113 والمراد بذلك ن في ما ادعاه الكافرون من ربوبيته ، فذكر تعالى أنه يدركه ما يدرك البشر من التغير والانتقال من الصغر إلى الكبر، ومن حال إلى حال ".(1) ثانيا معاني المفردات: 1) "(ﯵ ﯶ): المراد بها عيسى، وسمي بالكلمة لأنه وجد ب كلمة كُن فَيَكُونُ ".(2) 2) (ﯸ): قيل إنه سُمِّي بذلك " لكثرة سياحته ، وقيل: لأنه كان مسيح القدمين لا أخ مَص لهما، وقيل: لأنه كان إذا مسح أحدًا من ذوي العاهات برئ بإذن الله تعالى "(3)، وقال الزمخشري: " لقب من الألقاب المشرفة كالصديق والفاروق ، وأصله مشيحا بالعبرانية ، ومعناه المبارك ". (4) 3) (ﯼ ): " الوجيه ذو الوجاهة: وهي القوة والمنعة ، ووجاهته في الدنيا النبوة ، وفي الآخرة الشفاعة وعلو الدرجة ". (5) 4) (ﰀ ﰁ): " يعني أنه ممن يقرِّبه الله يوم القيامة، فيسكنه في جواره ويدنيه منه".(6) 1) (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ): " المهد: مضجع الصبي في رضاعه ... والكهل هو من كان بين سن الشباب والشيخوخة "، والمعنى: " يكلم الناس حال كونه رضيعا في المهد وحال كونه كهلا بالوحي والرسالة ".(7) 6) (ﭖ ﭗ) " يعني: من عِدَادهم وأوليائهم؛ لأنّ أهل الصلاح بعضهم من بعض في الدين والفضل ".(8) (1) التفسير الواضح، محمد محمود حجازي، 1/61.) 2)) التفسير المنير، الزحيلي ، 3/222.) 3)) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 3/63.) (4 )الكشاف، الزمخشري، 1/119.) (5) فتح القدير، الشوكاني، (1/114.) (6) جامع البيان، الطبري ،(6/411.) 7)) فتح القدير، الشوكاني،(1/114.) (8) جامع البيان، الطبري، 6/425.)
عدد الصفحات ١٣٠114 ثالثاالعبر والدلالات المست فادة من الآيتين: 1) خلق الله تعالى الأسباب، وجعلها سبيلا لتحقيق مقاصد الناس في حياتهم، فكان من جملتها الزواج، الذي هو مبدأُ الإنجاب، لكن الله تعالى لا تتوقف قدرته عند الأسباب، وفعله سبحانه ليس محكوما للأسباب في كل الأحيان، فهو خالقها والمهيمن عليها ، يقول سيد قطب رحمه الله: " لقد تأهلت مريم - إذن- بالتطهر والقنوت والعبادة لتلقي هذا الفضل، واست قبال هذا الحدث، وها هي ذي تتلقى - لأول مرة - التبليغ عن طريق الملائكة بالأمر الخطير:(ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ) [45- 46]، إنها بشارة كاملة ، وا فصاح عن الأمر كله، بشارة بكلمة من الله اسمه المسيح عيسى بن مريم ".(1) 2) "قصص القرآن العجيبة مدعاة للإيمان والاعتبار والاتعاظ، وهي غالبا قصص للأنبياء والمرسلين تتضمن المعجزات والدلائل الدالة على صدق الوحي والرسالة والنبوة، وتظل ناطقة بقدرة اللّه تعالى على الاستثناءات كما هي في الأحوال المعتادة، حيث يخلق اللّه تعالى المعجزة على يد نبي أو رسول، لتدل على صدقه في دعواه الرسالة أو النبوة "(2)، وخلق عيسى خرق لهذه الأسباب، وهو معجزة عظيمة دالَّة على طلاقة قدرة ا. 3) بعد أن أُخبرت مريم عليها الس لام بتطهيرها واصطفاء الله تعالى لها على نساء العالمين، بُشِّرت بأنهـا ستُرزق بغلامٍ هو كلمة الله تعـالى إليهـا، " لـه شـأن كبيـر، يكـون وجـوده بكلمـة مـن اللّـه، أي يقـول لـه: كن فيكون، واسمه المسيح مشهور في الدنيا ، يعرفه المؤمنون، وله وجاهـة ومكانـة عنـد اللّـه فـي الـدنيا بما يوحيه اللّه إليه من الشريعة وينزله عليه من الكتاب والحكمة، وله وجاهة في الآخرة يشفع عند اللّه فيمن يأذن له فيه، فيقبل منه أسوة بإخوانه أولي العزم من الرسل عليهم السلام.(3) 4) وصــف الله عيســى "بأربعــة أوصــاف وأحــوال ، أولهــا: أنــه وجيــه فــي الــدنيا والآخــرة، والث اني: أنه من المقربين، والثالث: أنه يكلم الناس في المهد وكهلا، والرابع: أنـه مـن الصـالحين. وقد ذكرت هذه الأوصاف كلها لأمه وقت ال بشارة به، فكانت أجل تبشير لأم ر ؤ وم في مثل تقوى مريم البتول ".(4) (1) في ظلال القرآن، سيد قطب، 1/327.) (2) التفسير الوسيط، الزحيلي، 1/124.) (3) التفسير المنير، الزحيلي، 3/231.) (4) زهرة التفاسير، محمد أبو ز هرة، ( 3/1222.)
