129 الفصل الثالث الدراسة التحليلية لمقاصد وأهداف الرب الثالث من الحزب السادس الآيات ( 11 و14 ) ويشتمل على خمسة مباحث: الموبحووث الأول: المقواصد والأهوداف لسورة آل عومران الآيات ( 11 وو 11 ) المبوحوث الوثووواني: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران الآيات ( 15 وو 24 ) الومبوحوث الثوالووث: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران الآيات ( 21 وو 21 ) الومبوحوث الوورابوو : المقاصد والأهداف لسورة آل عمران الآيات ( 25 وو 15 ) المبحثالخامس: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران الآيات ( 12 وو 14 )
عدد الصفحات ١٤٦131 المبحث الأول المقاصد والأهداف لسورة آل عمران الآيات ( 11 و11 ) وفيه مطلبان: المطلب الأول: التبشير بعلو كلمة الإسلام على أصحاب الأديان الأخرى . المطلب الثاني: التذكير بيوم الجزاء .
عدد الصفحات ١٤٧131 المطلب الأول: التبشير بعُ لُ و كلمة الإسلام على أصحاب الأديان الأخرى : قال الله تعالى:(ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ) [11]. لقد أنزل الله تعالى دينه الحنيف خاتِماً به كلَّ ما سبقه مـن شرائع، ووع ـــد أتبـاع هــــذا الدين بالاستخلاف والتمكين في الأرض، ووعدهم بالظهور على من ناوأهم، وهذا الوعد يقتضي الت زامهم بشرائطَ متى خالفوها تأخَّ ر عنهم النصر، لكنَّ الدين منتصر لا محالة، إذ إنَّ الله تعالى يقيِّض له من يقوم عليه فيهتدي به أولاً ، ثم يُقِ يمُه في الناس حَ كَ ماً ، فيعيش الناس في ظلاله آمنين. أولا: المعنى الإجمالي: " اذكر أيها النبي حين قال اللّه تعالى: يا عيسى، إني مُ س تَ وفٍ أجلك في الدنيا، وقابضك، والتَّ وَ فِّ ي: الإماتة العادية، ورافعك إلي بروحك وبدنك، بجعلك في منزلة رفيعة كإدريس والصالحين، ومُ خلِّ صُ ك من خبث الكافرين ومكرهم، ومُ ب عِ دُ ك من سوء عملهم، وجاعل أتباعك الذين آمنوا برسالتك فوق الذين كفروا إلى يو م القيامة، وهي فوقية قَ د ر، وعلو فضائل، وقوة حجة، ومن هؤلاء: المسلمون الذين آمنوا بعيسى رسولا وبما يستحقه من دون غلو، ثم يكون إلي رجوعكم جميعا، فأحكم بين المؤمنين الأتباع وبين الكفار به، فيما تختلفون فيه من شأن المسيح وصلبه وأمور الدين كلها ".(1) ثانيا: معاني المفردات: 1) ( ﭨ) : اختلفت الأقوال في معنى الوفاة، فقيل هي وفاةُ نَو م، وقيل معناها القبضُ ، وقيل هي وفاة موت، وقيل في النص تقديم وتأخير، فالرفع إلى السماء سابق على الوفاة، ورجح الإمام الطبري رحمه الله معنى القبض من الأرض ورفعه إلى السماء. (2) 2) (ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ) : التطهير هنا " مجازي بمعنى العصمة والتنزيه؛ لأنّ طهارة عيسى هي هي، ولكن لو سُلِّ ط عليه أعداؤُه لكان ذلك إهانة له ". (3) (1) التفسير الوسيط، الزحيلي، 1/129.) (2) انظر: جامع البيان، الطبري، 6/411.) (3) التحرير والتنوير، ابن عاشور، 3/212.)
