49 ولما كانت محامده سبحانه وكمالاته لا نهاٌة لها, كان حمد كل حامد قاصراً عن إحصاء الثناء علٌه سبحانه , وعن الإحاطة بمحامده, وفً الحدٌث عن عابشة رضً الله عنها قالت: فقدت رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم ذات لٌلة , فالتمسته فوقعت ٌدي على بطن قدمه, وهو ساجد ٌقول:{ اللهم إنً أعوذ برضاك من سخطك, وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك, وأعوذ بك منك لا أحصً ثناء علٌك أنت كما أثنٌت على نفسك ]. وأن أحمد الحامدٌن لرب العالمٌن من الأولٌن والآخرٌن هو سٌدنا أحمد صلى الله علٌه وآله وسلم, الذي ملؤ العوالم كلها بمحامد الله تعالى, ولم ٌبق لؽٌره مكان ذرة, كما دل علٌه حدٌث :[ وملء ما شبت من شًء بعد] ,وكما دل علٌه حدٌث:[ فؤحمده بمحامد لا أعلمها الآن] ,وقال:[ فٌفتح تعالى علً من محامده وحسن الثناء علٌه ما لم ٌفتح على أحد قبلً ] فتؤمل ذلك تعلم ٌقٌناً أنه لا أحد ٌحصً ثناء علٌه, ولا أحد ٌحٌط بحمده , فإن محامده سبحانه على حسب صفات كمالاته , وكمالاته لا حد لها ولا انتهاء, فإن الله تعالى قد فتح على سٌدنا محمد صلى الله علٌه وآله وسلم من محامده وحسن الثناء علٌه ما لم ٌفتحه على أحد , وسٌفتح علٌه ٌوم القٌامة من محامده وحسن الثناء علٌه محامد لا ٌعلمها الآن ؛ وهكذا إلى ما لا نهاٌة . ولذلك أعطً مقام لواء الحمد الذي تحته جمٌع الحامدٌن من النبٌٌن والمرسلٌن وأممهم , ولذلك سماه الله تعالى أحمد صلى الله علٌه وآله وسلم , وهذا من باب التسمٌة العلمٌة الملبزمة للوصفٌة , فهو لٌس دالاً على الذات فحسب ؛ بل على الصفات . قال تعالى : { ومبشراً برسول ٌؤتً من بعدي اسمه أحمد} صلى الله علٌه وآله وسلم . رواه أبو داود وؼبره. رواه الترمذي وؼٌره.
عدد الصفحات ٤٩50 وأمته المتبعون له سماهم: الحمادٌن ؛ كما ورد أن أمته صلى الله علٌه وآله وسلم الحمادون ؛ فهم فً أعلى مقام الحامدٌن الذٌن امتن الله تعالى علٌهم بقوله : { التاببون العابدون الحامدون} فً السراء والضراء. وكان صلى الله علٌه وآله وسلم إذا أتاه الأمر ٌسره قال : [ الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ] ,وإذا أتاه الأمر ٌكرهه قال[:الحمد لله على كل حال] رواه الحاكم, وابن السنً, عن عابشة رضً الله عنها , وفً رواٌة[: رب أعوذ بك من حال أهل النار]. وهذا مقام له فضله. كما ورد : إن أول ما ٌدعى إلى الجنة ٌوم القٌامة الذٌن ٌحمدون الله تعالى فً السراء والضراء. والحمد هو رأس الشكر, كما جاء فً الحدٌث , عن ابن عمرو رضً الله عنهما مرفوعاً :[ الحمد رأس الشكر, ما شكر الله تعالى عبد لم ٌحمده] رواه البٌهقً وؼٌره, وقد رمز الحافظ السٌوطً إلى حسنه. وفً حدٌث الطبرانً , عن الأسود بن سرٌع مرفوعاً :[ إن الله تعالى ٌحب أن ٌحمده] فالحامد لله تعالى هو محبوب عند الله تعالى. وروى الإمام أحمد وؼٌره, عن انس رضً الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم إذا أوى إلى فراشه قال:[ الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا, وكفانا وآوانا, فكم ممن لا كافً له ولا مإوي له ]. وفً(المسند) وؼٌره, عن أبً سعٌد رضً الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم إذا فرغ من طعامه قال :[ الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا, وجعلنا من المسلمٌن ]. وروى ابن السنً, عن أنس رضً الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم إذا نظر وجهه فً المرآة قال:[ الحمد لله الذي سوى خلقً فعدله, وكرم صورة وجهً فحسنها, وجعلنً من المسلمٌن].