عدد الصفحات ١٣١115 1) "ختم أوصاف عيسى بكونه من الصالحين بعد ما وصفه بالأوصاف العظيمة؛ لأن الصلاح من أعظم المراتب وأشرف المقامات ، لأنه لا يسمى المرء صالحا حتى يكون مواظبا على النهج الأصلح والطري ق الأكمل في جميع أقواله وأفعاله ، فلما وصفه الله تعالى بكونه وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ، وأنه يكلم الناس في المهد وكهلا ، أردفه بقوله : (ﭖ ﭗ)؛ ليكمل له أعلى الدرجات وأشرف المقامات ".(1) المطلب الراب : الرَّ دن عولى النصارى : قال الله تعالى:( ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ) [21]. عنــدما يحــدث أمــر جديــد علــى النــاس،يخــالف مــا عهــدوه، فــإنهم ولابُــدَّ ســيخالفونه ويقيســونه بعقولهم القاصرة التي لا تستطيع إدراك طلاقة القدرة الإلٰ هية، مما يدفعهم إلى الإنكار والتكذيب، حتى وا ن تعلَّ ق هذا الأمر بالذات الإلهية المقدسة، فسيكون من الناس طوائـف لا تتـورَّع عـن الافتـراء الآثـم على المقدَّسات، لكن الله لا يترك عباده الم ؤمنين هملاً، بل يُ بيِّ ن لهم ما يواجهون به أعـداءهم، فتنـــدحض افتـــراءاتهم فـــي مواجهـــة بـــراهين الحـــق الســـاطعة، قـــال تعـــالى: (ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ) [18]. أو المعنى الإجمالي: " قالت مريم - متعجبة من وجـود الولـد علـى غيـر نظـام التوالـد-: مـن أيـن يكـون لـي ولد ولم يمسسـني رجـل؟ ، فـذكر الله تعـالى لهـا أنـه يخلـق مـا يشـاء بقدرتـه غيـر مقيـد بالأسـباب العادية، فإنه إذا أراد شيئاً أوجده بتأثير قدرته في مراده من غير افتقار إلى موجب آخر ".(2) ثانيامعاني المفردات: 1) (ﭕ): " الكهل من دخل في عشرة الأربعين ، وهو الذي فارق عصر الشباب ".(3) 2) (ﭟ ﭠ ﭡ): المسُّ: " يُقَـالُ: مَسِس ـتُ الشـيءَ أَمَسُّـه مَسّـاً لَمَس ـتَه بِيَـدِكَ، ثُـمَّ اس ـتُعِيرَ للأَخذ وَالضَّر بِ لأَنهما بِال يَدِ، وَاس تُعِيرَ لِل جِمَاعِ لأَنه لَم س ".(4) (1) لباب التأويل في معاني التنزيل، الخازن، 1/246.) (2) تفسير المنتخب، لجنة من علماء الأزهر، 1/24.) (3) التحرير والتنوير، ابن عاشور، 3/247.) (4) لسان العرب، ابن منظور، 6/219.)
عدد الصفحات ١٣٢116 ثالثا: اللطائف البيانية 1) في قوله تعالى (ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ) " عبر عن تكوين الله لعيسى بفعل يَخ لق؛ لأنّه إيجــاد كــائن مــن غيــر الأســباب المعتــادة لإيجــاد مثلــه، فــإنّ الصــانع إذا صــنع شــيئاً مــن مــوادّ معتادة وصنعة معتادة، لا يقول خلَق ت وا نما يقول صَنَعت ".(1) 2) في قوله تعالى (ﭟ ﭠ ﭡ) " كناية عن الجمـاع "(2)، وهـذا ممَّـا يـؤدِّب الله تعـالى به عباده، بالتكنية والإشارة. رابعا : العبر والدلالات المستفادة من الآيتين: 1) لقد بيَّن الله تعالى في غير موضع من كتابه العزيز الرَّدَّ على اليهود والنصارى في قذفهم مريم البتول، وهنا بيان معجزة كلام عيسى لهم، وكلامه موضح في سورة مريم في قوله تعالى: (ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ) [31-33]، فهو يعترف بعبوديته لله تعالى، وأنه سيموت كباقي البشر، وأنه سيُبعث كما البشر، " وفي تكليمه للناس في تلك الحال قولان ، أحدهما: لتبرئه أمه مما قذفت به ، والثاني: لتحقيق معجزته الدا لة على نبوته ".(3) 2) في ذكر تكليمه للناس في حال طفولته وفي حال كهولته بيان بأنه يمرُّ بمراحل النشأة الطبيعية التي يَن شَؤها كل الناس، وهذا نقض لافتراء النصارى في ادِّعاء ألوهيَّته، فـــ" إن كانت الألوهية في المهد فقط فهي ناقصة لأنه لم يستمر في المهد، وحدثت له أغيار، وما دام قد حدثت له أغيار فهو محدث، وما دام محدثا فلا يكون إلها "(4)، وجاء في سورة المائدة ما يَنقُض قولَ النصارى في عيسى أنه إله، قال تعالى(ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ) [75]،فأك ل الطعام ليس من صفات الإله، بل هو مُستغ نٍ عنه بالكلِّية. (1) التحرير والتنوير، ابن عاشور، 3/242.) (2) التفسير المنير،الزحيلي، ( 3/222.) (3) زاد المسير، ابن الجوزي، 1/325.) (4) تفسير الشعراوي، محمد متولي الشعراوي، 3/1469.)