عدد الصفحات ١٤٨132 ثالثا: العبر والدلالات المستفادة من الآية 1) عندما ضاق الأمر بعيسى واشتدَّت به وبأصحابه البلوى، جعل الله تعالى له مخرجاً، فرفعه إليه، وألق ى شبَ هَ ه على غيره، " فأخذوا من أُ لقي شبهه عليه فقتلوه وصلبوه، وباءوا بالإثم العظيم بِ نِ يَّ تهم أنه رسول الله، قال الله تعالى: (ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ) [157]"(1)، ثم ينزل في آخر الزمان، فيقتلُ الدجال، وتكونُ أيامه أيامَ رخاء وعد ل ولقد طهَّره الله تعالى من الذين كفروا، وهم بنو إسرائيل في زمانه، فعصمه من كيدهم، وأخرجه من بينهم، وأنجاه منهم، وجعل أتباعه من النصارى ظاهرين على اليهود، " فإن اليهود قد ذهب ملكهم، وملك النصارى دائم إلى قريب من قيام الساعة "، وقيل: " هم أهل الإسلام الذين صدقوه واتبعوا دينه في التوحيد من أمة محمد فهم فوق الذين كفروا ظاهرين قاهرين بالعزة والمنعة والحجة "(2)، وهذا فيه تبشير عظيم بعلوِّ كلمة الإسلام على غيره من الأديان، فإنه لازال الإسلام عزيزا، رفيع الجناب، موفور الكرامة، عندما كان المسلمون على الجادة، ثم حصلت لهم تراجع ـات ومآسٍ كثيرة، أخَّرَت هم ع ـن الــرَّك ب، وأَخ لَ ـدت به ـم إلى الأرض، فلا يزال ـون في هذا حتى يأذن الله تعالى بالفرَج، فتعود لهم هيبتهم التي فارقتهم منذ أَمَدٍ بعيد. 2) البشارة بظهور الإسلام: بشَّرَت نصوص كثيرة بظهور الإسلام والمسلمين، قال تعالى (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ) [32،33]، فالدين ظاهر على غيره من الأديان لا محالة، ف ـــ " هؤلاء الكفار من المشركين وأهل الكتاب (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ) أي: ما بعث به رسوله من الهدى ودين الحق، بمجرد جدالهم وافترائهم، فمثلهم في ذلك كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس، أو نور القمر بنفخه، وهذا لا سبيل إليه، فكذلك ما أرسل الله به رسوله لا بد أن يتم ويظهر؛ ولهذا قال تعالى مقابلا لهم فيما راموه وأرادوه: (ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ) " (3)،" فالإنسان في الأمر الحِ سِّ ي لا يستطيع أن يطفئ النور؛ لأن هناك فرقا بين م صدر النور وأداة التنوير ".(4) (1) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 132. (2) معالم التنزيل، البغوي ، (2/46.) (3) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 7/195.) (4) زبدة التفاسير، محمد متولي الشعراوي، إعداد وتقديم: عبد الرحيم محمد متولي الشعراوي، ص 221.
عدد الصفحات ١٤٩133 وقد بشَّر النبي أمَّته بالنصر والظهور فقال إن الله زَ وَ ى(1) لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وا ن أمتي سيبلغُ ملكُ ها ما زُ وش َ لي منها ).(2) 3) صمود أمة الإسلام أمام محاولات طمسها: كان اليهود ولا زالوا " أشدّ الناس عداوة للمؤمنين، فهم كمشركي العرب ، وأما النّصارى الرّوم، فبدؤوا عدوانهم على المسلمين، ثم استمرّ الأوربيون في عدوانهم على الشرق الإسلامي، ثم جاءت الحروب الصّليبيّة التي مثّلت قمّة العدوان على المسلمين، وما زالت السّياسة الاستعمارية والتّبشيرية تحتضن المخططات الرّهيبة ل تفريق المسلمين وا بعادهم عن دينهم بمختلف الوسائل الإعلامية والمواقف الحاقدة المتحيّزة ضدّ مصالحهم في أي مكان ".(3) لكنَّ هذه الأمة لا تموت، فقد يعتريها الضعف والخَوَر، لكنها تبقى هامدة لا تستطيع حراكا، حتى يبعث الله تعالى لها من يداوي جراحها، وينهضَ بها، فت نتفض انتفاضة المارد الذي لا يقف له شيء، يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: " لقد بذل الاستعمار أقصى ما كان مستطيعا أن يبذل، وظن الناس فترة أن الاستعمار قد أفلح، وأن هذه العقيدة قد نامت إلى غير يقظة، فإذا بها تنتفض في صحوة إلى غير سبات " ، ثم يقول رحمه الله: " وا ن يوم الخلاص لقريب، وا ن الفجر لَ يَ ب عَ ثُ خيوطَ ه، وا ن النور سيتشقَّ ـق به الأفق، ولن ينام هذا العالم الإسلامي بعد صحوته، ولن يموت هذا العالم الإسلامي بعد بعثه، ولو كان مقدَّ را له الموت لمات، ولن تموت العقيدة الحية التي قادته في كفاحه؛ لأنها من روح الله، والله حي لا يموت ". (4) 4) على المسلمين أن يبحثوا عن نقاط قوَّتهم فيزيدوها قوة، ويبحثوا عن نقاط ضعف عدوِّهم فيستغلُّوها استغلالا جيدا لصالحهم، حتى إذا لاحَت فرصة اغتنموها، وتكون أعينهم يقِظَةً لكل مُتربِّص، فلا يطمع فيهم من كان في قلبه مر ض، ولا يُعطوا الدَّنِيَّة من أنفسهم أو دينهم، فهم أَعِزَّة بإعزاز الله لهم، أقوياءُ بقوة الحق الذي يحملون، وهذا يجعلهم يتواصَون فيما بينهم بالحق والصبر، ويتناسَوا ما بينهم من خلافات إذِ الإيمان يجمعهم، وعدوُّهم لا ينظر إليهم بعين التفرقة، فالكل في ذات الد رب سائر، وهو يرميهم عن قوس واحدة، وتتعدَّد وسائلُه في حربهم، (1) زوى أي جمع، وفي الحديث اشارة إلى أن مل ك هذه الأمة يكون معظم امتداده في جهتي المشرق والمغرب . (صحيح مسلم بشرح النووي، النووي، 19/13.) (2) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض، 9/171)، حديث رقم 7445. (3) التفسير المنير، الزحيلي، 15/194،191.) (4) في التاريخ فكرة ومنهاج ، ص 2-15.
