81 المبحث الساب المقاصد والأهداف لسورة آل عمران الآيتان ( 25 و22 ) وفيه مطلبان: المطلب الأول: محبة الله تعالى باتِّباع النبي . المطلب الثاني: وجوب طاعة الله ورسوله .
عدد الصفحات ٩٨82 المطلب الأول: محبة الله تعالى بات باع النَّبي : قال الله تعالى:(ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ) [25]. كثيرة هي الادِّعاءاتُ التي يتخذها انسان تَكِأةً يعتمد عليها في تبرير تقصيره وأخطائه، ومن ذلك ادِّعاءُ محبة الله تعالى، ومعلوم من الفطرة بالضرورة أن النَّفسَ تحب من أحسن إليها، لكن الأمر في الإسلام مختلف، فالمحبة لها تكاليف لابُدَّ من أدائها كاملة حتى يكون المدَّعي حقيقاً بهذه الرُّتبة، ومن أعظم هذه التكاليف اتِّباع النبي . أولا: سبب النزول سئل الحسن(1) رحمه ا عن قوله :(ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ) قال: نعم أن أقواما كانوا عل ى عهد رسول الله يزعمـون أنهـم يحبـون الله، فـ أراد أن يجعـل لقولهم تصـديقا مـن عمـل فقـال: (ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ) قال: اتباع محمد تصديقا لقولهم (2) ثانيا: المناسبة " بعــد أن نهــى اللّــه المــؤمنين عــن مــوالاة الكــافرين، أوضــح هنــا أن طريــق محبّــة اللّــه تعالى متابعة رسوله وامتثال أوامره واجتناب ما نهى عنه "(3)، فالذي يروم الاستدلال على محبته لله تعالى عليه أن يجعل ولاءه لله كـاملا، وللمـؤمنين، ويتبـرَّأ مـن الكفـر وأهلـه، فهـو فـي ذلك يقيم الدليل الساطع على تقديم ما يحبه الله تعالى على ما تحبه نفسه. ثالثا: المعنى الإجمالي: " لما ادعى وفد نصارى نجران أن تعظيمهم المسيح وتقديسهم له ولأمه إنما هو من باب طلب حــب الله تعــالى بحــب مــا يحــب و تعظــيم مــا يعظــم، أمــر الله تعــالى رســوله محمــد فــي هــذه الآيــة أن يقول لهم: إن كنتم تحبون الله تعالى ليحبكم فاتبعوني على ما جئت بـه مـن التوحيـد والعبـادة يحبـبكم الله تعالى، ويغفر لكم ذنوبكم أيضاً وهو الغفور الرحيم، وبهذا أبطل دعواهم في أنهم ما ألَّ هوا المسيح 1)) الحسن البصري: هو الحسن بن أبي الحسن يسار، أبو سعيد، مولى زيد بن ثابت ، وكان سيد أهل زمانه علما وعملا، مولده لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب بالمدينة، وتوفي بالبصرة مستهل رجب سنة عشر ومائة. (سير أعلام النبلاء، الحافظ الذهبي، (4/163)، وفيات الأعيان، ابن خلكان، 2/72.) 2)) انظر تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم، ( 2/633.) 3)) التفسير المنير، الزحيلي، 3/257.)
عدد الصفحات ٩٩83 إلا طلباً لحب الله تعالى والحصـول عليـه، وأرشـدهم إلـى أمثـل طريـق علـى حـ ب الله تعـالى وهـو متابعـة الرسول على ما جاء به من الإيمان والتوحيد والعبادة المزكية بالروح المورثة لحب الله تعالى ".(1) رابعا: معاني المفردات أ - " المحبة: انفعال نفساني ينشأ عند الشعور بحسن شيء: من صفات ذاتية، أو إحسان، أو اعتقاد أنّه يُحِب المستحسِنَ ويَجُر إليه الخير "(2)، وهي " ميل النفس إلى الشيء لكمال أدركته فيه ".(3) "محبّة العبد للّه ورسوله: طاعته لهما واتّباعه أمرهما، ومحبّة اللّه للعباد: إنعامه عليهم بالغفران ... (ﭴ ﭵ ): أي يثيبكم، (ﭶ ﭷ ) أي: يتجاوز عن سيئاتكم وأباطيلكم ".(4) ب - الاتِّباع: " التـاء والبـاء والعـين أصـل واحـد لا يشـذ عنـه مـن البـاب شـيء ، وهـو التُّلُـوُّ والقَف ـو. يقـال تبِع تُ فلاناً إذا تَلَو تَه ".(5) سادسا: العبر والدلالات المستفادة من الآية 1) ما من شيء أقربَ إلى الكذب من ادِّعاءٍ حتى تقوم قرينة تصدِّقُه أو دليل يَستند عليه، ومحبة العبد لله تعالى مطلوبة بل واجبة، ولكن الأوجبَ هو أن يقدَّم الدليلُ على صدق هذه المحبة، وهو اتِّباع النبي حقَّ الاتِّباع، والقيام بهذا الواجب كفيل بتحقُّق الشرط وهو المحبة 2) "حب الله ليس دعوى باللسان، ولا هياماً بالوجدان ، إلا أن يصاحبه الأتباع لرسول الله، والسـير علـى هداه، وتحقيق منهجه في الحياة، وا ن الإيمان ليس كلمات تقال، ولا مشاعر تجـيش، ولا شـعائر تقـام، ولكنه طاعة لله والرسول ، وعمل بمنهج الله الذي يحمله الرسول ".(6) 3) "هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقـة المحمديـة فإنـه كـاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأحواله ".(7) 1)) أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير، أبو بكر الجزائري، 1/359.) 2)) التحرير والتنوير، ابن عاشو ر، (3/221.) 3)) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، (2/24.) 4)) التفسير المنير، الزحيلي، 3/256.) 5)) معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، 1/331.) 6)) في ظلال القرآن، سيد قطب، 1/397.) 7)) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 3/46.)