عدد الصفحات ١٣٣117 3) أبلغ الردود علـى النصـارى فـي دعـواهم سـورةُ الإخـلاص ومـا تضـمَّنت ه مـن التوحيـد الخـالص مـن شوائب الشرك، فاللهُ لم يلِد ولم يولد، قال تعالى(ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ) [91]. لقد نَفَت مريم علي ها السلام مسَّ الرجـال لهـا، وهـذا أب لَـغُ فـي نفـي تُهمـةٍ آثمـة لهـا، وصَــدَّقها القــرآن الكــريم، قــال تعــالى: (ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ) [12]. 4) سورة آل عمران من بدايتها وحتى ثلاث وثمانين آية منها نزلت في الرد على وفد نجران، " ووجه الرَّد على النصار ى أنه تعالى بـدأ بـذكر التوحيـد لينفـي عقيـدة التثليـث بـادئ ذي بَــدء، ثــم وصــفه بمــا يؤكــد ذلــك مــن كونــه حيــا قيومــا، أي قامــت بــه الســماوات والأرض، وهي قد وُجـدت قبـل عيسـى ، فكيـف تقـوم بـه قبـل وجـوده، ثـم ذكـر أنـه تعـالى نـزَّل الكتاب، وأنزل التوراة؛ ليبين أنـه قـد أنـزل الـوحي، وشـرع الشـرائع قبـل وجـوده، كمـا أنـزل عليــه الإنجيــل، وأنــزل علــى مَــن بعــدَه القــرآن، ثــم قــال ســبحانه: (ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ) [5] ليرُدَّ عليهم استدلالهم على ألوهية عيسى بإخبـاره ببعض المغيَّبات، فـإن الإلـه لا يخفـى عليـه شـيء مطلقـا، سـواء أكـان فـي هـذا العـالم أم فــي غيــره مــن العــوالم الســماوية، وعيســى مــن غيــر أب، إذ الــولادة مــن غيــر أب ليســت دليلا على الألوهية، فالمخلوق عبد كيفما خُلق، وا نما الإله هو الخالق الذي يصوِّر فـي الأرحــام كيــف شــاء، وعيســى لــم يُصَــوِّر أحــدا فــي رحــم أمــه، ثــم صــرَّح بعــد هــذا بكلمــة التوحيـد وبوصـفه تعـالى بـالعزة وا لحكمـة "(1)،قـال تعـالى: (ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ) [6]. 1) "أشار سبحانه إلى عظيم قدرته بقوله تعالى (ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ) ، أي أن الله إذا أراد أن يوجد أمرا لاَ يوجده إلا بكلمة "كن ، وعبر سبحانه عن الإيجاد بـــ ( ﭫ) للإشارة إلى أن إيجادَ ه للأشياء ليس إلا من قبيل الحكم عليها بالوجود، فإذا حكم بالوجود في أمرٍ نفذ حكمه، وحكمه هو أن يقول كن، فيترتب على ذلك أن يكون ".(2) 1)) في رحاب التفسير، عبد الحميد كشك، 3/191.) (2) زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة، 3/1221.)
عدد الصفحات ١٣٤118 المبحث الثالث المقاصد والأهداف لسورة آل عمران الآيات ( 41 و14 ) وفيٌ أربعة مطالب المطلب الأول: بيان أهمية العلم وأن الفضل في ذلك لله تعالى وحده. المطلب الثاني: بيان معجزات عيسى والهدف من رسالته المطلب الثالث: نصرة الحق من صفات المؤمنين. المطلب الرابع: أهمية الدعاء والتضرع والافتقار إلى الله تعالى.
عدد الصفحات ١٣٥119 المطلب الأول: بيان أهمية العلم وأن الفضل في ذلك لله تعالى وحده: قال الله تعالى:(ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ) [21]. أولا: المعنى الإجمالي " يعلّـم اللّــه عيسـى الكتابــة والخـط، والعلــم النــافع وفهـم أســرار الأشـياء، والتــوراة التـي أنزلهــا علــى موسى، والإنجيل: الكتاب الذي أوحي إليه من بعد ذلك ".(1) ثانيا: اللطائف البيانية: " وا نما أخر ذكر الإنجيل عن ذكر التـوراة لأن مـن تعلـم الخـط، ثـم تعلـم علـوم الحـق ، ثم أحـاط بأسـرار الكتـاب الـذي أنزلـه الله تعـالى علـى مـن قبلـه مـن الأنبيـاء فقـد عظمـت درجتـه في العلـم، فـإذا أنـزل الله تعـالى عليـه بعـد ذلـك كتابـاً آخـر وأوقفـه علـى أسـراره فـذلك هـو الغايـة القصــوى ، و المرتبــة ا لعليــا فــي العلــم، والفهـــم والإحاطــة بالأســرار العقليــة والشــرعية ، والاطـــلاع على الحكم العلوية والسفلية ".(2) ثالثا: العبر والدلالات المستفادة من الآية: 1) امتدح الله تعالى العلمَ وأهله في مواضعَ عِدَّةٍ من كتابه العزيـز، وهنـا يبـيِّن ا امتنانـه علـى عيسى بأن علَّمه الخط والكتابة، وآتاه الحكمة ليعلَمَها ويعلِّمها، وجعل له من العلم بالتوراة الشيء الوافر، والحظ العظـيم، وأنـزل عليـه الإنجيـل كتابـاً خاصاـا بـه وبأمَّتـه، فكـان عيسـى يسير فيهم ويذكِّرهم ويعلِّمهم، ويقوم بواجب النصح والتحذير والدعوة إلى الله تعالى 2) العلم شأن عظيم، اختصَّ الله تعالى به الإنسان، فجعل له عقلا يتدبَّر به، وجعل له قلبا يعي به ويدرك سِ رَّ الأشياء من حوله، وجعل له قدرة على التعبير عمَّ ا يجول فـي خَ لَـده، وحافظـةً تسـعفه عند الحاجة، كلُّ هذه الأمور موجودة في الإنسان ليقوم بدوره في هذه الحياة القصيرة. 3) لقدام تَنَّ الله تعالى على نبيه محمدا بأن علَّمه ما لم يكن يعلم فقال سبحانه (ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ) [113]، وذكر الله تعالى من جملة أوصاف نبيه أنه (ﭦ ﭧ ﭨ) [5]. 4) الحكمــة فــي الآيــة موضــوع البحــث هــي " العلــم الصــحيح الــذي يبعــث الإرادة إلــى العمــل النــافع، ويقف بالعامل على الصراط المستقيم لما فيه من البصيرة وفقه الأحكام وأسرار المسائل ".(3) (1) التفسير الوسيط، الزحيلي (1/121.) (2) التفسير الكبير، الرازي، ( 9/12.) (3) تفسير القرآن الحكيم، محمد رشيد رضا، 3/315.)
