أدب ابن شهيد الشاعر الشعر ني ببت أي عامر عريق الشّجار » متلاحق الآثار » فأبوه عبد الملك شاعر » وكذلك جده مروان » وجل أبيه أحمد بن عبد الملك » ثم عمّه وأخره شاعران . وهو أجودهم شاعرية » وأخصبهم قريحة » وأطوطم نفّساً » وأوسعهم شهرة ؛ ولكن لم ينُجمّع شعره ني ديوان ليتُحفظ من الضّباع » أو جمع ولم يصل إلينا » وإنما بلغنا منه ما رواه ابن بسام ني الذخيرة » والثعالبي في بتيمة الدهر » والفتح بن خاقان في مطمح الأنفس ٠ والمقّري ني نفح الطيب » وابن لكان في وفيات الأعيان . فكان لنا جملة صالحة من القصائد والمقطّعات والأبيات على اختلاف أبوابها وأغراضها » مع أن المؤرخين اقتصروا على الاختيار» فقللما أثبتوا قصيدة كاملة » حتى إن ميميته الطويلة التي دوّن ابن بسّام منها نحو ثمانين بيئآً » لم تخلص إلينا بتمامها ؛ وكان ابن الحنتاط يعيبه بتطويل الشعر كما مر بنا كنفا . بيد أن ما وصل إلينا من شعره كاف لأن يطلعنا على صفاته العامة والخاصة » ويجيز لنا دراسته وإبداء الرأي فيه . لأنّه يشتمل على منتلف أغراضه ومسالكه في نواحي التفكير والتعبير . فقد طرق من الأبواب والأغراض ما طرقه الشعراء في عصره وقبل عصره » فمدح ورثى وهجا ء وافتخر وتغزل وشكا » ووصف لدان
عدد الصفحات ٣٥المرأة ومجالس الهو والشراب » والطبيعة والصيد ؛ وطلب الخديد في انسحابه على أذيال القديم دون أن يكون له أسلوب شخصي يمره من غيره » إذا ذأ كرت أساليب الشعراء . ومن غريب أمره أن يأخذ على أقرانه تصديرهم قصائد المدح بعرائس الشعر القديم » ولا يرى غضاضة في وقوفه على الطلول وذكر الديار والمطي » وهو نزيل القصور » وربيب الحضارة الأندلسيّة . قال : « ومما يلزم المداعي لصناعة الكلام » إذا اعتمد وصف حالة » أن يستوفي جميعها ٠ ويكون ما يطلبه من الإبداع والاختراع فيها غير خارج عنها وما هو بسبيلها ».فذلك أهى لكلامه . وأفخم للمتكلم به » وأدلء على أن الكلام له » لا كما شهدته يوماً عند ابن حمود : وقد صدر عن ابن الشّرب » ومدحه عدة شعراء » صدورٌ أشعارهم لزينب والرباب وميس وفترتتى ٠ وأعجارها للجود 0 5 3 3 5 والكرم وبذل اللهى ؛ ول يُلمم أحد منهم بذلك الغرض والمغزى إلا" في بيتين أو ثلاثة ؛ فأنشدته أنا يومكذ من جملة قصيدة أوها : فريق” العدى من حد” عز مك" يفرق” » وبالدهر مما خاف بطشّتك” أولق”١» وهذا النقد جميل يدل على بصره بالشعر ومذاهبه ء» ولكنه إذا طابق قصيدته هذه ء فلا يطابق سواها مثل قوله ني مدح المؤتمن : هائيك” دارهم” ٠ فقضا بمعالها تجد الدموع تج في هملانبا' علجنا الركاب بهاء فهيتج وجندتنا دمّن” ذعرن السّربمن أدامانها" . وما يشبهه ٠» الأول : الحنون ١ ؟ المعان : المتزل . # الأدمان : الرماد والسرقين المتليد . 55
