65 المطلب الثالث: الإيمان بأن الرازق هو الله تعالى وحده : قال الله تعالى: (ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ) [01]. إن قضية الرزق من مُسلمات العقل التـي لا ريـب فيهـا، ويجـب ألا يتطـرَّق الشـكُّ إليهـا أبـدا، فإن الذي خلق هو الذي تكفَّل لخلقه بأرزاقهم، وقد حسم القرآن الكريم هذه المسألة، فقال تعالى: (ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ) [22 ،23]. أو المعنى الإجمالي: ذكــر الإمــام الفخــر الــرازي رحمــه الله وجوهــ اً، " الأول: أنــه يعطــي مــن يشــاء مــا يشــاء لا يحاسبه على ذلك أحد، إذ ليس فوقه ملك يحاسبه بل هو الملك يعطي من يشاء بغير حساب، والثاني: ترزق من تشاء غير مقدور ولا محدود، بل تبسطه له وتوسعه عليه كما يقال : فلان ينفق بغير حساب إذا وصف عطاؤه بالكثرة ، ونظيره قولهم في تكثير مال الإنسان: عنده مال لا يحصى، والثالث: ترزق من تشاء بغير حساب ، يعني على سبيل التفضل من غير استحقاق؛ لأن من أعطى على قدر الاستحقاق فقد أعطى بحساب، وقال بعض من ذهب إلى هذا المعنى: إنك لا ترزق عبادك على مقادير أعمالهم ، والله أعلم ".(1) ثانيا: العبر والدلالات المستفادة من الآية 1) الرزق مكفـول للإنسـان وهـــو لا يــــزال في بطن أمه جنيناً، فالعجــب مـــن أولئك الذين رضُوا بقسمة الله تعالى لهم في عقولهم، ولم يرضَوا بقسمة الله تعالى لهــم فــي أرزاقهم، وهؤلاء ما كان وقوعهم في مثل ذلك إلا لاعتمادهم على الأسبــــــــــاب بالكلِّية، وانشغـــــــالهم بالأسباب عن المُسبِّب ، وهذا طعن في التوكل على الله تعالى، فلو توفَّر الـيقيــن لكـان التوكـل، قـال رسول الله : (لووو أنكم كنتم توكلون على الله حوق توكلوٌ لرزقتم كم ووووووا يرزق الطير تغدو خماصا و تروح بطانا ).((2 2) العلاقة بين الرزق والأسباب متينة وعميقة، لكن كثيرا من الناس يفهمون هــــــذا الأمر على غير وجهه الصحيح، فهم يعتمدون على الأسباب وكأنها كلُّ شيء، وهؤلاء ما عرفوا التوكُّل أبداً، فقد اتجهوا الوِجهة الخطأ، وضلُّوا السبيل، فهم الماديون الذين ينظرون إلى الأمور بمنظارهم المادي البحت، ونَسَوا المُسبِّبَ وهو اللهُ ، وما علموا أن الله تعالى يــرزق بسبب وبدون سبب، ومن الناس من رَكَنَ إلى الراحة والدَّعَة، بحجة التوكل والاعتمـــــاد علــى الله تعالى، وهذا هو التواكل، 1)) التفسير الكبير، الرازي ، (9/15.) 2)) سنن الترمذي، كتاب الزهد، باب في التوكل على الله، 4/173)، حديث رقم 2344، قال الألباني: صحيح.
عدد الصفحات ٨٢66 وهذا ما بثَّه أدعياء التصوُّف فيهذه الأمة، لكـــنَّ الواجبَ والصحيحَ أن يعملَ الإنسان بالأسباب وكأنها كلُّ شيء، ويتوكلَ على الله تعالى وكــــــأن الأسباب لا شيء. 3) الرزق ليس مقصورا على ما يؤتاه الإنسان من مال ومتاع، بل هو متعـدِّد ومتنـوع، فـالعلم رزق، وكــذلك الصــحة، وقــوة البــدن، ومحبــة النــاس، و الزوجــة الصــالحة، والأبنــاء البــارُّون، والصـــــحبة الصـــــالحة، والفهـــــم الصـــــحيح للأمـــــور، والشـــــهادة فـــــي ســـــبيل الله تعـــــالى رزق، والخاتمة الحسنة رزق أيضا، كلُّ ذلك مـن أبـواب الـرزق، وأبوابـه كثيـرة وهـي أكثـر مـن أن تُعَدُّ، لكن أعظمها قدراً أن يؤتيَ اللهُ تعالى الإنسانَ الهداية إلى الإسلام، ويثبِّتَه عليها.
عدد الصفحات ٨٣67 المبحث السادس المقاصد والأهداف لسورة آل عمران الآيات ( 21 و22 ) وفيهأربعة مطالب: المطلب الأول: النهي عن موالاة الكفار. المطلب الثاني: مراقبة الله تعالى في السر والعلانية . المطلب الثالث: التذكير بيوم القيامة وجزاء الأعمال . المطلب الرابع: تنبيه المؤمنين إلى الخوف من الله تعالى وعقابه.