عدد الصفحات ١٣٦121 1) الفضل في العلم راجع إلى الله تعالى وحده، فهو الذي تفضَّل علينا بالجوارح التي نكتسب بهــا المعــارف والعلــوم، ورزقنــا القــدرة علــى تمييــز الأشــياء، والحكــم عليهــا، وفضَّــل بعــض الناس على بعض بالفهم الدقيق للأمور وعواقبها، وأخبرنا أن الإنسان مهما تَبَوَّأ فـي العلم المناصب فإنَّ علمَه قليل، قال تعالى: (ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ) [85]. 6) العلم يرفع عـن صـاحبه الجهـل، ويجعـل لـه بـين يديـه نبراسـا يهتـدي بـه إذ النـاسُ تـائهون، ويسلك به مسالك النور والسعادة والرِّفعة في الدنيا والآخرة. 7) العلمـــاء لهـــم المكانـــة العظيمـــة، فـــإليهم يرجـــع النـــاس فـــي أمـــور ديـــنهم، ويأخـــذون بقـــولهم، ويستشيرونهم في أمور دنياهم؛ لِما وهبهم الله تعالى من حُس ن النظر في عواقب الأمـور، ولاستفادتهم من علمهم في وضع الحلول لمشكلات الحياة، ومعرفتهم بـأحوال النـاس، فهـم يمثلون رسالة الإسلام في أبهى صُوَرها. 9) للعلم ولأصحابه هيبة في الناس وذلك عند من راعى حقه، وأدَّى ما عليه فيه، فللعلم حُرمَة يجب على العالم مراعاتها، فلا يبذله لمن لا يستحقُّه، ولا يمنعه عمَّن يحتاج إليه، ولا يهبط بنفسه إلـى مستوى سِفلة القوم بارتكاب أفعال لا تليق بمقام العلم وشرفه، وعليه أن يعمل بما علِم. 2) بـــالعلم يحصـــل لصـــاحبه صـــفات رفيعـــة كالتواضـــع، والإخبـــات، ومراقبـــة ا ، وبـــذل الـــنفس والمال، والشجاعة في قول الحق، وعلو الهمة، والهيبـة فـي قلـوب النـاس، والتعلُّـق بالـدار الآخـرة، قال تعالى: (ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ) [28]. المطلب الثاني: بيان معجزات عيسى والهدف من رسالتٌ: قال الله تعالى: (ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ) [21- 15]. هنــا جملــة مــن المعجــزات التــي اخــتصَّ الله تعــالى بهــا عيســى ، فكانــت بمثابــة دليــل على صدق نبوته ورسالته، وهي تـدل علـى مكانـة عيسـى عنـد ربـه ، وتـدل علـى طلاقـة قــدرة الله تعــالى فــي خلقــه، وقــد أخبــر قومــه بأنــه مكمِّــل للشــريعة الموســوية، وجــدَّد دعــوتهم للتوحيــد وعبادة الله تعالى.
عدد الصفحات ١٣٧121 أولا: المعنى الإجمالي أرسل اللّه تعالى عيسى "رسولا إلى بني إسرائيل: أني أنبئكم بعلامة دالة على صدق نبوتي ورسالتي، وهي أنني أصورّ لكم من الطين شيئا كهيئة الطير، فأنفخ فيه، فيصير حيا ، كهيئة سائر الطيور، بإرادة اللّه، فالخلق الحقيقي من اللّه، وأبرئ الأكمه: الذي ولد أعمى، والأبرص الذي به البرص: وهو بياض يظهر في الجلد منفّر، وخصّ هذان المرضان، لاستحالة الشفاء منهما في العادة الغالبة، وأحيي الموتى، وكل ذلك بإرادة اللّه تعالى، وأخبركم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم من الحبوب وغيرها، مما لا يطلع عليه الناس عادة، إن في جميع ما ذكر دليلا قاطعا، وحجة ظاهرة على صدق رسالتي، إ ن كنتم مصدقين بالرسالات الإلهية ، وجئتكم مصدقا لما سبقني من التوراة، عاملا بها، مخففا بعض أحكامها، أحل من الطيبات بعض ما حرم عليكم في التوراة، كلحوم كل ذي ظ فر كالإوز والإبل، وشحوم الأنعام، وجئتكم بحجة شاهدة على صدقي من اللّه، فخافوا عذابه، وأطيعوني فيما دعوتكم إليه، وتابعوني في ديني ودعوتي لتوحيد اللّه. إن اللّه ربي وربكم، لا إله غيره ولا رب سواه، وأنا عبده، فاعبدوه وحده لا شريك له، هذا هو الطريق ا لقويم الواض ح الذي لا اعوجاج فيه ".(1) ثانيا: معاني المفردات (ﮓ ﮔ): " الأكمه هو الأعمى الذي لا يبصر شيئًا لا ليلا ولا نهارًا "(2)، والأبرص : " هو الذى يكون في جلده بياض مشوب بحمرة ، وهو مرض من الأمراض الم نفرة الت ي عجز الأطباء عن شفائها ".(3) ثالثا: اللطائف البيانية 1) ذكَــر قولــه: (ﮗ ﮘ ) فــي الإحيــاء والإماتــة دون ذكرهــا فــي الإبــراء مــن الأمــراض؛ " دفعــاً لــوهم مــن تــوهم فيــه اللاهوتيــة "(4)، فالبشــر قــد يســتطيعون وصــف الــدواء فيبــرأ المــريض، فيغلــب علــى ظن الناس أن الطبيب شافٍ، وهذا لا يكون في الإحياء والإماتة، فقد اختصَّ الله بهما 2) قولــه تعــالى:" (ﯧ ﯨ ﯩ) فيــه الإشــارة إلــى مــا قالــه كلَّــه، أي أنّــه الحــق الواضــح فشبهه بصراط مستقيم ، لا يضلّ سالكه ولا يتحير ".(5) (1) التفسير الوسيط، الزحيلي، 1/126.) (2) جامع البيان، الطبري، 6/431.) (3) التفسير الوسيط، سيد طنطاوي، 2/111.) (4) الكشاف، الزمخشري، 1/112.) (5) التحرير والتنوير، ابن عاشور، 3/214.)