عدد الصفحات ١٠٠84 وسئل الجوزجاني (1) رحمه ا كيف الطريق إلى الله؟ فقال: " الطرق إلى الله كثيرة، وأوضح الطرق وأبعدها عن الشبه اتب اع قولاً وفعلاً وعزماً وعقداً ونيةً، لأن الله يقول: (ﭡ ﭢ ﭣ ) [54]، " فقيل له: كيف الطريق إلى السنة؟ فقال: " مجانبة البدع، واتباع ما أجمع عليه الصدر الأول من علماء الإسلام، والتباعد عن مجالس الكلام وأهله، ولزوم طريقة الاقتداء وبذلك أمر النبي بقوله تعالى: (ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ) [123] ".(2) وقال سهل التستري (3) رحمـه ا : " أصـولنا سـبعة أشـياء: التمسـك بكتـاب الله، والاقتـداء بســـنة رســـول الله ، وأكـــل الحـــلال، وكــــف الأذى، واجتنـــاب الآثـــام، والتوبـــة، وأداء الحقــــوق"، وسئل عن الفتوة فقال: " اتباع السنة ". (4) 4) إنَّ اتباعَ النبي شرف عظيم، لا يؤتاه كل واحد، ف هو عصمة لصاحبه من الفتن والأهواء، وهو مفتــاح الهدايــة، قــال تعــالى: (ﭡ ﭢ ﭣ ) [54]؛ ولهــذا كــان الرعيــل الأول مــن هــذه الأمــة أبعــدَ النــاس عــن الفــتن والهــوى، فهــم قــد رأوا القــدوة والمثَــل الأعلــى، ثــم جــاء بعــدهم قــوم ضــلُّو ا الطريــق، وتنكَّبــوا الســبيل عنــدما اختــلَّ عنــدهم ميــزان الاتِّبــاع، فقــدَّموا كلامهــم علــى كــلام الله وكلام رسوله ، وما زالت الأمة تعاني آثار هذا الاختلال. 1) لما حاد المسـلمون عـن سـنة نبـيهم ضـربهم الله بالـذل، وهـذا واقـع ومُشـاهَد؛ فـإن الأوائـل عنـدما اعتــزُّوا بنبــيهم وشِــرعته ســادوا الأمــم، ومكَّــنهم الله تعــالى مــن الــبلاد والعبــاد، يسوســونهم بالــدين، ويقوِّمــــــونهم بالعــــــدل، قــــــال تعــــــالى: (ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ) [41]. يقول الشيخ الشعراوي رحمه ا إن الحق يقول: (ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ) هذه الآية تدل على ماذا؟ إنهم لابد قد ادعوا أنهم يحبون الله، ولكنهم لم يتبعوا الله فيما جاء به رسول الله ، فكأنهم جعلوا الحب لله شيئا ، واتباع التكليف شيئا آخر، والله له على خلقه إيجاد، وا مداد، وتلك نعمة، ولله على خلقه فضل التكليف؛ لأن التكليف إن عاد على 1)) الحسن بن علي الجوزجاني، أبو علي، من كبار مشايخ خراسان. له التصانيف في الرياضيات وغيرها ، صحب محمد بن على الترمذي، ومحمد ابن الفضل؛ وهو قريب السن منهما. (طبقات الأولياء، ابن الملقن، ص333). 2)) الاعتصام، الشاطبي،1/112.) 3)) سهل بن عبد الله ابن يونس، شيخ العارفين، أبو محمد التستري، الصوفي الز اهد، مات في المحرم سنة 293ه، (سير أعلام النبلاء، الحافظ الذهبي، 13/335.) 4)) الاعتصام، الشاطبي،(1/117- 119.)