عدد الصفحات ٣٦فقد غلب الأسلوب القديم على استهلالاته » وأسلكه ني نظام المحافظين على عمود الشعر التقليدي » فسار على خطتهم في الوقوف والبكاء وذكر الدمن والآرام » واستمد من كلام المتقدمين ألفاظه ومعانيه » فحفلت أشعاره بالرواسم المجيدة » واللحمل الجخاهزة » فكان فيها مشتّرك الفكر والخيال والتعبير : أما الرباح بجو عاصم” فحَلبنَ أخلاف الغمائم' ختليليّعموجاء بارك الله فيكما ٠ بدارتما الأولى شي فناءها ولم يقتصر في التناول على الشائع العام من كلامهم » بل جاوزه إلى الشخصي” الخاص الذي يعمد أخذه من السرقات الأدبية » فاستباح أنعام البدو وكنوز العباسيتين ؛ فإذا وصف الصيد على طريقة امرىء القيس » وذعّر الوحش يجواده » وأكتل الشواء مثله 2 لا يغفل عن تمسيح الأكف بعد الطعام : تمسح بالحتوذان منه أكفّنا ٠ إذا ما اقتنصنا منه غير قليل ١ وإما فعل ذلك اتتباعاً للملك الضلدّيل حيث يقول : نممْش” بأعراف الخيول أكفتناء إذا نحن قمنا عن شواء ممُضهتّب" ووصف خيل ابن حمود في الحرب » فلم يتحرج من الإغارة على ألي . الحوذان : نيت نوره أصفر ١ ؟ المضهب : اللحم المقطع » والمشوي على حجارة محماة » ولم يبالغ في نضجه . 2
عدد الصفحات ٣٧الطيتب المتني » قال : وخيل تمشت للوغى ببطولها ٠ إذا جعلت بالمرتقى الصعب تزلق” قال ابن بسام : « وهذا البيت مما لم يتُحسن أبو عامر سرقته » ولا بلغ به طبقته » وهو من قول أي الطيتب : إذا زلقت » مشتيتها ببطونها ٠ كا تتمشنّى في الصعيد الأراقم” وربما حاول إخفاء سرقته بتفصيل المعنى وتطويله » فقد سمع الرمادي » وهو شاعر أندلسي » يقول : ولم أرَ أحلى من تبثم أعين ٠ غلداق التّوى» عن لؤلؤ كان كامنا فأعجبه تسم العيون عن لؤلؤ الدمع ٠» فقال : وما فشا بالدمع من سر وجدنا إلى كاشحينا ما القلوب كواتم” أمرنا بساك الدموع جفوتنا ٠ ليشجى بما تطوي عذول” ولائم” فظلّت دموع العين حيرى كأنهاء خلال مآفينا » لآل توائم” ألى دمعنا يحري عخافة” شامت ٠ فنظمه بين المحاجر ناظم” وراق الهوى منا عيون” كريعة”» تبسّمن” » حتى ما تروق المبامم” وليس من غرضنا أن نتقرى سرقات ابن شُهيد واحتذاءاته » وإنما أخرجنا أمثلة منها لندل بها على شيوع بنات أفكاره وضعض حصانتها . ومن ذلك معارضاته للشعراء » يبي قصائده على بحور قصائدهم وقوافيها » ويأخذ من معانيها وألفاظها » 4
عدد الصفحات ٣٨فيشبه شوق من هذا القبيل » أو شوق يشبهه » فقد عارض رائيّة ابن ألي ربيعة مترسما طريقه إلى صاحبته بقوله : وأخرى اعتلقنا دوهن » ودونها قصورء وحلجابء ووالرء ومعشر يريتها ماء اللعيم اء وحفّها من العيش فينان” الأراكة. أخحضر إذا رامها ذو حاجة . صدً وجهته 0 ظى الباترات والوشيج المكسّرث تكلفتها » والليل” قد جاش بحر وقد جعلت أمواجه تكسن 2 إلى بيت ليل» وهو فرد" بذي الغضا » ينضيء ععين المتهام ويرهر . وعارض بائية البحثري بقوله : هذه دار زينب والرّباب » وقد قال أبو عبادة : ما على الررّكب من وقوف اركاب في مغاني الصّبى ع ورسم اللتّصابي وأمثال هذه المعارضات وما يشاكلها كثير في شعر أي عامر » فما يفتاً يذكرك بغيره » فتلقاه تابعاً لا متبوعا » ومن أجلها الكشفت مقائله الخصومه » فرموه بقوارص النقد » وشكتوا في شعره » وعابوا أخذه عن غيره » فدافع عن نفسه في رسالة التوابع والزوابع » إذ جعل شيطان” المتنبي يقول فيه : ٠ سمعت أنه يتناول . » فيرد عليه بقوله : « للفضرورة الدافعة » وإلا” فالقريحة غير صادعة » والشفرة غير قاطعة . » ورأينا أنه لم بتوكأ على القدماء وحدهمء بل تساند إلى المحدثين أيضاً؟ فشعره مزيج من جاهلي إسلامي ٠ وعباسي أندلسي ٠ كسائر الشعراء المولَّدِينَ في الشرق والغرب . ولئن عداه الطابع الخاص في أسلوبه المشترك ليُعرف به كغيره من 4
عدد الصفحات ٣٩ذوي الطوابع الشخصيّة » لم يتعداه التّفّس الشعري ؛ والحس” المرهف » وبراعة الوصف ؛ وحسن التركيب ٠ فإذا قرأت شعره » وغابت عنك فيه قوة الإبداع » ومُعجزة الاختراع » تروقك منه نفحات زكيّة الشعور » دقيقة النصوير » محكمة التعبير ؛ فيها من الحياة والحركة واللون والنغم ما يجيز له الوقوف بجانب الشعراء المحسنين » على اعتدال درجة الإحسان . واتخفاضها عن درجة الإبداع . والشعور عنده لا يتعددى الإحساس بالشيء» ميلا إليه أو نفوراً منه ؛ فما هو بالعاطفة المتدفقة » ولا الروحانيئة العميقة . وتصويره قريب امأخذ » يسير التلوين » تكتنفه المادة » ولا يخلو عنه الإحياء والتشخيص » كوصفه للورد في رده على الوزير أبي مروان . قال ابن بسام : وقد ضارع أبو عامر هذا محاسن الطبقة العالية البغدادية المضارعةة الي بانت فيها قوته » وللأنت اختراعاته ومقدرته » فصار يتناول المعبى الحسن فيصيتره ممْحسّا بحسن مسساقه . » ولغته مختارة الألفاظ ؛ متينة التركيب » على غير صلابة أو خشونة » وتغلب الصنعة على صياغته » فيكثر من الحناس والإرصاد والتصريع » والتشابيه والإشارات والأمثال واستخدام معاني أسماء النجوم ؛ غير ألما لا تنبو عن السمع لأنّه لا يسرف فيها ولا يتبغتض . ولم يكن يجهل ذلك التكلف في طبعه » فجعل شيطان” أبي نواس في التوابع والروابع يقول له عندما سمع شعره : «لله أنت » وإن كان طبعك مخترعاً منك ! » وقلّما تلقى النعومة في نغمة أشعاره لتوفّره على الحزالة » وشدة الأسر » واعتيام الألفاظ الفخمة + فالحمال الفتي عنده مرتفع النبرة في الغالب » لا ينخفض جترسه إلا في بعض نفثاته . وقد أشار إلى ذلك بطبعه الشَّنَاه عندما أراد أن بصطنع النغم الرقيق على مثال أبيه » بعدما أورد طائفة من مدائحه ومفاخره ؛ قال ابن يسام : م وأنشد أبو عامر إثر هذا قطعة شعر لأبيه » هي ثابتة في القسم الرابع من 5
