97 ومكانه, وجمٌع شإونه , وحالاته فً كل شًء , أحسن الله تعالى خلقه كما قال تعالى : { الذي أحسن كل شًء خلقه} , وكل شًء أتقن الله تعالى صنعه كما قال سبحانه : { صنع الله الذي أتقن كل شًء} فكل شًء هو حسن الخلق , ومتقن الصنع بالنسبة لنوعه , فالحمار بالنسبة لكونه حماراً هكذا ٌنبؽً أن ٌكون , والكلب بالنسبة لنوعه وهو الحٌوان الكلبً هكذا أن ٌكون , وهلم جراً , والله تعالى أعطاه ذلك كله على حسب ما ٌلٌق به , بمقتضى علمه سبحانه السابق القدٌم , الذي لا أول له , المحٌط بكل شًء , وحسب حكمته الشامل لكل شًء – والله تعالى علٌم حكٌم . وبقدرته التً لا ٌعجزها شًء أوجد ذلك كله , ثم هدى ذلك الشًء لما فٌه صلبح وجوده وبقابه , وحٌاته , وهداه لمعرفته بربه خالقه ورازقه , وهداه لمعرفة معاشه وؼذابه, ومطعمه ومشربه , وهداه لمعرفة ما ٌضره وما ٌنفعه من المؤكولات والمشروبات , وهداه لمعرفة من ٌؤتلؾ معه , ومن ٌحذر من شره . فترى العصفور مثلبً ٌؤتلؾ مع بنً نوعه ونوع الحمام , ولكنه ٌفرمن الؽراب ونحوه من سباع الطٌور. وهكذا هدى سبحانه جمٌع المخلوقات إلى ما فٌه نظامها وانتظامها : قال تعالى :{ وما من دابة فً الأرض ولا طابر ٌطٌر بجناحٌه إلا أمم أمثالكم } وقد تكلمت بعض الكلبم علة هذه الآٌة فً كتاب(هدي القرآن إلى معرفة العوالم والتفكر فً الأكوان ) فارجع إلٌه . النوع الثانً من الهداٌة: هداٌة البٌان والدلالة على كل خٌر , وفٌها التحذٌر من كل شر, وهذه هداٌة المكلفٌن عامة إلى معرفة الحق من الضلبل, وبٌان ما فٌه الخٌر لهم, وما ٌعود علٌهم بالشر والفساد, وبٌان ما ٌنفعهم, وٌصلح أمورهم الخاصة والعامة؛ فً الدنٌا والآخرة, جماعات وفرادى . وهذه الهداٌة الإلهٌة هً التً أوجبها الله تعالى على نفسه , رحمة بعباده بواسطة الرسل صلوات الله تعالى علٌهم- وهً وظٌفتهم فً الدنٌا وٌوم
عدد الصفحات ٩٧98 المعاد, وبها ٌظهر اختٌار المكلؾ: فإما أن ٌختار الإٌمان الثابت بالبٌنات والبرهان , الذي جاء به هذا الهدي البٌانً , وإما أن ٌختار الكفر – وهو : ستر الحق بعد ما ظهر له بالهدى والبٌنات – وبذلك ٌكون من أهل الردى . وعلى هذا الاختبار الذي ٌظهر فٌه الاختٌار ٌترتب الثواب : إن اختار واستحب الإٌمان والهدى , وٌترتب علٌه العقاب : إن اختار الكفر واستحب العمى على الهدى . وهذه أمور أربعة تتعلق بهداٌة البٌان والدلالة : الأول: إن الله تعالى أوجبها على نفسه رحمة بعباده , قال تعالى :{ إن علٌنا للهدى . وإن لنا للآخرة والأولى } ,فقد أوجب على نفسه سبحانه أن ٌهدي العباد – أي: ٌدلهم على الحق , وٌبٌن طرٌق الحق وما ٌإدي إلٌه من الفلبح , وصلبح الدنٌا والآخرة , كما بٌن طرٌق الضلبل وما ٌإدي ؼلٌه من الشر والفساد و وهذا كما قال تعالى :{ وهدٌناه النجدٌن} أي: بٌنا له الطرٌقٌن الواضحٌن : طرٌق الخٌر وطرٌق الشر . روى الطبرانً , عن أبً أمامة رضً الله عنه , أن النبً صلى الله علٌه وآله وسلم قال:[ ٌا أٌها الناس إنما هما نجدان– أي: طرٌقان- نجد خٌر , ونجد شر ]. وروى ابن مردوٌه وابن أبً حاتم نحو ها مرفوعاً. وأخرج عبد الرزاق , وابن جرٌر, وابن المنذر, وابن أبً حاتم, والطبرانً, والحاكم وصححه, عن ابن مسعود رضً الله عنه فً قوله تعالى :{ وهدٌناه النجدٌن} قال: سبٌل الخٌر والشر. ومثل ذلك جاء عن أمٌر المإمنٌن سٌدنا علً رضً الله عنه , وعن ابن عباس رضً الله تعالى عنهما أٌضاً . ومنذ أهبط الله تعالى بنً آدم إلى الأرض , تعهدهم بهذا الهدي البٌانً:
عدد الصفحات ٩٨99 قال تعالى:{ قلنا اهبطوا منها جمٌعاً فإما ٌؤتٌنكم منً هدى فمن اتبع هداي فلب خوؾ علٌهم ولا هم ٌحزنون . والذٌن كفروا وكذبوا بآٌاتنا أولبك أصحاب النار هم فٌها خالدون }. الثانً: أن هذه الهداٌة الإلهٌة التً فٌها البٌان والدلالة على الحق, والخٌر والرشاد, والتحذٌر من الضلبل والشر والفساد , هً بواسطة الرسل صلوات الله علٌهم, وبإنزال الكتب الإلهٌة . قال تعالى :{ لقد أرسلنا رسلنا بالبٌنات وأنزلنا معهم الكتاب والمٌزان} الآٌة. وقال تعالى لحبٌبه سٌدنا رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم :{ وإنك لتهدي إلى صراط مستقٌم . صراط الله }. وقال سبحانه مخبراً عن الخلٌل على نبٌنا وعلٌه أفضل الصلوات والتسلٌمات قوله لأبٌه :{ فاتبعنً أهدك صراطاً سوٌاً}. وقال تعالى مخبراً عن الكلٌم علٌه الصلبة والسلبم– لما أرسله الله تعالى إلى فرعون أن ٌقول له :{ فقل هل لك إلى أن تزكى. وأهدٌك إلى ربك فتخشى }. والمعنى: أدلك على الطرٌق الذي ٌوصلك إلى ربك فتخشاه . وقال تعالى : { إنما أنت منذر ولكل قوم هاد} . فجاءت الرسل صلوات الله علٌهم ٌهدون العبادة إلى ربهم, وٌدولونهم على طرٌق الحق الموصل إلى الله تعالى , وذلك بالبٌنات القطعٌة الذي جاإوا بها , كما قال سبحانه : { ألم ٌؤتٌكم نبوا الذٌن من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذٌن من بعدهم فلب ٌعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبٌنات فردوا أٌدٌهم فً أفواههم } الآٌة. وقال تعالى : { ولقد أرسلنا من قبلك رسلبً إلى قومهم فجاءهم بالبٌنات فانتقمنا من الذٌن أجرموا وكان حقاً على نصر المإمنٌن } الآٌة.
عدد الصفحات ٩٩100 وقال تعالى: { وعاداً وثموداً وقد تبٌن لكم من مساكنهم وزٌن لهم الشٌطان أعمالهم فصدهم عن السبٌل وكانوا مستبصرٌن . وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبٌنات فاستكبروا فً الأرض وما كانوا سابقٌن . فكلبً أخذنا بذنبه } الآٌات. فما من رسول إلا وقد جاء قومه بالبٌنات – والبٌنات جمع بٌنة , وهً : ما كانت حقاً ظاهرة فً نفسها , ومظهرة لحقٌة ما سٌقت له . والبٌنات الذي جاءت بها رسل كلها قطعٌة , وهً تشمل الحجج العقلٌة , والبراهٌن القاطعة , كما قال تعالى : { وتلك حجتنا ءاتٌناها على قومه} الآٌة. وتشمل المعجزات المربٌة المشهودة , وبهذا تكوم الحجة على العباد . فالبٌنات العلمٌة العقلٌة تثبت الحق وتدحض الباطل , وتزٌل الشبه والشكوك , والبٌنات المربٌة وهً المعجزات الخارقة للعادات فإنها تشهدك حقٌة ما جاءت به الرسل عٌاناً . فكل رسول من الرسل صلوات الله تعالى علٌهم أوتً من البٌنات ؛ وأنزل الله تعالى علٌه من الآٌات ؛ ما فٌه الحجة على قومه , بحٌث تكون قاطعة دامؽة لا تبقً رٌبة لمرتاب , ولا عذراً لمعتذر . وقد أعطى الله تعالى سٌدنا محمداً صلى الله علٌه وآله وسلم أنواع المعجزات ومجامع البٌنات , لان رسالته عامة لجمٌع الأمم ؼلى ٌوم القٌامة , وفٌها الحجج القاطعة على جمٌع الطبقات , ولذلك سماه الله تعالى بالبٌنة : فقال سبحانه : { لم ٌكن الذٌن كفروا من أهل الكتاب والمشركٌن منفكٌن حتى تؤتٌهم البٌنة . رسول من الله } صلى الله تعالى علٌه وآله وسلم, فهو البٌنة الجامع لكل بٌنة , والذي جاء بكل بٌنة . وإن أعظم معجزاته , وأجمع بٌناته , هو هذا القرآن العظٌم , والكتاب المبٌن , الباقً إلى ٌوم الدٌن , بلبؼاً صلى الله علٌه وآله وسلم , وحجة على جمٌع العالمٌن .