عدد الصفحات ١٠١85 المُكَلف - بفتح الكاف وتشديد اللام - ولم يعد منه شيء على المُكَلِّف بكسر الكاف فهذه نعمة من المكلِّف، إن الحق سبحانه لا يحتاج إلى أحد ولا من أحد، إن الحق سبحانه عندما كلفنا إنما يريد لنا أ ن نتبع قانون صيانة حياة الإنسان ".(1) 6) إن الإنسان عندما يقـول بأنـه يحـب الله تعـالى أو يحـب النبـي فـإن ذلـك الشـعور نـابع مـن حـب الإنســان للكمــالات والمثاليــة، وهــذا هــو المِحَــكُّ، فــإن الإنســان مــا دام أنــه أظهــر هــذا الشــعور، فعليــه الالتزام بما يمليه ذلك الحب عليه من أقوال وأفعال، وهذا الالتزام هو الاتِّباع. 7) أمر الله تعالى نبيه بالتمسك بالوحي السماوي، فقال سبحانه (ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ) [43]،ومعلوم أن النبي كان منذ البداية مستمسكا بما أوحاه الله تعالى إليــه، فــالأمر لــه – والله أعلــم - أنِ اثبُــت علــى تمسُّــكك، " والأمــر بــه مســتعمل فــي طلــب الــدوام "(2)، ومن هنا كان الأمر في حق أتباعه أوجب، فهم الذين تعتريهم الشهوا ت والأهواء والشـبهات، فبـيَّن الله تعالى لهم أن السبيل الوحيد والصحيح هو الاستمساك بالوحي، وينشأ عنه الاعتزاز بـه والجهـاد لنشـره في أصقاع الأرض، قياماً بالواجب، واهتداءً بأثر النبي في التبليغ والدعوة المطلب الثاني: وجوب طاعة الله ورسولٌ : قال الله تعالى: (ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ) [20]. أوجــب الله تعــالى طاعتَــه وطاعــة رســوله فــي كثيــر مــن المواضــع، إذ إن الــدين لا يســتقيم لمؤمنٍ إلا بهما، والتَّرقِّي في مدارج السالكين منوط بهما، فعلى طاعة الله تعالى وطاعة رسوله يقوم الدين، وتستقيم الحياة، قال تعالى: (ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ) [64]. أولا: المعنى الإجمالي " (ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ) الأمـــر للنبـــي بـــأن يـــدعوهم إلـــى طاعـــة الله وطاعتـــه، وهــو معنــى الاتبــاع فــي الماضــي، وتكــرر الأمــر بهــذه الصــيغة للإشــارة إلــى أن اتبــاع الرســول هــو طاعة لله وللر سول، فمن اتبع الرسول لا يطيع الرسول فقط، بـ ل يطيـع الله رب العـالمين، ومـا كـان الرسول ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، والسبب فـي التكـرار فـي ذاتـه هـو تأكيـد المعنـى الـــذي قررنـــاه، وهـــو أن محبـــة العبـــد للـــرب لـــيس لهـــا طريـــق إلا الاتبـــاع ...( ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ) أي: فإن أعرضوا عن اتباع ما تدعوهم وهو اتباعك الذي بـه تكـ ون إطاعـة الله ومحبتـه، 1)) تفسير الشعراوي، محمد متولي الشعراوي، 1/1419.) 2)) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، 21/225.)
عدد الصفحات ١٠٢86 فــإنهم لاَ ينــالون محبــة الله تعــالى؛ لأنهــم كــافرون؛ إذ تعمــدوا ألا يطيعــوك، وأنكــروا أن اتباعــك طريــق محبة الله رب العالمين ".(1) ثانياالعبر والدلالات المستفادة من الآية: 1) إن المالك بطبعه يريد أن يكون مُطاعاً فيمـا يملـك، وهـذا حـق واضـح لـه، لا يسـتطيع أحـد نزعَـه منـه، بل إن العقل الصريح والفطرة السليمة قد تواطــآ على ذلك، وما يخالف في ذلك أحد. 2) عندما أقرَّ قلب الإنسان وعقله بأن الله تعالى مالكُ الملك وخالقُ الوجود، كان لابد أن يذعنَ بالطاعـة لــــه لوحــــده وبــــلا منــــازع، كيــــف وقــــد قــــال الله تعــــالى: (ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ) [54]، لكــن الإنســان فــي كثيــر مــن الأحيــان تغلــب عليــه نزعــة التكبُّــر فيتمــرَّد علــى الأمــر، ويعصي الآمِر ؛ لذلك فـإن الله تعـالى يـذَكِّر عبـادَه طاعتَـه، ويُعـدِّد نِعمَـهُ علـيهم بمـا يضـعُهم أمـام خَيارٍ لا محيصَ لهم عنه، وهو الإذعان بالطاعة، والرضا بها وال تسليم لها. 3) لمَّا كان الرسل هم من يبلِّغ الناسَ دعوة التوحيد عن الله تعـالى، كانـت طـاعتهم واجبـة بهـذا الاعتبـار، فهـم الوسـطاء بـين الله تعـالى وخلقـه، كيـف وقـد اختـارهم الله تعـالى لأعظـم المهمـات، واصـطفاهم مــن الناس، وفضَّـلهم علـى العـالمين، فكيـف يجـدر بمـن يخـالفُهم أن يخـالفَهم؟ وكيـف لـذلك العبـدِ الآبـقِ أن يتجرَّأ على التمرُّد على من يمدُّون أيديهم إليه لينقذوه من وَه دَةِ الكفـر والعصـيان؟؛ لـذلك كـان الخطـاب بصـــيغة الأمـــر المق تَضِـــيَة للوجـــوب رعايـــةً لمصـــلحة العبـــد، ورحمـــةً بـــه أن يهـــويَ فـــي أوديـــة الضـــلال السحيقة فلا يجد منها خلاصاً. قــــــــــــال تعــــــــــــالى:(ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ) [63]، ففي هذه الآية تحذير شديد لمن يتعمَّد معصية الرسول، سواء بمخالفة شرعه، أو بالابتداع في الدين مما لم يأذن الله به. 4) أمر الله تعالى بطاعتهوطاعة رسوله ،قال تعالى: (ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ) [132]، و قــــال تعــــالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ... ﭡ ﭢ ﭣ ) [54]،وقد جاء في السنة المطهرة ما يحث على الطاعة والانقياد، ويحذر من المخالفـة والعصـيان، فَ عَ ن أبي هريرة أن رسول ا قال: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى)، قالوا : يـا رسـول الله ، ومن يأبى؟ قال: ( من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى ).(2) 1)) زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة، 3/1192،1125.) 2)) صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالقرآن والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول ا ،2/22)، حديث رقم 7295.