عدد الصفحات ١٣٨122 رابعا: العبر والدلالات المستفادة من الآيات: 1) بعد أن أرسل الله تعالى عيسـى نبيـا، وكـان خلقـه معجـزة، أعطـاه الله تعـالى عـدة معجـزات هي من صنع الله تعالى مباشرة؛ لتكون أدلة على صدق قوله، ولِيل تَفَّ الناس من حوله. 2) عُرِف عن بني إسرائيل في زمان عيسى براعتهم في الطب، فجاءت معجزات عيسى علـــى نحـــو بـــر اعتهم، فقـــد منحـــه الله تعـــالى القـــدرة علـــى إحيـــاء المـــوتى وشـــفاء العمـــى، والبـــرص، و الأمراض قد تظهر للناس طرق علاجهـا ب عـد حـين، لكـنَّ الإحيـاء والإماتـة لـم يكونـا إلا لله تعـالى؛ ولذلك تكررت (ﮗ ﮘ ) مرتين. 3) كــان عيســى يخبــرهم بمــا يخبِّئــون ومــا يــدَّخرون فــي بيــوتهم،عــن ســعيد بــن جبيــر(1) رحمــه ا : " إن عيسى كان يقول للغلام في الكتاب: إن أهلك قد خبأوا لك من الطعام كذا وكذا، فهل تطعمني منه؟ ".(2) 4) "لا تختلــف دعــوة عيســى عــن دعــوات ســائر الأنبيــاء، كمــا أوضــحت هــذه الآيــات، فهــو يدعو إلى تقوى اللّه وطاعته فيما جاء به عنه، ويأمر بالتوحيـد والاعتـراف بالعبوديـة للّـه، وذلك هو الصراط المستقيم أي أقرب طريق موصل إلى اللّه تعالى ".(3) 1) نلاحظ في الآيـات أنَّ عيسـى بعـد بيانـه لمعجزاتـه دعـاهم إلـى طاعتـه فـي أن يعبـدوا الله تعـالى ولا يشركوا به شيئا، فهذا إفصـاح عـن الغايـة مـن كلامـه، وبـيَّن لهـم أن التوحيـد هـو صـراط مسـتقيم لا عِــوَ جَ فيــه، وفــي هــذا ردٌّ علــى النصــارى بــأن عيســى بشــر ولــيس لــه مــن خصــائص الألوهيــة شيء، يقول الشيخ الشعراو ي رحمـه الله: " كـان منطقـه الأول حينمـا كـان فـي المهـد (ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ) [31]،إن قضــية عبوديتــه لله قــد حُســمت مــن البدايــة، وهــي قضــية القمة، إنه عبد الله، والقضية الثانية هي قضية الرسالة ونقل مـراد الله وتكليفـه إلـى خلـق الله حتـى يبنـوا حركة حياتهم على مقتضى ما أ نزل الله علـيهم، ومـن الطبيعـي أن أي رسـول عنـدما يـأتي بمـنهج مـن عند الله، فالهدف أن يحمل الناسَ جميعا على سلوك هذا المنهج ".(4) (1) هوالإمام الحافظ المقرئ المفسر الشهيد، أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله الأسدي الوالب ي، مولاهم الكوفي، كان من كبار العلماء، قرأ القرآن على ابن عباس، قتله الحجاج في شعبان سنة 21ه. (سير أعلام النبلاء، الذهبي، 4/321.) (2) تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم، 1/616.) (3) التفسير المنير، الزحيلي، 3/236.) (4) تفسير الشعراوي، 3/1491،1492.)
