طعنوا في إيمان أولئك الفقراء ، وقالوا : يا محمد إنهم إنما اجتمعوا عندك وقبلوا دينك لْنهم يجدون بهذا السبب مأكول وملبوسا عندك ، وإل فهم فارغون عن دينك ، فقال الله تعالى إن كان الْمر كما يقولون ، فما يلزمك إل اعتبار الظاهر وإن كان لهم باطن غير مرض ي عند الله ، فحسابهم عليه لزم لهم ، ل يتعدى إليك ، كما أن حسابك عليك ل يتعدى إليهم ، كقوله : ( ول تزر وازرة وزر أخرى [ )الْنعام : 164 فإن قيل : أما كفى قوله : ( ما عليك من حسابهم من ش يء ) حتى ضم إليه قوله : ( وما من حسابك عليهم من ش يء)، قلنا : جعلت الجملتان بمنزلة جملة واحدة قصد بهما معنى واحد وهو المعنى في قوله : ( ول تزر وازرة وزر أخرى ) و ل يستقل بهذا المعنى إل الجملتان جميعا ، كأنه قيل ل تؤاخذ أنت ول هم بحساب صاحبه . القول الثاني : ما عليك من حساب رزقهم من ش يء فتملهم وتطردهم ، ول حساب رزقك عليهم ، وإنما الرازق لهم ولك هو الله تعالى ، فدعهم يكونوا عندك ول تطردهم .

عدد الصفحات ١٧٣

174 واعلم أن هذه القصة شبيهة بقصة نوح عليه السلام إذ قال له قومه : ( أنؤمن لك واتبعك الْرذلون [ )الشعراء : 111 ]فأجابهم نوح عليه السلام و( قال وما علمي بما كانوا يعملون إن حسابهم إل على ربي لو تشعرون ) وعنوا بقولهم : " الْرذلون " الحاكة والمحترفين بالحرف الخسيسة ، فكذلك ههنا . وقال ابن عاشور : ويفيد هذا الكلام التعريض برؤساء قريش الذين سألوا إبعاد الفقراء عن مجلس الرسول عليه الصلاة والسلام حين ما يحضرون وأوهموا أن ذلك هو الحائل لهم دون حضور مجلس الرسول عليه الصلاة والسلام والإيمان به والكون من أصحابه ، فخاطب الله رسوله بهذا الكلام إذ كان الرسول هو المسئول أن يقص ي أصحابه عن مجلسه ليعلم السائلون أنهم سألوه ما ل يقع ويعلموا أن الله أطلع رسوله صلى الله عليه وسلم على كذبهم ، وأنهم لو كانوا راغبين في الإيمان لما كان عليهم حساب أحوال الناس ولشتغلوا بإصلاح خويصتهم ، فيكون الخطاب على نحو قوله تعالى لئن أشركت ليحبطن عملك . وقد صرح بذلك في قوله بعد ولتستبين سبيل المجرمين . وإذ كان القصر ينحل على نسبتي إثبات ونفي فالنسبة المقدرة مع القصر وهي نسبة الإثبات ظاهرة من الجمع بين ضمير المخاطب وضمير الغائبين ، أي عدم حسابهم مقصور عليك ، فحسابهم على أنفسهم إذ كل نفس بما كسبت رهينة . ثم بهذا يظهر أن ليس المعنى : بل حسابهم على الله وحسابك على الله ، لْن هذا غير مناسب لسياق الآية ، ولْنه يصير به قوله وما من حسابك عليهم من ش يء مستدركا في هذا المقام ، ولذلك لم يتكرر نظير هذه الجملة الثانية مع نظير الجملة الْولى فيما حكى الله عن نوح إن حسابهم إل على ربي في سورة الشعراء لْن ذلك حكي به ما صدر من نوح وما هنا حكي به كلام الله تعالى لرسوله ، فتنبه . 4 /وقوله : ( فتطردهم ) جواب النفي ومعناه ، ما عليك من حسابهم من ش يء فتطردهم ، بمعنى أنه لم يكن عليك حسابهم حتى أنك لْجل ذلك الحساب تطردهم . قال الطاهر عشور : وقوله فتطردهم منصوب في جواب النهي الذي في قوله ول تطرد الذين يدعون ربهم . وإعادة فعل الطرد دون القتصار على قوله فتكون من الظالمين ، لإفادة تأكيد ذلك

