97 رابع ا: اللطائف البيانية: 1) الباء في قوله تعالى(ﯲ) : " للتأكيد... وهذا إظهار للعناية بها في هذا القبول ".(1) 2) (ﯴ ﯵ ﯶ ) " قيل : هو مجـاز عـن التربيـة الحسـنة العائـدة عليهـا بمـا يصـلحها فـي جميـع أحوالها "(2)، أو هو استعارة، حيث " شبه تربيتها الصالحة ونم وهـا بـالزرع الـذي ينمـو شـيئا فشـيئا ... بحذف المشبه والإتيان بشيء من لوازمه "، وهو النمو. (3) 3) "التنكير في قوله(ﰁ) لإفادة الشيوع والكثرة، وأنه ليس من جنس واحد بل من أجناس كثيرة ". (4) 4) "التعبير باللفظ الظاهر عن المعنى الخفي فـي قولـه: (ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ) أي هـو رزق لا يـأتي بـه في ذلك الوقت إلا اللّه "(5)، وهذه من قبيل الإشارة خامسا: العبر والدلالات المستفادة من الآية: 1) عنــدما يريــد ا أن يكــون لإنســان مــا شــأن كبيــر، فإنــه ســبحانه يُنشِــئ هــذا الإنســان تنشــئةً خاصــة تؤهِّلُه لِما هو آت، وهذه سُنَّة الله تعالى في الصـالحين أن يهيـئَ الله تعـالى لهـم الأسـباب ليصـنعهم علـى عينه، فمريم عليها السلام قد هُيِّأت لها أسباب كثيرة أهَّلتها لتكون حاضنةً –فيمـا بعـدُ - للمعجـزة العظيمـة وهي ولادة عيسى . 2) لقد هيَّأ الله تعالى لتربية مريم عليها السلام عِدَّةَ أسباب، " حيث بلّغّها فـوق مـا تمنّـت أمهـا، ويقـال: تقبّلهـا بقَ بــول حســن حتــى أفردهــا لطا عتــه، وتولاّهــا بمــا تــولّى بــه أوليــاءه، حتــى أفضــى جميــع مــن فــ ي عصــرها العجب من حسن توليه أمرها ، وا ن كانت بنتا ".(6) وقــد عظَّــم ا تعــالى أمرَهــا عنــد ولادتهــا فقــال: (ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ) " أي: واللهُ أعلــمُ بالشيء الذي وضعت وما علق به من عـزائم الأمـور "(7)، ثـم قـال سـبحانه: (ﯡ ﯢ ﯣ ) استجاب الله تعـالى دعـاء أمِّهـا فَأَجَارهـا مـن الشـيطان الـرجيم وكيـده، فعـن أبـي هريـرة : أن النبـي قال( ما من مولود يولود إلا والشويطان يمسوٌ حوين يولود، فيسوتهل صوارخا مون موس الشويطان 1)) التحرير والتنوير، ابن عاشور، 3/231.) 2)) فتح القدير، الشوكاني،1/151.) 3)) التفسير المنير، الزحيلي، ( 3/215.) 4) )إعراب القرآن وبيانه، محيي الدين الدرويش، 1/152.) 5) )المصدر السابق (1/152.) 6)) لطائف الإشارات، القشيري، 1/237.) 7)) مدارك التنزيل ، أبو البركات النسفي ، (1/229.)
عدد الصفحات ١١٤98 إياه، إلا مريم وابنها )، ثم يقول أبو هريرة: واقر ؤ وا إن شئتم: (ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ) [ 36](1)، وأخبــر الله تعــالى أنــه تقبَّلهــا بقَبــول حســن، أي" وَلَــي سَ الــذَّكَرُ الـــذي طلبت كالأنثى التي وضعت، بل هـذه الأنثـى خيـر ممـا كنـت ترغَ بينَـه مـن الـذكور "(2)، وقـد أنشـأها الله إنشــــاءً صــــالحاً، فـــــ" جعلهــــا شَــــك لاً مليحــــاً ومنظــــراً بهيجــــاً ، ويَسَّــــر لهــــا أســــباب القَ بــــول، وقَ رَ نَ هــــا بالصالحين من عباده، تتعلَّ مُ منهم الخير والعلم والدين "(3)، وقيل في معنى الإنبات أنه تعالى " سَ وَّى خلقها من غير زيادة ولا نقصان ، فكانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في عام واحد "(4)، و" من أمارات القَ بول الحسن أنها لم تكن توجد إلا ف ي المحراب ، ومن كان مسـكنه وموضـعه الـذي يتعبّد فيه وهناك يوجد المحراب فذلك عبد عزيز ".(5) 3) لقد" أنشأها الله تعالى برعايته ومحبته ، وحَصَّـنها، وكانـت حالهـا كالنبـات يُ ن بِ تُـه ربُّ العـالمين فينمـو يوما بعد يوم حتى يستوي على سوقه، فكذلك كان مع مريم: تولى رعايتها من المهد، وغَ ذَ اها بغذاء من الروح، فبَ عُ دَ ت عن كل شر، وغذاها ونمَّ اها جسميا، فجعل لها رزقا مستمرا يأتيها مـن حيـث لاَ تحتسب، ولا يحتسب كافلها، أمـا التنشـئة الروحيـة التهذيبيـة فقـد كانـت بـأن نشـأت فـي بيـت العبـادة، وا ن كان الكافل لها نبيا من الأنبياء، وأما الثاني فبالرزق المستمر ".(6) وجعل الله تعالى زكريا لهـا كـافلاً،و" قـدَّ ر الله كـو ن زكريـا كافلَ هـا لسـعادتها؛ لتقتـبس منه علما جما نافعًا و عملا صالحًا ".(7) 4) لقد كان الرزق يُساقُ إلى مريم عليها السـلام بـدون كَـد ولا تعـب، فكانـت تأتيهـا فاكهـة الصـيف فــي الشــتاء، وفاكهــة الشــتاء فــي الصــيف، حتــى أخــذ العجــب مــن زكريــا مأخــذَه، فســألها (ﰅ ﰆ ﰇ ) فأجابتــه: (ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ) " ثــم أكــدت ذلــك بمــا يزيــل العجــب، فقالــت : (ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ) أي أنَّ رزق الله كثيــر غيــرُ محــدودٍ بِ حَــد ، ولا مقــدَّ ر بقــد ر؛ ولــذا لاَ يَ حُ دُّ ه الحساب، ولا تجري عليه الأعداد التي تنتهي ، ويصح أن تكون هذه الجملة السامية 1)) صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب (ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ) ، (6/34)، حديث رقم 4149. 2)) التفسير الواضح، د. محمد محمود حجازي، دار الجيل الجديد، 1/227.) 3)) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، (3/12.) 4)) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، (1/154.) 5)) لطائف الإشارات، القشيري، 1/239.) 6)) زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة، 3/1255.) 7)) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، (3/12.)