عدد الصفحات ٨٤68 المطلب الأول: النهي عن موالاة الكفار: قال الله تعالى:(ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ) [01]. الولاء والبراء عقيدة يت ميـز بهـا المسـلم مـن غيـره، فالـدين فـي أصـله قـائم علـى المـوالاة فــي الله والمعــاداة فــي الله تعــالى، فالمســلم فــي كــل أحوالــه مــوالٍ لأبنــاء دينــه وا ن خــالفوه الــرأيَ والوسائل، مُعادٍ لمن اتَّخذ نِحلةً غيرَ الإسلام وا ن كان أقرب الناس إليه. أولا: سبب النزول: " عن ابن عباس قال: كان الحجاجُ بن عمرو حليفُ كعب بن الأشرف، وابن أبي الحقيق، وقيس بن زيد، قد بَطَنوا بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر بن زَن بَر، وعبد الله بــن جبيــر، وســعد بــن خيثمــة، لأولئــك النفــر: اجتنبــوا هــؤلاء اليهــود، واحــذروا لــزومهم ومبــاطنتهم لا يفتنوكم عن دينكم، فأبى أولئك النفر إلا مُباطنتهم ولزومهم، فأنزل الله :(ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ) إلى قوله: (ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ) ".(1) ثانيا: المناسبة " اســتئناف عُقِّــب بــه الآيُ المتقدمــة، المتضــمّ نة عــداء المشــركين للإســلام وأهلــه، وحســد اليهود لهم، وتولّيهم عنه من قوله: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ) [11] إلى هنـا، فالمناسبة أنّ هذه كالنتيجة لما تقدمها ".(2 ) ثالثاالمعنى الإجمالي: " لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفارَ ظهرًا وأنصارًا توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلُّونهم على عوراتهم، فإنه مَن يفعل ذلك ( ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ) يعني بذلك: فقد برئ من الله وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر (ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ) إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم 1)) جامع البيان، الطبري ، (6/314)، تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم، (1/622)،و عن ابن عباس : نزلت في عبادة بن الصامت ا نصاري وكان بدريا نقيبا، وكان له حلفاء من اليهود، فلما خرج النبي يوم الاحزاب قال عبادة: يا نبي الله إن معي خمسمائة رجل من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو، فأنزل الله تعالى (ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ) . (أسباب النزول، الواحدي، ص 151). 2)) التحرير والتنوير ، ابن عاشور، (3/211.)
عدد الصفحات ٨٥69 الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مُسلم بفعل ".(1) رابعا: معاني المفردات 1) (ﯡ ﯢ ﯣ ) والمعنى: " مباعدين المؤمنين أي في الولاية ، وهو تقييد للنهي بحسب الظاهر، فيكون المنهي عنه اتخاذ الكافرين أولياءَ دون المؤمنين، أي ولاية المؤمن الكفّار التي تنافي ولايته المؤمنين، وذلك عندما يكون في تولّي الكافرين إضرار بالمؤمنين ".(2) 2) (ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ) "أي: مـن يـــرتكب نه ي الله في هذا فقـد بــــرئ م ـن الله".(3) 3) (ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ) " أي: إلا من خاف في بعض البلدان أو الأوقات من شرهم، فله أن يتَّ قيهم بظاهره لا بباطنه ونيته ".(4) 4) (ﯳ ﯴ ﯵ ) " يعني: يخوفكم الله بعقوبته يعني الذي يتخذ الكافر وليا بغير ضرورة وهذا وعيد لهم ويقال إذا كان الوعيد مبهما فهو أش د ".(5) خامسا: اللطائف البيانية 1) في قوله تعالى(ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠﯡ ﯢ ﯣ )، إشارة بلاغية رائعة ، " فإنه من المقررات البيانية أن اللفظ إذا أعيد معرفا بـ(أل) كان الثاني هو عين الأول... فتكرار المؤمنين بالتعريف بأل إشارة إلى أن الثاني هو عين الأول، وفي ذلك إشارة إلى أن المؤمنين الذين يدخلون ولايةَ غيرهم يتركون أنفسهم، ويتخذون من عدوهم نكاية لأنفسهم ".(6) 2) "في هذه الآية التفات بديعمن الغيبة إلى الخطاب، ولو جرى على سَ نَ ن الكلام لقال: إلا أن يتقوا ، ولكنه عدل عن الغيبة إلى الخطاب لِ سِ ر كأنه أَ خ ذَ ةُ السَّ حَ ر، فإن موالاة الكفار والأعداء وكل من يتآمر على سلامة الأوطان أمر مس تَ سمج مستقبح، ينكره الطبع ولا يليق أن يواجه به الأصفياء والأولياء، فجاء به غائبا كأنه يرسم لهم خطا بيانيا ".(7) 1)) جامع البيان، الطبر ي، (6/313.) 2)) التحرير والتنوير ، ابن عاشور، (3/216.) 3)) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، (3/44.) 4)) المصدر السابق، (3/44.) 5)) بحر العلوم، أبو الليث السمرقندي، 1/231.) 6)) انظر: زهرة التفاسير ، محمد أبو زهرة، (3/1176.) 7)) انظر: إعراب القرآن وبيانه ، محيي الدين الدرويش، (1/492.)