عدد الصفحات ١٣٩123 المطلب الثالث: نصرة الحق من صفات المؤمنين: قووال الله تعووالى: ( ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ) [10]. عنـــدمايكـــون الحـــق فـــي مـــأزق وحيـــرة مـــن أمـــره، يَن تَـــدِب لـــه قـــوم صـــالحون يعرفـــون الحـــقَّ ويعرفــون قيمتَــه، فيكــون إيمــانهم بــه قويــا لا يتزلــزل، وهــم فــي ذلــك ينــافحون عنــه بــأغلى مــا يملكــون، ويُضحُّون في سبيله عندما تحين التضحية، ويرون ذلك عنوان شرف، ومصدر فخر واعتزاز. أولا: المعنى الإج مالي: " لمـــا شـــعر عيســـى مـــن قومـــه بنـــي إســـرائيل بالتصـــميم علـــى الكفـــر، قـــال: مـــن ينصــرني ويعيننــي فــي الــدعوة إلــى اللّــه، وتبليــغ الرســالة إلــى النــاس؟ قــال الحواريــون (أنصــاره وتلاميذه) الاثنا عشر رجلا: نحن أنصار ديـن اللّـه ورسـله، آمنـا بـالله وحـده، واشـهد يـا عيسـى بأننا مخلصون في إيماننا، منقادون لرسالتك، مطيعون لأوامرك ".(1) ثانيا: معاني المفردات 1) ( ﯭ) : أي وجــد، " والإحســاس هــو الوجــود، ومنــه قــول الله : (ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ) [98] "(2)،" والمراد بالإحساس هنا: الإدراك القوي الجاري مجرى المشاهدة ".(3) 2) ( ﯸ): اختصَّ بهذا الاسم أصحاب عيسى ؛" لأنهم كانوا يحوِّرون الثِّياب، أي يبيّضونها، هذا هو الأصل، ثم قيل لكلِّ ناصر حَوَاريٌّ "(4)، فالحواري هو " الناصر أو المُ بالِ غ في النصرة والوزير والخليل والخالص ". (5) ثالثا: اللطائف البيانية 1) "الاستعارة التمثيلية في (ﯭ) إذ لا يحس إلا ما كان متجسداً ، والكفر ليس بمحسوس ، وا نما يعلم ويدرك كعلم ما يدرك بالحواس ". (6) 2) في قوله تعالى(ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ) إشارة إلى معان ثلاثة: (1) التفسير الوسيط، الزحيلي، 1/129.) (2) جامع البيان، الطبري، 6/443.) (3) فتح القدير، الشوكاني،1/461.) (4) معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، 2/23.) (5) محاسن التأويل، القاسمي، (2/322.) (6) إعراب القرآن وبيانه، محيي الدين الدرويش، (1/112.)
عدد الصفحات ١٤٠124 اول: أن الكثر ة كانت كافرة ، والمؤمنون قلة مغمورة، ولذلك عبر بقوله تعالى: ( ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ) . الثاني: أنَّ عيسى أحس بأنه ودعوتَه أصبحا مقصودَ ين بالأذى، " وأن الدعوة الحق أصبحت مهاجمة من تلك الكثرة الساحقة، ولذلك طلب أن يكون له نصر اء يجعلون للحق منعة وقوة ". الثالث: "النصرة الحقيقية في مثل هذا المقا م أساسها إخلاص النية لله تعالى...وتفويض الأمور إليه ". (1) رابعا: العبر والدلالات المستفادة من الآية: 1) من واجبات المسلم أن يكون في صف من ينصرون الحق دوماً، وا ن بدا الحق ضعيفاً لا يستطيع ردَّ الغوائل ولا دف ع الشرور، فيلزم حينئذ التضحية بالغالي والنفيس لحماية هذا الحق، إيماناً بموعود الله تعالى في الأجر، فالله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً ، ولا يُنقِص المؤمنين أجورَهم. 2) "أصحاب الدعوات الإصلاحية وعلى رأسهم الأنبياء يتعرضون بسبب دعوتهم إلى مختلف أنواع الأذى والطرد ومحاولة الاغتيال ، ولكن اقتضت الحكمة الإلهية ألا ينضُ ب الخير والفلاح بين الناس، فيهيّئ أناسا يؤازرون المصلحين، ويحتاج القائد إلى أن يتعرف على أتباعه وأنصاره المخلصين، كما فعل عيسى بالتعرف على الحواريين، ليعتمد عليهم وقت الشدة والأزمة، ويساعدونه في تحمل عبء الدعوة إلى اللّه، وهذا هو المراد بقوله : مَن أَن صارِي إِلَى اللَّهِ ".(2) فهذا عيسى قد نابَذَه اليهود العداء، وبالغوا في أذِيَّته، فاتَّهموه وأمَّه، حتى طلب النصرة من قومه، فانتدب له قوم صالحون، انتصروا للحقِّ الذي جاء به، فذكرهم الله تعالى في القرآن الكريم، قال تعالى: (ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ﰜ ﰝ ﰞ ﰟ ﰠ ﰡ) [14]. فقوله تعالى "(ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ) أي: بالأقوال والأفعال، وذلك بالقيام بدين الله، والحرص على إقامته على الغير، وجهاد من عانده ونابذه، بالأبدان والأموال، ومن نصر الباطل بما يزعمه من العلم ورَ دِّ الحق، بدحض حجته، وا قامة الحجة عليه، والتحذير منه "، فكانت النتيجة " (ﰛ ﰜ ﰝ ﰞ ﰟ ) أي: قوَّ يناهم ونصرناهم عليهم ، (ﰠ ﰡ ) عليهم وقاهرين ]، فأنتم يا أمة محمد كونوا أنصار الله ودعاة دينه، ينصركم الله كما نصر (1) انظرزهرة التفاسير، محمد أبو زهرة، ( 3/1236.) (2) التفسير المنير، الزحيلي، 3/243.)