عدد الصفحات ١٠٣87 1) إنه لِـزام علـى المسـلم أن يطيـع رسـول ا فـي كـل مـا قـال، وعليـه أن لا يجـدَ فـي نفسـه شـيئا جرَّاء ذلـك، فقـد قـال الله تعـالى: (ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ) [65]، فعلــى المــرء أن يــدرِّب نفســه على الامتثال والا نقياد، فذلك علامة الحب الواض حة. 6) لقــد أعطــى ا الإنســان حريــة الاختيــار بــين الخيــر والشــر، والحــقِّ والباطــل، فقــال ســبحانه (ﮠ ﮡ ) [11]،ولكن على الإنسان أن لا يعطي نفسه الحقَّ في أن يتصرف وفق ما يمليــه عليــه هــواه، فــالله تعــالى لــم يتــرك عبــاده همــلاً، بــل دلَّهــم علــى طريــق الصــواب، وحــثَّهم عليــه، ووعـــدهم الأجـــرَ الجزيـــل إن هـــم أطـــاعوا، وتوعَّـــدهم العـــذاب والخســـران إن هـــم حـــادوا وتنكَّبـــوا الطريـــق الســويَّ، فكــان بع ــثُ الرســل، وا نــزالُ الشــرائع؛ لتقنــين حيــاة النــاس، وربطهــم بخــالقهم، قــالتعــالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ) [25]. 7) قد وعد ا الطائعين أجراً عظيما وثواباً جزيلاً فقال: ( ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ) [13]، وقال جلَّ شأنه (ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ) [69] ، وقال سبحانه ( ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ) [71]. 9) على الإنسان أن يعلم يقيناً أن طاعته لله تعالى لا تزيد في ملك ا تعـالى شـيئا، وأن معصـيته لمـولاه لا تُـنقِص ملكَــه شــيئا، فـالله تعــالى عنــدما أوجـب الطاعــة علــى عبـاده فإنــه يعلــم أنَّ فـي ذلــك صــلاح دنيــاهم وعمارةُ أُخراهم، لكن الإنسان لا يدرك ذلك إلا عند فوات الأوان، فيندم على ما فرَّط فـي جنـب الله ، وكــذلك فــإن الأنبيــاء علــيهم الســلام لا يملئــون جيــوبهم مــن طاعــة النــاس لهــم، فــالله تعــالى كلَّفهــم بــالتبليغ وحسب، ونهاهم عن إهلاك أنفسهم حسرةً على صدود الناس واستنكافهم عن طريق الحق المبين.
عدد الصفحات ١٠٤88 الفصل الثاني الدر اسة التحليلية لمقاصد وأهداف الرب الثاني من الحزب السادس الآيات ( 22 و14 ) ويشتمل على ثلاثة مباحث: المبحث الأول: المقواصد والأهوداف لسورة آل عموران الآيوات ( 22 و45). المبحث الثاني: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران الآيات ( 42 و41 ). المبحث الثالث: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران الآيات ( 41 و14 ).
عدد الصفحات ١٠٥89 المبحث اول المقاصد والأهداف لسورة آل عمران الآيات ( 22 و45) وفيهستة مطالب: المطلب الأول: حكمة الله تعالى في اصطفاء بعض عباده. المطلب الثاني: الخيرة فيما اختاره الله تعالى . المطلب الثالث: مظاهر عناية الله تعالى بمريم عليها السلام ومستقبلها . المطلب الرابع: الإيمان بأن الرزق بيد الله تعالى وحده . المطلب الخامس: عدم اليأس من رحمة الله تعالى . المطلب السادس: التنبيه على أهمية الذكر والتسبيح.