عدد الصفحات ٥٠51 وروى الطبرانً وؼٌره, عن ابن عباس رضً الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم إذا نظر فً المرآة قال:[ الحمد لله الذي حسن خلقً وخلقً , وزان منً ما شان من ؼٌري]. وإذا لبس نعله بدأ بالٌمنى, وإذا خلع خلع الٌسرى, وإذا دخل المسجد أدخل رجله الٌمنى, وكان صلى الله علٌه وآله وسلم ٌحب التٌمن فً كل شًء: أخذ وعطاء. فهو سبحانه ٌحمد لكماله وجماله وجلبله, ولذلك كان صلى الله علٌه وآله وسلم ٌقول كما جاء فً الحدٌث المتفق علٌه, عن ابن عباس رضً الله عنهما , أن النبً صلى الله علٌه وآله وسلم كان ٌقول:[ اللهم ربنا لك الحمد أنت قٌم السماوات والأرض ومن فٌهن, ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فٌهن, ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فٌهن, ولك الحمد أنت مالك السماوات والأرض ومن فٌهن, ولك الحمد أنت الحق, ووعدك حق, ولقاإك حق, والجنة حق, والنار حق, والنبٌون حق, ومحمد صلى الله علٌه وآله وسلم حق...] الحدٌث. وإلٌه الإشارة بقوله تعالى :{ الحمد} أي: لأنه هو الله الإله الحق, المتصؾ بالكمالات المطلقة التً لا نهاٌة لها, وكمالاته ذاتٌة له, فحق له أن ٌحمد نفسه, وأن ٌؤمر عباده بحمده سبحانه, وٌحمد لنعمه ونواله. ومن ذلك محامده صلى الله علٌه وآله وسلم عقب الأكل والشرب. وفً الحدٌث الذي رواه الترمذي :[ إن الله تعالى لٌرضى عن العبد أن ٌؤكل الأكلة فٌحمده علٌها]. وٌدخل تحت هذا الحمد الشكر, لأن الحمد رأس الشكر, كما تقدم. وإلٌه ٌشٌر قوله تعالى:{ رب العالمٌن} ـؤي: خالقهم ورازقهم ومالكهم ومربٌهم, وسٌدهم المطلق , فإن اسم الرب له معان: فقد ٌراد به الخالق , وهذا هو الله تعالى وحده, فلب ٌراد به ؼٌره, وقد ٌراد به المالك, فإذا وصؾ به العبد وجب تقٌٌده, فتقول: رب الدار أي: مالكها , وقد ٌراد به السٌد , قال تعالى – إخباراً عن ٌوسؾ علٌه السلبم
عدد الصفحات ٥١52 :-{ قال ارجع إلى ربك فسبله ما بال النسوة التً قطعن أٌدٌهن}الآٌة- أي: ارجع إلى سٌدك -, وقد ٌراد به المربً , فٌقال : فلبن رب العابلة, ففً جمٌع ذلك إذا وصؾ به العبد ٌجب تقٌٌده. فإطلبق اسم الرب هذا خاص بالله تعالى , فإنه سبحانه هو الرب المطلق, فلب ٌجوز اسم الرب على العبد , كؤن تقول فلبن رب, فإن اسم الرب إذا أطلق لا ٌراد به إلا الله تعالى . كما جاء فً (صحٌح) مسلم وؼٌره , أن النبً صلى الله علٌه وآله وسلم كان ٌقول:[ اللهم ربنا ورب كل شًء أنا شهٌد أنك الرب وحدك لا شرٌك لك. اللهم ربنا ورب كل شًء أنا شهٌد أن محمداً عبدك ورسولك. اللهم ربنا ورب كل شًء أنا شهٌد أن العباد كلهم إخوة. اللهم ربنا ورب كل شًء اجعلنً مخلصاً لك وأهلً فً كل ساعة من الدنٌا والآخرة- ٌا ذا الجلبل والإكرام اسمع واستجب]. فاعتبر فً قوله صلى الله علٌه وآله وسلم:[ أنا شهٌد أنك الرب وحدك شرٌك لك ] ,فؤطلق اسم الرب على الله تعالى وحده, ومن هنا تعلم أن اسم الرب بالإطلبق لا ٌطلق إلا على الله رب العالمٌن. ومن خصابص اسم الرب أن فٌه إجابة الدعاء, وٌستحب تكرٌره كما روى البزار, عن عابشة أم المإمنٌن رضً الله عنها , عن النبً صلى الله علٌه وآله وسلم قال:[ إذا قال العبد ٌا رب أربعاً قال الله تعالى: لبٌك عبدي سل تعطه]. ورواٌة ابن أبً الدنٌا كما تقدم ٌقول:[ رب رب]. روى الطبرانً وؼٌره, من حدٌث سعد ٌن خارجة , أن قوماً شكوا إلى النبً صلى الهو علٌه وآله وسلم قحوط المطر فقال: [ اجثوا على الركب, وقولوا: ٌا رب ٌا رب, وارفعوا السبابة إلى السماء ] ففعلوا ذلك فسقوا, حتى أحبوا أن ٌكشؾ عنهم المطر.