عدد الصفحات ٤٠هذا التصنيف »ء قال فيها : قهفه- الإبريق ”مني ضَحكا » ورأى رعشة رجي فبكى ثم قال : فإن استهل الطاعن صارخا » وقال : هكذا الشعر ء وهكذا الطبع » وهذا الماء رقة وعذوبة » وافواء لطافة وسهولة ء لا ما كنا فيه من الشنائع والقعاقع ! قلنا له : أذن” الديك” » فشبا » أو توب وانضّح القلبة بماء العنب' وتأمّل' آية” معجزة” ع ما قرأنا مثلها في الكتب ركم الإبريق” من طاعته ٠ وبكى »2 فابتل” ثوب الأكوب ولول المزهر ينفي كرتي ٠ وتطربتة 2 فأعيا طربي ورب قام فيتا ساقي ٠ كلرشا أرضع بين الربرب ظبية” » دون الصبايا قلصّصت » نأنتتا غيدام في شكل صبي تح الورد عتى صفحتها ٠ وما ضدغها بالعقرب فمّشت نحوي » وقد ملكتها » مشية” العصفور نحو التعلب » فهذه الآبيات جديرة بالشاعر الأندلسي » غير أته لم يتُكثر من أمثالها لميله إلى الأسلوب القديم » حتى إنّه لم يلتفت إلى فن الموشحات ء مع ملاءمتها لمجالس هوه وشرابه » فأعرض عنها » في حين كان معاصره أبو بكر عبادة بن ماء السماء ١ نب : أرجع . ثوب : أقم الصلاة » وفيه مراعاة النظير لقوله : أذن الديك . انضح : اغسل مظهرا . 4
عدد الصفحات ٤١سهر الحيا برياضهاء» حتى اغتدت زهراتها من ثيتبات الم تبتل' وصغار أبكار شّكتت ورك كالجات جدود[ وشقيق” تعمان شكتت قد اشتهر بها » وأتقن صنعها » وقوم اعوجاجها ؛ ولكنه جارى العبّاسيين في إحياء الطبيعة » وتمثيلها امرأة حستناء يتلذذ بأوصافها : فأسالها ٠ والسوث ذائ"٠ كالغيد بالج العتوائم كشلف الحدود ولا المعاصم"' خجلا ٠» فعاذت بالتمائم"” م صفتحائه من لطم لاطيم' عحين من لحظات ها رقص الاثم للمآنم' وتحداث إليها وسخترها لمدح أميره . على طريقة الأندلسيين + بقوله يمدح المومن : وغمام ٠ باكترئنا. عتيثه » مثل بحر جاءنا من فوقنا » فدنا » حبى حسبنا أنه شع الاق بعر سنب جرمله من لواو لم بلثقتب» يسح الأرض بفضل ايدب" ١ الخيا : المطر , م ثبل : م تبال . العين : السحاب من ناحية القبلة . جرمه : جسمه . من لؤلؤ لم يثقب : أرأد به البرده . ه اليدب : .السحاب المتدلي أو ذيله , 7
عدد الصفحات ٤٢فسألتناه ء وقد" أعجينا حشواه” العّن م رأى مُعجب : أنت ماذا؟ قال : من لمت كتفنهث” التفحةة كفنا دارب' سامي بالشرق أن أسقيتكلم" » رحمة” منه » بأقصى المغرب" فسألناه : أبن" ذاك لنا ٠ قال : هل يخفى ضياء الكوكب؟ ملك" » ناصّب من خالفتكم» عامري المنتمى والمصب" فعلمنا ألا تفحة من ورث البحود أيآ بعد أب ووصف خممرة الدير والساني على أسلوب أي نواس وأصحابه احجان ؛ واصطنع الغزل القصصي الليّن كبشتار » وجاراه في غزله العبثي على لسان الحمار والبغل . وكان شعره في سجنه وعلته أفيض أقواله عاطفة » وأبلغها تأثيراً » لاختلاف الشواعر النفسية فيه : من ألم وضعف » ومهانة ء وتوقتّع للموت » وإباء وعرّة» وموداة للإخوان . وقد أوردنا أمثلة مختارة من كلامه » وفي رسالة التوابع والزوابع طائفة حسنة منهاء تشتمل على مختلف فنونه وأغراضه » يمكن الرجوع إليها في مواطنها من هذا الكتاب .. الكاتب ذكر ابن لكان من آثار ابن شُهيد كتاب كشف الدك وآثار الشك» ورسالة التوابع والزوابع » وكتاب حانوت عطار ٠ ورسائل كثيرة . ولكن لم يبلغ إلينا ١ التفحة : العطية . ؟ سامي : كلفي . قاصب : عادى . المتضب : الحسب والامل . 45