عدد الصفحات ٨٦71 3) (ﯳ ﯴ ﯵ ) " فيه من التهديد ما لا يخفى عِ ظَ مُ ه، وذَ كَ ر النفس للإيذان بأن له عقابا هائلا لا يؤبَ هُ دونَ ه بما يحذر من الكفرة ".(1) سادسا: العبر والدلالات المستفادة من الآية 1) الولاء والبراء لُبُّ عقيدة التوحيد، بهما يستطيع المسلم قياس وزن الدين عندَه، وهما يعبِّران عن مدى إخلاص المسلم لدينه وأُمَّته، وقد وقف الكثيرون على هذا الحد، فمنهم من تجاوزه، وأورَدَ نفسَه موارد الهَلَكَة، ومنهم من رابط في مكانه، رافضاً انطماسَ بصيرته، وخائفاً من خُفوت نور الهدى في قلبه، وهؤلاء هم حرَس الحدود، قد حفظوا مواقعهم، فلم يُجاوزوها، والتزموا تعاليم دينهم فقدَّسوها. 2) إن أوثق عرى الإيمان الحبُّ في الله، والبغض في الله، وهذا مفهوم غفل عنه جمٌّ غفير من المسلمين، رغم أنه أساس في الاعتقاد، ف عن أبي أمامة عن رسول ا أنه قال: ( من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومن لله فقد استكمل الإيمان ).(2) يقول استاذ سيد قطب رحمه الله: " إنه لا يجتمع في قلب واحد حقيقة الإيمان بالله وموالاة أعدائه الذين يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم فيتولون ويعرضون ، ومن ثم جاء هذا التحذير الشديد، وهذا التقرير الحاسم بخروج المسلم من إسلامه إذا هو و الى من لا يرتضي أن يُ حكِّ م كتاب الله في الحياة، سواء كانت الموالاة بمودة القلب، أو بنصره، أو باستنصاره ".(3) 3) الولاء في اصطلاح الشرع : " النصرة والإكرام والاحترام والكون مع المحبوبين ظاهراً ".(4) فموالاة الكفار تعني التقرب إليهم وا ظهار الود لهم، بالأقوال والأفعال والنوايا.(5) والبراء " هو البعد والخلاص والعداوة بعد الإعذار والإنذار ".(6) " الولاية ضد العَداوة، وأصل الولاية المحبَّة والقُرب، وأصل العداوة البغض والبعد ".(7) 1)) إرشاد العقل السليم، أبي السعود، (2/23)،قوله: (ﯳ ﯴ ﯵ ) في هذه الآية تهديد شديد، وتخويف عظيم لعباده أن يتعرضوا لعقابه بموالاة أعدائه. (فتح القدير، الشوكاني، 1/442.) 2)) سنن أبي داود، كتاب السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، ص 115، حديث رقم 4691، قال الألباني: صحيح. 3)) في ظلال القرآن ، سيد قطب، (1/391.) 4)) تيسير العزيز الحميد، سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، ص 945. 5)) الإيمان، محمد نعيم ياسين، ص171. 6)) الولاء والبراء في الإسلام، محمد بن سعيد القحطاني، ص 75. 7)) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ، ص 13.
عدد الصفحات ٨٧71 4) من صور موالاة الكافرين ذكــر الإمام ابن عـاشـور رحمه الله أنـه استخلـص من الآيـة ثـمانية أحــوال، وهي باختصار: الأولى: أن يتّخذ المسلم جماعة الكفر، أو طائفته، أولياء له في باطن أمره، ميلاً إلى كفرهم ، ونواءً لأهل الإسلام، وهذه الحالة كفر، وهي حال المنافقين. الثانية: الركون إلى طوائف الكفر ومظاهرتهم لأجل قرابة ومحبة دون الميل إلى دينهم. الثالثة: موالاة طوائف من الكفّار غير متجاهرين ببغض المسلمين ولا بأذاهم . الرابعة: موالاة طائفة من الكفّار لأجل الإضرار بطائفة معيّنة من المسلمين. الخامسة: أن يتّخذ المؤمنون طائفة من الكفّار أو لياء لنصر المسلمين على أعدائهم. السادسة: أن يتّخذ واحد من المسلمين واحداً من الكافرين بعينه وَليّاً له، في حسن المعاشرة أو لقرابة، لكمال فيه ، من غير إلحاق الضــر ر بالمسلمين، وذلك غير ممنوع . السابعة: حالة المعاملات الدنيوية: كالتجارات، والعهود، والمصالحات ، أحكامها مختلفة باختلاف الأحوال وتفاصيلها في الفقه. الثامنة: حالة إظهار الموالاة لهم لاتّقاء الضر.(1) 1) ادلة على وجوب موالاة المؤمنين والتبرؤ من الكافرين كثيرة، فمنها في القرآن الكريم قوله تعالى: و قوله تعالى: ( ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ) [51]، وقوله تعالى(ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ) [71]، ومن الأحاديث النبوية: عن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله جهارا غير سر يقول : ( ألا إن آل أب ي - يعنى فلانا - ليسوا ل ي بأولياء، إنما وليي الله وصالح المؤمنين ).(2) وقالرسول الله :( المسلم أخو المسلم لا يظلمٌ ولا يسلمٌ ...).(3) 1)) انظر: التحرير والتنوير ، ابن عاشور، (3/217- 225). 2)) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب موالاة المؤمنين ومقاطعة غيرهم والبراءة منهم، 1/136)، حديث رقم 141. 3)) صحيح البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب لا يظلم المسلمُ المسلمَ ولا يُسلمه، (3/129)، حديث رقم 2442.