عدد الصفحات ٥٢53 وفً(المسند) وؼٌره, عن الفضل بن عباس رضً الله عنهما , عن النبً صلى الله علٌه وآله وسلم قال:[ الصلبة مثنى مثنى, وتشهد فً كل ركعتٌن, وتضرع و وتخشع, وتمسكن, وتفتح ٌدٌك تقول ترفعهما إلى ربك مستقبلبً بهما وجهك, وتقول: ٌا رب ٌا رب , فمن لم ٌفعل ذلك فهً خداج] أي: صلبته ناقصة. وروى ٌزٌد الرقاشً , عن أنس رضً الله عنه مرفوعاً :[ ما من عبد ٌقول ٌا رب ٌا رب ٌا رب , إلا قال له ربه لبٌك لبٌك]. وعن عطاء: (ما من عبد ٌقول ٌا رب ثلبثاً إلا نظر الله تعالى إلٌه). {الحمد لله رب العالمٌن} وأنواع العالمٌن لا ٌعلمها إلا خالقها, والعامل ما سوى الله تعالى من كل موجود ؛ مؽٌب أو مشهود . قال تعالى:{ فتبارك الله رب العالمٌن}. فالعوالم كثٌرة كبٌرة فمنها نفسٌة, ومنها آفاقٌة تشاهدها. وفً قوله تعالى :{ رب العالمٌن} ٌنبه الله تعالى إلى أمور فٌها بٌنات وبٌانات : أوولاً : تعرٌؾ العباد , وحملهم على الإقرار بوجوب وجوده, فإنهم ٌبصرون وٌشاهدون العوالم ولا ٌنكرونها , لأنها موجودة مشهودة, وهً علبمات مثبتة لصانعها , فمن الذي صنعها , فإنهم لا ٌستطٌعون ذلك. إذاً إن لها خالقاً خلقها, لأنهم لا ٌستطٌعون خلقها, فمن رأى البناٌة أٌقن بوجود البانً, ومن رأى الأشجار أٌقن بوجود الؽارس لها, ومن رأى الآلات أٌقن بوجود القوى المحركة لها- ولو لم ٌشهدها- ومن رأى المصنوعات أٌقن بوجود صانعها؛ فهذا العالم المصنوع صنعه من ؟ نعم كما قال الله تعالى :{ صنع الله الذي أتقن كل شًء}. ولذلك قال تعالى:{ أفً الله شك فاطر السماوات والأرض} .
عدد الصفحات ٥٣54 فإذا شاهدوا العوالم بؤعٌنهم فقد شاهدوا وعاٌنوا قدرة الله تعالى, الذي خلقها وأبدعها, وشاهدوا حكمته؛ أٌقنوا بعلمه المحٌط بكل شًء قال تعالى:{ أ ٌعلم من خلق } ؟! فالعلم بالخلق سابق على التخلٌق, والعلم بصنع البناء سابق على إقامة البناء عقلبً , فرإٌتهم مظاهر الصفات وآثارها تدلهم وتعرفهم بالله تعالى , المتصؾ بجمٌع الكمالات المطلقة, معرفة تحملهم على الٌقٌن الجازم , بل تحملهم على عٌن الٌقٌن بوجوب وجود الله تعالى رب العالمٌن, ووحدانٌته, وحقٌة ألوهٌته, وأن كمالاته لا تنتهً. فالقدرة ما لها انتهاء كما قال تعالى:{ ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة}. فإن نسبة القلٌل والكثٌر إلى ما لا ٌنتهً هً متساوٌة, وإذا اختلفت دل على التناهً , فإن نسبة العشرة والمابة إلى العدد الكبٌر المتناهً متفاوتة , ولكن نسبتهما إلى ما لا ٌتناهى متساوٌة فافهم. وفً الحدٌث: [ ما السماوات السبع والأرضون السبع فً الكرسً إ كحلقة فً فلبة, والكرسً فً العرش كتلك الحلقة]. وقد فهم العارفون من هذا الحدٌث أن العوالم كروٌة مستدٌرة, لأنه صلى الله علٌه وآله وسلم ٌشبه ذلك بالحلقة, وهً مستدٌرة. وفً الحدٌث:[ إن لله ملكاً لو أمره الله تعالى أن ٌبتلع السماوات والأرض بلقمة لابتلعها , تسبٌحه: سبحانك حٌث كنت ] رواه الطبرانً. وفً الحدٌث:[ أذن لً أن أحدث عن ملك من ملببكة الله تعالى: أن ما بٌن شحمة أذنه إلى عاتقه مسٌرة سبعمابة عام] رواه أبو داود. فالقدرة الإلهٌة ما لها نهاٌة, فما صدر عنها من صؽٌر وكبٌر؛ ومن جزبً وكلً؛ فذلك بالنسبة للقدرة على حد سواء, كما قال تعالى :{ ما خلقكم و بعثكم إلا كنفس واحدة}. وعلمه سبحانه ما له انتهاء, كما قال تعالى : { وما أوتٌتم من العلم إ قلٌلبً } .