عدد الصفحات ١٠٦91 المطلب الأول: حكمة الله تعالى في اصطفاء بعض عباده: قال الله تعالى: ( ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ) [ل عمران22]. إن في اصطفاء الله تعالى لبعض عباده حكماً كثيرةً منها ما نعلمه، ومنها ما نعلمه، فهو سبحانه يختار لعباده قدوات يقتدي بها الناس، باعتبارهم ينابيع للخير، هؤلاء هم الأنبياء عليهم السلام، قد منحهم الله تعالى العصمةَ في أفعالهم وأقوالهم، واختارهم أرفعَ الناس نسَبا، وأطهرَهم سيرةً، وأنبلَهم أخلاقاً، وأزكاهم نفوساً، هم خير من دبَّت أقدامُهم على الأرض، وهم الوسائط بين الله تعالى وعباده، كلَّفهم سبحانه بالبلاغ عنه، ووعدهم بالنصر والتمكين في الأرض، ورصد لهم أعلى الدرجات في الآخرة. أولا: سبب النزول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: قالت اليهود نحن أبناء إبراهيم واسحاق ويعقوب ونحن على دينهم فنزلت هذه الآية ، يعني: إن الله اصطفى هؤلاء بالإسلام ، وأنتم على غير دين الإسلام.(1) ثانيا: المعنى الإجمالي " لما ادَّ عى نصارى وفد نجران ما ادَّ عَ وه في المسيح من تأليهه وتأليه أمه، أنزل الله تعالى هذه الآيات يبين فيها مبدأ أمر عيسى وأمه وحقيقة أمرهما ، فأخبر تعالى أنه اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران، اصطفاهم لدينه واختارهم لعبادته ، ففضَّ لهم بذلك على الناس، وأخبر أنهم ذري ةً بعضُ هم من بعض، لم تختلف عقائدهم، ولم تتباي ن فضائلهم وكمالاتهم الروحية، وذلك لحفظ الله تعالى لهم وعنايته بهم ".(2) ثالثا: معاني المفردات: 1) (ﮎ): " الصفاء: خلوص الشيء من الشَّوب "، و" الاصطفاء: تناول صفو الشيء... واص طِفاءُ اللَّهِ عب دَه قد يكونُ بإيجادِهِ إيَّاه صافِياً عن الشَّو بِ المَو جودِ في غي رِهِ، وقد يكونُ باخ تِيارِه وحك مِه ".(3) 1)) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي، 1/374)، معالم التنزيل، البغوي، 2/29.) 2)) أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير، أبو بكر الجزائري، 1/315.) 3)) انظر: تاج العروس من جواهر القاموس، الزبيدي، ( 39/426،427.)
عدد الصفحات ١٠٧91 "في معنى اصطفاء هؤلاء المذكورين ثلاثة أقوال ، أحدها: أن المراد اصطفى دينهم على سائر الأديان... والثاني : اصطفاهم بالنبوة ... والثالث : اصطفاهم بتفضيلهم في الأمور التي ميزهم بها على أهل زمانهم ".(1) 2) (ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ) أي: " متناسلة متشعبة أو متناصرة متعاضدة في الدين "، قال قتادة(2)" : في النية والعمل، والإخلاص والتوحيد ".(3) 3) (ﮝ ﮞ ﮟ) " يعني أن الله تعالى سميع لأقوال العباد عليم بنياتهم ، وا نما يصطفي لنبوته ورسالته من يعلم استقامته قولا وفعلا ".(4) رابعا المناسبة: يقول الإمام الفخر الرازي رحمه الله: " اعلم أنه تعالى لما بيّن أن محبته لا تتم إلا بمتابعة الرسل ، بيّن علو درجات الرسل وشرف مناصبهم فقال: ( ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ) .(5) خامسا: اللطائف البيانية قوله تعالى:(ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ) " المقصود بيان شدّة الاتصال بين هذه الذرية، فــــــ(مِ ن) للاتصال لا للتبعيض، أي: بين هذه الذرية اتّصالُ القرابة ، فكل بعض فيها هو متّصل بالبعض الآخر "(6)، وا ذا كان اتصال القرابة قويا، فإن الدين يجعل هذا الاتصال أشدَّ وأقوى. سادسا: العبر والدلالات المستفادة من الآيتين: 1) لقد شرَّف الله تعالى قوماً باختيارهم ليكونوا قدوة ينصبها الناس أمام أعينهم فيهتدون بها، فـــــ" الـــذين اصـــطفاهم الله هـــم الـــذين عَ لِـــم الله أزلا أنهـــم ســـيكونون طـــائعين "(7)، فالأنبيـــاء علـــيهم الســلام هــم عنــاوين الطهــر البشــري، اصــطفاهم الله تعــالى للــبلاغ عنــه رســالاتِه، وجعلهــم منــاراتِ هـــدى ومشـــاعلَ نـــورٍ يهتـــدي بهـــا النـــاس، بـــدأهم بـــآدم ، فهـــو أبـــو البشـــر، علَّمـــه الله تعـــالى 1)) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي، 1/371). 2)) قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز، الحافظ العلامة، أبو الخطاب السدوسي، البصري ، الضرير الأكمه المفسر، ولد سنة 61ه، و مات بواسط سنة 117 أو119 ه(تذكرة الحفاظ، ا لحافظ الذهبي، (1/122)، رجال صحيح البخاري، الكلاباذي، 2/625.) 3)) فتح القدير، الشوكاني،1/393.) 4)) لباب التأويل في معاني التنزيل، الخازن، 1/232.) 5)) التفسير الكبير، الرازي، 9/25.) 6)) التحرير والتنوير، ابن عاشور، 3/231.) 7)) تفسير الشعراوي، محمد متولي الشعراوي، ( 3/1427.)