عدد الصفحات ٨٨72 المطلب الثاني: مراقبة الله تعالى في السر والعلانية : قال الله تعالى: (ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ) [01]. إن علمَ الله تعالى بالغ كلَّ مكان، قال تعالى: (ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ) [5]، وقال سـبحانه (ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ) [19]، فـإذا كـان هـذا المفهـوم في عقل الإنسان مركوزاً فعليه أن يأخذ حذره جيداً، فيُخلص النية ويُحسِنُ التصرُّفَ ويتقِنُ العمل. أولا: المعنى الإجمالي: " إنـه سـبحانه يعلــم مـا تنطـو ي عليــه نفوسـكم إذ توالــون الكـافرين أو تـوادّونهم أو تتقــون مـنهم مــا تتقون، فإن كان ذلك يميل بكم إلى الكفر جازاكم عليه، وا ن كانت قلوبكم مطمئنة بالإيمان غفر لكم ولم يؤاخذكم على عمل لا جريمة فيه على الدين ولا على أهله، وهو إنما يجازيكم بحسب علمه المحيط بما في السموات والأرض، لأنه الخـالق لهـا كمـا قـال: (ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ) [14]، (ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ) فهــو يقــدر علــى عقــوبتكم فــلا تجســروا علــى عصــيانه ومــوالاة أعدائــه، إذ مــا مــن م عصــية خفيّــة كانت أو ظاهرة إلا وهو مطلع عليها قادر على عقاب فاعلها ".(1) ثانيا: المناسبة قــال الإمــام الفخــر الــرازي رحمــه الله: " ا علــم أنــه تعــالى لمــا نهــى المــؤمنين عــن اتخــاذ الكــافرين أوليـاء ظـاهراً وباطنــاً واسـتثنى عنــه التقيـة فـي الظــاهر، أتبـع ذلــك بالوعيـد علـى أن يصــير البـاطن موافقــاً للظاهر في وقت التقية، وذلك لأن من أقدم عند التقية على إظهار الموالاة، فقد يصير إقدامه على ذلك الفعــل بحســب الظــاهر ســبباً لحصــول تلــك المــوالاة فــي البــاطن، فــلا جــرم بــيّن تعــالى أنــه عــالم بــالبواطن كعلمه بالظواهر، فيعلم العبد أنه لا بد أن يجازيه على كل ما عزم عليه في قلبه ".(2) ثالثا: اللطائف البيانية 1) ذِك ر العام بعـد الخـاص حيـث ذكـر أولاً (ﯾ ﯿ ﰀ) ثـم قـال: (ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ) للتأكيد والتقرير (3)، " فصـار علمـه بمـا فـي صـدورهم مـ ذكوراً مـرتين علـى سـبيل التوكيد، أحدهما: بالخصوص، والآخر: بالعموم، إذ هم ممن في الأرض ".(4) 1)) تفسير المراغي، الشيخ أحمد مصطفى المراغ ي، (3/139.) 2)) التفسير الكبير، (9/11.) 3)) انظر: الدر المصون، السمين الحلبي، (3/114)،إرشاد العقل السليم، أبو السعود، (2/23.) 4)) البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي،(2/444.)
عدد الصفحات ٨٩73 2) (ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ) " إظهـار الاسـم الجليـل فـي موضــع الإضـمار لتربيـة المهابـة وتهويــل الخطب ".(1) 3) "جاءت كلمة (ﰑ) نكرةً في الفاصلة لتبين معاني كثيرة، فهي تعم كمال القدرة من علم ما تخفيــه صــدورهم ومــا تعلنــه، وكــذلك القــدرة علــى حســابهم وعقــابهم عمــا أخفــوه مــن بــاطن، وكــذلك على إظهار ما أخفته صدورهم ".(2) رابعا: العبر والدلالات المستفادة من الآية 1) من جِبِلَّة الإنسان الوقوعُ في المخالفات، وارتكابُ المحرمات، لكنَّ اللَّبيب من يستطيع كب حَ جِماحـه عــن شــهواته، وهــذا نــابع مــن استشــعارٍ بــالغٍ لِمَعِيَّــة الله ومراقبتــه، وهــذه مــن صــفات ال مــؤمنين الصادقين، فمنزلة المراقبة سامقةُ الذُّرى، رفيعةُ الجَنَاب، لا يستطيعُها إلا من جعل العزيمةَ مقصدَه، والطاعــــةَ ســــبيلَه، ورضــــا الله غايتَــــه، قــــال تعـــــالى:( ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ) [235] ، وقـــال ســـبحانه ( ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ) [1]، وقـــال ســـبحانه ( ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ) [4]، وقدعرَّف الإمام ابن القيم رحمـه الله المراقبـةَ بقولـه: " المراقبـة دوام علم العبد وتيقُّ نه باطلاع الحق على ظاهره وباطنه ، فاستدامتُ ه لهذا العلم واليقين ".(3) يقول سيد قطب رحمـه ا يتـابع السـياق التحـذير ولمـس القلـوب، وا شـعارها أن عـين الله عليهــــــا، وأن علــــــم الله يتابعهــــــا: (ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ) وهــــو إمعـــــان فـــــي التحـــــذير والتهديـــــد، واستجاشـــــة الخشـــــية واتقـــــاء التعرض للنقمة التي يساندها العلم والقدرة، فلا ملجأ منها ولا نصرة ".(4) 2) "في هذه الآية تنبيه منه تعالى لعباده على خوفـه وخشـيته لـئلا يرتكبـوا مـا نهـى عنـه، فإنـه عـالم بجميــع أمــورهم وقــادر علــى معــاجلتهم بالعقوبــة، وا ن أَ ن ظَــرَ مــن أَ ن ظَــرَ مــنهم فإنــه يُ مهــل ثــم يأخــذ أخذ عزيز مقتدر ".(5) 3) التحـذير فــي الآيـة الكريمــة لــيس لغـرض التهديــد فحســب، بـل غرضــه الأســاس أن يـؤتيَ ثمــارَه، ويعــودَ علـى صـاحبه بـالتقوى والـورع ودوام المراقبـة، حتـى لا يــركن المـرءُ إلـى أعمالـه الصـالحة، ويمنِّـي نفســه 1)) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، (2/23.) 2)) المناسبة بين الفاصلة القرآنية وآياتها، عمر حسين الدويك، ص 151. 3)) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وا ياك نستعين، (2/61.) 4)) في ظلال القرآن ، (1/396). 5)) محاسن التأويل، جمال الدين القاسمي، (2/357.)