عدد الصفحات ١١٥99 مــن كــلام الله تعــالى لتقريــر مــا قالــت، وبيــان أن الله أجــرى علي هــا الــرزق لينمــوَ جســمُ ها مــع نمــو روحها، ويتمَّ لها الإنبات الحسن في الجسم والروح معا، والله على كل شيء قدير ".(1) 1) لقد خلا القرآن الكريم من اسم امرأة إلا من مريم عليها السلام، فقد وصفها الله تعالى بالصِّدِّيقة فقال:(ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ) [75]، وأخبر بأنه جعلها وابنها آية للعالمين فقال: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ) [91] ،وقال سبحانه: (ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ) [12]،" المعنى أنها كانت سليلة قوم صالحين، أي فجاءت على طريقة أصولها في الخير والعفاف ".(2) وورد في السنة المط هرة طرف من فضائل مريم الصديقة عليها السـلام، عـن أبـي موسـى الأشعري قال النبي :( فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعوام، كَمُول من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء: إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون ).(3) فحريٌّ بنساء المسلمين ومن قبلُ رجالُهم أن يتَّخذوا من صـفات مـريم عليهـا السـلام منهجـا يسيرون به في حياتهم لعلَّهم يفوزون كما فازت، ويتعرَّضون لرحمات الله تعالى ونفحاته كما كانت. المطلب الراب : الإيمان بأن الرزق بيد الله تعالى وحده: قال الله تعالى: (ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ) [21]. أوالمعنى الإجمالي: " إن اللّه تعالى يرزق من يشاء أن يرزقه رزقا واسعا عظيما لا يَ حُ دُّ ه حد، ولا تجر ي عليه الأعداد التي تنتهي، فهو سبحانه لا يحاسبه محاسب، ولا تنقص خزائنه من أ ي عطاء مهما كثر وعظم ".(4) ثانياالعبر والدلالات المستفادة من النص الكريم: 1) لقد كان قلب مريم عل يها السلام عامراً بالإيمان، فكان غضاا طرياا يؤتي أُكُلَه كلَّ حين، فكان من كرامتها على الله تعالى أن يأتيهـا الـرزق عنـدها بـلا تكلُّـفٍ ولا تعـب، " ووجـود الـرزق الكثيـر عنـد 1)) زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة، 3/1251.) 2) )التحرير والتنوير، ابن عاشور، 29/379.) 3)) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى (ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ) ، (4/164)، حديث رقم 3433. 4)) التفسير الوسيط، سيد طنطاوي، ( 2/22.)
عدد الصفحات ١١٦111 مريم مما ليس كالعادة دليل على كرامات الأولياء ".(1) وهذه العبارة " تجعل كل إنسان يَ ل زم أدبَ ه إن رأى غيره قد رُزق أكثرَ منه؛ لأنه لا يعلم حكمة الله فيها ".(2) وقولــــه (ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ) " إيضــــاح عــــن عــــين التوحيــــد، وأن رزقــــه للعبـــــاد وا حســانه إلــيهم بمقتضــى مشــيئته دون أن يكــون معلّــلا بطاعــاتهم ووســيلة عبــاداتهم "(3)، فــا يــرزق المــؤمن والكــافر، والطــائع والع اصــي، والــرزق قــد يكــون حــلالاً، وقــد يكــون حرامــاً، وقــد يكــون مباركــاً، وقــد تُنزع بركتُه. 2) قــد يــرزق الله عبــاده بأســباب وبــلا أســباب، ولــيس معنــى هــذا أن يــركَنَ الإنســان ولا يعمــل، وينتظــرَ الـرزق أن يأتيَــه إلـى بيتــه، فهـذا هــو التواكـل، وهــو عجـز عــن القيـام بالأع مــال، وانحطـاط فــي الهمــ ة والإرادة ، وهو إساءة لفهم فلسفة الحياة، كما أنه إساءة لإدراك مفهـوم التوكـل والأخـذ بالأسـباب؛ لأن الله تعالى خلق هذه الدنيا وهيَّأ فيها أسباب العيش، فقال: (ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ) [13]، وقال سبحانه (ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ) [لررر15]، فالأســـباب لـــم يخلقهـــا الله تعـــالى عبثاً، ولو أن مؤمنا وكافراً خاضا البحر لأنجى الله تعالى من علِم السباحة. 3) الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، بل يسير معه جنبا إلى جنب، فالإنسان يأخذ بالسبب حتى يُعذِر إلــى ربــه ، وقــد يفــارق الســببُ عنــدما تكــون طلاقــةُ القــدرة ح اضــرةً، فيرتفــع الســببُ ولا يكــون لــه مكان، والشواهد على ذلك كثيرة، فولادة إسماعيل ويحيى عليهما السلام جاءت بعد أن انقضى من العمر أطيبُه، وجاوزت أمهاتُهم سِنَّ اليأس، وولادة عيسى كانت معجزة عظمى، حيث انتفى الســبب وهــو النكــاح، ورزق مــريم عليهــا الســلام كــذلك، حيــث ان تفــى الســبب وهــو الســع ي فــي طلبــه، ويدخل في هذا الباب معجـزات الأنبيـاء وكرامـات الأوليـاء ، والقصـد هنـا أن يمـلأ اليقـينُ القلـبَ بـأن الــرزق مكتــوب كالأجــل، لا يتــأخر أحــدهما عــن الآخــر، عــن جــابر بــن عبــد الله قــال: قــال رسول الله : ( أيها الناس اتقوا الله وأجملوا في الطلب ، ف ن نفسا لون تمووت حتوى تسوتوفي رزقها وا ن أبطأ عنها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ، خذوا م ا حَ لَّ ودَ عُ وا م ا حَ رُ م ).(4) 1)) التفسير المنير، الزحيلي، 3/211.) 2)) تفسير الشعراوي، محمد متولي الشعراوي، 2/251.) 3)) لطائف الإشارات، القشيري، 1/232.) 4)) سنن ابن ماجه، كتاب التجارات، باب الاقتصاد في طلب المعيشة، 1/721)، حديث رقم 2144، قال الألباني: صحيح.