عدد الصفحات ٥٤55 ومهما أقللت من هذه القلة و وتصورت من قلتها, فالواقع أقل , ولذا قال سٌدنا الخضر لسٌدنا موسى على نبٌنا وعلٌهما الصلبة والسلبم كل حٌن وأوان , قال له : [ ما علمً وعلمك وعلم سابر الخلببق فً علم الله تعالى إلا كما أخذ هذا العصفور من البحر . . . ] متفق علٌه. فعلم الله تعالى وجمٌع صفاته لا حد لها ولا انتهاء , فإن إلٌه المنتهى ولكنه لٌس له انتهاء , وبٌان ذلك بمثل تقرٌبً , للفرق بٌن الكثٌر وبٌن ما لا ٌتناهى , مثل ذلك : لو أن الله تعالى أمر ملكاً من الملببكة علٌهم السلبم بنقل تراب عالم الدنٌا إلى عالم آخر, فجعل الملك ٌنقل تراب الدنٌا كل ملٌون سنة واحدة من التراب , حسب ما أمر بذلك فهو كم ٌحتاج ؟ ٌحتاج إلى الملبٌٌن الكثٌرة من السنٌن حتى ٌنقلها كلها إلى عالم آخر , فمهما كثرت تلك السنون فهذه المدة الطوٌلة كلها متناهٌة؛ وإن طالت دهوراً وعصوراً , وهذه المدد الطوٌلة كلها تعتبر من باب المتناهٌات, وأما ما لا ٌتناهى فهو ما لا ٌتناهى بحد ولا بمقدار, ولا بامتداد الدهور ولا الأعصار, ولا ٌدخل تحت حكم العد ولا الإحصاء, ولا الإحاطة ولا الاستقصاء, من جمٌع الوجوه والاعتبارات , فسبحان من أحاط علمه بالمتناهٌات واللبمتناهٌات. انٌالاً : فٌه بٌان فقر العالم إلى ربه , وؼنى الرب سبحانه بالذات عن العالمٌن, وإن فقر العالم إلى ربه هو فقر ذاتً من جمٌع الوجوه والاعتبارات , وإن ؼنى الرب سبحانه عما سواه هو ؼنى مطلق ذاتً له وحده, فإن رب العالمٌن هو خالقهم ومربٌهم, فالعالم فً كل لحظة أو لمحة بصر بل أقرب من ذلك محتاج ومفتقر إلى أن ٌمده الله تعالى بالوجود, وما ٌتطلبه هذا الموجود مما ٌتوقؾ علٌه نظام بقابه ووجوده, فإن المربوب لا ٌستؽنً عن ربه سبحانه وتعالى. فإن جمٌع الأشٌاء- كما قرره أهل العلم- هً لدى السبر والتقسٌم عقلبً وواقعٌاً هً ثلبثة أقسام:1-الواجب وجوده,2-المستحٌل وجوده, 3- الممكن وجوده وعدمه.
عدد الصفحات ٥٥56 فواجب الوجود الذي لا ٌجوز فً العقل عدمه أزلاً وأبداً هذا هو الله تعالى وحده , بؤسمابه الحسنى , وصفاته العلٌا جل وعلب سبحانه وتعالى , وهذا ثابت بالأدلة القاطعة , والبراهٌن الساطعة , كما هو مفصل فً موضعه . وأما المستحٌل وجوده فهو ما ٌحٌل العقل وجوده بالأدلة القطعٌة أٌضاً , كتعدد الآلهة , وشرٌك الباري تعالى , ونحو ذلك . وأما الممكن وجوده وعدمه , فهذا لٌس له من نفسه إلا العدم ولكن لا على وجه الاستحالة كما هو فً المستحٌل , بل الممكن هو قابل للوجود من موجده وهو الله تعالى , فإذا أفاض الله تعالى نور الوجود علٌه صار موجوداً بإٌجاده سبحانه , قال تعالى : { إنما قولنا لشًء إذا أردناه أن نقول له كن فٌكون } . أي: فٌظهر فً عالم الكون بالوجود الخارجً , ولكن هذا الوجود الذي ظهر به الممكن لٌس واجباً له , ولا ٌملكه , فلب ٌستؽنً عن موجده لمحة بصر ؛ ولا أقل من ذلك , بل هو مفتقر إلى إمداد الله تعالى له بالوجود فً كل لمحة بصر ؛ بل أقرب من ذلك , فما أشد فقر العالم إلى ربه , وما أعظم ؼناء – سبحانه – عن ؼٌره , قال تعالى : { ٌا أٌها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الؽنً الحمٌد . إن ٌشؤ ٌذهبكم وٌؤت بخلق جدٌد }. ال ا :فٌه التحدي والإعلبن لجمٌع العباد , بعجزهم عن أن ٌخلقوا مثل هذا العالم , بل هم عاجزون عن إحاطته , فهو سبحانه رب العالمٌن وحده لا شرٌك له , فهذه الكواكب وهذه الشمس , وهذه الأرض , وسٌرها بحسبان دقٌق , وإٌقاعها فً أفلبكها ومواقعها المعٌنة لها ؛ ذلك تقدٌر العزٌز العلٌم , وهكذا الجبال والبحار , والهواء والماء؛ فجمٌع ذلك تعجز عن إٌجاده قدرة العباد ولو كان بعضهم لبعض ظهٌراً , فإذاً ٌقال من الذي أوجدها ؟ نعم هذا هوالله رب العالمٌن , فالحمد لله رب العالمٌن حقاً . رابعالاً : فٌه بٌان كثرة العوالم وعظمها , فإن الله تعالى العلً العظٌم , لما مدح نفسه , وحمد نفسه سبحانه بؤنه رب العالمٌن , دل ذلك على أن أمر العوالم عظٌم خلقاً وتدبٌراً , وأحكاماً وحكمة . . . وكلمة { العالمٌن} أي : هً كثٌراً جداً لا تحصى ,فمن ذلك : عالم الأمر والخلق وسعتهما ,