عدد الصفحات ٩٠74 بالأمـــان، وا لا ســـيكون ممَّـــن تحقَّـــق فيـــه قـــول الله تعـــالى (ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ) [99]. 4) المراقبةُهي التورُّع عن الوقوع في الشبهات، والاهتمام بأعمال القلب، التي لا يحيا القلب إلا بها، كــالإخلاص، والرضــا، والتقــوى، والتَّأهُّــب لــدار القــرار، والصــبر عــن المحــارم، والإكثــار مــن ذكــر الله تعــالى، وذكــر المــوت والــدار الآخــرة، فمــن كــان هــذا حالــه فإنــه ولابــدَّ نــاجٍ مُسَــلَّم، فالمســلم يتحــرَّى التــزام الأمــر بحــذافيره، ويجتنــب المنــاهي جملــة، ويصــون نفســه عــن ال شــبهات التــي تُــر دِي صــاحبها، وتُــورِدُه موارد الهلاك . المطلب الثالث: التذكير بيوم القيامة وجزاء الأعمال : قال الله تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ) [22]. مـــن رأفـــة الله تعـــالى بعبـــاده ولطفـــه بهـــم أن يـــذكِّرَهم بيـــوم القيامـــة، نظـــراً لخطـــورة ذلـــك اليــوم، ولمَّــا كــان الإنســان مــن طبعــه الغفلــةُ والسَّــهو، كــان بحاجــة لمــن يــذكِّره دومــاً، ووجــب لــه أخـــذ الحـــذر، " والتَّـــوقِّي مـــن الأعمـــال التـــي توجـــب الفضـــيحة والعقوبـــة، والاســـتعداد بالأعمـــال الصالحة، التي توجِب السعادة والمثوبة ".(1) أولا: المعنى الإجمالي : " خافوا الله واحذروه، واخشوا حسابه وعقابه، وارجوا ثوابه يوم تجد كل نفس ما عملت من خير ظاهرا ثابتا واضحا، كأنه قد أحضر من الدنيا إلى الآخرة فيرى رأي العين، وما عملـت مـن شـر معلومـا كذلك كأنـه رئـي بـالحس والبصـر، وتـود كـل نفـس أن لـو يتـأخر أمـدا طـويلا بعيـدا، وذلـك لأ ن مـا يخافـه الإنسان يتمنى أن يتأخر ويؤجل؛ ليكون عنده أطول فسحة من الأمان ".(2) ثانيا: معاني المفردات: 1) قوله تعالى: ( ﭙ) : " يعني: يوم القيامة يحضر للعبد جميع أعماله من خير وشر ".(3) 2) قولــه تعــالى: "(ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ) معطــوف علــى (مــا) الأولــى، أي: وتجــد مــا عملــت مــن ســوء محضرا تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ، فحذف (محضرا ) لدلالة الأول عليه، وهذا إذا كـان (ﭒ) 1)) انظر: تيسير الكريم الرحمن ، السعدي، ص 117. 2) )زهرة التفاسير ، محمد أبو ز هرة (3/1191.) 3)) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 3/41.)