عدد الصفحات ١١٧111 4) على المسلم أن يحملَـه اليقـين فـي الـرزق علـى أن يقنـع بمـا آتـاه الله تعـالى مـن فضـله، ولا يدفعـه التمكُّن من الأسباب أن يتكالب على الـدنيا، بـل الواجـب عليـه أن يتحلَّـى بخلـق القناعـة والرضـا؛ فيكون بذلك قدوةً للناس، كما كان الصالحون، إذ لم تُل هِهِم النعمة عن المنعم ، وعلى الإنسان القيام بواجب الشكر لربه تعالى بعد اكتساب الرزق سواء بسـبب وبـدون سـبب، فقـد قـال سـبحانه: (ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ) [7]، فالشكر ضمان لاستمرار النعمة ودوامها، وكفر النعمة مُؤذِن بزوالها. المطلب الخامس: عدم اليأس من رحمة الله تعالى: قووال الله تعووالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ) [ن21- 22]. الإنسان بفطرته يعـيش علـى الأمـل، وآمالُـه تكبُـر معـه وتـزداد ولا تـنقص، وهـذا مـا يفـتح أمامـه الأبواب ليعيش حياته مطمئنا، والإسلام يفتح أبواب الأمل أمام الناس ولا يغلقها، بل يقف فـي وجـه كـل من يحاول أن يقطع من حياة الناس الرجاء. أولا: المعنى الإجمالي: " دعا زكريا عليه السلام أن يرزقه اللّه ولدا صالحا، مثل مريم، من ولد يعقوب ، قائلا: يا رب أعطني من عندك أولادا طيبين، لأنهم فرحة العين، ومجلى القلب، إنك سميع قول كل قائل، مجيب دعوة كل دعاء صالح ، فخاطبته الملائكة شفاها، والمخاطب: هو جبريل ، وذلك أثناء قيامه للصلاة، يدعو اللّه، ويصلي في المحراب، وقالت له: إن اللّه يبشرك بغلام اسمه يحيى، مصدقا بعيسى الذي ولد ونشأ بكلمة اللّه: (كن) لا بالطريقة المعتادة من الولادة من أب وأم. ويكون سيد قومه، وزاهدا مانع ن فسه من الشهوات، ونبيا يوحى إليه ... والمانع نفسه من شهواتها، و هو نبي صالح يوحى إليه، وهذه بشارة أخرى بنبوة يحيى، بعد البشارة بولادته. تعجب زكريا من هاتين البشارتين، فقال: كيف يكون لي غلام، وقد أصبحت كبير السن، وامرأتي عقيم لا تلد، فأجابته الملائكة: كذلك اللّه يفعل ما يشاء، أي مثل ذلك الخلق غير المعتاد الحاصل مع امر أة عمران، يفعل اللّه ما يشاء في الكون ".(1) 1)) التفسير الوسيط، الزحيل ي، (1/122،123).
عدد الصفحات ١١٨112 ثانيا: معاني المفردات (ﭑ) : " هنالك: يقع على الزمان والمكان، وا ن كان المكان أملَ كُ له، يقال: هنا، وهناك، وهنالك، كقولك: ذا، وذاك، وذلك ".(1) ثالثاالعبر والدلالات المستفادة من النص الكريم: 1) لقد خلق الله تعالىالإنسان، وجعله مجبولا على حب البقاء والمال والولد، فالإنسان بطبعه يكره الموت، ويميل إلى الراحة في حياته، وهو بطبعه كذلك مُحِبٌّ أن يكون له ذرِّيَّة تحمل اسمه، وتقف بجواره، فيعتضد بها، وتكون له من ورائه ظهيراً. كان الحديث في المقطع السابق حواراً بين زكر يا ومريم عليه ما السلام، إذ إن زكريا رأى الكرامة التي حظيت بها مريم عليها السلام، فتاقَت نفسه إلى الولد، " والحكمةُ ضالة المؤمن، وأهلُ النفوس الزكية يعتبرون بما يرون ويسمعون، فلذلك عَ مَ دَ إلى الدعاء بطلب الولد في غير إبَّ انه، وقد كان في حَسرة من عدم الولد كما حكى الله عنه في سورة مريم. وأيضاً فقد كان حينئذ في مكان شَهد فيه فيضا إلٰهياً ، ولم يزل أهلُ الخير يتوخَّ ون الأم كنة بما حدث فيها من خير، والأزمنة الصالحة كذلك، وما هي إلاّ كالذوات الصالحة في أنها محالّ تجلّيات رضا الله ".(2) 2) لم يمنع الكِبَـرُ زكريـا أن يـدعوَ بالولـد، فهـو يسـأل الوهـاب ، واللهُ تعـالى لا يعجـزه شـيء، وهذا ما يحمل الإنسان على الأمل العريض في الله تعالى، وفي دعاء زكريا ربَّه تعلـيم لمـن بعدَه ألاَّ يستبدَّ بهم اليأس، وألاَّ تنتابهم نوبات الإحبـاط حينـا بعـد حـين، وقـد نبَّ هنـا القـرآن الكـريم إلـى هذا المعنى في أكثر من موضع، فعنـدما فقـد يعقـوبُ ابنَـه يوسـفَ أرسـل بَنِي ـه ليبحثـوا عن أخيهم وقال لهم: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ) [87]، فنهاهم عن اليأس، وحكم علـى اليائسـين مـن رحمـة ا تعالى بالكفر. 3) قـــــال تعـــــالى( ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ) [53]، يقول الإمام الشوكاني رحمه ا واعلم أن هـذه الآيـة أرجـى آيـة فـي كتاب الله سبحانه لاشتمالها علـى أعظـم بشـارة، فإنـه أولا أضـاف العبـاد إلـى نفسـه لقصـد تشـريفهم، ومزيد تبشيرهم، ثم وصفهم بالإسراف في المعاصي، والاستكثار من الذن وب، ثم عقب ذلك بـالنهي عن القنوط من الرحمة لهؤلاء المستكثرين من الذنوب، فالنهي عـن القنـوط للمـذنبين غيـر المسـرفين 1)) تفسير الراغب الأصفهاني، الراغب الأصفهانى (2/131.) 2)) التحرير والتنوير، ابن عاشور، 3/239.)