عدد الصفحات ١٥٠134 ولا تَف تُر له هِمَّة في ذلك، فالواجب ألاَّ يعطوه من أنفسهم فرصة تكون ثغرة يصعب مَ ل ؤها حين يتَّسع الخرق على الراقع. وعليهم قبل هذا كلِّه الإيمان الحار بدينهم، والالتزام بجميع ما جاء فيه قدر الاستطاعة، والتَّحَمُّس له، والسير بسيرة الرَّعيل الأول من هذه الأمة، فهم خير سلف لمن بعدهم، وعليهم أن يعلموا أن الخير لا ينقطع من هذه الأمة، فقد جاء أن رسول الله قال ( لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم في طاعتٌ ).(1) ولعل من هذا الغرس تلك الطا ئفة التي تدعو إلى إقامة الدين في حياة الناس، وتطبيقه في المجتمعات، يقول الإمام ابن القيِّم رحمه الله: " ما أقام الله لهذا الدين من يحفظه ثم قبضه اليه إلا وقد زرع ما عَ لِ مَ ه من العلم والحكمة ، إما في قلوب أمثاله و ا ما في كتب ينتفع بها الناس بعده ".(2) 1) جعل ا تعالى الإسلام دينا خاتما لجميع الشرائع، فهو أحسنها وأكملها، وقد تكفَّل الله تعالى بحفظه على مر الأزمان، وفي أشد الظروف حُل كة، ففي يوم بد ر، كان المسلمون قِلَّة وأذِلَّة كما وصفهم الله تعالى: (ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ) [123]، وقال تعالى(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ) [26]،فَبَع د أن أخلصوا لله النية، وصدقوا في توكُّلهم، كان النصرُ حليفَهم، وهذا موعودُ كل مخلِص متوكِّل، وتلك سنة الله تعالى في نص ر عباده. المطلب الثاني: التذكير بيوم الجزاء : قال الله تعالى: (ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ) [11،11]. لمَّا كان الإنسان كثير النسيان، كان التذكير بالآخرة في القرآن كثيرا، وهذا من مقاصد القرآن الأساسية التي تهدف في محصِّلتها إلى جع ل الإنسان مرتبطا بما عند الله تعالى. أولا: المعنى الإجمالي: " الكفار لهم عذاب شديد في الدنيا بأنواع العقاب، وفي الآخرة بنار جهنم، وليس لهم أنصار ينصرونهم ويمنعون عنهم العذاب، وأما المؤمنون الذين يعملون صالح الأعمال التي أمر اللّه بها، (1) سنن ابن ماجه، كتابالإيمان وفضائل الصحابة والعلم، باب اتباع سنة رسول الله ،1/1)، حديث رقم 9، قال الألباني: حسن. (2) مفتاح دار السعادة،1/149.)
عدد الصفحات ١٥١135 فيعطيهم اللّه ثواب أعمالهم كاملاً وافراً ، واللّه يعاقب الظالمين أنفسهم، الذين كفروا بالله ورسله، وعص وا أوامر ربهم ".(1) ثانيا: العبر والدلالات المستفادة من الآيتين : 1) أهمية التذكير وضرورته: عندما يَذ كُر القرآن الكريم عذاب الكافرين ونعيمَ المؤمنين فإنَّ ذلك من التذكير بالمصير المحتوم الذي لا بد منه، فإنَّ انشغال المرء بدنياه يجعله كثير الغفلة عمَّا هو آت. لقد أمر الله تعالى نبيَّه بأن يذكِّر، فالتذكير والبلاغ وظيفة الأنبياء وأتباعهم، قال تعالى:(ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ )[21]،وقال تعالى (ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ)[55]،قيل: ذكِّ رهم بالعقوبة وأيام الله ، وخَ صَّ المؤمنين لأنهم المنتفعون بها.(2) قال تعالى(ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ) [41- 45]، فبَع د سَو ق أحداث النهاية وما فيها جاء الأمر للنبي بالتذكير، وفي ذلك دلالة واضحة على أنَّ التذكير ضرورة كبرى للناس، فب التذكير يعود المذنب فيتوب، ويهتدي الضَّال، وتصلُح أحوال الناس، ويسيرون على الجادَّة، فتستقيم أمور الحياة، وتصبح حياة الناس آمنةً، لا مكان فيها للتَّغوُّل والاعتداء. 2) لقد شَغَل الحديث عن يوم القيامة وما فيـه جـزءاً كبيـرا مـن آيـات القـرآن الكـريم، ولعـلَّ مـن أسـباب تلك الكثرة استمرارُ غفلة الناس عن ذلك اليوم والإعداد له، فكان التذكير على قد ر النسيان. 3) بيَّن الله تعالى ما أعدَّه للمؤمنين من نعيم في الآخرة، وما ذلك إلا ليُشمِّر عن ساعد الجِد فــي العبــادة، ويظــلَّ علــى أُهبــة الاســتعداد، ولعــلَّ ســورة الإنســان فيهــا مــن النعــيم المــذكور الشــيء الكثيــر الــذي يســتفزُّ الهمــةَ للتقــوى والعمــل الصــالح، كمــا بــيَّن القــرآن الكــريم أنــواع العقوبات التي سيلاقيها المعرضون والصَّادُّون، ومن يقرأ سورة الغاشية يعلم ذلك يقينا. ولابد لهذا النصـح أن يـؤتي ثمرتَـه، وذلـك بـأن تظهـر آثـارُه علـى المـرء فـي سـلوكه ومعاملاته، ويكون رضا الله تعالى نُصب عينيه، فيتحرَّى مرضاته، ويبتعد عمَّا يسـخطه، فيعيش حياته الدنيا مطمئنا، ويلقى الله تعالى وهو عنه راضٍ. (1) التفسير الوسيط، الزحيلي، 1/129،122.) (2) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 12/156.)