عدد الصفحات ٩١75 من وجدان الضالة ، وأما إذا كان من وجد بمعنى علم ، كان محضرا هو المفعول الثاني ".(1) 3) (ﭣ) : الأمد: " الغاية المحدودة من المكان أو الزمان "، وجمعه آماد.(2) ثالثا: المناسبة: " لما ذكر الله تعالى من عظمته وسعة أوصافه ما يوجب للعباد أن يراق بوه في كل أحوالهم، ذكر لهم أيضا داعيا آخر إلى مراقبته وتقواه، وهو أنهم كلهم صائرون إليه، وأعمالهم- حينئذ من خير وشر- محضرة ، فحينئذ يغتبط أهل الخير، بما قدموا لأنفسهم، ويتحسر أهل الشر إذا و جدوا ما عملوه محضرا ويودون أن بينهم وبينه أمدا بعيدا ".(3) "وهـــذه الآيـــة مرتبطـــة بالتحـــذير المـــذكور ســــابقا فـــي الســـياق مـــن الحشـــر والحســــاب والجزاء، والتحذير من عذاب الله وغضبه، وكـون المصـير إلـى الله، فبـيَّن مـا يكـون حينئـذ مـن الحسرة والندامة وتمنِّي المستحيل ".(4) رابعا: اللطائف البيانية: 1) تكــــرار التحــــذير فــــي قولــــه تعــــالى: (ﭦ ﭧ ﭨ): " للتوكيــــد والتحــــريض علــــى الخوف من الله بحيث يكونون ممتثلي أمره ونهيه ".(5) 2) مناسبة الفاصلة للسياق قولـه تعـالى:(ﭪ ﭫ ﭬ ) " لمـا ذكـر صـفة التخويـف وكررهـا، كان ذلك مزعجاً للقلوب، ومنبهاً على إيقاع المحذو ر مـع مـا قـرن بـذلك مـن اطلاعـه علـى خفايـا الأعمــال واحضــاره لهــا يــوم الحســاب، وهــذا هــو الاتصــاف بــالعلم والقــدرة اللــذين يجــب أن يحــذر لأجلهما، فـذكر صـفة الرحمـة ليطمـع فـي إحسـانه، وليبسـط الرجـاء فـي أفضـاله، فيكـون ذلـك مـن باب ما إذا ذكر ما يدل على شدّة الأمر، ذكر ما يدل على سعة الرحمة ".(6) "وختمــت الآيــة بهــذا التــذييل الكــريم؛ لإثبــات أن عقــاب المســيء وثــواب المحســن مــن الرحمــة، فلــيس مــن الرحمــة فــي شــيء أن يتســاوى المحســن والمســيء، ولإثبــات أن ولاء المــؤمنين ومعاداة الكافرين من الرحمة بالعباد، حتى لاَ يعم الظلم وينتشر الفساد ".(7) 1)) فتح القدير، الشوكاني،1/415). 2)) المحرر الوجيز، ابن عطية الأندلسي،1/421)، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 1/25.) 3)) تيسير الكريم الرحمن ، السعدي، ص 116-117. 4)) التفسير الموضوعي لسور القرآن ا لكريم، نخب ة من علماء التفسير وعلوم القرآن ، (1/446.) 5)) البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي،2/449.) 6)) المصدر السابق، (2/449.) 7)) زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة، 3/1193.)
عدد الصفحات ٩٢76 رابعا: العبر وا لدلالات المستفادة من الآية: 1) جعـــل الله تعـــالى الـــدنيا دارَ ابـــتلاء، والآخـــرةَ دارَ جـــزاء، فقـــال ســـبحانه: (ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ) [2]، ومـــا دامـــت هـــذه الـــدار كـــذلك فـــإنَّ اغتنـــام العمـــل فيها من أوجب الواجبات، قـال تعـالى: (ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ) [وبة115]، فا لـم يتركنـا هَمَـلاً، بـل أنـزل من لدنه شرائع يرى بهـا النـاس نـورَ الهـدى بازغـاً، وأرسـل رسـله للنـاس مبشِّـرين ومنـذرين؛ ولذلك قال سبحانه: (ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ) [115]. 2) الــدنيا مزرعــة للآخــرة، يُلقــي الإنســان فيهــا بــذوره، وينظُــرُ حصــاد مــا زرع، إن خيــر ا فخَي ــر، وا ن شــــــــراا فَشَــــــــرٌّ، قــــــــال تعــــــــالى: (ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ) [8]. 3) جاء التذكير بيوم المعاد كثيراً في مواضع عديدة من كتاب الله تعالى، كلها ترمـي إلـى أن يجعـل الإنســانُ الآخــرةَ نُصــبَ عينيــه، لا يحيــد عــن العمــل لهــا، بــل إنــه عنــدما يستحضــر عظــيم الأجــر الذي أعدَّه الله تعالى للعاملين يهون عليه التعب، ويستعذب الصعوبات في سبيل الوصول. 4) إن مواجهة الإنسان بالحقائق التي من أجلها خُلِق أمر غاية في الأهمية، وأهميتُه تنبع من كون هذه المواجهة تَصُبُّ في صالح هذا الغافل، فإنه لا يتفطَّن كلُّ إنسان إلى ما ينفعه، ولكن إذا ذُكِّر تذكَّر، يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: " وهي مواجهة تأخذ المسالك على القلب البشري، وتحاصره برصيده من الخير والسوء ، وتصور له نفسه وهو يواجه هذا الرصيد ، وتَ شي هذه الحملة الضخمةُ المنوعةُ الإيماءات والإيحاءات والأساليب والإشارات بما كان واقعاً في حياة الجماعة المسلمة من خطورة تميُّ ع العلاقات بين أفرادٍ من المعسكر المسلم وأقربائهم وأصدقائهم وعملائهم في مكة مع المشركين وفي المدينة مع اليهود تحت دوافع القرابة أو التجارة ، على حين يريد الإسلام أن يقيم أساس المجتمع المسلم الجديد على قاعدة العق يدة وحدها، وعلى قاعدة المنهج المنبثق من هذه العقيدة ، الأمر الذي لا يسمح الإسلام فيه بالتميع والأرجحة إطلاقاً ، كذلك يَ شِ ي بحاجة القلب البشري في كل حين إلى الجهد الناصب للتخلص من هذه الأوهاق، والتحرر من تلك القيود، والفرار إلى الله والارتباط بمنهجه دون سواه ".(1) 1)) في ظلال القرآن، 1/396.)