عدد الصفحات ٤٣منها إلا فصول من التوابع والزوابع أوردها ابن بسام في ذخيرته » وجملة رسائل مختلفة الأغراض رويت في الذخيرة ويتيمة الدهر للثعابي . قال ابن بسّام : « وكان أبو عامر شيخ الحضرة العظمى وفتاها » ومبدأ الغاية القصوى ومنتهاها » وينبوع آيانها » ومادة حياتها » وحقيقة ذالها » وابن ساستها وأسائها » ومعنى أسمائها ومسمياتها » نادرة الفلتك . وأعجوبة الليل والنهار ؛ إن هزل فسجمٌ الحتمام » أو جد" فزثير الأسد الضرغام . نظم” كا اتسق الدئن على النحور » ونر كما ختلط المسك بالكافور » إلى نوادر كأطراف القنا الأملود » تشق” القلوب قبل الحلود » وجتواب يجري مجرى التّمس » ويسبق رجع الطرف المختلس . » وقال فيه ابن حيئان : « كان أبو عامر يبلغ المعى ولا يطيل سفر الكلام ؛ وإذا تأملته ولّسّنته » وكيف ير ني البلاغة رسته. قلت : عبد الحميد ني أوانه » واللماحظ في زمانه . والعجب منه أننّه كان يدعو قريحته إلى ما شاء من نثره ونظمه » في بدببته ورويتته » فيقرد الكلام كا يريد من غير اقتناء للكتب » ولا اعتناء بالطاب ء ولا رسوخ في الأدب ؛ فإنّه لم يوجد له » رحمه الله » فيما بلغني بعد موته » كتاب يستعين به على صناعته » ويشحذ من طبعه إلا" ما لا قتددرٌ له » فزاد ذلك في عجائبه » وإعجاز بدائعه . وكان في تتميق الهزل والنادرة الحارّة أقدر منه على سائر ذلك . وشعره حسن عند أهل النقد » تصرّف فيه تصرف المطبوعين » فلم يقصّر عن غايتهم . «وله رسائل كثيرة في فنون الفكاهة وأنواع التعريض والأهزال : قصار وطوال ؛ برّز فيها شأوه » وأبقاها في الناس خالدة بعده . وكان في سرعة البديبة » وحضور الحواب وحدانه » مع رقة حواشي كلامه » وسهولة ألفاظه » وبراعة ع5
عدد الصفحات ٤٤أوصافه » ونزاهة شمائله وخلائقه ء آية” من آيات الله خالقه . » وهذه الرسائل الي ألع إليها ابن حيان منها ما خاطب به الأمراء والوزراء » كرسائله إلى المؤتمن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن أبي عامر » وإلى الموفق مجاهد أمير دانية » وإلى الوزير ابن عبّاس ؛ ومنها ما خاطب به الأدباء » كرسائله إلى أبي القاسم الإفليلي » وابن الحتاط » وألي بكر أشكمياط ؛ ومنها فصول اجتماعية تاريخية » وأبحاث أدبية ضمئنها نظراته وأحكامه في النقد الأدبي » سنعود إليها في كلامنا على ابن شُهيد الناقد ؛ ومنها رسالة التوابع والزوابع ؛ وسنخصها بدرس تحليلي على حدة . ومن حسنات رسائله أنها تضيء جانبآ من حياته لم يأبه له المؤرخون ٠ أو أعاروه من الاهتمام قليلاة » فبدت من خلالها علاقاته السياسيئة والأدبيئة » وصداقاته وعداواته » ووفاؤه لأولياء نعمته » ومودته للأصحاب والإخوان » وحدانه على الخصوم والحسّاد » وسلاطة لسانه في السخر والتعريض وصريح الهجاء . فرسالته الطويلة إلى المؤتمن تطلعنا على ما كان له ولأبيه من الحظوة في الدولة العامرية » وعلى بعض شؤونه في صباه . ورسالته إلى الموفق ترجمة لما وقع بينه وبين الفرّضي من العداء والشحناء . ورسالته إلى