عدد الصفحات ١٠٨92 الأسـماء كلَّهـا، وكفــاه هـذا شــرفا، ثـم جــاء مـن بعــده نـوح، فكــان شـيخ المرســلين، ولاقـى مــن قومــــه العنــــت، وظــــل ثابتــــا حتــــى أذن الله تعــــالى بــــالفرَج، فــــأغرق قومــــه ونجــــاه ومــــن معــــه مــــن المؤمنين، ثم جاء من بعده إبراهيم ، فكان رأس الموحـدين فـي زمانـه، و اشـتدَّت بـه البلـوى، فألقـاه قومه في النار فلم تضُرَّه، وجاء من نسله الأنبياء عليهم السلام فكان أباً للأنبياء، وبعـد رَد ح مـن الـزمن خلـــق الله تعــــالى عيســـى مــــن أم بـــلا أب فكــــان آيـــةً للعــــالمين، وجعلـــه الله نبيــــا إلـــى بنــــي إسرائيل من بعد موسى ، فآمن به قوم، وكفر به آخر ون، وذكره الله تعالى في مواضع كثيرة مـن كتابه الكريم، ثم رفعه الله تعالى إليه، وينزل في آخر الزمان فيقتـل الـدجال ثـم يمـوت ، قـال تعـالى: (ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ) [91]. وهذا التسلسل فيه " إشارة إلى أن الخليقة لم تَ خ لُ من هاد يهديها إلى الحق وا لى صراط مستقيم؛ فقد ابتدأت الهداية بأبي الإنسانية آدم كما قال تعالى:(ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ) [122]، فهــو أول خليفــة، وأول هــاد للإنســانية بمقتضــى أبوتــه، وبمقتضــى اجتبــاء الله تعــالى له، وقد حكم بأنه هداه، واهتدى به بنوه من بعده ".(1) 2) "بين الله سبحانه بعد ذلك تسلسل هذه الصفوة المختارة بعضِ ها من بعض فقال: (ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ) ... ومعنى النص الكريم أن أولئك المصطفَ ين الأخيار بعضهم ذرية من بعض، فهم متصلو النسب بسلسلة لاَ تنقطع، فنوح من ذرية آدم، وآلُ إبراهيم من ذرية نوح، وآل عمران من ذرية آل إبراهيم، وهكذا، فهي سلسلة مت صل بعضها ببعض في النسب والهداية ، ويترتب على أن بعضهم من بعض أن تتشابه صفاتهم في الخير والفضيلة ما داموا جميعا مصطفَ ين، وما داموا جميعا من سلسلة ونسبة واحدة ".(2) 3) الاصطفاء ليس مقصورا على الأنبياء، بل إنه يمتد إلى غيرهم، فعن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ( : إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة ، واصطفى هاشما من قريش، واصطفاني من بني هاشم ).(3) 4) الاصطفاء ليس مقصوراً على البشر فقط، فإن الله تعالى اصطفى جبريل على الملائكـة، وجعلـه واسطة بينه وبـين أنبيائـه الكـرام، فكـان أمينـا علـى الـوحي، قـال تعـالى: (ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ) [75]. 1)) زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة، 3/1124.) 2)) المصدر السابق، (3/1124،1121.) 3)) سنن الترمذي، كتاب المناقب، باب فضل النبي ،1/193)، حديث رقم 3656، قال الألباني: صحيح
عدد الصفحات ١٠٩93 المطلب الثاني: الخيرة فيما اختاره الله تعالى : قال الله تعالى:(ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ) [21- 21]. يُعتبر رضا العبد بما قسمه الله تعالى له من العلامات الدالَّة على صدق الإيمان، والرضا عن الله وبما يختاره الله تعالى للعبد منزلة سامية، يحتاج العبد للحصول عليها إلى جرعات كافية من الإيمان العميق الذي يسمو بصاحبه إلى أعلى الدرجات، ويوصله إلى منازل السعداء. أولا: القراءات: قرأ ابن عامر ويعقوب وأبو بكر (وضعتُ) بإسكان العين وضم التاء، و قرأ الباقون (و ضعَ ت ) بفتح العين وا سكان التاء.(1 ) قال الإمام ابن عاشور رحمه ا قرأ الجمهور: وضعَت بسكون التاء فيكون الضمير راجعاً إلى امرأة عِمران، وهو حينئذ من كلام الله تعالى وليس من كلامها المحكي، والمقصود منه: أنّ اللَّه أعلمُ منها بنفاسة ما وضعت، وأنها خير من مطلق الذكر الذي سأل ته، فالكلام إعلام لأهل القرآن بتغليطها، وتعليم بأنّ من فوّض أمره إلى الله لا ينبغي أن يتعقّب تدبيره، وقرأ ابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم ، ويعقوب : بضم التاء، على أنها ضمير المتكلمة امرأةِ عمران فتكون الجمل ة من كلامها المحكي، وعليه فاسم الجلالة التفات من الخطاب إلى الغيبة فيكون قرينة لفظية على أنّ الخبر مستعمل في التحسر ". (2) ثانيا المعنى الإجمالي: " اذكر أيها النبي حال امرأة عمران إذ نذرت وقت حملها تقديم ما تحمله خالصاً لعبادة الله وخدمة بيته قائلة: يا رب ، إني نذرت ما ف ي بطني خالصاً لخدمة بيتك فاقبل منى ذلك، إنك السميع لكل قول، العليم بكل حال، فلما وضعت حملها قالت معتذرة تناجى ربها: إنى وَ لَدت أُنثى والله عليم بما ولدت، وأن مولودها وهو أنثى خير من مطلوبها وهو الذَّ كَ ر، وقالت: إني سميتها مريم وا نِّ ي أسألك أن تحصِّنها هي وذريتها من غواية الشيطان الرجيم ".(3) 1)) انظرالنشر في القراءات العشر، ابن الجزري، ( 2/232). 2)) التحرير والتنوير ، (3/233.) 3)) تفسير المنتخب، لجنة من علماء الأزهر، 1/22.)