عدد الصفحات ٥٦57 وعالم الملكوت, وعالم الجبروت , وعالم العرش , وعالم الكرسً , وعالم القلم , وعالم اللوح , وعالم المثال , وعالم البرزخ , وقد ذكرت جملة من العوالم العلوٌة فً كتاب : ( هدي القرآن الكرٌم إلى معرفة العوالم والتفكر فً الأكوان ) فارجع إلٌه . ومن جملة العوالم التً مر علٌها الإنسان : عالم الأرواح , وعالم الذر و وعالم الأصلبب , وعالم الرحم , وعالم الدنٌا , وعالم النوم . وأما العوالم التً سٌمر علٌها الإنسان بعد الموت فقد ذكرت ذلك فً الكتاب : ( الإٌمان بعوالم الآخرة ومواقفها ) . ولكل عالم من هذه العوالم التً مر علٌها الإنسان أحكام وخصابص : فعالم الذر هو المذكور فً قوله تعالى : { وإذ أخذ ربك من بنً آدم من ظهورهم ذرٌتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى } – أي: أنت ربنا حقاً – { شهدنا أن تقولوا ٌوم القٌامة إنا كنا عن هذا ؼافلٌن} . وعالم الأصلاب هو المذكور فً قوله تعالى – ممتناً على هذه الأمة المحمدٌة : { إنا لما طؽا الماء حملناكم فً الجارٌة} – أي: الطوفان العام نصرة لنوح علٌه السلبم حملناكم ٌا أمة محمد صلى الله علٌه وآله وسلم – { فً الجارٌة} السفٌنة حٌث كنتم فً أصلبب الذٌن ركبوا مع نوح علٌه السلبم { لنجعلها لكم تذكرة وتعٌهآ أذن واعٌة} – أي: لتذكروا هذه النعمة علٌكم , وتعوا ؛ فتشكروا ربكم سبحانه . ولما نزلت هذه الآٌة الكرٌمة , قال رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم : [ سالت ربً أن ٌجعلها أذن علً]. قال مكحول: فكان علً رضً الله عنه ٌقول : ( ما سمعت من رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم شٌباً فنسٌته ) رواه سعٌد بن منصور , وابن جرٌر , وابن المنذر , وبن أبً حاتم , وابن مردوٌه عن مكحول . وأما عالم الرحم فهو المذكور فً قوله تعالى : { هو الذي ٌصوركم فً الأرحام كٌؾ ٌشاء لا إله إلا هو العزٌز الحكٌم }.
عدد الصفحات ٥٧58 ففً هذا العالم جرى على الإنسان التصوٌر, وتسجٌل التقدٌر: بكتب رزقه, وأجله, وشقً أو سعٌد, وخص كل إنسان بصورة لٌست كؽٌرها من صورة من بنً آدم , وأجرى الله تعالى التبدٌل والتطوٌر علٌه. قال تعالى :{ ٌخلقكم فً بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق فً ظلمات ثلبث ذلكم الله ربكم } أي: ظلمة المشٌمة , فً ظلمة الرحم, فً ظلمة بطن الحامل. وقال تعالى:{ هو أعلم بكم إذ أنشؤكم من الأرض وإذ أنتم أجنة فً بطون أمهاتكم فلب تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى} فلب تمدحوا أنفسكم, بل احمدوا الله تعالى الذي وفقكم , والمعنى : أن الله تعالى هو أعلم بكم وأحوالكم, بعلمه القدٌم الذي لا أول له, وهو أعلم بكم إذ أنشاكم فً ضمن نشؤة أبٌكم آدم علٌه السلبم من تراب الأرض , كما قال سبحانه:{ ومن آٌاته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون} ,ومن المعلوم أن الأرض مختلفة البقاع والتربة فً لونها, ومنها السهل والوعر, ومنها الخبٌث والطٌب, فهو سبحانه ٌعلم من أي تربة خلقكم منها. وبٌن معنى الآٌة ما جاء فً الحدٌث عن أبً موسى الأشعري رضً الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم :[ إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جمٌع الأرض , فجاء بنو آدم على قدر الأرض؛ جاء منهم الأحمر والأبٌض والأسود وبٌن ذلك, والسهل والحزن- أي: الؽلٌظ الذي فٌه عنؾ – والخبٌث والطٌب وبٌن ذلك ] رواه الترمذي وصححه, وأبو داود , واحمد , والحاكم وؼٌرهم. فخلق سبحانه من الأرض الحمراء الأحمر, ومن البٌضاء الأبٌض, ومن السوداء الأسود, وهذا من حٌث الألوان, ومن حٌث الأخلبق : فخلق من سهل الأرض سهل الخلق اللٌن الرفٌق, ومن حزنها وؼلٌظها الفظ الؽلٌظ, ومن الأرض الطٌبة ذات النبات الحسن خلق المإمن الطٌب, فإنه طٌب كله, طاب بالكلمة الطٌبة وهً: لا إله إلا الله , قال تعالى ألم تر كٌؾ ضرب الله مثلبً كلمة طٌبة كشجرة طٌبة أصلها ثابت وفرعها فً السماء }