أبي القاسم الإفليلي فيها عتبه عليه لازوراره عنه » وجريه في حلبة الفرّضي وابن فتح . ومن فصوله وأحاديئه نستخرج جملة من أخباره مع الوزراء والأدباء وآرائه في أبناء زمانه ممن انتحلوا السياسة » أو طلبوا العلم » أو احتّرفوا التعليم . وله في صفة معلمي قرطية » وتصوير أخلاقهم » وشرح أحوالهم ني مجالس الأدب » ما يذكرنا الفاحظ وسخره اللاذع بهذه الجماعة . فمن ذلك قوله : «وقوم” من المعلمين بقرطبتنا ممّن أنى على أجزاء من النحو » وحفظ كلمات من الغة » يحشون على أكباد غليظة » وقلوب كقلوب البلعران ع 148
عدد الصفحات ٤٥ويرجعون إلى فطّن حتمئة. » وأذهان صَدئة » لا متتفتذ” لها في شعاع الرآقة » ولا مدب ها في أنوار البان . سقطت إليهم كتب في البديع والنقد فهموا منها ما يفهمه القرد اليماني من الرقص على الإيقاع ٠ والزمر على الألحان ؟ فهم يصرفون غرائبها » فيما يجري عندهم ء تصريف من لم يرق آلة الفتهم . ومن لم تكن له آلة الصناعة » مما هي مخصوصة بها ء ولا تقوم' تلك الصناعة إلا بتلك الآلة » فهو كالحمار لا يمكنه أن يتعلّم صناعة ضرب العود والطنبور » لتوتد رسف" واستدارة حافره ؛ ولا له بنان” يس به على دسلتتان" . ولو جاز أن يكون حمار يغي : ما بال أنلم هذا الليل حائرة” ٠ أضلت القصد» أم ليست على فنك ؟ وشبهه » من أجل أن له حنكاً ولساناً » وقصبة رئة » لما جاز أن يوقتع بالمضراب على الأوتار » ويتمّم يمس" الأنامل » ويرخي الوتر في محرى السّابة والبنصر » فيبلبل بنشيده » ويولول في ضربه على بسيطه . فهذه حال العصابة من المعلمين : يدركون بالطبيعة » ويقصّرون بالآلة . وتقصير هم بالآلة هو من طريق العلل الداخلة من فساد الآلة القابلة للروحانية » والخادمة لآلات الفهم » الباعثة لرقيق الدم في الشريانات إلى القلب » وزيادةر غلتظ أعصاب الدماغ ونقصانها عن المقدار الطبيعي . وما بعين على ذلك . ولا تقوم : في الأصل : لا تقوم ١ . ؟ الرسغ : الموضع المستدق بين الخافر وموصل الوظيف من اليد والرجل في الداية الدستان من العود : مكان إصلاج الأوثار وشدها » جمعه دساتين ء في الأصل دستبان وهو 5: لف
عدد الصفحات ٤٦بالحتدس وطريق الفراسة فساد”ٌ الآلة الظاهرة » كفرطحة الرأُس وتسفيطه! » ونتوء القتمَحْدوة" » والتواء الشّدق » وخرّر العين" » وغاظ الأنف » وانزواء الأرنبة؟ » فنستعيذ بالله ألا" ينشوّه خلقة قلوبنا » ولا يُجسي”* أجرام أكبادنا » ويضم” أوتارنا وأعصابنا » ولا يُعظم” أنوفنا » ولا يمسّلنا منثلة" للعالمين ! » وقال فيهم أيضاً : «ومما عُلم من خلق هذه العصابة » إذا لمحتنا أبصارهم قابلونا بالملى ع وهم منطوون على حسد وحنق . فإذا جمعتنا المحافل » وضمتنا المجالس ١ تراهم إلينا مبصبصين' » وعن الأخذ في شيء من تلك المعاني زائغين . وإنتما يتبيين تقصير المقصّر » وفضل السابق المبرّز » إذا اصطكتت الركب » وازدحمت الحخلتق » واستئعجل المقال ؛ ول توجد فنُسْحة لفكرة » ولا