عدد الصفحات ١١٩113 من باب الأولى ... ثم لم يكتف بما أخبر عباده من مغفرة كل ذنب، بل أكَّ د ذلك بقوله:( ﯕ ) فيا لها من بشارة ترتاح لهـا قلـوب المـؤمنين المحسـنين ظـنهم بـر بهم الصـادقين فـي رجائـه ، الخـالعين لثياب القنوط الرافضين لسـوء الظـن بمـن لا يتعاظمـه ذنـب، ولا يبخـل بمغفرتـه ورحمتـه علـى عبـاده المتوجهين إليه في طلب العفو الملتجئين به في مغفـرة ذنـوبهم ومـا أحسـن مـا علـل سـبحانه بـه هـذا الكلام قائلا إنه هو الغفور الرحيم. أي: كثير المغفرة والرحمة عظيمهما بليغهما واسعهما، فمن أبـى هذا التفضل العظيم والعطـاء الجسـيم وظـن أن تقنـيط عبـاد الله وتأييسـهم مـن رحمتـه أولـى بهـم ممـا بشرهم الله به فقد ركب أعظم الشطط وغلط أقبح الغلط، فإن التبشير وعدم التقنيط الذي جـاءت بـه مواعيد الله في كتابه العزيز، والمسلك ال ذي سلكه رسوله كما صح عنه من قوله ( يس وروا ولا تعس روا، وبش روا ولا تنف روا )(1) ".(2) عنأبي هريرة قال: مرَّ رسولُ الله على رهط من أصحابه وهم يضحكون فقال: ( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا )، فأتاه جبريـل فقـال: إن الله يقـول لـك: لـم تُ قـنِّ ط عبادي؟ قال: فرجع إليهم فقال: ( سد دوا وقاربوا وأبشروا ).(3) 4) ولقد كان من منهج النبي تبشير المؤمنين في العاجلة بالتمكين والظهور، وفي الأخرى بالأجر والمثوبة، والأحاديث في ذلك كثيرة، ف عَن أُبَيِّ ب نِ كَع بٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :( بَش رر هَذشهش الأرُمَّةَ بشالسَّنَاءش، وَالتَّمركشينش فشي الربشلاَدش، وَالنَّصررش، وَالر فرعَةش فشي الد ينش ).(4) المطلب السادس: التنبيٌ على أهمية الذكر والتسبيح: قال الله تعالى: (ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ) [25]. القلــــوب أوعيــــة، يملؤهــــا صــــاحبها بمــــا يشــــاء، فــــإن شــــاء إفســــادها أفســــدها، وا ن شــــاء إصلاحها أصلحها، ولا شـيءَ يصـلح القلـب مثـلُ ذكـر الله ، فالـذكر والتسـبيح جـلاء القلـب وحياتُه. 1)) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب ما كان رسول ا يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا، 1/21) حديث رقم 62. 2)) فتح القدير،4/119،112.) 3)) صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، كتاب العلم، باب ذكر البيان بأن على العالم أن لا يقنط عباد ا عن رحمة الله، ( 1/312)، حديث رقم 113، قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم 4)) مسند أحمد، مسند الأنصار، حديث أبي العالية الرياحي عن أبي بن كعب، ( 31/149)، حديث رقم 21224، قال المحقق: حديث صحيح، والسَّناء: بالمَدِّ ارتفاع المنزلة والقدر . (فيض القدير، المناوي، 3/262.)