عدد الصفحات ١٠٠101 قال تعالى لحبٌبه الأكرم صلى الله علٌه وآله وسلم: { قل الله شهٌد بٌنً وبٌنكم وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلػ } الآٌة. وروى ابن أبً شٌبة , وابن الضرٌس , وابن جرٌر , وابن المنذر , وابن أبً حاتم , وأبو شٌخ عم محمد بن كعب القرظً : فً معنى قول الله تعالى : { وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلػ} قال: من بلؽه القرآن فكؤنما رأى النبً صلى الله علٌه وآله وسلم – أي : فبلؽه - . وفً لفظ آخر له : من بلؽه القرآن حتى ٌفهمه وٌعقله ؛ فكؤنه عاٌن رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم وكلمه . اه . وأما أن هذا القرآن هو أعظم حجة بالؽة باقٌة إلى ٌوم القٌامة ,تشهد بصدق نبوة سٌدنا محمد صلى الله علٌه وآله وسلم ورسالته , فدلٌل ذلك هو الحدٌث الذي رواه البخاري , عن أبً هرٌرة رضً الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله علٌه وسلم : [ ما من الأنبٌاء نبً إلا أعطً من الآٌات ما مثله آمن علٌه البشر , وإنما كان الذي أوتٌته وحٌاً أوحاه إلى الله تعالى إلً ,فؤرجو أن أكون أكثرهم تابعاً ]. والمعنى: أن الله تعالى خصه بوحً القرآن العظٌم المعجز لجمٌع العالمٌن , الباقً حجة إلى ٌوم الدٌن على جمٌع المكلفٌن , فؤتباعه هم أكثر من جمٌع أتباع الرسل قلبه , وقد بٌنت ذلك مفصلبً فً كتاب : ( هدي القرآن إلى حجة والبرهان ) . الثالث : إن هداٌة البٌان والدلالة هً حجة الله تعالى على العباد فً الدنٌا وٌوم المعاد . قال تعالى : { رسلبً مبشرٌن ومنذرٌن لبلب ٌكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزٌزاً حكٌماً } . فجاءت رسل الله تعالى ٌهدون العباد إلى طرٌق الحق, والصلبح والفلبح والنجاح , وٌدولونهم على كل خٌر فً الحال والمال , وٌحذرونهم من كل شر ٌعود علٌهم فً الحال والمال , وكل ذلك قابم على البٌنات والأدلة القاطعة الساطعة , حتى لا ٌبقى للعباد حجة فٌما إذا خالفوا , ولا ٌبقى لهم
عدد الصفحات ١٠١102 عذر ٌعتذرون به, كما جاء فً الحدٌث الذي رواه مسلم ؼٌره , عن عبد الله بن عمرو رضً الله عنهما , أن رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم قال : [ إنّه لم ٌكن نبً قبلً إلا كان حقاً علٌه أن ٌدلّ أمته على خٌر ما ٌعلمه لهم , وٌنذرهم شرّ ما ٌعلمه لهم, وإنّ أمتكم هذه جعل عافٌتها فً أولها , وسٌصٌب آخرها بلبء وأمور تنكرونها , فتجًء فتنة , فٌرقّق بعضها بعضاً , وتجًء الفتنة فٌقول المإمن : هذه مهلكتً , ثم تنكشؾ , ثم تجًء الفتنة فٌقول المإمن : هذه ] – أي: مهلكتً - . قال صلى الله علٌه وآله وسلم : [ فمن أحبّ أن ٌزحزح عن النار وٌدخل الجنة , فلتؤته منٌّته وهو مإمن بالله والٌوم الآخر , ولٌؤت إلى الناس الذي ٌحب أن ٌوتى إلٌه ]. فجاءت الرسل صلوات الله تعالى على نبٌنا وعلٌهم بهداٌة البٌان والدلالة على كل خٌر عاجل وآجل , والتحذٌر من كل شر عاجل وآجل , مع البٌنات القاطعة , كما قال تعالى : { لٌّهلك من هلك عن بٌّنة وٌحٌى من حىّ عن بٌّنة وإنّ الله لسمٌع علٌم } . ولذلك قال سبحانه: { وما كنّا معذّبٌن حتى نبعث رسولاً} , وقال تعالى: { ولو أنّا أهلكناهم بعذاب مّن قبله لقالوا ربّنا لولا أرسلت إلٌنا رسولاً فنتبع ءاٌتك من قبل أن نّذلّ ونجزى } . فهو سبحانه لا ٌعذب لا فً الدنٌا ولا فً الآخرة من كفر وجحد, حتى ٌبعث رسولاً : ٌقٌم الحجة , وٌدل على الطرٌق النٌّرة , والمحجّة البٌضاء . فلم ٌعذب فً الدنٌا عذاب استبصال لمن كفر ؛ إلا بعدما أرسل فٌهم رسولاً : قال تعالى : { وكم أهلكنا من قرٌة بطرت معٌشتها فتهلك مساكنهم لم تسكن مّن بعدهم إلا قلٌلبً وكنّا نحن الوارثٌن . وما كان ربّك مهلك القرى حتّى ٌبعث فً أمّها رسولاً ٌتلوا علٌهم ءاٌاتنا وما كنّا مهلكً القرى إلاّ وأهلها ظالمون } .