عدد الصفحات ١٥٢136 المبحث الثاني المقاصد والأهداف لسورة آل عمران الآيات ( 15 و24 ) وفيهثلاثة مطالب: المطلب الأول: الرد على النصارى وبيان أصل الإنسان . المطلب الثاني: المفاصلة حتمية بين الحق والباطل. المطلب الثالث: التأكيد على عقيدة التوحيد.
عدد الصفحات ١٥٣137 المطلب الأول: الرَّ دن على النصارى وبيان أصل الإنسان : قال الله تعالى: (ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ) [11]. خلق الله تعالى عيسى من أم بلا أب، فاختلفت أقوال الناس فيه، فمنهم من ادَّعى له الألوهية، ومنهم من ادَّعى أنه ابن الله ، تعالى الله عمَّا يقولون علوا كبيرا، وأهل الحق قالوا إنَّه عبد الله ورسوله، وهنا مناقشة وردٌّ على من غالَى في المسيح ، وبيان لأصل خلق الإنسان أولا: سبب النزول: جاء في قوله تعالى:(ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ) " أنَّ رهطا من أهل نجران قدموا على محمد ،وكان فيهم السيد والعاقب ، فقالوا لمحمد: ما ش أنك تذكر صاحبنا؟ فقال: من هو؟ قالوا عيسى، تزعم أنه عبد الله، فقال محمد :أجل، إنه عبدالله، قالوا له: فهل ر أيت مثل عيسى أو أُ نبئت به؟ ثم خرجوا من عنده، فجاءه جبريل بأمر ربنا السميع العليم فقال: قل لهم إذا أتوك : (ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ) إلى آخر الآية ".(1) ثانياالمعنى الإجمالي: " يبين الله بهذا النص الكريم مكان خلق عيسى من قدرته ، بجوار خلق آدم من تراب، فالله خلق آدم من تراب، أي من غير أب ولا أم، ومن مادة ليس من شأنها أن يكون منها إنسان حي ينطق ويتكلم، وقد تعلم الأسماء والأشياء كلها، ومعنى النص الكريم: إن حال عيسى في تصويره وتكوينه من غير أب بالنس بة لقدرة الله تعالى كحال آدم صوَّ ره وكوَّ نه من طين، وفي هذا التمثيل احتجاج على النصارى الذين ألَّهوا المسيح عيسى ابن مريم لأنه خلق من غير أب، واعتبروه ابن الله " تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا .(2) ثانيامعاني المفردات: (ﮧ): المثل هنا " بمعنى الحال والصفة العجيبة ، أي: إن صفة عيسى عند الله، أي: في تقديره وحكمه أو ف يما غاب عنكم ولم تطلعوا على كُ ن هه".(3) ثالثا: المناسبة " ذكر اللّه تعالى سابقا قصة عيسى وأمه، وا يمان بعض قومه به، وكفر بعض آخر، وهنا (1) جامع البيان، الطبري، ( 6/469.) (2) زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة، (3/1242.) (3) انظر: روح المعاني، الألوسي، 3/196.)
عدد الصفحات ١٥٤138 ذكر حال فريق ثالث لم يكفر به، ولم يؤمن به إيمانا صحيحا، بل افتتن به افتتانا، لكونه ول د من غير أب، فزعم أن معنى كونه كلمة اللّه وروح اللّه أنّ اللّه حلّ في أمه، وأن كلمة اللّه تجسّدت فيه، فصار إنسانا وا لها ذا طبيعة مزدوجة، فردّ اللّه عليهم بأن خلق آدم أعجب من خلق عيسى ".(1) رابعا: العبر والدلالات المستفادة من الآية 1) جاءت هذه الآية في سياق الرَّد على النصارى حيث تضمَّنت ردا منطقيا على ادِّعائهم ألوهية عيسى ، فحالة خلق عيسى في غرابتها ليست في الغرابة كخلق آدم ، فآدم قد خلقه الله تعالى ابتداءً بدون أب وأم 2) دلالة هذاالنص على طلاقة قدرة الله تعالى: هذا " النص الكريم فوق ما تضمَّ نه من حجة دامغة تقطع دعوى المبطلين، هو بيان لقدرة الله تعالى العلي القدير في خلق الأحياء وخلق الأشياء، من حيث إنها تخلق بإرادته المختارة، وأنه بهذه الإرادة يخلق الحي من غير الحيّ، ويخلق الحيّ على غير النظام الجاري في مجرى العادات، وما نسميه طبائع الأشياء في التكوين والتوالد، ولا تصدر عنه الأشياء كما يصدر المعلول عن علته، وا لا ما كان من الطين إنسان حي ناطق هو أبو الخليقة آدم ".