عدد الصفحات ٥٨59 جاء فً الحدٌث هً: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى اله علٌه وآله وسلم . وخلق من الأرض الخبٌثة الكافر , قال تعالى:{ والبلد الطٌب ٌخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا ٌخرج إلا نكداً كذلك نصرؾ الآٌات لقوم ٌشكرون}. وقد روى سعٌد بن منصور, وأبو حاتم , عن أبً هرٌرة رضً الله عنه : ( إن الله تعالى لما أراد أن ٌخلق آدم علٌه السلبم بعث ملكاً من حملة العرش ٌؤتً بتراب من الأرض , فاخذ من وجهها- أي: من أدٌم الأرض كلها- ومن طٌبها وخبٌثها) الحدٌث كما فً شرح المناوي والله تعالى أعلم. وأما علم المنام فهو المذكور فً قوله تعالى :{ ومن آٌاته منامكم باللٌل والنهار وابتؽاإكم من فضله إن فً ذلك لآٌات لقوم ٌسمعون}. ففً هذه الآٌات, ذكر سبحانه عالمً المنام والٌقظة,وقرن بٌنهما, لٌعلم الإنسان أن عالم المنام هو عالم حقٌقً لٌس وهمٌاً , بل له آثاره, ألا ترى النابم إلى جانبك ٌرى ما ٌسره فٌضحك؛ وأنت تراه ٌضحك, وٌرى ما ٌخفٌه فٌبكً؛ وأنت قد تراه ٌبكً وٌصٌح وٌصرخ , وقد ٌرى من ٌخاصمه وٌجادله فقد ٌعلو صوته وأنت تسمع ما ٌقوله أحٌاناً ...إلخ. فهذا دلٌل على أن المنام عالم حقٌقً له آثاره, وٌرى فٌه الرإٌا الصادقة والصالحة, وقد ٌرى فٌه الأحلبم المختلطة , وٌعتبر عالم المنام برزخاً بٌن عالم الدنٌا وبٌن عالم برزخ الآخرة بعد الموت, ولذلك قد ٌرى النابم ماذا ٌحصل أو ٌقع فً الٌقظة, لأن تلك الأمور تكون قد تنزلت حتى انتهت إلى البرزخ بٌن الدنٌا والآخرة, وربما انكشؾ للنابم أمور ؼٌبٌة لعروج روحه إلى العوالم العلوٌة- والناس فً ذلك على مراتب مختلفة. وٌدلك على أن عالم المنام له اعتباره الحقٌقً, ما ذكره الله تعالى عن ٌوسؾ الصدٌق على نبٌنا وعلٌه الصلبة والسلبم :{ إذ قال ٌوسؾ لأبٌه ٌا أبت إنً رأٌت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأٌتهم لً ساجدٌن } .
عدد الصفحات ٥٩60 ثم ذكر سبحانه تحقق تلك الرإٌا وتؤوٌلها, فقال سبحانه :{ فلما دخلوا على ٌوسؾ ءاوى إلٌه أبوٌه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنٌن. ورفعع أبوٌه على العرش وخروا له سجداً وقال ٌا أبت هذا تؤوٌل رإٌاي من قبل قد جعلها ربً حقاً }. وقد تكلمت على أنواع الرإٌا وآدابها فً كتابً: ( الدعاء) وؼٌره , كما ذكرت جملة من العوالم العلوٌة فً كتاب : ( هدي القرآن الكرٌم إلى معرفة العوالم والتفكر فً الأكوان) فارجع إلٌه ٌنفعك بإذن الله تعالى . { الرحمن الرحٌم} جٌا بهذٌن الوصفٌن بعد قوله سبحانه:{ الحمد لله رب العالمٌن} وفً هذا وجوه من الحكم: أولاً : بٌان أن رحمته ملبزمة لربوبٌته, فهو سبحانه رب العالمٌن أي: خالقهم , وملكهم أي: المدبر أمورهم والمتصرؾ فٌهم , ومالكهم فهم مملوكون له, وسٌدهم فالكل عباده, ولكن جمٌع ذلك قابم على أساس الرحمة , فخلقه وتدبٌره أمور عباده وتصرفه فٌهم كل ذلك محاط بالرحمة , قال تعالى:{ الرحمن على العرش استوى} ,فالعرش العظٌم محٌط بجمٌع العوالم وهو – أي: العرش- محاط باسم الرحمن. وقال سبحانه – فً سورة ٌونس -:{ إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض فً ستة أٌام ثم استوى على العرش ٌدبر الأمر} الآٌة. فتدبٌره أمور عباده ومخلوقاته كل ذلك صادر عن رحمانٌته, ومن المعلوم أن العرش العظٌم هو محٌط بج مٌع العوالم , كما دلت على ذلك الأحادٌث النبوٌة , وقد ذكرت ذلك مفصلبً فً متابً : ( هدي القرآن الكرٌم إلى معرفة العوالم ). ثانٌاً : إن ذكره سبحانه هاتٌن الصفتٌن { الرحمن الرحٌم} بعد قوله:{ الحمد لله رب العالمٌن} فٌه بٌان وجه من وجوه استحقاقه للحمد وذلك لأنه{ الرحمن الرحٌم}.