عدد الصفحات ٩٣77 1) لقــد أمــر ا الإنســان بالعمــل، ووعــده بــالجزاء الأوفــى إن هــو قــد أحســن، وأوعــده العــذاب إن كان قد أساء، وذكَّره بـأنَّ كـلَّ مـا سـيعمله مـدوَّن ومكتـوب فقـال سـبحانه: (ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ) [12]. 6) إن الإنسان إذا علم أنه عائد إلى الله تعالى علما تُرى آثاره فـي الواقـع، ولـيس علمـا نظريـاً يخـدع بـــه نفســـه، فإنـــه ينزجـــر عـــن اقتـــراف المنهيـــات، ويســـارع فـــي الاســـتزادة مـــن الحســـنات والباقيـــات الصــالحات، ويتحمَّـــل لأواء الســفر، ومشـــاقَّ الطريـــق، فــالعلم عنـــده حاصـــل بمــا هـــو آت، فيأخـــذ للأمر أُهبتَه بدون كلل، ويستمر في عطائه بلا سهوٍ أو ملل. المطلب الراب : تنبيٌ المؤمنين إلى الخوف من الله تعالى وعقابٌ: قال الله تعالى: (ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ) [22]. الثواب والعقاب سـنة كونيـة ثابتـة، لا ينصـلح حـال إلا بهـا، وا لا فلِـم خلـق اللهُ الجنـة والنـار؟، وعنـــدما يحـــذِّر الله تعـــالى عبـــاده منـــه، فـــإنَّ فـــي ذلـــك التحـــذير دعـــوةً إلـــى العمـــل الـــدؤوب لاســـتجلاب رحمة الله تعالى، فرحمة الله تعـالى لا تُنـال إلا بطاعتـه، وغضـبه مـدفون فـي معصـيته، وا مهالـه للعاصين ليس غفلةً عنهم، بل هو استدراج لهم، أو رحمةً بهم لعلَّهم يتوبوا. أولا: معاني المفردات: قولــه تعــالى:(ﭪ ﭫ ﭬ) " أي: رحــيم أمــا المــؤمن فلــه رحمــة الــدنيا والآخــرة ، وأمــا الكــافر فرحمتــه فــي الــدنيا مــا رزقــه الله فيهــا ، ولــيس لــه فــي الآخــرة إلا النــار "(1)،وقيــل: معناه أنه رؤوف بالعباد حيث أمهلهم للتوبة ولتدارك العمل الصالح ".(2) ثانياالعبر والدلالات المستفادة من الآية: 1) الخــوف مــن الله تعــالى دليــل علــى صــحة الإيمــان وقوَّتــه، وهــو علامــة فارقــة بــين المــؤمن وغيــره ، قَــالَ عَب ــدُ اللهِ بــن مســعود : " ال مُــؤ مِنُ يَــرَى ذَن بَــهُ كَأَنَّــهُ صَــخ رَة يَخَــافُ أَن تَقَــعَ عَلَي ــهِ، وَال مُنَــافِقُ يَرَى ذَن بَهُ كَذُبَابٍ وَقَعَ عَلَى أَن فِهِ فَطَارَ فَذَهَبَ ".(3) لقد مدح الله تعالى أصحاب هذا المقام الرفيع ، ووعدهم بالفوز فقال:(ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ 1)) تفسير القرآن الع زيز ، ابن أبي زمنين ، (1/291.) 2)) لباب التأويل في معاني التنزيل ، الخازن ، (1/212.) 3)) المصنف، أبو بكر بن أبي شيبة، كتاب الزهد، باب كلام ابن مسعود ،12/164)، حديث رقم 31695.
عدد الصفحات ٩٤78 ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ) [57-61]،وقال جلَّ شأنه: (ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ) [46]. 2) الأمــر بــالتقوى فــي كثيــر مــن المواضــع فــي القــرآن الكــ ريم نــوع مــن أنــواع التنبيــه إلــى اتخــاذ الخــوف منهجاً في الحياة يسـير الإنسـان عليـه، قـال تعـالى: (ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ) [112]. 3) كان دأب الأنبياء والصالحين التزام هذا المنهج السديد في التعامل مع الله تعالى، فهذا رسولنا قد أُمِر بأن يقول بذلك، قال تعالى: (ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ) [15]، وقال تعالى(ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ) [15]،وهذا مؤمن آل فرعون عندما استنفذ أسباب النصح قال: ( ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ) [ن41،43]، وفي هذا المعنى يقول النبي ( : أما والله، إني لأتقاكم لله، وأخشاكم لٌ ).(1) 4) من الأسباب الباعثة على الخوف من الله تعالى أ - استشعار عظمته ، فمن ينظر فـي ملكـوت الله تعـالى، يـدرك أنَّ الـذي خلـق هـذا الخلق العظـيم لا يغالبـه مُغالِـب، ولا يخـرج عـن قدرتـه أحـد، فـالقوي عنـدما يهـدِّد ينفِّـذ تهديدَه، ويُمضِي وعيدَه. ب - الشعو ر بالضعف والحاجـة إلـى الله تعـالى، فالإنسـانُ بحُك ـم خِلقتـه وتكوينـه ضـعيف ، لا يقـوَى علـــى العـــيش وحـــده دونَ أبنـــاء جنســـه، فقـــد أخبرنـــا الله تعـــالى عـــن طبيعـــة الإنســـان فقـــال: ( ﭥ ﭦ ﭧ ) [28]،وقال سبحانه: ( ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ) [54]، ويكــون هــذا الضَّــعف جلياــا عنــد المــرض وعنــد المــوت، وهاتــان الحالتــان يظهــر فيهمــا عجــز الإنسان وشدة فاقته إلى الله القدير، فيتوجه الإنسـان بكـل جوارحـه إلـى خ القـه العظـيم، حتـى وا ن كان كافراً ، فهو يرنو بعينِه وقلبه إلى السماء بحُكم الفطرة التي جَبَلَه الله عليها. 1)) صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته، 2/772)، حديث رقم 1159.