عدد الصفحات ١٠٢103 فبٌّن الله تعالى أنه لم ٌؤخذ القرى بالعذاب فٌهلكهم إلا بعد أن ٌبعث فً أمّها – أي : عاصمتها ؛ وهً البلد الكبرى التً ترجع إلٌها القرى فً مهام أمورها – رسولاً , فٌبلّؽهم , وٌبلػ القرى المحٌطة بها , وٌتلو علٌهم آٌات الله تعالى , فٌكفروا وٌجحدوا , فٌستحقون العذاب ؛ لأنهم ظالمون لأنفسهم . ولما كانت مكة المكرمة هً أم أمهات القرى كلها , وعاصمة العواصم , باعتبار أن البلبد ترجع إلٌها فً محجّها وصلواتها , كانت من الحكمة أن ٌبعث صاحب الرسالة العامّة لجمٌع البلبد منها . قال تعالى : {وكذلك أوحٌنا إلٌك قرءاناً عربٌّاً لّتنذر أمّ القرى ومن حولها} الآٌة. فقوله تعالى :{ ومن حولها} ٌشمل جمٌع البلبد, لأنّ مكة هً فً منتصؾ المعمورة . ثم إنّ قوله تعالى : { حتّى ٌبعث فً أمّها رسولاً} ٌنبهك أٌها العاقل إلى أنّ الرسل ٌختارهم الله تعالى من المدن المتحضرة , والبلبد العامرة , لا من البوادي المهجورة , ولا من أطراؾ الحافات المؽمورة , بل ٌولدون فً بلبد عامرة حاضرة و ٌبعثون منها . كما أنّه سبحانه لا ٌعذب فً الآخرة إلا بعد بعثة الرسل , وإقامة البٌنات , وبٌان الآٌات , والإتٌان بالحجج والمعجزات _كما أخبر فً الآٌة عن أهل النار : قال تعالى : { كلّما ألقً فٌها فوج سؤلهم خزنتها ألم ٌؤتٌكم نذٌر. قالوا بلى قد جاءنا نذٌر فكذّبنا وفلنا ما نزّل الله من شًء إن انتم إلاّ فً ضلبل كبٌر} . وقال تعالى: { وقال الّذٌن فً النّار لخزنة جهنّم ادعوا ربّكم ٌخفّؾ عنّا ٌوماً من العذاب . قالوا أولم تك تؤتٌكم رسلكم بالبٌّنات قالوا بلى } أي: قد جابتنا رسلنا بالبٌنات والأدلة وأقاموا الحجج { قالوا فادعوا وما دعوا الكافرٌن إلاّ فً ضلبل } .
عدد الصفحات ١٠٣104 وقال تعالى: { وأنٌبوا إلى ربّكم وأسلموا له من قبل أن ٌؤتٌكم العذاب ثمّ تنصرون . واتّبعوا أحسن ما أنزل إلٌكم مّن ربّكم مّن قبل أن ٌؤتٌكم العذاب بؽتةً وأنتم لا تشعرون . أن تقول نفس ٌاحسرتى على ما فرّطت فً جنب الله وإن كنت لمن السّاخرٌن . أو تقول لو أنّ الله هدانً لكنت من المتّقٌن . أو تقول حٌن ترى العذاب لو أنّ لً كرّة } – أي: رجعة إلى الدنٌا –{ فؤكون من المحسنٌن. بلى قد جاءتك ءاٌاتً فكذّبت بها واستكبرت وكنت من الكافرٌن } . فردّ الله تعالى معاذٌرهم, وقول أحدهم : لو أن الله هدانً – بٌّن طرٌق الحق والسعادة وسبٌل الفلبح – ردّ علٌهم بقوله : { بلى قد جاءتك آٌاتً} ٌعنً: أرسلت فٌكم رسلبً , فهدوكم إلى طرٌق الحق : وجاإوكم بالآٌات والبٌنات , ودلوكم على كل خٌر , وحذروكم من كل شر , ولكن كنتم تسخرون منهم , وتتكبرون علٌهم , وتستهزبون بهم . كما قال سبحانه : { فلمّا جاءتهم رسلهم بالبٌّنات فرحوا بما عندهم مّن العلم وحاق بهم مّا ٌستهزءون } . فكانت الأمم الكافرة تفرح بعلومها الدنٌوٌة, وتسخر بما جاءت به الرسل من علوم الدٌن , وتعالٌم الشرعٌة التً فٌما ضمان الحقوق , وكمال العدل , وسعادة الدنٌا والآخرة , فجابت شرابع الله تعالى بعلوم فٌها عمارة الدنٌا و الآخرة ,وسعادة الدنٌا والآخرة , ولكن الكفرة إنّما ٌرٌدون الدنٌا ولا ٌرٌدون الآخرة – بل لا ٌإمنون بالآخرة أصلبً . ولو أنهم فكروا وعقلوا , وتجردوا عن كبرهم , واتباع أهوابهم وشهواتهم البهٌمٌة المفرطة , لو فعلوا ذلك لعقلوا, وعملوا حق العلم أنّ الآخرة هً الحق , وأنّها لا رٌب فٌها – كما أوضحت ذلك مفصلبً فً كتاب ( الإٌمان بعوالم الآخرة ومواقفها ) . الرابع من هداٌة البٌان والدلالة الذي هدى الله تعالى بها العباد بواسطة الرسل صلوات الله علٌهم , بها ٌظهر اختٌار العاقل المكلؾ :