عدد الصفحات ١٢٠114 أولا: المعنى الإجمالي قال زكريا : "اجعل لي عبادة أتعجل بها شكرك ويكون إتمامها علامة على حصول المقصود ، فأمره ألا يكلم الناس ثلاثة أيام بل يشغل نفسه بالعبادة والتسبيح طول الوقت خصوصا في الصباح والمساء والعشىّ والإبكار ".(1) ثانيا: معاني المفردات: 1) (ﮛ): "( ذَ كَ رَ ) الشيءَ ذِ ك را وذُ ك را وذكرى وتذكارا : حفظه واستحضره وجرى على لسانه بعد نسيانه ".(2) 2) (ﮞ ﮟ ﮠ): " التَّ س بِيحُ التنزيه، و سُب حَانَ الله معناه التنزيه لله ".(3) "والعَشِيُّ: آخر النَّهار"(4)،"و الإبكار فعل يدل على الوقت وهو البُكرة" (5)، وال عَشِيُّ : الوقت من الزوال إلى الليل، وَالإ ِب كارِ من طلوع الفجر إلى الضحى، فشمل قوله: (ﮟ ﮠ ): أواخرَ النهـار وأوائلَ ه"(6)،" قيل: و المراد بالتسبيح الصلاة ، بدليل تقييده بالوقـت كمـا فـي قولـه تعـالى :(ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ) [17]، وقيل: الذكر اللساني ".(7) ثالثا: العبر والدلالات المستفادة من الآية 1) عندما بُشِّر زكريا بالولد، أراد أن يقارِنَ الشكرُ نعمةَ الله تعالى عليه من ابتدائ ها، فكانت المعجزة بإمساك لسانه عن كلام الناس، وأُمِر بأن يذكر ربَّه ذكراً كثيراً، وأن يسبِّحَه أوائل النهار وأواخره. 2) "لقد أراد زكريا أن يعيش من أول لحظة مع نعمة المنعم شكرا، وجعل كل وقته ذكرا، فلم ينشغل بالناس أو بكلام الناس، وذكر الرب كثيرا هو ما علمه س بحانه عن زكريا عندما طلب الآية ليصحبها دائما بشكر الله عليها، إنَّ قوله: (ﮛ ﮜ ﮝ ) تفيد أن زكريا قادر على الذكر وغير قادر على كلام الناس، لذلك لا يريد الله أن يشغله بكلام الناس، وكأن الله يريد أن 1)) التفسير الواضح، محمد محمود حجازي ، (1/235.) 2)) المعجم الوسيط، إبراهيم مصطفى ، أحمد الزيات ، حامد عبد القادر، محمد النجار، ص313. 3)) مختار الصحاح، أبو بكر الرازي، ص 326. 4)) معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، 4/263.) 5)) مختار الصحاح، أبو بكر الرازي، ص73. 6)) التفسير المنير، الزحيلي، 3/217.) 7)) روح المعاني، الألوسي، 3/112.)
عدد الصفحات ١٢١115 يقول له: ما دمت قد أردت أن تعيش مع النعمة شكرا فسأجعلك غير ق ادر على الكلام مع الناس لكنك قادر على الذكر ".(1) 3) والذكر عبادة لسانية وقلبية، وهي في الوقت نفسه تستغرق الجسد كلَّه، فإذا حصل انسجام اللسان والقلب آتى الذكرُ أُكُلَه، وظهرت آثاره على العبد، وهو من علامات حب العبد لربِّه ، فالمُحِب كثير اللَّهَج بذكر من يُ حِب، فهو يشعر بجلاء قلبه ونقائه من أدران الدنيا وأسقام النفوس، وهذا الشعور يجعله يترفَّع عن دنيا الناس، فقد تعلَّق قلبه بخالقه العظيم، والناس في ذهول عمَّا هو فيه، فهو لا يخالطهم كثيرا، فقد استغنى بالله تعالى عنهم، وكفاه ذلك غَناءً. 4) لما كان عمل القلب أعظمَ من عمل الجوارح كان الـذكر أعظـمَ العبـادات لقولـه تعـالى: (ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ) [45]، ومــا هــذه العظمــة لتلــك العبــادة إلا لأنهــا تعبِّــر عن صدق العبـد فـي ولائـه لله تعـالى، وكونهـا عبـادة الملائكـة، فـالله تعـالى قـد اصـطفى لملائكتـه قــول: ســبحان الله وبحمــده(2)، ورُغــم أنــه أعظــم العبــادات إلا أنَّــه أســهلها، فهــو لا يكلِّــف الإنســان شيئا، بل يجعله سليم القلب صحيح البدن، وهو يعبِّر عن ولاء العبد المؤمن لسيِّدِه ومـولاه، وهـذا ما يجعله في حالة إخبات وخشوع لا تنقطع؛ لأنه يشعر برقابة الله تعالى عليه في كل أحواله. 1) "الـــذكر معنـــاه أن يستحضـــر الإنســـان عظمـــة ربـــه، وينطـــق بهـــا لســـانه، والتســـبيح معنـــاه التنزيـــه المطلق لله " (3)؛ ولهذا كان الأمر بالإكثار منه دون سائر العبادات، فقد جاء في آيات كثيرة الأمــــرُ بالإكثــــار مــــن ذكــــر الله تعــــالى، قــــال تعــــالى: (ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ) [41،42]، وقـــــال تعـــــالى (ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ) [11]. 6) ذكر الله تعالى عنوان الفلاح وسبيل الثبات، وهو عُدَّة المجاهد في المعركة، فقد جاء فـي سـياق الحـديث عن غزوة بدر قوله تعـالى : (ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ) [45]، وهــو حيـاة القلــب ووظيفتـه الأساســية، وسـبيل اتِّصــالهبــالله ، ولأن الإنسان من طبعه الغفلة والنسيان كانت الأجورُ مضاعفةً لمن اتَّخذ الذكر ديدناً وسبيلاً، فالناس 1)) تفسير الشعراوي، محمد متولي الشعراوي، 3/1449.) 2)) هذاالجزء من حديث أخرجه مسلم في الصحيح عن أبى ذر أن رسول ا سئل: أي الكلام أفضل؟ قال: ( ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده سبحان الله وبحمده )، كتاب الذكر والدعاء والتوبة، باب فضل سبحان الله وبحمده، (9/91)، حديث رقم 7151. 3)) زهرة التفاسير، م حمد أبو زهرة، ( 3/1211.)