(2) 3) مادة الإنسان وأصل خِل قته: خلـق الله تعـالى الإنسـان مـن تـراب ثـم نفـخ فيـه مـن روحـه، وجـاء التعبيـر فـــي صـــور عديـــدة، فقـــد جـــاء بلفـــظ التـــراب، قـــال تعـــالى: (ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ) [5]، وجــاء بلفــظ الســلالة مــ ن الطــين، قــال تعــالى: (ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ) [12]، أي صَـــفوةُ المـــاء، أو مـــن منـــيِّ آدم(3)، وجـــاء بلفـــظ الطـــين الـــلازب، قال تعالى: (ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ) [11]، أي " طين لاصـق... والتـراب إذا خُلـط بمـاء صــار طينــا لازبــا "(4)، وجــاء بلفــظ الحمــأ المســنون أو بالصلصــال، قــ ال تعــالى: (ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ) [26]،فالصَل صَـــال " هـــو الطـــين اليـــابس الـــذي إذا نقرتـــه ســـمعت لـــه صلصلةً، أي: صوتًا "، والحمأ هو الطين الأسود، والمسنون هو المنتن المتغيِّر، أو المصبوب، أو هــو التــراب المبتــلُّ المنــتن(5)، " فهــذه الألفــاظ مختلفــة ومعانيهــا أيضــا فــي الأحــوال مختلفــة أن (1) التفسير المنير، الزحيلي، 3/246.) (2) زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة، (3/1215.) (3) انظرتفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ( 15/112.) (4) انظر: جامع البيان، الطبري، ( 21/25.) (5) انظر: معالم التأويل، البغوي، 4/379،372.)
عدد الصفحات ١٥٥139 الصلصال غيـر الحمـأة، والحمـأة غيـر التـراب إلا أن مرجعهـا كلهـا فـي الأصـل إلـى جـوهر واحـد وهو التراب ، ومن التراب تدرجت هذه الأحوال ".(1) ومن الأحاديث عن أصل الإنسانقولـه : ( إن الله خلوق آدم مون قبضوة قبضوها مووون جميووو الأرض، فجووواء بنوووو آدم علوووى قووودر الأرض، جووواء مووونهم الأحمووور والأبووويض والأسود وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب ).(2) وكانت مادة الإنسان من الطين؛ لكي يكون متواضعا، رزينا في تصرفاته، فلـيس للطيش عنده مكان، وعنـدما تحدِّثـه نفسـه بالتعـالي والتكبـر علـى الخلـق عليـه أن لا ينسـى أصله، وهو التراب، فذلك أدعى لأِ ن يكون أكثر تواضعا وحلما وحكمة. المطلب الثاني: المفاصلة حتمية بين الحق والباطل: قوووووال الله تعوووووالى: (ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ) [12،15]. الصـــــراع بـــــين الحـــــق والباطـــــل صـــــراع قـــــديم، وهـــــو صـــــراع وجـــــود، لا يتغيـــــر بتغيُّـــــر الأشخاص، وهو متنوِّع ومتجدِّد، فهـو يظـل مسـتمرا حتـى تكـون المفاصـلة فـي النهايـة، فيتآكـل الباطل ويزهق، ويخرج الحق من محنته عزيزاً . أولا : المعنى الإجمالي: " هذا الذى أخبرناك عنه يا محمد من شأن عيسى ومن شأن غيره هو الحق الثاب ت اليقينـي الــذى لا مجــال للشــك فيــه، ومــا دام الأمــر كــذلك فاثبــت علــى مــا أنــت عليــه مــن حــق، ولا تكــونن مــن الشاكين في أي شيء مما أخبرناك به ... فإن جادلك أهل الكتاب في شأن عيسى من بعد أن أخبرك ربك بما هو الحق من أمره فقـل لهـم : (ﯪ) أي: أقبلـوا أيهـا المجـادلون إلـى أمـر يعـرف فيـه الحـق من الباطل، وهو أن ندعو نح ن وأنتم الأبناء والنساء ثم نجتمع جميعا في مكان واحد، ثم نتضرع إلى الله ونبتهل إليه بأن يجعل لعنته على الكاذبين في دعواهم المنحرفين عن الحق ف ي اعتقادهم ".(3) (1) الروح، ابن القيم ، ص219. (2) سنن أبي داود، كتاب السنة، باب في القدر،4/319)، حديث رقم 4623، قال الألباني: صحيح (3) التفسير الوسيط، سيد طنطاوي، 2/162،171.)