أمكنت نظرة لرويئة ؛ أو في مجالس الملوك عند أنسها وراحتها » فإنّه يقع فيها ويحري لديها ما لا ينفع له الاستعداد » ولا ينفذ” فيه غير الطبع والغريزة المتدفقة . فترى الحواد السابق إذ ذاك متشوفا" بأذنه » باحثاً لكديدث الإحسان بيده » طامح النظر » صَّهصّلق' الصليل ؛ وأهل' المتّعة خثرس » لا يسمع لهم جترس ء ولا شيء عندهم غير . فرطحة الرأس : عرضه . تسفيطه : محاكاته للسفط » وهو وعاء كالقفة ١ ؟ القمحدوة : مؤخر القذال . ُ, خزر العين : انكسار بصرها وضيقها وصفرها » أو نظرها بأحد الشقين » أو حوها . ؛ الأرئية : طرف الأئف » والزواؤها : تجمعها وتقبضها . ه بحسي الشيء : يجعله صلياً . + مبصبصين : فاتحين أعينهم ء من بصبصص الحرو فتح عينيه ء أو بممنى متملقين كتبصبص , + متشوفاً :"أي متطلعاً إلى الخير . م الكديد : الأرض الغليظة . . المبصلق : الثديد من الآصوات ٠
عدد الصفحات ٤٧حسو الكاس ؛ وشم الآس » وتنفّس الصّعتداء » قد اصفرّت ألوانهم » وقتلتصت شفاههم » كأتهم من رجال عذارة . » 2 وكذلك بحثه في الكتابة وشروطها » وصفات أصحابها » يقرب الحوار بينه وبين عبد الحميد . وإذا رأيناه ينُخرجٍ الحاحظ من طبقة الكتتاب » فإثما أراد بهم كتتاب الملوك » ولم يترد الكتابة بالمعنى المطلق » كا توهتّم بعض النقتاد من أهل زماننا . قال : «ذكر يوم عند أبي القاسم سهل” بن هارون والحاحظ » فضّرب فيهما مثل العامة : « بينهما ما بين الملائكة وصبيان الحرتس . » هذا من الإنحاء العظيم على سهل » والأولى أن يسما ممُحستين » إلا" أن سهلا” كاتبٌ سلاطين » والحاحظ مؤلف 0 يؤدي النظر إلى أنبما في طريقتين مختلفتين ٠ وكلا محسن في بابه ؛ إلا" أله لم ير أغبن من اللحاحظ لنفسه ؛ إن كان واحد البلاغة في عصره » فما باله لم يلتمس بها شرف المنزلة بشرف الصنعة » وقد رأى ابن" الريئّات وإبراهيم” بن عباس بلغا بها ما بلغا » وهو يلتمس فوائدهما واحاه هما ؟ فلا يخلو في هذا إما أن يكون مقصّراً عن الكتابة وجمع أدواتها » أو يكون ساقط الحمّة » أو يكون إفراط جحوظ عينيه قعد به عنها » كما قصّر بي أنا فيها تقل سمعي » وبأب القاسم ورم أنفه . إذ لا بد" للملك من كاتب مقبول الصورة تقع عليها عينه » وأذان ال 0 لا تنام" أنفاسه عند مقاربته له . ولذلك استحسنو من الكاتب أن يكون طيتب الرائحة » سليم آلات ل وسخ الضرس » منقلب الشفة » مكحل الأظفور » وضر الطوق' . وربّما أنكر منكر قولنا في شرط جمع أدوات . الرضر : الوسخ ١ إن
عدد الصفحات ٤٨الكتابة» فقال : « وأ أداة نقصت الحاحظ ؟ فنقول : أوّل” أدوات الكاتب العقل” » ولا يكون كاتب غير عاقل . وقد نجد عالاً غير عاقل » وجندليناً غير حصيف »ء وفقيهاً غير حليم . وقد وجدنا من ينسب العقل إلى سهل أكثر من نسبته إلى الحاحظ . لو شهد اللحاحظ سهلاة يخادع للرشيد ملكا » ويدبّر له حرباً » ويعاني له إطفاء جمرة فتنة » مستضلعاً في ذلك كله بعقله » وجتودة علمه » لرأى أن تلك السياسة غير تسطير المقال » في صفة البغال » وغير الكلام في الحثرذان» وبنات وردان' » ولعلم أن بين العالم والكاتب فرقاً . » ويغلب القتصص على إنشاء ألي عامر » فتجده في مختلف رسائله وفصوله محدثاً يسوق الحبر والنادرة » ويحسن السرد والأداء » ويعنى بالتحليلات النفسية » وتصوير الأخلاق والأشكال » كما ني كلامه على الفترّضي والإفليلي » وسهل بن هارون والخاحظ » وعلى المعلمين » وأوصافه دقيقة بارعة » سواء تناول بها المعاني الذهنيئة » أو الأجسام الحيّة والحامدة » كوصفه للنفس الروحانية في ذمّه المعلّمين » مستنداً إلى علم الفراسة في ذكر أشكال الذين فسدت روحاليتهم ؛ وكوصفه لدار الفتَرضي » ورهطه ٠ ومواعينه وعقاقيره ؛ أو وصفه الحلواء وصاحبها المنهوم ؛ وهذه الرسالة مثبتة في التوابع والزوابع » وهي تشبه المقامة في مساتها . وأظهرٌ خصائصه ني الوصف أن يتتبع الموصوف بتصوير ميزاته في الأعضاء والألوان » والصوت والحركة والطباع ؛ حتى يجعله منْحّسّآ بارز الشخصية » لا شبحاً غامضا » كما وصف الاء متأثراً ببديع الزمان ء والبرد والثار والحطب والحلواء . ويبدو في أوصافه الوضيع رفيعاً » والقبيح جميلا” : وإنتما هما رفعة ١ بئات وردان » واحدتها بنت وردان : دويبة نحو المنفساء ذات ألوان مختلفة أكثر ما تكون في الحمامات والكنف . ين
عدد الصفحات ٤٩الفن وجماله أضفاهما على موصوفاته الحقيرة الدميمة » فاكتسبت بهما رواء » وعلت قدراً ومقاماً » كوصفه الثعلب والبرغوث ٠ وهما في التوابع والزوابع » أو وصفه للبعوضة إذ يقول : « البعوضة مليكة” , لا جيش” ها سواها » تحقرها عين من يراها » تمي إلى الملك بتدبها » وتضرب في بتُحبوحة داره بطبلها . تؤذيه بإقباها » وتعرفه بإراقة دمه ما ها . فتعنجز كفه » وتترغتم ألفه » وتضرئج خده » وتقري لحمه وجلده . زبجرما تسليمها » ورمحها خرطومها » تذلل صعبك إن كنت ذا قوة وعزم ؛ وتسفنك دمك ؛ وإن كنت ذا حالف وعسكر ضحم . تنقلض العزائم وهي منقوضة » وتعجز القوي وهي بعوضة ٠ ليرينا الله عجائب قدرته » وضعفنا عن أضعف خليقته . » وإنشاؤه رائق الديباجة واضحها » لا تكدار الصنعة صفاءه لقوة طبعه ع وتجافيه عن الإفراط فيها » مع أنه ياترم السجع أحياناً » ويؤثر المجاز على الحقيقة » فتكثر عنده الاستعارات والتشابيه والكنايات . وجملته رشيقة العبارة » محكمة الركبب » فيها جزالة وإيجاز » على غير خشونة وإخلال ؛ يسمداها بآيات القرآن » وأقوال العرب وأمثاهم ؛ ويستعين عليها بمأثورات أخبارهم وأحاديثهم » فتستكين إليه الرواسم الناهزة ٠ والعناصر المستعارة » ولذلك قال الكاتب أبو بكر أشكمياط حبن وقع على فصول له * فقرد حسان إلا" أنه عثر عليها . » بيد أنه يحسن صهرها وتنزيلها » فلا تثلفى غريبة” مُهتجّنة » ولا نافرة مقلقلة » ولا مجررة متعية ع فهو من النفتر الذين إذا كتبوا ارتاحت إليهم ملكة البلاغة » وتشققت لهم أكام البيان . إن
عدد الصفحات ٥٠