عدد الصفحات ١٤١125 من قبلكم، ويظهركم على عدوكم ".(1) 3) الوقوفُ مع الحـق وأهلـه واجـب شـرعي لا مِنَّـةَ فيـه، وهـو أمـر تُم ليـه رجولـة المسـلم وشـهامته عليـه، وعلى أهل الح ق أن يمضوا في طريقهم قُدُماً، ولا يكترثون بقلة الناصرين وكثرة المناوئين. 4) إنكثيـر ا مـن أبنـاء هـذا الزمـان يتعلَّــل بعـدم وضـوح الرؤيـة عنـده، ولـم يَــد رِ بـأنَّ الـرَّان قـد غطـى قلبــه فأصبح لا يرى المعروفَ معروفا ولا المنكرَ منكرا، فحُجَّته داحضة، وقوله مردود، وهو بحا جةٍ لأِن يتجرَّد مـن أهوائـه، ويـدفع عـن نفسـه شـبهة عـدم المعرفـة، فحينئـذ سـيتبيَّن لـه الحـق جلياـا، ويكـون لـه موقف آخر، إما باتِّباع الحق وا ما باتخاذه ظِه رِياا. المطلب الراب : أهمية الدعاء والتضرع والافتقار إلى الله تعالى : قووووووووال الله تعووووووووالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ) [12،12]. كان دأب الصالحين– ولا زال – الدعاءُ، فهو إعلان للافتقار والحاجة إلى الله تعالى، وهو ملجأ كل خائف، وهو حبل متين بين العبد وربِّه ، وهو عبادة يجب على العبد التزامُها، ولا يجمُلُ به تركُها، فهو محتاج كل أطوار حياته إلى ا لله تعالى، وهو محتاج كذلك بعد موته إلى دعوة صالحة تنفعه إذ لا ينفع هناك إلا عمل صالح أو دعوة مستجابة. أولا: المعنى الإجمالي: " ربنا إننا صدقنا بما أنزلت من الوحي على نبيك، وامتثلنا أوامر رسولك، فاجعلنا من الشاهدين يوم القيامة لك بالوحدانية، ولرسولك بالصدق ، ومكر كفار بني إسرائيل، أي دبروا تدبيرا خفيا لقتل عيسى، وأبطل اللّه مكرهم ودبر تدبيرا محكما بإلقاء شبه عيسى على أحد الحواريين، ورفع عيسى إلى السماء، حيا بجسده وروحه، واللّه خير وأنفذ وأقوى المدبرين ".(2) ثانيا: معاني المفردات 1) (ﭙ) : هــم الــذين شــهدوا لرســل الله بــالتبليغ، وبالصــدق، المــراد بهــم أمــة محمــد ، أو أصحاب محمد.(3) (1) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 961. (2) التفسير الوسيط، الزحيلي، 1/129.) (3) الدر المنثور، السيو طي، (3/121)، تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم، 1/665)،التحرير والتنوير، ابن عاشور، (3/216.)
عدد الصفحات ١٤٢126 2) (ﭛ): " المكر فعل يُقصد به ضُرُّ أحَدٍ في هيئة تَ خفى عليه، أو تلبيس فعلِ الإضرار بصورة النفع، والمراد هنا: تدبير اليهود لأخذ المسيح، وسعيُهم لدى ولاة الأمور ليمكّنوهم من قتله ".(1) 3) "(ﭟ ﭠ ﭡ): أي أقواهم عند إ رادة مقابلة مكرهم بخذلانه إياهم ".(2) ثالثا العبر والدلالات المستفادة من الآيتين : 1) شعر الحواريون بضيق المقام بين ظهراني بني إسرائيل، فتوجهوا إلى الله تعالى ضارعين، قد اتخذوا إيمانهم وسيلة وكأنهم يستشفعون بها، وفعلُهم هذا يدل على قوة الارتباط بالله تعالى، وهذه طريقة كل ملهوف، فهو في حالة ضعفه يتوجَّه إلى قوة يعتقد فيها المنَعَة والبأسَ الشديد، فهي تحميه مما يُق لِقه، وتؤمِّنه مما يخاف، يقول الشيخ الشعراوي رحمه الله: " والدعاء هو تضرع وذلة وخشوع وا قرار منك بأنك عاجز، وتطلب من ربك المدد والعو ن، واستحضار عجزك وقدرة ربك تمثل لك استدامة اليقين الإِيماني ".(3) 2) إنَّ إظهــارَ العبــد فاقتَــه وعجــزَه بــين يــدي مــولاه يُعَــدُّ منقَبَــةً لــه، وهــو عــين القــوة، وهــو تحقيــق لمعنى العبودية في أبهىٰ صورها، فـالله يحـب العبـدَ متضـرِّعا متخشِّـعا، وهـو مطلـب شـرعي أكَّدته النصو ص، قال تعالى: (ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ) [55]، " ( ﮪ) : تذلُّلا واستكانة لطاعته، (ﮫ ) بخشوع قلوبكم، وصحة اليقين منكم بوحدانيته فيمــــا بيــــنكم وبينــــه، لا جهــــارًا ومــــراءاةً "(4)،وقــــال ســــبحانه: (ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ) [61]، " اشـــتملت هـــذه الآيـــة علـــى أمر العبادة بالدعاء والتكفل لهم بالإجابة فضلا من اللّه وكرما، وهذا وعد، كـذلك اشـتملت أيضـا علـى وعيد شديد لمن استكبر عن دعاء اللّه، فاللّه هو الكريم الذي يجيب دعوة الـداعي إذا دعـاه، ويغضـب علــى مــن لــم يطلــب مــن فضــله العظــيم وملكــه الواســع مــا يحتــاج إليــه مــن أمــ ور الــدنيا والآخــرة "(5)، عن أبي هريرة قال قال رسول الله :( إنٌ من لم يسأل الله يغضبر عليٌ ).(6) (1) التحرير والتنوير، ابن عاشور، 3/216.) (2) المصدر السابق، (3/217.) (3) تفسير الشعراوي، 7/4174.) (4) جامع البيان، الطبري، 12/491.) (5) التفسير المنير، الزحيلي، 24/111). (6) سنن الترمذي، كتاب الدعوات، باب منه، 1/416)، حديث رقم 3373، قال الألباني، حسن