عدد الصفحات ١٧٤

175 النهي وليبنى عليه قوله فتكون من الظالمين لوقوع طول الفصل بين التفريع والمفرع عليه . فحصل بإعادة فعل فتطردهم غرضان لفظي ومعنوي . على أنه يجوز أن يجعل فتطردهم منصوبا في جواب النفي من قوله ما عليك من حسابهم من ش يء وما من حسابك عليهم من ش يء ، أي ل تطردهم إجابة لرغبة أعدائهم . 5 /وقوله : ( فتكون من الظالمين ) يجوز أن يكون عطفا على قوله : ( فتطردهم ) على وجه التسبب لْن كونه ظالما معلول طردهم ومسبب له . و قال الرازي : وأما قوله : ( فتكون من الظالمين ) ففيه قولن : الأول : ( فتكون من الظالمين ) لنفسك بهذا الطرد . الثاني : أن تكون من الظالمين لهم لْنهم لما استوجبوا مزيد التقريب والترحيب كان طردهم ظلما لهم ، والله أعلم . وقوله ( فتكون من الظالمين ) عطف على فتطردهم متفرع عليه ، أي فتكون من الظالمين بطردهم ، أي فكونه من الظالمين منتف تبعا لنتفاء سببه وهو الطرد . فوائد مهمة : 1 /قال سيد قطب : ولقد تقول أولئك الكبراء على هؤلء الضعاف ، الذين يخصهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمجلسه وبعنايته ; وطعنوا فيهم وعابوا ما هم فيه من فقر وضعف وما يسببه وجودهم في مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نفور السادة وعدم إقبالهم على الإسلام ،. فقض ى الله سبحانه في هذه الدعوى بقضائه الفصل ; ورد دعواهم من أساسها ودحضها دحضا :( ما عليك من حسابهم من ش يء، وما من حسابك عليهم من ش يء، فتطردهم فتكون من الظالمين ) فإن حسابهم على أنفسهم ، وحسابك على نفسك . وكونهم فقراء مقدر عليهم في الرزق هذا حسابهم عند الله ، ل شأن لك به . كذلك غناك وفقرك هو حسابك عند الله ل شأن لهم به . ول دخل لهذه القيم في قضية الإيمان والمنزلة فيه . فإن أنت طردتهم من

عدد الصفحات ١٧٥

176 مجلسك بحساب الفقر والغنى كنت ل تزن بميزان الله ، ول تقوم بقيمه . . فكنت من الظالمين . . وحاشا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكون من الظالمين ! وبقي فقراء الجيوب أغنياء القلوب في مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبقي ضعاف الجاه الْقوياء بالله في مكانهم الذي يؤهلهم له إيمانهم ; والذي يستحقونه بدعائهم لله ل يبتغون إل وجهه . واستقرت موازين الإسلام وقيمه على المنهج الذي قرره الله . . عندئذ نفر المستكبرون المستنكفون يقولون : كيف يمكن أن يختص الله من بيننا بالخير هؤلء الضعاف الفقراء ؟ إنه لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقونا إليه ; ولهدانا الله به قبل أن يهديهم ! فليس من المعقول أن يكون هؤلء الضعاف الفقراء هم الذين يمن الله عليهم من بيننا ويتركنا ونحن أصحاب المقام والجاه ! 2 /قال السيد رشيد رضا : معلوم أن أتباع خاتم الرسل - صلى الله عليه وسلم - كأتباع من تقدمه من إخوانه الرسل – صلوات الله عليهم - أكثرهم من الضعفاء الفقراء ، وأن أعداءه كأعدائهم هم المترفون من الْكابر والرؤساء ، وأن هؤلء الْعداء المستكبرين عن الإيمان كانوا يحتقرون السابقين إلى الإيمان ويذمونهم ويعدون أنفسهم معذورين أو محقين بعدم رضائهم لْنفسهم بمساواتهم ، وتارة يقترحون على الرسل طردهم وإبعادهم ، قال الله تعالى في " سورة سبأ " : ( وما أرسلنا في قرية من نذير إل قال مترفوها إنا بما أر سلتم به كافرون وقالوا نحن أكثر أموال وأولدا وما نحن بمعذبين ) ( 34 :34 ، 35 )وقال تعالى في " سورة هود " حاكيا قول الملأ ، أي الْشراف من قوم نوح عليه السلام له : ( وما نراك اتبعك إل الذين هم أراذلنا بادي الرأي ) ( 11 :27 )وقوله لهم : ( وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ) إلى قوله : ( أفلا تذكرون ) ( 11 :29 ، 30 )وقد حكى الله عن كفار قريش أنهم قالوا في هؤلء الضعفاء السابقين إلى الإسلام : ( لو كان خيرا ما سبقونا إليه ) ( 46 :11 )وقال في شأنهم من " سورة مريم " : ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا ) ( 19 :73 ، 74 ) .

عدد الصفحات ١٧٦