عدد الصفحات ٩٥79 ت - قـــــــال تعــــــــالى: ( ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ) [15]،" أي: هــــــــم محتـاجون إليـه فـي جميـع الحركـات والســكنات، وهـو الغنـي عـنهم بالـذات "(1)،" وتعريـف الفقــراء للمبالغــة فــي فقــرهم فــإنهم لشــدة افتقــارهم وكثــرة احتيــاجهم هــم الفقــراء أو أن افتقــار ســائر الخلائــق بالإضافة إلى فقرهم غير معتد به ".(2) ث - الخوف من عدم قبول العمل، قال تعالى:(ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ) [57-61]،قال الحسن البصري: " إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة، وا ن المنافق جمع إساءة وأمنا ".(3) (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ) أي: يعطون ما أعطوا من الزكاة والصدقات ، (ﭕ ﭖ ) أن ذلك لا ينجيهم من عذاب الله وأن أعمالهم لا تقبل منهم، (ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ) لأنهم يوقنون أنهم يرجعون إلى الله ، قال الحسن: " عملوا لله بالطاعات [ ".(4) ج - الاعتبـار بمـا فعلـه الله تعـالى بـالأقوام السـابقين، فقـد جـرت سـنة الله تعـالى فـي الأقـوام السابقين بما كسبت أيديهم وبمـا كـذبوا المرسـلين، فهـو سـبحانه علـى مـا يشـاء قـدير، وتحدثنا الآيات عن شديد بأس الله تعالى، فقد أخذهم أخ ـذَ عزيـز مقتـدر، كقـوم نـوح، وعـــاد، وثمـــود، وأصـــحاب الأيكـــة، وقـــوم لـــوط، وفرعـــون وقومـــه، وأصـــحاب القريـــة، وغيـــرهم ممـــن حقَّـــت علـــيهم كلمـــة العـــذاب، وعلـــى مـــن ينظـــر فـــي أحـــوال الأســـلاف الغابرين أن يتَّخذ لنفسه طريقا غير طريقهم، لكي لا يُ عرِّض نفسه لمثل جزائهم. وقد أمرنا الله تعالى في مواضع كثيرة من كتابه بالاعتبار مما كا ن عليه السابقون، من ذلك قوله جلَّ شأنه: (ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ) [11]،وقو له سبحانه:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ) [42]. 1)) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ، (11/316.) 2)) حاشية القونوي على تفسير الإمام البيضاوي، عصام الدين الحنفي، 16/41). 3)) الدر المنثور، السيوطي،15/122.) 4)) معالم التنزيل، البغوي، 1/421.)
عدد الصفحات ٩٦81 4) من الأسباب الباعثة على عدم الخوف من الله تعالى: أ - طول الأمل والاغترار بالدنيا: فطول الأمل يؤدي إلى حب الدنيا والركون إليها، وهـذا من شأنه أن يُقيم الحواجز الضخمة أمام صاحبها للحيلولة دون الوصول إلى مرضاة الله تعــالى، قــال تعــالى: (ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ) [5]،عن أبـي سـعيد الخـدري عـن النبـي قـال( إن الودنيا حلووة خضرة، وا ن الله مستخلفكم فيهوا، فينظور كيوف تعملوون، فواتقوا الودنيا واتقووا النسواء، فو ن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ).(1) ب - كثرة المعاصي والإفراط في الرجاء: فالمعاصي تجعل الهُ وَّ ةَ سحيقةً بـين العبـد وربِّـه، ومـع تتـابع المعاصــي تصــبح مألوفــة للإنســان، وعنــدما يريــد ن ــزع نفســه منهــا فــلا يســتطيع، يلجــأ إلــى الرجــاء الكاذب الذي يخدع به نفسه، ويواصل إفراطه في الرجاء رغم عكوفه على المعصية، وهنا مكمن الخطر، قال تعـالى: (ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ) [98] ،فـالعلم بـــأن الله تعـــالى غفـــور رحـــيم يجـــب ألا ي كـــون إغـــراءً لصـــاحبه علـــى فعـــل المعصـــية، واغتراراً بستر الله تعالى عليه، فإن ذلك يورِثُ الندمَ يوم القيامة. ت - الأمــن مــن مكــر الله : قــال تعــالى (ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ) [99]. ث - على المؤمن أن يكون على حذر دائما، وأن يتَّهم نفسه بالتقصـير والتفـريط فـي جنـب الله تعـــالى، فهـــذا الاتِّهـــام مـــدعاة إلـــى إخـــلاص النيَّـــة وا حســـان العمـــل؛ حتـــى لا يُفاجـــأَ المرء بيوم القيامة وقـد تـزوّد النـاس بـأزوادهم وجـاء هـو ببضـاعة مزجـاة لا تغنـي عنـه عند الله شيئا. 1)) صحيح مسلم، كتاب الرقاق، باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار ا لنساء وبيان فتنة النساء، (9/92)، حديث رقم 7124.
عدد الصفحات ٩٧