عدد الصفحات ٦٠61 ثالثاً: فٌه بٌان أن رحمته وسعت جمٌع الخلببق, وجمٌع العالمٌن فً جمٌع العوالم الماضٌة والآتٌة, على مختلؾ أجناسها وأصنافها, كما قال سبحانه:{ ورحمتً وسعت كل شًء}. رابعاً: لقد ذكر الله تعالى فً سورة الرحمن التً افتتحها باسمه الرحمن؛ ذكر فٌها شمول رحمته وشواهد ذلك ومشاهد ذلك, فعدد أصنافاً كثٌرة وأنواعاً كبٌرة من آثار اسمه الرحمن , ومظاهره فً الأكوان, وما فً ذلك من نعمه وآلابه فً الدنٌا والآخرة, وكلما ذكر صنفاً من النعم أردفها بقوله تعالى :{ فبؤي آلاء ربكما تكذبان} امتناناً علٌهم بما هم ٌقرون به, ولا ٌمكنهم إنكاره, فً سورة الرحمن ترى مظاهر هذا الاسم وآثاره المتجلٌة فً جمٌع العوالم والأكوان : المشهودة بالجنان, والمبصرة بالعٌان؛ الساطعة البرهان على وجه لا ٌختلؾ فٌه اثنان , كما قال سبحانه:{ فبؤي آلاء ربكما تكذبان }. وقد نقل الحافظ البٌهقً عن العلبمة أبً سلٌمان الخطابً أنه قال: ذهب الجمهور من الناس – أي: العلماء- أن اسم الرحمن مشتق من الرحمة, مبنً على المبالؽة- أي: جاء على صٌؽة فعلبن التً تدل على المبالؽة- ومعناه ذو الرحمة التً لا نظٌر له فٌها سبحانه, ولذلك لا ٌثنى ولا ٌجمع, كما ٌثنى اسم الرحٌم وٌجمع, وبناء فعلبن فً كلبمهم – كلبم العرب- بناء المبالؽة , ٌقال لشدٌد الامتلبء : ملآن, ولشدٌد الشبع: شبعان. قال رحمه الله تعالى : والذي ٌدل على مذهب الاشتقاق فً هذا الاسم – أي: اسم الرحمن من الرحمة خلبفاً لمن أنكر اشتقاقه – حدٌث عبد الرحمن بن عوؾ رضً الله عنه , أنه سمع رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم ٌقول:[ قال الله عز وجل: أنا الرحمن خلقت الرحم, وشققت لها اسماً من اسمً , فمن وصلها وصلته , ومن قطعها قطعته]. قال الخطابً رحمه الله تعالى: فالرحمن هو ذو الرحمة الشاملة التً وسعت الخلق فً أرزاقهم وأسباب معاٌشهم ومصالحهم , وعمت المإمن والكافر والصالح والطالح , وأما الرحٌم فخاص بالمإمنٌن لقوله تعالى :{ وكان بالمإمنٌن رحٌماً}.
عدد الصفحات ٦١62 قال: والرحٌم وزنه فعٌل بمعنى فاعل, وبناء فعٌل أٌضاً للمبالؽة كعالم وعلٌم وقادر وقدٌر.اه. فالله تعالى و الرحمن الرحٌم و وهو سبحانه خٌر الرحمٌن, كما قال سبحانه :{ وقل رب اؼفر وارحم وأنت خٌر الراحمٌن} ,وهو سبحانه أرحم الراحمٌن , قال تعالى :{ وأٌوب إذ نادى ربه أنً مسنً الضر وأنت أرحم الراحمٌن}. وهذا من جملة الاسم الأعظم الذي إذا دعً الله تعالى به أجاب ولذلك قال تعالى:{ فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر} الآٌة. ومن دعابه صلى الله علٌه وآله وسلم : [ اللهم إنً أشكو إلٌك ضعؾ قوتً , وقلة حٌلتً , وهوانً على الناس , ٌا أرحم الراحمٌن ] الحدٌث المشهور وقد ذكره بتمامه فً كتاب ( الدعاء ) . وروى أبو الشٌخ وؼٌره , عن أبً هرٌرة رضً الله عنه , أن النبً صلى الله علٌه وآله وسلم قال : [ ألح رجل بٌا أرحم الراحمٌن– أكثر من دعابه ٌا أرحم الراحمٌن – فنودي أن قد سمعتك فما حاجتك ] أي: فسل تعط . وروى الحاكم , عن أبً أمامة رضً الله عنه , أن النبً صلى الله علٌه وآله وسلم قال : [ إن لله تعالى ملكاً موكلبً بمن ٌقول: ٌا أرحم الراحمٌن , فمن قالها ثلبثاُ , قال له الملك : إن أرحم الراحمٌن قد أقبل علٌك فسل ] أي : تعط . وروى العلبمة السهٌلً بسنده إلى اللٌث بن سعد قال: بلؽنً أن زٌد بن حارثة اكترى – أستؤجر- بؽلبً من رجل, واشترط علٌه أن ٌنزله حٌث شاء زٌد . قال: فمال به- صاحب البؽل- إلى خربة فقال له: انزل فنزل, فإذا فً الخربة قتلى كثٌر – أي: كان ٌؤخذ مالهم ثم ٌقتلهم فً تلك الخربة المهجورة بسٌؾ معه- فلما أراد أن ٌقتله , قال له زٌد : دعنً أصلً ركعتٌن, قال: فلما صلٌت أتانً لٌقتلنً , قفلت : دعنً أصلً ركعتٌن , قال: فلما صلٌت أتانً لٌقتلنً , فقلت: ٌا أرحم الراحمٌن , قال: فسمع