عدد الصفحات ١٢٢116 في أسواقهم مغمورون بالغفلة، فكان أجر دعاء دخول السوق عظيما، قال رسول ا :( مَنر قَالَ حشينَ يَدرخُلُ السنوقَ: لاَ إشلٌََ إشلاَّ اللٌَُّ وَحردَ هُ لاَ شَرشيكَ لٌَُ، لٌَُ الرمُلركُ وَلٌَُ الرحَمردُ، يُحريشي وَيُمشيتُ، وَهُوَ حَي لاَ يَمُوتُ، بشيَدشهش الرخَيررُ كُلنٌُ، وَهُوَ عَلَى كُل شَيرءٍ قَدشير ، كَتَبَ اللٌَُّ لٌَُ أَلرفَ أَلرفش حَ سَونَةٍ، وَمَحَا عَنرٌُ أَلرفَ أَلرفش سَي ئَةٍ، وَبَنَى لَ ٌُ بَيرت ا فشي الرجَنَّةش ).(1) 7) خير الأعمال وأعظمها أجراً عند الله تعالى الذكرُ، ف عن أبي الدرداء قال قال النبي : ( ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم ، وخير لكم من إنفاق الذهب والوَ رش ق، وخير لكم من أن تلر قَ وا عدوَّ كم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ )، قالوا: بلى، قال: ( ذكر الله تعالى ).(2) 9) الأحاديث الدَّالة على شرف هذه العبادة كثيرة ومنثورة في مظانِّها، وأكتفي هنا بحديثين اثنين، الأول: عن عبد الله بن بسر: أنَّ رجلاً قَالَ: يَا رسولَ الله، إنَّ شَرَائِعَ الإس لامِ قَد كَثُ رَت عَليَّ، فَأَخ بِر نِي بِشَيءٍ أَتَشَبثُ بِهِ ، قَالَ: ( لا يَزالُ لشسَانُكَ رَطبا مشنر ذشكررش الله ).(3) الثاني عن ابن مسعود قال: قال رسول ا ( : لقيت إبراهيم ليلة أسر بي ، فقال: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام ، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة ، عذبة الماء، وأنها قيعان ، وأن غراسها سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إلٌ إلا الله ، والله أكبر ).(4) 1)) سنن ابن ماجه، كتاب التجارات، باب الأسواق ودخولها، 1/712)، حديث رقم 2231، قال الألباني: حسن 2)) سننالترمذي، كتاب الدع وات، باب منه، (1/412)، حديث رقم 3377، قال الألباني: صحيح 3)) سننالترمذي، كتاب الدع وات ، باب ما جاء في فضل الذكر، (1/419)، حديث رقم 3371، قال الألباني: صحيح 4)) سننالترمذي، كتاب الدع وات، باب 12،1/115)، حديث رقم 3462، قال الألبانيحسن.
عدد الصفحات ١٢٣117 المبحث الثاني المقاصد والأهداف لسورة آل عمران الآيات ( 42 و41 ) وفيهأربعة مطالب: المطلب الأول: التنبيه إلى مكانة مريم عليها السلام . المطلب الثاني: التنبيه إلى أهمية العبادة ومكانتها. المطلب الثالث: بيان معجزة خلق عيسى . المطلب الرابع الرد على النصارى.
عدد الصفحات ١٢٤118 المطلب الأول: التنبيٌ إلى مكانة مريم عليها السلام: قال الله تعالى:(ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ) [20]. في ذكر مريم عليها ا لسلام في القرآن العظيم دلالة على تكريمها ومكانتها عند الله تعالى، كيف وقد اصطفاها الله تعالى على نساء العالمين، فهذا شرف وأيُّ شرف، وهو نعمة يمتَنُّ الله بها على من يشاء من عباده. أولا: المعنى الإجمالي: " عدّ اللّه مريم من أصحاب النفوس الطيبة الطاهرة التي إذا أُ كرِ مت بالغت في الطاعة، وا ذا مُ دِ حت استماتت في العمل والاجتهاد ، فقالت الملائكة: يا مريم إن اللّه اختارك خالصة لخدمة البيت وسدانته، وقَ بِ لَ ك، وما كان يصلح لهذا إلا الرجال ، ولكنَّ ه طهَّ رك من كل دنس ورجس وعيب يمنع من المكث في المسجد، واصطفاك على نساء ال عالمين بولادة عيسى ابن مريم ".(1) ثانيامعاني المفردات: 1) (ﮨ): "الصَّفاءُ خُلوصُ الشيءِ من الشَّ و ب"(2)،"وصفوة الشيء خالصه ".(3) "والاصطفاءُ الاختيارُ ، افتعال من صَف وةِ الشيء وهي خِيارُه ".(4) 2) (ﮩ): "جعلك طاهرة من سائر الأدناس "(5)، أو "طهَّ ر دينك من الريب والشكوك ".(6) ثالثا: اللطائف البيانية 1) "(ﮢ ﮣ ﮤ ):المراد جبريل، على سبيل المجاز المرسل من إطلاق الكل، وا رادة البعض".(7) 2) " تكرر الفعل: (ﮨ) لأنّ الاصطفاء الأول اصطفاء ذاتي، وهو جعلها منزّهة زكية ، والثاني بمعنى التفضيل على الغير "(8)، قال الزمخشري " (ﮨ) أولا حين تقبلك من أمك 1)) انظر: التفسير الواضح، محمد محمود حجازي، 1/235.) 2)) تاج العروس من جواهر القاموس، الزبيدي، 39/426.) 3)) مختار الصحاح، أبو بكر الرازي، ص 371. 4)) الدر المصون، السمين الحلبي،2/123.) 5)) معاني القرآن وا عرابه، الزجاج،1/415.) 6)) الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب، (2/1515.) 7)) التفسير المنير، الزحيلي، (3/223.) 8)) التحرير والتنوير، ابن عاشور، 3/244.)