عدد الصفحات ١١٠94 ثالثامعاني المفردات : 1) (ﮬ) : " عتيقاً خالصاً لله خادماً للكنيسة، والمراد هنا: الحرية التي هي ضد العبودية. وقيـل: المـراد بالمحرر هنا: الخالص لله سبحانه، الذي لا يشوبه شيء من أمر الدنيا ".(1) 2) (ﯩ) : " أجيرهــا بحفظــك (ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ) أي: المطــرود لمخالفتــك، فــلا تجعــل عليها وعلى ذريتها له سلطاناً يكون سببا لطردهما ".(2) رابعا العبر والدلالات المستفادة من الآيتين: 1) كانــت امــرأة عمــران قــد شــاخت ولــم تلــد، وكانــت تتمنــى أن تلــد، ونــذرت لله تعــالى أنهــا إن ولــدت فإنهــا ســتحرره ويكــون خ ادمــا للكنيســة، وكانــت تؤمِّــل ذكــراً، ولكــن المولــود جــاء أنثــى، فتحسَّــرت وتحزَّنــت لمَّــا علمت أنَّ ذلك سيفوتها، لكنّها سلَّمت ورضيت بما قدَّره الله تعالى لها، فكان ذلك علامة إيمانها، ودَعَـت لابنتهــا ولــذرِّيَّتها مــن بعــدُ بــالحفظ والوقايــة مــن الشــيطان الــرجيم، فكــان الجــز اء أن تقبَّــل الله تعــالى منهــا مــا وهبت ه، وجعلها- أي مـريم - وابنهـا آيـة للعـالمين؛ ولـذلك جـاء فـي الآيـة بعـدها: (ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ) [37]، " فالحسن هنا هـو زيـادة فـي الرضـا ؛ لأن كلمـة (قَ بـول) تعطينـا معنـى الأخـذ بالرضا ، وكلمة (حَ سَ ن) توضح أن هناك زيادة في الرضا، وذلك مما يدل على أنَّ الله قد أخذ ما قدمتـه امرأة عمران بِ رِ ضا، وبشيء حسن، وهذا دليل على أن الناس ستلمح في تربيتها شيئا فوق الرضا ".(3) 2) إنَّ ما حصـل مـن امـرأة عمـران مـن الرضـا بمـا اختـاره الله تعـالى لهـا أمـر عظـيم وذو شـأن خطيـر؛ ذلـك لأن الأمر متعلِّق بالإيمان بشكل مباشر، ففي مثل هذه الأحوال يتضجَّر النـاس، ويَش ـكُون خـالقَهم إلى المخلوقين الضعفاء أمثالهم، لكن الإيمان بأن ما يختاره الله تعالى للعبـد يـريح قلبـه وعقلـه مـن التفكيـر في العواقب، فالله تعالى لا يختار لعبده إلا الخير، وا ن بَدَا للعبد أنه شر، لكنَّ الله تعالى هو من يعلـم مـا يصلِح عباده وما ينفعهم. 3) إن الراحـــة التـــي يشـــعر بهـــا المســـلم عنـــدما يرضـــى عـــن الله تعـــالى وأقـــداره يجـــب أن تدفعـــه إلـــى الطاعة قُدُما، فَبَع د الإيمان يأتي العمل، فالمؤمن لا اختيار له فـي الطاعـة، فإنـه قـد آمَـنَ ابتـداءً، وعليه الآن أن يعمل بمقتضى إيمانه وهو الطاعة وا لإذعان، فإنه " لم يكن لمؤمن بالله ورسـوله، ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله في أنفسهم قضاء أن يتخيروا من أمرهم غير الذي قضى فـيهم، ويخالفوا أمر الله وأمر رسـوله وقضـاءهما فيعصـوهما، ومـن يعـص الله ورسـوله فيمـا أمـرا أو نهيـا 1)) فتح القدير، الشوكاني،1/394.) 2)) محاسن التأويل، القاسمي،2/312.) 3)) تفسير الشعراوي، محمد متولي الشعراوي، ( 3/1431.)