عدد الصفحات ١٤٣127 3) لقــــد وعــــد الله داعي ــــه بالإجابــــة فقــــال:(ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ) [186]،قـــــال رســـــول الله ( : إن ربكوووووم تبارك وتعالى حي ي كريم، يستحيى من عبده إذا رف يديٌ إليٌ أن يرُ دَّ هما صفرا ).(1) 4) ا لا يُنقِص العطاءُ ملكَه، ولا تُعجِـزُه كثـرة المسـائل، فعـنعبـادة بـن الصـامت أن رسول الله قـال: ( ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إياها أو صرف عنٌ مون السوء مثلها مالم يدع ب ثم أ و قطيعة رحم ، فقال رجل من القوم : إذا نكثر، قال: " الله أكثر ).(2) 1) اسـتخف كثيـر مــن النـاس اليـوم بهــذا السـلاح العظــيم إلـى درجـة عــدم المبـالاة، وكـأنهم قــد رسـخ فــي أذهانهم عدم نفعه، وهذا قدح كبير، فإنه لم يكن في قاموس الأوائل ولا في أفهامهم أن يقدِموا علـى عمــل كبيــرٍ أ و صــغير إلا وكــان للــدعاء فيــه نصــيب، فــالله تعــالى هــو خــالق هــذا الكــون ومُـــدبِّره، والأسباب كلُّها بيده، ولا يعجِزه شيء. 6) إنالناس بشكل عام لا يلجئون إلى الدعاء إلا في الشدائد، وهذا خطأ، فالدعاء واجب في الرخاء والشدة، ورُبَّ دعوة سَرَت بِليلٍ دعاها صاحبها في الرخاء لم تنفعه إلا في شدة. 7) ظهر أن المسلمين في هذا الزمان ينتابهم شعور قـوي بالإحبـاط بـين الحـين والآخـر نتيجـة تسـلُّط عدوهم عليهم، مما يدفعهم لاستبعاد النصرِ ورجوعِ الإسلام إلى أمجـاده العتيـدة فـي أيامـه الزاهـرة البعيدة، ويؤيد هذا الشعور عندهم وجودُ الفساد وتفشِّيه كالنار في الهشيم، وهذا يدفعهم إلى متابعة الأحداث التي تمُرُّ بها أمة الإسلام عن كثب متابعةَ من خارَت قُواه ووهَنَت عزيمتُه، ولكـنهم لـو جعلوا من الدعاء عُدَّةً وسلاحاً لكانت نفوسهم قويةً، لا يخترقها الوهن، ولا تُوهِنها مرارات الفشل، ولَ كَ ان اتِّصالُ هم بالله تعالى متينا، ولَوَجدوا في قلوبهم حميَّةً تدفعهم إلـى المُضـيِّ قُـدُما لتغييـر هـذا الواقع البائس، وهم في تلـك الحـال يُعِـدُّون العـدَّة لملاقـاة أعـدائهم، ولا يـألُون جُهـداً فـي نص ـر هـذا الدين العظيم، فالدعاء يجعل المؤمن متفائلا، لا يعرفُ اليـأسُ إلـى قلبـه سـبيلا، فهـو عظـيم الثقـة بربه ، يعلم أنه لا يَرُدُّ داعيه، ولا يُخَيِّب راجيه، وهـو يـوفِّر لصـاحبه قـوة روحيـة تظهـر آثارهـا فـــــي بدنـــــه وعقلـــــه، فيكـــــون التوفيـــــق حليفَـــــه، وتبـــــدو أمامـــــه أمـــــارات النجـــــاح شاخصـــــة مـــــن بعيـــــد، فيستبشر بمـا آتـاه الله تعـالى، ويـزداد قربـا مـن ربـه المجيـب، قـال الأصـمعي(3): " لمـا صـاف قتيبـة بـن (1) سنن أبي داود، كتاب الوتر، باب الدعاء، ص179، حديث رقم 1499، قال الألباني: صحيح، صفراً: خاليا، (شرح السنة، البغوي، 1/196.) (2) سنن الترمذي، كتاب الدعوات، باب في انتظار الفرج وغير ذلك ، (1/166)، حديث رقم 3173، قال الألباني: حسن صحيح. (3) أبو سعيد عبد الملك بن قريب بن عبدالملك بن علي بن أصمع ، الاصمعي البصري، اللغوي الاخباري، أحد
عدد الصفحات ١٤٤128 مســلم(1) للتــرك، وهالَــه أمــرُ هم، ســأل عــن محمــد بــن واســع (2)،فقيــل: هــو ذاك فــي الميمنــة جــامح علــى قوســه، يُ بَ ص ــبِ صُ بأصــبعه نحــو الســماء، قــال: تلــك الأصــبع أحــب إلــي مــن مئــة ألــف ســيف شــهير وشاب طرير ".(3) اعلام، ولد سنة بضع وعشرين ومئة ، ومات رحمه الله سنة 216ه، (سير أعلام النبلاء، الذهبي، 15/171.) (1) قتيبة بن مسلم ابن عمرو بن حصين بن ربيعة الباهلي، ا مير أبو حفص، أحد الأبطال والشجعان ، قتل في ذي الحجة سنة ست وتسعين، وعاش ثمانيا وأربعين سنة، (سير أعلام النبلاء، الذهبي، 4/415.) (2) ابن جابر بن اخنس، الإمام الرباني، القدوة، أبو بكر، ويقال: أبو عبد ا لله الأزدي، البصري ، أحد الأعلام، مات رحمه الله سنة 127ه، (سير أعلام النبلاء، الذهبي، 6/112.) (3) سير أعلام النبلاء، الذهبي،6/121.)
عدد الصفحات ١٤٥