عدد الصفحات ١٠٤105 فإما أن ٌختار وٌستحب الإٌمان, وٌمشً على هدىً وبصٌرة سوٌاً على صراط مستقٌم ؛حتى ٌنتهً أمره إلى الجنة الخلد ونعٌم الأبد . وإما أن ٌختار وٌستحب العمى على الهدى , فٌتخبط فً ظلمات الضلبل المبٌن , حتى ٌنتهً أمره إلى جهنم وببس المهاد . قال تعالى : { وأما ثمود فهدٌناهم} – أي: بٌّنا لهم , ودللناهم على الحق الذي فٌه سعادة الدنٌا والآخرة , مع البٌّنات وإٌضاح الدلالات – { فاستحبو العمى على الهدى فؤخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا ٌكسبون . ونجٌنا الذٌن امنوا وكانوا ٌتقون } . وقال تعالى: { إنا هدٌناه السبٌل إما شاكراً وإما كفوراً} والمعنى أنّه سبحانه بٌّن للئنسان سبٌل الحق , وطرٌق الخٌر , وبصّره به , وأوضحه له بالبٌّنات ؛ كل ذلك بواسطة الرسل صلوات الله علٌهم , وإنزال الكتب الإلهٌة علٌهم , فهنا ٌظهر اختٌار الإنسان : فإما أن ٌهتدي , أي : ٌسٌر على طرٌق الهدى المنٌر , شاكراً لربّه على نعمة الإٌمان والإكرام , ونعم الله تعالى التً لا تحصى . وإما أن ٌكفر بذلك ظلماً وعلواً ,أو كبراً وطؽٌاناً , أو فسقاً واستؽراقاً فً الشهوات البهٌمٌة . وعلى ذلك ٌترتب الثواب والعقاب , ولذا قال سبحانه بعد تلك الآٌات: { ؼنا أعتدنا للكافرٌن سلبلاً وأؼلبلاً وسعٌراً.إن الأبرار ٌشربون من كؤس كان مزاجها كافوراً } الآٌات. وقال تعالى : { وقل الحق من ربكم فمن شاء فل ٌإمن ومن شاء فلٌكفر} . والمعنى: قد جبتكم بالحق من ربّكم , ففكروا فً حقٌّة ذلك واعقلوه , فإنّ الحق هو الأمر الموافق للواقع , ولا ٌمكن بل لا ٌجوز للعاقل أن ٌنكر الواقع المشهود عقلبً , كما لا ٌجوز أن ٌنكر المشهود بصراً . فهل ٌجوز للعاقل أن ٌنكر ضوء النهار , وٌزعم أنّه لٌل مظلم , فإنه إذا قال ذلك حكم الناس علٌه بالمجنون , وهكذا فإنّ نور الشرع والحق الذي
عدد الصفحات ١٠٥106 جاء به رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم, فإنه نور مشهود لدى العقول والقلوب والأفكار , فمن أنكره فهو أشد جنوناً ممن ٌنكر طلوع النهار وضوءه . ولذلك قال سبحانه : { قد جاءكم من الله نور وكتاب مبٌن} . وقال تعالى: { كتاب أنزلناه إلٌك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور} . فبعد بٌان الحق, وظهور النور : فمن شاء فلٌإمن لأنه لا ٌسعه إلاّ أن ٌصدق بالحق , ومن شاء فلٌكفر – هذا من باب التهدٌد والوعٌد الشدٌد , نظٌر قوله تعالى : { اعلموا ما شبتم إنه بما تعمون بصٌر } , فلٌس المراد هنا فعل المؤمور به, بل المراد التحذٌر والتهدٌد بالوعٌد الشدٌد . والمعنى : فمن ٌكفر فقد ستر الحق , واعرض عن النور الذي جاء به رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم , والبٌان الذي بٌّنه , إذاً فلٌعلم أنّ هناك الحساب والعقاب , فإن الله تعالى هو أسرع الحاسبٌن , وهو أحكم الحاكمٌن , وهو شدٌد العقاب . ولذلك قال سبحانه : { ومن شاء فلٌكفر إنا أعتدنا للظالمٌن ناراً أحاط به سرادقها } أي: لأنهم ظلموا أنفسهم , فتركوا الحق الظاهر وكرهوه , ولم ٌختاروه , واستحبوا العمى , واتبعوا الباطل , ففوّتوا على أنفسهم النعٌم الأكبر , وحرموها الخٌر الكثٌر , فهم الظالمون لأنفسهم , حٌث سلكوا طرٌق الباطل الموصول إلى جهنم وعذاب الحرٌق , وأعرضوا عن طرٌق الحق الموصول إلى الجنة والنعٌم المقٌم , فؤيّ ظلم أعظم من هذا الظلم لأنفسهم ؟! النوع الثالث من الهداٌة : هداٌة التوفٌق للعمل بموجب الهدي البٌانً , الذي جاء به رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم ,وسلوك الصراط المستقٌم , والطرٌق القوٌم , الذي مشى علٌه الرسول صلى الله علٌه وآله وسلم , ودعا إلٌه , ودلّ العباد علٌه . قال تعالى : { قل ؼنً هدانً ربً إلى صراط مستقٌم} .