عدد الصفحات ١٢٥119 ورباك واختصك بالكرامة السنِ يَّ ة ... (ﮪ) آخرا (ﮫ ﮬ ﮭ ) بأن وهب لك عيسى من غير أب ولم يكن ذلك لأحد من النساء ".(1) رابعا: العبر والدلالات المستفادة من الآية 1) كان الحديث في آيات سبقت عن ولادة مريم عليها السلام، وفي هذه الآية وما بعدها حديث شائق عن مكانة مريم عليها السلام واصطفائها، فقد فرَّغها الله تعالى لعبادته وأغناها عن الكسب، و جعلها أماا لعيسى وآية له.(2) 2) "إن الذي يصطفيه الله إنما يصطفيه لمهمة، وتكون مهمة صعبة، إذن هو يصطفيه حتى يشيع اصطفاؤه في الناس ، كأن الله قد خصه بالاصطفاء من أجل الناس ومصلحتهم، سواء أكان هذا الاصطفاء لمكان أم لإنسان أم لزمان ليشيع صفاؤه في كل ما اصطُ فِ يَ عليه ".(3) 3) لقد خص الله مريم بما لم يؤته أحدا من النساء، وذلك أن رو ح القدس كلَّ مها، وظهر لها، ونفخ في درعها ، ودنا منها للنفخة، فليس هذا لأحد من النساء، وصدقت بكلمات ربها. (4) المطلب الثاني: التنبيٌ إلى أهمية العبادة ومكانتها: قال الله تعالى: (ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ) [22]. العبادة حب ل بين العبد وربه، فهي حياة القلب الحقيقية، وهي سبيل النجاة والخلاص، متى استمسك العبد بها منحت ه قوة في عقله وقلبه وبدنه، وهي فطرة في المخلوقات، فلقد خلق الله تعالى الإنسانَ، وفَطَرَه على حُ ب العبادة، فالإنسان مجبول على التوجُّه إلى جهة عليا، يعتقد فيها الكمال والقوة والعلو والعظمة، وهو في هذا الشعور يَحُسُّ بالضَّعف والفاقة وشدة الحاجة إلى من يؤيِّده ويرعاه. أولا: المعنى الإجمالي : " يا مريم أخلصي عبادةَ ربك لوجهه خالصًا، واخشعي لطاعته وعبادته مع من خشع له من خلقه، شكرًا له على ما أكرمك به من الاصطفاء والتَّطهير من الأدناس، والتفضيل على نساء عالم دَهرك ".(5) 1)) الكشاف،1/117.) 2)) انظرتفسير الراغب الأصفهاني، الراغب الأصفهاني، ( 2/111.) 3)) تفسير الشعراوي، محمد متولي الشعراوي، 3/1414.) 4)) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 1/129.) 5)) جامع البيان، الطبري، (6/414.)
عدد الصفحات ١٢٦111 ثانيا: معاني المفردات 1) (ﮰ): تدور معاني القنوت حول طول القيام في الصلاة، و طاعة لله تعالى وعبادته والإخلاص له. (1) 2) (ﯓ): " السُّجُودُ لله تعالى في الشرع عبارة عن هيئة مخصوصةٍ "(2)، ويكون بانحناء الإنسان إلى الأرض على سبعة أع ظُم، وهي الجبهة والأنف، والكفَّان، والرُّكبتان، وأصابع القدمين. 3) (ﯔ ﯕ ﯖ): أي: "مع المصلِّين مع قرَّاء بيت المقدس"(3)،وقوله: ( ﯕ ﯖ ) إذ ن لها بالصلاة مع الجماعة، وهذه خصوصية لها من بين نساء إسرائيل إظهاراً لمعنى ارتفاعها عن بقية النساء، ولذلك جيء في الراكعين بعلامة جمع التذكير ".(4) ثالثا: اللطائف البيانية 1) (ﮯ): " تكرير النداء للإيذان بأن المقصود بالخطاب ما يَ رِ د بعده ، وأنَّ ما قبله من تذكير النعم كان تمهيداً لذكره وترغيباً في العمل بموجبه ".(5) 2) تقديم السجود على الركوع؛ " لأنّ ه أَ د خَ لُ في الشكر، والمقَام هنا مقامُ شكر ".(6) 3) الترتيب في القنوت والسجود والركوع ليس قصده هنا بيان الرتبة، بل هو كما قال الإمام ابن عطي ة الأندلسي(7) رحمه ا القول عندي في ذلك أن مريم أمرت بفصلين ومعلمين من معالم الصلاة وهما طول القيام والسجود وخُ صَّ ا بالذكر لشرفهما في أركان الصلاة وا ذا العبد يقرب في وقت سجوده من الله تعالى... ولم يرد بالآية السجود والركوع الذي هو منتظم في ركعة واحدة والله أعلم ".(8) 1)) انظر جامع البيان، الطبري، (6/412،413)،وانظر معنى القنوت ص 23 من هذا البحث 2)) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، الفيومي، 1/363.) 3)) الدر المنثور، السيوطي، (3/144.) 4)) التحرير والتنوير، ابن عاشور، 3/244.) 5)) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 2/31.) 6)) التحرير والتنوير، ابن عاشور ، (3/244.) 7)) عبد الحق بن غالب بن عبد الملك بن غالب بن عطية، الإمام الكبير، قدوة المفسرين ، أبو محمد الغرناطي القاضي، مولده سنة 495ه، ومات في11 رمضان سنة 141ه، (طبقات المفسرين، السيوطي، ص 15). 8)) المحرر الوجيز،(1/434.)