عدد الصفحات ١٥٦141 ثانيا: معاني المفردات: 1 )(ﯞ) :" الامتراء: هو التردد الذي ينتهى إلى محاجة ومجادلة ، وقد ينتهى إلى شك ثم إلى إنكار".(1) 2 )(ﯳ): " الابتهال مشتق من البَه ل، وهو الدعاء باللعن ، ويطلق على الاجتهاد في الدعاء مطلقاً ؛ لأنّ الداعي باللعن يجتهد في دعائه، والمراد في الآية المعنى الأول ".(2) ثالثا: العبر والدلالات المستفادة من النص: 1) كل بداية في هذه الدنيا لابُد لها من نهايـة، فالصـراع بـين الحـق والباطـل مهمـا طـال أمَـدُه فإنـه إلـى نهايـة، وهـذه النهايـة تكـون فيـه الغلبـة للحـق وأهلـه، تلـك هـي سـنة الله تعـالى فـي خلقــه، أن يبتلــيَ المــؤمنين بقــوم كــافرين أو منــافقين؛ لتظهــر معــادنهم، ولتتميَّــز الصــفوف، قــــــــال تعــــــــالى: (ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ) [2،3]. 2) أهميــــة الاعتــــداد بــــالمنهج الربــــان ي واليقــــين بنصــــرة الله لــــه: قــــال تعــــالى:(ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ) هنا توجيه رباني إلى النبي وأتباعه أن لا يتطرَّق إلى قلوبهم الشك ممَّا هم عليه من الحـــق، بســـبب الاستضـــعاف وقلـــة الحيلـــة، بـــل علـــيهم أن يســـتدلُّوا علـــى صـــوابية طـــريقهم بـــالمحن والابتلاءات، فـإنهم لا يزالـون فـي ذلـك حتـى يسـفِر العـراك عـن وجـه الحـق الأبلـج، وينـدحر الباطـل وأهلـــــــه، قـــــــال تعـــــــالى :(ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ) [18]،(ﮗ) " أي: فيقهره ويهلكه ويُ زيله إزالة تامة "(3)،" ودلَّ حرف المف اجأة – فإذا- على سرعة مَ ح ق الحقِّ الباطلَ عند وروده؛ لأن للحقِّ صولة، فهو سريع المفعول إذا ورد ووضح ".(4) 3) ثبات الحق وذَهاب والباطل: قال تعالى:(ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ) [17] هنا تشبيه رائع للحق والباطل، ف قو له تعالى: ( ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ) معناه: " إذا اجتمعا لا ثبات للباطل (1) التفسير الوسيط، سيد طنطاوي، (1/34.) (2) التحرير والتنوير، ابن عاشور، 3/261.) (3) التفسير الوسيط، سيد طنطاوي، 2/27.) (4) التحرير والتنوير، ابن عاشور، 17/34.)
عدد الصفحات ١٥٧141 ولا دوام له، كما أن الزبد لا يثبت مع الماء، ولا مع الذهب ونحوه مما يسبك في النار، بل يذهب ويضمحل ".(1) قـــال ابـــن عاشـــور رحمـــه ا وقـــد عُ لـــم أنَّ الزبَـــد مثَـــل للباطـــل وأ نَّ المـــاء مثَـــل للحـــق، فارتقى عند ذلك إلى ما في المَ ثَ لين من صفتَ ي البقـاء والـزوال ليتوصـل بـذلك إلـى البشـارة والنـذارة لأهل الحق وأهل الباطل بأن الفريق الأول هو الباقي الدائم، وأن الفريق الثاني زائل بائد ".(2) "وحكمة ذكر زبد الماء وخبث المعادن وردت للتدليل ى وا ن عَلَت مكانة أهله حينا من الوقت، من باب مداولة سنن الله في الأرض جولات صعودا وهبوطا، إلا أنه في زوال حتمي مصيره عبرة لغيره " (3)، وا ذا جاء أمر الله تعالى بزواله فإنه يملك دفع الضُّر عن نفسه، فهو في نفسه ضعيف وا ن ظهرت للناس قوتُه. وقــد أخبرنــا الله تعــالى فــي كتابــه أنَّ الباطــل ذاهــب مهمــا عــلا شــأنه وطــال أمــده وكثــر أتباعه، قال سبحانه: (ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ) [81]. 4) الأمر للنبي بالمباهلـة نـوع مـن المفاصـلة بـين الحـق والباطـل، " وهـذه الآيـة مـن أعـلام نبـوّة محمـد ؛لأنــه دعــاهم إلــى المباهلــة، فــأبوا ورضــوا بالجزيــة، بعــد أن أعلمهــم كبيــرهم العاقــب أنهــم إن بــاهلوه اضطرم عليهم الوادي نارا، فإن محمدا نبيّ مرسل، ولقد تعلمون أنه جاءكم بالفصل فـي أمـر عيسـى، فتركوا المباهلة، وانصرفوا إلى بلادهم على أن يؤدوا في كل عام ألف حلّة فـي صـفر، وألـف حلّـة فـي رجب، فصالحهم رسول اللّه على ذلك بدلا من الإسلام ".(4) 1) في آخر الزمان تكون مفاصلة نهائيـة بـين الحـق والباطـل، فهـي كائنـة مـع اليهـود فـي آخـر الزمـان، فقــد بشَّــرنا النبــي بــذلك، فعــنأبــى هريــرة أن رســول ا قــال: ( لا تقوووم السوواعة حتى يقاتل المسلمون اليهوود، فيقوتلهم المسولمون، حتوى يختبوا اليهوود مون وراء الحجور والشجر ، فيقول الحجر أو الشجر يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهود خلفوي فتعوال فاقتلوٌ إلا الغرقد ف نٌ من شجر اليهود ).(5) (1) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 9/131.) (2) التحرير والتنوير، ابن عاشور، 13/125.) (3) التفسير الموضوعي لسورالقرآن الكريم، نخبة من علماء التفسير وعلوم القرآن، ( 3/655.) (4) التفسير المنير، الزحيلي، 3/242.) (5) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتم نى أن يكون مكان الميت من البلاء، (9/199)، حديث رقم 7123.