عدد الصفحات ١٠٦107 وقال سبحانه: { إنك لعلى هدى مستقٌم} . وقد قال صلى الله علٌه وآله وسلم: [ وإنّ خٌر الهدي هدي محمد ] صلى الله علٌه وآله وسلم . وهذه الهداٌة فً المعنٌّة فً قول الله تعالى – ٌعلّم عباده أن ٌقولوا - : [ اهدنا الصراط المستقٌم} , وأن ٌسؤلوه سبحانه هداٌتهم إلى هذا الصراط المستقٌم , كل ٌوم ولٌلة , فً أكمل قرباتهم , وأفضل عباداتهم وهً : الصلوات الخمس . فمن نال هذه الهداٌة ٌسمى بالمهتدي , ولا ٌملك هذه الهداٌة ولا ٌقدر علٌها إلا الله تعالى : قال تعالى : { من ٌهد الله فهو المهتد ومن ٌضلل فلم تجد له ولٌا مرشدا} . وقال تعالى: { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله ٌهدي من ٌشاء} . فهذه الهداٌة هً التوفٌق للعمل بما جاء به صلى الله علٌه وآله وسلم, وبما هداهم – أي : دلّهم علٌه – فؤثبت له صلى الله علٌه وآله وسلم هداٌة البٌان ؛ والدلالة على صراط مستقٌم , الجامع لكل خٌر , فقال : { وإنك لتهدي إلى صراط مستقٌم } . وأما التوفٌق للسٌر على هذا الصراط والمشً علٌه فهذا إلى الله تعالى, كما قال سبحانه : { والله ٌدعوا إلى دار السلبم وٌهدي من ٌشاء إلى صراط مستقٌم } . فالله تعالى دعا عباده فً القرآن العظٌم ؛ وعلى لسان رسوله الكرٌم صلى الله علٌه وآله وسلم , دعاهم كلهم إلى دار السلبم ؛ وهً الجنة , حتى ٌسترٌحوا من دار السّقام وهً الدنٌا , فجاء صلى الله علٌه وآله وسلم داعٌاً إلى الله السلبم , وإلى داره دار السلبم , ولكن هداٌة التوفٌق من عنده . قال الله تعالى :{ ٌضل به كثٌرا وٌهدي به كثٌرا وما ٌضل به إلا الفاسقٌن. الذٌن ٌنقضون عهد الله من بعد مٌثاقه وٌقطعون ما أمر الله به أن ٌوصل وٌفسدون فً الأرض أولبك هم الخاسرون } .
عدد الصفحات ١٠٧108 والفاسق هو الذي خرج عن منهاج الحق والاعتدال بعدما اتّضح له ؛ وسلك طرٌق الؽًّ والضلبل . روى البخاري وؼٌره , عن جابر رضً الله عنه قال : ( جاءت ملببكة إلى النبً صلى الله علٌه وآله وسلم وهو نابم فقال بعضهم : إنه نابم , وقال بعضهم : العٌن نابمة والقلب ٌقظان . فقالوا : إن لصاحبكم هذا مثلبً فاضربوا له مثلبً . فقالوا : مثله كمثل رجل بنى داراً وجعل فٌها مابدة , وبعث داعٌاً , فمن أجاب الداعً : دخل الدار , وأكل من المؤدبة , ومن لم ٌجب الداعً لم ٌدخل الدار ولم ٌؤكل من المؤدبة . فقالوا : - أي : الملببكة – أولوها ٌفقهها. فقال : إن العٌن نابمة والقلب ٌقظان , فالدار الجنة , والداعً محمد صلى الله علٌه وآله وسلم , فمن أطاع محمداً صلى الله علٌه وآله وسلم فقد أطاع الله تعالى , ومن عصى محمداً فقد عصى الله تعالى , ومحمد صلى الله علٌه وآله وسلم فرق بٌن الناس ) . وفً رواٌة الترمذي , عن ابن مسعود رضً الله عنه : ( فقال الملك : اسمع سمعت أذناك , واعقل عقل قلبك , إنما مثلك كمثل أمتك : كمثل ملك اتخذ داراً , ثم بنى فٌها بٌتاً , ثم جعل فٌها مابدة – وفً رواٌة : مؤدبة – ثم بعث رسولاً ٌدعوا الناس إلى طعامه, فمنهم من أجاب الرسول , ومنهم من تركه , فالله هو الملك , والدار والإسلبم , والبٌت الجنة , وانت ٌا محمد – صلى الله علٌه وآله وسلم – رسول– أي : الداعً – فمن أجابك دخل الإسلبم , ومن دخل الإسلبم دخل الجنة , ومن دخل الجنة اكل مما فٌها ) . والسلبم فً قوله تعالى : { والله ٌدعوا إلى دار السلبم} إما المراد به اسمه تعالى السلبم , وأضاؾ الدار إلٌه إضافة تشرٌؾ وتكرٌم , كالكعبة فهً بٌت الله تعالى , وإما المراد بالسلبم : السلبم منه : أي : تحٌاته لهم سبحانه , كما قال جلّ وعلب : { تحٌتهم فً سلبم} .