عدد الصفحات ١٢٧111 رابعا: العبر والدلالات المستفادة من الآية 1) خلق الله تعالى الإنسان من الطين، ونفخ فيه من روحه، وجعل غذاء جسده ممَّا جـاء منـه، وجعـل لروحه غذاءَ العبادة، عبادةِ الله تعالى، فكان ارتقاءُ الإنسان بارتقاء عبادته، فالذي يكتفي بالمكتوبات لــيس كالزائــد عليهــا بالنوافــل، والعبــادة – بمفهومهــا الواســع - هــي وظيفــة الإنســان الأساســية، قــال تعالى: (ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ) [56]. 2) أمَرَ الله تعالى مريم عليها السلام بلزوم العبادة والاجتهاد فيها، عَمَلاً بسُنَّة الأولين، ومنهاجا من بعدها للسالكين، فالعبادة طريق مستقيم ، يؤدي في نهايته إلى رضوان الله ، فكأنها أُمِرت بالاجتهاد في العبادة تمهيدا لأمر خطير لا يقوى على تحمُّله إلا من كان راسخ القدم في عبوديته لله تعالى، وفي حدثٍ عظيم – كولادة عيسى - لا يثبت إلا أقوياء الصِّلة بخالقهم، وقد أُمِر النبي في بداية الرسالة بصلاة الليل، وكانت على المسلمين مفروضة في فجر الدعوة؛ وذلك لِمَا للعبادة من شأنٍ في احتمال الأذى والمشاقِّ في نَش ر الرسالة الخاتمة، ولما لها من دور عظيم في تحقيق التزكية الروحية التي تعلو بصاحبها فوق الغمام، فيستعلي بعبادته على شهوات الدنيا وملذَّاتها، وي صبح طاهراً نقياا كالصَّفا بعد ان سِكاب الطَّلِّ عليه، وخُصَّت الصلاة بالذكر لكونها أكثر العبادات حصولا، ولأنها مع لَم عظيم من معالم الشريعة، فهي عمود الدين، وبها تحصل القُربة، وفيها اجتماع الناس على العبادة وتَوَاصِي هم بها، وهي عنوان الصَّلاح، وأَم ارة الإيمان والتقوى، وجاء في فضلها أحاديث كثيرة، ف عن أبى هريرة أن رسول ا قال:(أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منٌ كل يوم خمس مرات ، هل يبقى من درنٌ شيء ؟)، قالوا : لا يبقى من درنه ش يء، قال:(فذلك مَ ثَ لُ الصلوات الخمس يمحو الله بهنَّ الخطايا).(1) 3) العبــادة زكــاة للــنفس، وطهــارة للــروح، وقــوة للبــدن، وارتبــاط بالســماء، وســموٌّ فــي المنزلــة، وا غاظــة للشيطان، ومرضاة للرحمٰ ن، وهي الصِّلة الوثيقة بين العبـد ومـولاه، وبهـا يشـعر الإنسـان باسـتناده إلى قوة لا تغلبهـا أي قـوة أخـرى وا ن عَظُمـت، وبهـا يتميـز المـؤمن مـن غيـره، فهـي مصـدر فخـر واعتــزاز، فقــد نعــت الله نبيــه محمــداً بالعبوديــة لــه فقــال (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ) [1]، وكذلك الأنبيـاء علـيهم السـلام عنـدما يعقِّـب علـى قصصـهم بقولـه سـبحانه(ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ) [132]، وكـذلك المؤمنــون، قـال تعــالى(ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ) [63]. 1)) صحيح مسلم، كتاب المساجد، باب المشي إلى المساجد تمحىبه الخطايا وترفع به الدرجات، ( 2/131)، حديث رقم 1114.
عدد الصفحات ١٢٨112 4) مما يبين اهتمام الإسـلام بالعبـادة أنـه جعلهـا تشـمل كـل حيـاة الإنسـان، وذلـك بـأن قَرَنَهـا بالنيـة الصـالحة، فإذا نوى المسلم نية لعمل مـن أعمـال الـدنيا ، وكانـت النيـة خالصـة لله تعـالى فإنـه يحـرز بـذلك أجـرا، قـال رسـول الله ( : ...وفووي بُضرو (1) أحوودكم صوودقة، قووالوا: يوا رسووول الله، أيووأ تي أحوودنا شووهوتٌ ويكووون لووٌ فيهووا أجوور؟ قووال: " أرأيووتم لووو وضووعها فووي حوورام أكووان عليووٌ فيهووا وزر؟ فكووذلك إذا وضعها في الحلال كان لٌ أجر).(2) 1) مما يبين أهمية العبادة ومكانتها في الإسلام الترغيبُ فيها، والوع دُ بجزيل المثوبة عليها، قال تعالى: (ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ) [29،31]، وقال النبي: ( من حج لله فلم يرفث، ولم يفسق، رج كيوم ولدتٌ أمٌ )(3)،والنصوص في هذا الموضوع كثيرة، وليس هذا موضع حصرها. المطلب الثالث: بيان معجزة خلق عيسى : قوووال الله تعوووالى (ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ) [21- 21]. لقـــد جَـــرَت سُـــنَّ ة الله تعـــالى فـــي خلقـــه أن يـــأتيَ الأبنـــاء مـــن أم وأبٍ ، لكـــنَّ الله خلـــق عيسى مـن أم بِـلا أب، فهـذا تبيـان ودليـل علـى طلاقـة قدرتـه سـبحانه، وأنَّ لا حـدود لمشـيئته، وأنه لا يُعجزه شيء. أولا: المعنى الإجمالي: " (ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ) بعيســــى ؛ لأنــــه خلــــق بقــــول كُــــن، (ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ) أي ذا منزلة عالية في الدنيا، وعزة وكرامة في الآخرة ، ( ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ) وهو ما يفرش للطفل ، وكلامه في المهد معجـزة لـه، وتبرئـة لأمـه ممـا افتـراه عليهـا المفتـــرون، ( ﭕ) أي ويكلمهـــم كهـــلاً ، و الكهـــل: الـــذي جـــاوز الثلاثـــين، وخطـــه الشـــيب، (1) البُضع: بضم الباء يطلق على الجماع، ويطلق على الفرج نفسه(صحيح مسلم بشرح النووي ، النووي، 7/23.) 2)) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، 3/92)، حديث رقم 2376. (3) صحيح البخاري، كتاب الحج، باب فضل الحج المبرور، 2/133)، حديث رقم 1121.
عدد الصفحات ١٢٩