عدد الصفحات ١٥٨142 ومعارك الإسلام مع أتباع النِّحل الأخرى قائمة على المفاصلة، وهذه المفاصلة أساسُها العقيدة، فعقيدة التوحيد تأبى ما يخالفها كالشرك والتثليث وعبادة النار والطواغيت، وهذا ما يؤدي بالضرورة إلى التصادم، ومآلُ هذا التصادم إلى نهايةٍ حتما، ولو طال الأمَد، والحق ظاهر في نهاية الأمر لا محالة. 6) الصــراع بــين الحــق والباطــل مســتمر ومتنــوِّع: يحتــدم الصــراع فــي هــذا العصــر بــين الحــق وأهلــــه والباطــــل وأهلــــه، فالصــــراع اليــــوم متنــــوع، فهــــو صــــراع عقــــدي وسياســــي وأخلاقــــي واقتصــادي وفكــري وعســكري، وأهــل الباطــل يريــدون مــن المســلمين أن يتخلَّــوا عــن ديــنهم، ويبــــذلون فــــي ذلــــك الكثيــــر، فهــــم وا ن اســــتطاعوا أن يجعلــــوا تصــــوُّر كثيــــر مــــن المســــلمين مشوَّشا، فإنَّ كثيرا من المسلمين قد نالتهم رحمة الله تعالى، فنجَوا من هذا التشـويش، وا ن كــان أهــل الباطــل قــد تمــالئوا علــى بــلاد الإســلام باحتلالهــا، فــإنَّ جــذوة الجهــاد قــد اتَّقــدَت ، وانبرى كثير مـن أصـحاب الهمـم العاليـة لهـذا الشـأن، فـأرغموا أنـوف أولئـك الكفـرة وكسـروا كبريـاءهم فـي كثيـر مـن المـواطن، وأهـل النفــ اق لهـم جـولات مـع أهـل الإسـلام كثيـرة، ولابــد لهم أن تزهق أرواحهم، وتضيق نفوسهم بعزِّ الإسلام وأهله. 7) لوازم الإيمان بحتمية الصراع: إنَّ الإيمان بحتمية الصراع بين الحق والباطل يوجِب على أهـــل الحـــق الاســـتعدادَ الجيِّـــد والعمـــلَ الـــدؤوب، ولابـــد لعمـــل كهـــذا مـــن نيـــةٍ صـــادقةٍ، و همَّـــةٍ عاليةٍ، وا رادةٍ قويةٍ؛ ليمكنَ من خلال ذلك أن تُكسرَ شوكةُ الباطل، فتَتِمُّ المفاصلة، ول ـتكُن ضربةً واحدة مركَّزة، تجتثُّ الباطل من جذوره، وتَس حقُه فيكون أثرا بعد عين. 9) وجوب التفاؤل بمجـد الإسـلام القـادم وعـدم اليـأس مـن الواقـع: الصـراع بـين الحـق والباطـل قـــديم، وفيـــه صـــولات وجـــولات، تتحقَّـــق فيهـــا ســـنة الله تعـــالى فـــي إمـــلاء الظـــالمين ونص ـــر المؤمنين، وقد يتأخر النصر والتمكين، وهذا التأخُّر ينبغي أن يكون دافعـا للعمـل الـدَّؤوب وتصحيح المسار، لا أن يكون ذريعة للتراخي عن الواجب، وهذه الدافعيـة للعمـل للإسـلام تكون بمثابة بداية لأُولى خطوات النصر، ومتى كان اليأس دليل قوم فإنَّهم سيخلدون إلى ســبات طويــل، ســباتٍ يــؤدي بهــم إلــى اتِّهــام المــنهج الــذي اعتنقــوه ودافعــوا عنــه بالقصــور ورَم يِــه بعــدم الصــلاحية للتمكــين، وهــذا نــذير شــؤم يلــوح فــي الأفــق، وهــذا مــا أراده الأعــداء وخطَّطوا له، وعندئـذ يـدرك الأعـداء بُغيـتَهم، ويهجمـوا هجمـتَهم علـى نفـوس أَذَابَهـا اليـأسُ، وقتَلَهــا الركــونُ إلــى الأرض، فتــتمكن منهــا ســريعا، ويفقــد اليائســون آخــر آمــالهم فــي النجــاة والنجاح.