عدد الصفحات ١٠٨109 وقال تعالى: { تحٌتهم ٌوم ٌلقونه سلبم وأعد لهم أجراً كرٌماً} . وقال تعالى– مخبراً عن كثرة سلبمه على أهل الجنة - : { سلبم قولاً من رب رحٌم } أي: سلبم دابر ٌتوارد علٌهم من رب رحٌم . روى ابن ماجه وؼٌره , عن جابر بن عبد الله رضً الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم : [ بٌنما أهل الجنة فً نعٌمهم إذ سطح علٌهم نور , فرفعوا رإوسهم فإذا الرب تبارك وتعالى قد أشرق علٌهم من فوقهم . فٌقول : السلبم علٌكم ٌا أهل الجنة ,فٌحٌٌّهم وٌحٌٌّونه , فذلك قوله تعالى : { سلبم قولاً من رب رحٌم} ]. قال: [ فٌنظر إلٌهم, وٌنظرون إلٌه , فلب ٌلتفتون إلى شًء من النعٌم ما داموا ٌنظرون إلٌه , حتى ٌحتجب عنهم , وٌبقى نور بركته علٌهم فً دٌارهم . اللهم اجعلنا منهم ٌا رب ٌا رحٌم . ومن الملببكة أٌضاً قال تعالى : { والملببكة ٌدخلون علٌهم من كل باب. سلبم علٌكم بما صبرتم فنعم عقبً الدار } . والسلبم من بعضهم على بعض قال تعالى: { لا ٌسمعون فٌها لؽواً و تؤثٌماً . إلا قٌلبً سلبماً سلبماً } . وفٌها السلبمة من الآفات والأسقام والأمراض, فهً دار السلبم العام ؛ أوّلاً من الله تعالى , ثم السلبم من الملببكة علٌهم السلبم , ثم من بعضهم على بعض قال تعالى : { لا ٌسمعون فٌها لؽواً ولا تؤثٌماً. إلا قٌلبً سلبماً سلبماً } . وههنا مسؤلتان الأولى : إذا كانت هداٌة التوفٌق هً من الله تعالى وحده لا ٌملكها ؼٌره ؛ فما هو موقؾ الضالّ الذي لم تنله هداٌة التوفٌق ؛ ما هو موقفه من الجزاء ؟
عدد الصفحات ١٠٩110 الثانٌة: المإمنون مؤمورون أن ٌقولوا فً صلواتهم ؛ وؼٌر صلواتهم : { اهدنا الصراط المستقٌم} فً حٌن أنهم مهتدون, فما المقصود من سإالهم الهداٌة ؟ الجواب عن المسؤلة الأولى : إن الله تعالى قد اوجب على نفسه – رحمة منه وفضلبً – هداٌة البٌان والدلالة كما تقدم , وذلك بؤن ٌبعث الرسل وٌنزل الكتب فتبٌّن للناس , وٌهدونهم إلى طرٌق الحق , وٌدلونهم علٌه , وٌؤتونهم بالحجج والبراهٌن , والآٌات والبٌنات , بحٌث لا تبقً لهم عذراً لمعتذر , كما قال سبحانه : { رسلبً مبشرٌن ومنذرٌن لبلب ٌكون للناس على حجة بعد الرسل وكان عزٌزاً حكٌماً } وٌبقى كل رسول مع أمتة مدة طوٌلة واسعة من الزمان, وهو ٌحاجّهم وٌناظرهم , وٌبٌّن لهم , فبعد البٌان والتبٌان فهناك ٌعلمون الحق من الباطل , وٌعرفون ما ٌنفع وما ٌضر , وٌفرقون بٌن الهدى والضلبل – ٌعرفون ذلك كله , فبعد هذه المعرفة : منهم من ٌمٌل قلبه وبحب اتباع الحق بعد معرفته بذلك , وٌستحسنه فٌشرح الله صدره , وٌفتح قلبه , فلٌقً فٌه نور الإٌمان , فٌقرّ وٌعترؾ , وٌعلن ذلك بالشهادتٌن معبّراً عمّا قلبه . زمنهم من ٌعرؾ لكن لا ٌعترؾ , وٌعلم حقٌّة ما جاءت به الرسل صلوات الله علٌهم ولكن ٌجحد بعدما علم وٌنكر , وذلك : إما بسبب كبر النفس قال تعالى : { إن فً صدورهم إلا كبر ما هم ببالؽٌه} , وقال تعالى– فً قوم فرعون - : { وجحدوا بها واستٌقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً} وإما بسبب اتباع أهوابهم وشهواتهم , فإنها لا تنفق مع ما جاء به رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم , قال تعالى : { وكذبوا وتبعوا أهوابهم} أي: كذبوا بالحق الذي جبت به , وقد علموا أنه الحق , ولكنه مخالؾ لأهوابهم الفاسدة , وما هم علٌه من الشهوات البهٌمٌة , ومن ثمّ قال تعالى : { فإن لم ٌستجٌبوا لك فاعلم أنما ٌتبعون أهوابهم } . والمعنى: أنهم إن لم ٌستجٌبوا لك حٌن تدعوهم إلى الحق ونور الهدى بعدما بان لهم ببٌناتك التً جبتهم بها , فاعلم أنّهم ٌتبعون أهوابهم لأنهم قوم