عدد الصفحات ١١١95 (ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ) أي: فقد جار عن قصد السبيل، وسلك غير سبيل الهدي والرشاد ".(1) 4) إذا أراد المتأمِّل قياساً على الواقع فإنه يجد من يقوم علـى أمـر المسـلمين قـدانحـرف عـن هـذه الجـادَّة، بـل لـم يكتَـفِ بـذلك حتــى عـارض مـا شــرعه الله تعـالى بمــا سـنَّ لنفسـه مــن قـوانينَ خرقـاءَ جامــدةٍ ، أو اسـتدعى مَــن يضع له هذه القوانين مِن الغرب الكـافر أو الشـرق الملحـد، ويجـدون فـي كـل فتـرة خروقـا عميقـة فـي قـوانينهم تلك، فهذه الصورة وما يشابهها تمثل اعتداءً صارخا على حقِّ الله تعالى في التشريع، وهـذا يُعـدُّ تجافيـاً عمَّـا أنــزل الله تعــالى مــن كتــاب، ولــو أنهــم اهتــدَوا بمــا جــاء بــه النبــي ، لسَــلِموا وسَــلِمت شــعوبهم ممــا تعانيــه، ولكنهم لمَّا جاروا على الحق ونَحَّو ه جانبا، سلَّط الله تعالى عليهم عدُواا من أنفسهم ومن غيـرهم، يعبـث بهـم، وينتهك حرماتِهم وبلادَهم، وهم لا يجدون في ذلك غَضَاضَةً، إذ إنهم لم يغاروا على دينهم، فكيـف يغـارون على أنفسهم؟، وهذه سُنَّةُ الله تعالى، فإنه سبحانه قد جرت سُنَّتُه أن يُذِلَّ من عصاه. المطلب الثالث: مظاهر عناية الله تعالى بمريم عليها السلام ومستقبلها: قال الله تعالى: (ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ) [21]. كانت أمُّ مريم امرأة صالحة، حيث دَعَتِ ا تعالى أن يعيذَ ابنتها مريم مـن الشـيطان الرجيم، فتقبَّل الله تعالى نذرها، وأعطاها سؤلها، وفي صلاح مريم عليها السلام دليل على أنَّ صلاح الأبناء من صلاح الآباء. أولا: القراءات: قرأ الكوفيون (وكفَّلها) بتشديد الفاء، و قرأ الباقون (وكَفلها) بتخفيفها(2)،وقرأ ال كوفيون " وكفَّ لها" بالتشديد، فهو يتعدى إلى مفعولين، والتقدير وكفَّ لها ربُّ ها زكريا، أي ألزمه كفالتها وقدر ذلك عليه ويسره له. .. وخففه الباقون على إسناد الفعل إلى زكريا ، فأخبر الله تعالى أنه هو الذي تولى كفالتها والقيام بها، بدلالة قوله: ( ﯥ ﯦ ﯧ ) [:44]،وقد جمع مكي بن أبي طالب(3) رحمه الله بين القراءتين ف قال: " وهو الاختيار ؛ لأن التشديد يرجع إلى التخفيف، 1)) جامع البيان، الطبري، 25/271.) 2)) انظر النشر في القراءا ت العشر، ابن الجزري، ( 2/232). (3) مكي بن أبي طالب حموش بن محمد بن مختار أبو محمد، القيسي، النحوي، المقرئ، صاحب الإعراب، ولد في شعبان سنة 311ه، وأصله من القيروان، وكان من أهل التبحر في علوم القرآن والعربية ، مات في المحرم سنة 437ه،(بغية الوعاة في طبقات ال لغويين والنحاة، السيوطي، 2/229.)
عدد الصفحات ١١٢96 لأن الله تعالى إذا كفلها زكريا كفلها بأمر الله، ولأن زكريا إ ذا كفلها فعن مشيئة الله وقدرته ".(1) ثانياالمعنى الإجمالي: قـــــال تعـــــالى: " (ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ) أي: جعلهـــــا نـــــذيرة مقبولـــــة، وأجارهـــــا وذريتهـــــا مـــــن الشــيطان (ﯴ ﯵ ﯶ ) أي: نبتــت نباتــا حســنا فــي بــدنها وخلقهــا وأخلاقهــا ؛ لأن الله تعــالى قــيض لهــا زكريـا (ﯷ) إيــاه، وهـذا مــن رفقــه بهـا ليربيهــا علـى أكمــل الأحــوال، فنشـأت فــي عبـادة ربهــا وفاقــت النســـاء، وانقطعـــت لعبـــادة ربهـــا، و لزمـــت محرابهـــا أي: مصـــلاها ، فكـــان (ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ) أي: مــــــــن غيــــــــر كســــــــب ولا تعــــــــب، بــــــــل رزق ســــــــاقه الله إليهــــــــا، وكرامــــــــة أكرمهــــــــا الله بهــــــــا، فيقـــــول لهـــــا زكريـــــا (ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ) فضـــــلا وا حســـــانا، (ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ) أي: من غير حسبان من العبد ولا كسب ".(2) ثالثا: معاني المفردات: 1) (ﯰ) : " التقبُّل: أخذ الشيء على وجه الرضا ، أي: تقبل مني نذري بما في بطني ".(3) 2) (ﯴ ﯵ ﯶ ) " أي: جعل نشوءَها نشوءًا حسناً ".(4) 3) (ﯷ ﯸ) : قــال مجاهــد رحمــه الله: " ســاهمهم بقلمــه "، وقــال قتــادة: " تســاهموا علــى مريم أيهم يكفلها ". (5) 4) (ﯾ): صدر المجلس، والجمع محاريب ، ومِح رابُ المَس جِد صَد رُه وأَش رَفُ موضع فيه، والمِح رابُ الغرفة. (6) 1) "(ﰅ): تكــون بمعنــى: كيــف، كقولــه تعــالى: (ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ) تأويلــه: مــن أيــن لــك هــــذا، وقــــد يجــــازى بهــــا، وتكــــون بمعنــــى: مــــ ن أيــــن نحــــو قولــــه تعــــالى: ( ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ) [111]، والمعنيان متقاربان يجوز أن يتأول كل واحد منهما للآخر ".(7) 1)) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 1/156.) 2)) تيسير الكريم الرحمن ، السعدي، ص122. 3)) فتح البيان في مقاصد القرآن ، صديق خان القنوجي، (2/222.) 4)) معاني القرآن وا عرابه، الزجاج،1/452.) 5)) تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم، (1/632.) 6)) انظر: معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، 2/32)، مختار الصحاح، زين الدين الرازي، ص 62، لسان العرب، ابن منظور، (1/352.) 7)) حروف المعاني، الزجاج، 1/61.)
عدد الصفحات ١١٣