عدد الصفحات ٦٢63 صوتاً لا تقتله,فهاب الرجل من ذلك الصوت , فخرج لٌطلب- أي: لٌبحث عن الصوت – ثم رجع إلً, فنادٌت: ٌا أرحم الراحمٌن- فعل ذلك ثلبثاً - فإذا أنا بفارس على فرس بٌده حربة حدٌد , فً رأسها شعلة نار, فطعنه بها فؤنفذها من ظهره, فوقع مٌتاً ثم قال لً: أي: الفارس- لما دعوت المرة الأولى ٌا أرحم الراحمٌن كنت فً السماء السابعة , فلما دعوت الثانٌة ٌا أرحم الراحمٌن كنت فً سماء الدنٌا , فلما دعوت المرة الثالثة ٌا أرحم الراحمٌن أتٌتك. قال الحافظ الزرقانً : وفً هذا دلٌل الاعتناء بهذا الدعاء, وأن المخلص فٌه محقق الإجابة .اه من (المواهب وشرحها). { مالك ٌوم الدٌن} المالك: هو الذي ٌملك رقاب الأشٌاء وذواتها, فهً ملك له, وأما الملك فهو المتصرؾ فً الأمور والمدبر لها, فالله تعالى هو { مالك ٌوم الدٌن} ومالك ما جمع فٌه من الأولٌن والآخرٌن, وهو ملك ٌوم الدٌن كما جاء فً قراءة سبعٌة , وقال تعالى:{ الملك ٌومبذ لله ٌحكم بٌنهم}. وروى البخاري, عن أبً هرٌرة رضً الله عنه , عن رسول الله صلى الله علٌه وآله وسلم قال:[ ٌقبض الله تعالى الأرض, وٌطوي السماء بٌمٌنه ثم ٌقول: أنا الملك أٌن ملوك الأرض]. وأم ر الدٌن} فقد تطلق كلمة الدٌن على العقٌدة وما تتطلبه من الأعمال والأقوال, ومنه: { إن الدٌن عند الله الإسلبم} أي:الاستسلبم له سبحانه, اعتقاداً بالجنان, وعملبً بالأركان, وقولاً باللسان. وٌقال: دان بهاعتقده وعمل به, قال تعالى – فً الكفار- :{ ولا ٌدٌنون دٌن الحق}. وقد تطلق كلمة الدٌن على الحساب والجزاء, قال تعالى :{ إن الأبرار لفً نعٌم . وإن الفجار لفً جحٌم . ٌصلونها ٌوم الدٌن . وما هم عنها بؽاببٌن, وما أدراك ما ٌوم الدٌن. ثم ما أدراك ما ٌوم الدٌن . ٌوم لا تملك نفس لنفس شٌباً والأمر ٌومبذ لله}.
عدد الصفحات ٦٣64 ٌقال: دانه إذا حاسبه وجازاه, قال تعالى :{ ٌومبذ ٌوفٌهم الله دٌنهم الحق ...} أي: جزاءهم الحق دون ظلم . وكما جاء فً الحدٌث :[ الكٌس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت, والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأمانً ] . فمعنى دان نفسه:أي: حاسب نفسه فً الدنٌا قبل الموت. فالمراد بالدٌن هنا فً الآٌة : الجزاء والحساب , وما ٌترتب علٌه من ثواب وعقاب, فهو سبحانه وتعالى مالك ٌوم الدٌن , وهو ملكه وحده لا ؼٌره , كما قال سبحانه : { إن إلٌنا إٌابهم. ثم إن علٌنا حسابهم}. وكما جاء فً الحدٌث الذي رواه عبد الرزاق فً(مصنفه) عن أبً قلببة , أن النبً صلى الله علٌه وآله وسلم قال:[ البر لا ٌبلى, والذنب لا ٌنسى , والدٌان – سبحانه- لا ٌموت, اعمل ما شبت كما تدٌن تدان] أي: تحاسب. وعن عبد الله بن أنٌس رضً الله عنه , أنه سمع النبً صلى الله علٌه وآله وسلم ٌقول:[ ٌحشر الله تعالى العباد ٌوم القٌامة- أو قال: الناس- عراة ؼرلاً بهماً ]. قال: قلنا: وما بهما ؟ قال: [ لٌس معهم شًء. ثم ٌنادٌهم بصوت ٌسمعه من بعد كما ٌسمعه من قرب : أنا الدٌان , أنا الملك : لا ٌنبؽً لأحد من أهل النار أن ٌدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق ؛ حتى أقصه منه. رواه الترمذي وأحمد وابن ماجه والحاكم, عن شداد بن أوس رضً الله عنه, وفً رواٌة البٌهقً عن أنس رضً الله عنه, أن النبً صلى الله علٌه وآله وسلم قال:[ الكٌس من عمل لما بعد الموت, والعاري : العاري من الدٌن , اللهم لا عٌش إلا عٌش الآخرة..].
عدد الصفحات ٦٤