عدد الصفحات ١١٠111 لا ٌرٌدون الحق, وؼنما ٌمشون وراء أهوابهم الباطلة , ولذلك كان شؤنهم دابماً بؤن ٌعرضون وٌعارضوا , وٌصرّوا على كفرهم وبؽٌهم مراراً وتكراراً , حتى إذا بلؽوا ؼاٌة الجحود والعناد , والظلم والفساد , طبع الله تعالى على قلوبهم الكفر – عقوبةً لهم من جنس عملهم – فهم لا ٌإمنون . قال تعالى : { إن الذٌن كفروا} – أي: الذٌن ستروا الحق الذي جبتهم به , وألقوا الحجاب وأصرّوا , ومردوا على الكفر مع بٌانك وتبٌانك ٌا رسول الله – { سواء علٌهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ٌإمنون. ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم ؼشاوة ولهم عذاب عظٌم } . وقال تعالى: { كذلك ٌطبع الله على قلوب الكافرٌن} عقوبة لهم, وجزاء على إصرارهم على الكفر , وإعراضهم عن الحق بعدما عرفوه . وقال تعالى : { كذلك ٌطبع الله على كل قلب متكبر جبار} أي: متكبر على قبول الحق بعدما تبٌن له , كما قال سبحانه : { فلما زاؼوا أزاغ قلوبهم والله لا ٌهدي القوم الفاسقٌن } أي: لأنّهم فسقوا فجاوزوا الحدود الشرعٌة تجاوزاً بعٌداً , منكرٌن ومتكبرٌن , ومعرضٌن عنها استمراراً وإصراراً , كما قال سبحانه : { ونقلب أفبدتهم وأبصارهم كما لم ٌإمنوا به أول مرة ونذرهم فً طؽٌانهم ٌعمهون } . فهم طؽاة بؽاة, استحبوا العمى على الهدى , واختاروا طرٌق الفساد والؽًّ والردى , فؤعطاهم العمى فهم ٌعمهون . قال تعالى : { وأما ثمود فهدٌناهم فاستحبوا العمى على الهدى} أي: بٌّنا لهم الحق وسبٌل الرشاد فؤعرضوا , واستحبوا العمى على الهدى , وهذا من باب العدل الإلهً , فإنّ هذه العقوبات بالطبع والختم على قلوبهم وما هنالك ,كانت بؤسباب جرابمهم الصادرة عنهم باختٌارهم , وإعراضهم , كما قال سبحانه : { وما كان الله لٌضل قوما بعد إذ هداهم حتى ٌبٌن لهم ما ٌتقون } فهداهم– أي : بٌن الله تعالى لهم – بواسطة الرسل وإنزال الكتب , وبالآٌات والبٌّنات , ومناظرات الرسل لهم , فبٌّن لهم حتى بان لهم نور الحق فؤعرضوا , وبصّرهم نور الحق فتعاموا , وأسمعهم كلبم الحق فتصامّوا ؛ فعاقبهم بؤن جعلهم صمّاً بكماً عمٌاً القلوب .
عدد الصفحات ١١١112 ومن هذا قوله تعالى: { ٌس. والقرآن الحكٌم . إنك لمن المرسلٌن . على صراط مستقٌم . تنزٌل العزٌز الحكٌم . لتنذر قوماً ما أنذر ءاباإهم فهم ؼافلون . لقد حق القول على أكثرهم فهم لا ٌإمنون . إنا جعلنا فً أعناقهم أؼلبلاً فهً إلى الأذقان فهم مقمحون . وجعلنا من بٌن أٌدٌهم سدا ومن خلفهم سدا فؤؼشٌناهم فهم لا ٌبصرون . وسواء علٌهم أءنذرتهم أم لم تنذرهم لا ٌإمنون } . فقد أقسم سبحانه بالقرآن الحكٌم– أي : الجامع لأنواع الحكمة , التً لا تحصى – على أنّ سٌدنا محمداً صلى الله علٌه وآله وسلم هو من المرسلٌن , لا ٌحتمل أمره أن ٌكون شاعراً أو ساحراً أو كاهناً ؛ ولا ولا . . . بل هو رسول الله حقاً , فإنّه قد مضت قبله رسل ثبتت رسالتهم بالبٌنات والمعجزات , وإنزال الكتب الإلهٌة علٌهم , وإن كل الشواهد والبراهٌن والأدلة والآٌات والمعجزات التً أثبتت رسالة من قبله ؛ هً كلها مجتمعة لتصدٌق سٌدنا محمد صلى الله علٌه وآله وسلم , فلقد أوتً من المعجزات وخوارق العادات فوق معجزات الرسل قبله , وإنّ الكتاب الذي جاء به هو أجمع من الكتب النازلة على الرسل قبله , وأعظمها , وقد جاء هذا الكتاب على وجوده من الإعجاز مع التحدي لجمٌع العالم بؤن ٌؤتوا بسورة مثله , ولا قال سبحانه : { تنزٌل العزٌز الرحٌم} أي: لا ٌحتمل أن ٌكون هذا الكتاب الحكٌم من المخلوقٌن : الإنس والجن وؼٌرهما , بل هو قطعاً تنزٌل من الله العزٌز الرحٌم , جاء لٌنذر قوماً ما أنذر آباءهم , وٌبٌن لهم الحق بالحجج والأدلة , وأوضح لهم رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم , وبٌّن لهم , وحاجّهم , وناظرهم , وأقام علٌهم الحجة والبراهٌن القاطعة , وأراهم أنواعاً من المعجزات المربٌة , ومع ذلك فهم ٌجحدون وٌعرضون وٌكذبون , واستمروا على ما هم علٌه , وأصروا , وعاندوا , وعارضوا , فكانت النتٌجة أن حق علٌهم القول , وهو قوله تعالى – لإبلٌس - : { قال فالحق والحق أقول . لأملؤن جهنم منك وممن تبعك معهم أجمعٌن} . فضرب الكفر علٌهم, وسدّت علٌهم الأبواب عقوبة لهم . وهذا نظٌر قوله تعالى : { وإذا أردنا أن نهلك قرٌة أمرنا متر فٌها فسقوا فٌها فحق القول فدمرناها تدمٌراً } .
عدد الصفحات ١١٢