عدد الصفحات ١٥٩143 المطلب الثالث: التأكيد على عقيدة التوحيد: قال الله تعالى:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ) [10- 12]. عقيــدة التوحيــد هــي قضــية الإنســان الأولــى والوحيــدة، فمــا كــان الإنســان مخلوقــا إلا لتحقيــق هــذه الغايــة فــي نفســه أولا ثــم فــي النــاس حولــه، والتوحيــد هــو العبــادة الأولــى التــي يجــب علــى الع بــد الإقــرار بهــا، قــال تعــالى: (ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ) [56]،قــال مجاهــد: " إلا ليعرفــوني "، وقيــل: إلا ليوحِّــدوني، فأمــا المــؤمن فيوحِّــدُ ه فــي الشــدة والرخــاء، وأمــا الكــافر فيوحــده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء .(1) أولا: المعنى الإجمالي ما ذكـر ه الله تعـالى " مـن أمـر عيسى ، لهــو الــقصة الـواقعية ل ـولادة ع ـيسى ، ونشــأته ومنهجه في دعوته، ولا يوجد إله يعبد بحق غير اللّه تعالى وحده، خالق كل شيء، وا ن اللّه لهو القوي الغالب في هذا الكون، الحكيم في صنعه وتدبيره، فإن أعرضوا عن هذا الحق المبين واتباع عقيدة التوحيد التي دعا إليها جميع الأنبياء، فهذا الإعراض هو الفساد بعينه، لأنه شرك وكفر، واللّه عليم بالمفسدين، وسيعاقبهم على إفسادهم ".(2) ثم يتوجه الخطاب إلى أهل الكتاب بدعوتهم إلى الاتفاق على الحق والعدل، قال تعالى ( ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ)، وهي دعوة إلى الحق والعدل الذي يعرفونه في كتبهم، والذي جاء به أنبياؤهم، وهو توحيد الله تعالى، وعدم الإشراك به، وعدم تأليه البشر أو صرف أنواع العبادة لهم، وعدم ادِّ عاء الولد لله تعالى، كما فعلت اليهود والنصارى... ( ﮄ ﮅ ) عن هذه الدعوة الصادقة المنصفة " ( ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ) لله تعالى وحده.(3) (1) انظر: معالم التنزيل، البغوي، ( 7/395،391.) (2) التفسير الوسيط، الزحيلي، 1/122.) (3 )انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، نخبة من علماء التفسير وعلوم القرآن، 1/472.)
عدد الصفحات ١٦٠144 ثانياالمناسبة: "أقام القرآن الحجة على النصارى في ادّعائهم ألوهية المسيح، ثم دعا هنا اليهود والنصارى إلى أصل الدّين وروحه الذي اتّفقت عليه دعوة الأنبياء جميعا وهو توحيد اللّه وعبادته، والاقتداء بإبراهيم أبي الأنبياء عليهم السّلام إذ أن ملّته ملّة الإسلام، ولم يكن يهوديا ولا نصرانيا".(1) والتأكيد على قضية التوحيد عقِب قصة عيسى يؤكد مضمون القصة ومقصدَها الأول، وهو مقصد السورة الأكبر. ثالثا: العبر والدلالات المستف ادة من الآيات: 1) جاءت بالتوحيد كلُّ الشرائع، ودعا إليه كلُّ الرسل، فكلَّما حادَ الناس عن التوحيد بعث الله تعالى لهم نبيا يدعوهم إليه، ويحُضُّهم عليه، فيبَشِّرُهم إن هم أطاعوا، وينذرهم إن كانوا قد عَصَوا. 2) انتقال اليهود والنصارى من التوحيد إلى الكفر وتذكيرهم به " كــان اليهود موحدين، ولكن مفه ـوم الإله فيهم أصبح ليس هو الإله الحق، واتبع ــوا رؤساء الدين فيما يخترعون من أحكام، وكذلك كان النصارى موحدين ، وما زالوا يدعون الوحدانية، لك نهم انتقلوا من ادعاء ب نوة عيسى للّه والتثليث إلى ادعاء ألوهيته وأن الثلاثة واحد، وهو عيسى، ورفضت فرقة الإصلاح (البروتستانت) فكرة ألوهية عيسى ".(2) فلمَّا كان الكفر في بني إسرائيل فاشياً ، كان التأكيد على عقيدة التوحيد مُهِما ا، فإنه بعد حدوث معجزة عيسى ، ودعوته لهم إلى ما دَعَت إليه الأنبياءُ قبلَه، انقسم الناس فيه إلى طوائف، وانتشر بعده مذهب التثليث واعتقاد بُ نوَّته لله ، فَبَ ع د انتهاء قصَّته، جاء التعقيب عليها بأن لا إله إلا الله، وهي شهادة التوحيد الخالص، الذي لا تشوبه شائبة . 3) توافق الشرائع على التوحيد " لقد أراد اللّه أن يجمع الأمم على ملة واحدة ، وهي ملة التوحيد لله ، فلا يكون هناك تعدد بين الآلهة، ولا شرك ولا وثنية، ولا أبوة ولا بنوة لله تعالى، وهذا أمر سهل يسير، وله أهـداف سامية عـالية، من أهمها منع التنـازع والخصام بين الناس، وا شاعة ال ـمودة والمحبة بين الأفراد، لذا أمر اللّه نبيه أن يدعو الناس إلى العدل والوسط والكلمة السواء: وهي ألا نعبد جميعا إلا اللّه، وألا نشرك به شيئا، وألا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من غير اللّه، فكل دين سماوي لا يختلف ع ـن الآخر في إثبات الوحدانية والربوبية لله تعالى ، وا ذا ك ـان الأمر على هذا المنهج المعتدل الوسط، فهيّا بنا جميعا إلى (1) التفسير المنير، الزحيلي، 3/212.) (2) المصدر السابق،3/213.)
عدد الصفحات ١٦١