49 سادسا: العبر والدلالات المستفادة من الآية: 1) لقد آتى اللهُ بني إسرائيل الكتابَ ليهتدوا به، ويجعلوه رائدَ هم في حياتهم، وكان هذا الكتاب من التعظيم عندهم بمكان، فقد عَلِمه أحبارُهم ودرَ سوه، فلما انقضى الرعيل الأول منهم، حَ ادَ مَ ن جاء بعدَ هم عن جادَّةِ الحق، وتَ نَ كَّبوا سبيلَ ه، وتركوا نَ ه ج المرسلين، فاستحقُّوا بذلك الذَّمَّ والتقريع؛ إذ كان الأصلُ فيهم اتِّباعَ من بشَّرت به رسُلُهم، وهو النبيُّ محمد ،قال تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ) [6]. 2) أمر ا نبيه بأن يتمسَّك بشدةٍ بما آتاه الله من كتاب، فقال سبحانه: (ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ) [43]، وفي هذا دعوة لأمتهإلى التَّمسُّك بكتاب الله تعالى وبسنَّة النبي ، إذ فيهما الفوز والفلاح، فإنه ما تمسَّك أحد بهَد يِ نبيه إلا عزَّ، وما ترك قوم هد يَ نبيهم إلا ذُلُّوا، كحال بن ي إسرائيل لما تمرَّدوا على أنبيائهم، واستبدلوا بهديِهم أهواءهم، فسلَّط الله تعالى عليهم من يسومهم سوء العذاب، وقد حدث في هذه الأمة شيء كثير من هذا، فلقد سقطت قلاع الأندلس بعد شموخ ، وأُسقِطت دولة الخلافة بعد مَنَعَةٍ ورسوخ، وتقاسم الغرب بلادَ الإسلام، واحتُ لَّت القدسُ والأرض المباركة، والمسلمون في غفلتهم سامدون (1)، وعمَّا فيه عزَّتُهم مُع رضون، واستبدَّت بأمتنا الأممُ ، فالخيرات في بلادنا وفيرة، والطاقات عندنا كثيرة، لكنَّ القومَ تنكَّبوا سبيلَ الرَّشاد، فكان الجزاء من جنس العمل، فوكَلَهم الله إلى أنفسهم، فأصبحوا وباقي أمم الأرض سواء، لا يتميَّزون عن غيرهم بارتباط عُل وي وثيق كأسلافهم، فكان الانحدار والتَّردِّي من عَ لٍ، فتحكَّم العدو في خيراتهم، و ضعُف الاقتصاد، وكثُرت البطالة، وانتشر الجهل، واستفحل الكسل، وتدنَّت مستويات التفكير، وضعُفت وشيجة الإيمان، وفي المُحَصِّلة، صار المسلمون عالةً على حضارة الغرب، كالأيتام على موائد اللئام، قال تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ) [96]، وقال سبحانه (ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ) [66]، وقال : (ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ) [16]. 1)) سامدون أي: لاهون غافلون،(الدر المنثور، السيوطي، 14/12.)
عدد الصفحات ٦٦51 3) يوم أن تمسَّك المسلمون بما جاءهم من الحق، دَ انَ ت لهم الدنيا، وأضحَ وا مُهابي الجانـب، مرفــوعي الــرؤوس، موفــوري الكرامــة، وصــاروا حــديثَ الــرائحين والغــادين، فوضــعوا للنــاس أسس الحضـارة، وطرائـق التفكيـر، وطبقـوا شِـرعة ربهـم وسـنَّة نبـيهم ، فكثُـرت الخيـرات، وزادت البر كــات، وشـــاركوا الأمـــم فـــي جميـــع العلـــوم، وكانـــت النهضـــة علـــى أشُـــدِّها قائمـــةً، يوجِّه دَ فَّتَ ها قوم صالحون. 4) لقد حثَّ النبي أمَّته على يتمسَّكوا بهَد ي الرعيل الأول من هذه الأمة، وأوصى أمَّتَه بوصية غالية جاء فيها: ( من يعش منكم فيسرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضوا عليها بالنواجذ ، وعليكم بالطاعة ، وا ن عبدا حبشيا، ف نما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد ).(1) المطلب الثاني: تحذير المسلمين من الابتداع في الدين: قال الله تعالى: (ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ) [مران02]. أولا : المعنى الإجمالي " إنّ هؤلاء الذين دعوا إلى كتاب الله لـيحكم بيـنهم بـالحق فيمـا نـازعوا رسـول الله ، إنما أَ بَ وا الإجابة إ لى حكم التوراة وما فيها من الحـق مـن أجـل قـولهم: (ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ) وهـــي أربعـــون يومًـــا، و هـــن الأيـــام التـــي عبـــدوا فيهـــا العجـــل، ثـــم يخرجنـــا منهـــا ربنـــا، اغتـــرارًا مـــنهم "بمـــا كـــانوا يفتـــرون" يعنـــي: بمـــا كـــانوا يختلقـــون مـــن الأكاذيـــب والأباطيـــل، فـــي ادعائهم أنهم أبناء الله وأحِبّاؤه، وأن الله قد وعد أباهم يعقوبَ أن لا يُد خل أحَدًا من ولـده النـار إلا تَحِلَّ ةَ القسم. فأكذبهم الله علـى ذلـك كلـه مـن أقـوالهم، وأخبـر نبيـه محمـدًا أنهـم هـم أهـل النار هم فيها خالدون، دون المؤمنين بالله ورُسله وما جاءوا به من عنده ".(2) 1)) سنن ابن ماجه، كتاب الإيمان وفضائل الصحابة والعلم، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، ص16 حديث رقم 43، قال الألباني: صحيح (2) جامع البيان،الطبري، ( 6/222.)
عدد الصفحات ٦٧51 ثانيا: معاني المفردات: (ﭰ) : " الغرور: سكون النفس إلى ما يوافق الهوى ويميل إليه الطبع ، وعبر عنه بعضهم بأنه كل ما يغر الإنسان من مال وجاه وشيطان، وفسر بالدنيا لأنها تغر وتمر وتضـر، وقـال الحرالي (1): هو إخفاء الخدعة في صورة النصيحة ".(2) "قـال مجاهـد(3): " الـذي افتــروه هـوقـولهم: (ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ) "، وقــال قتــــادة: " بقــــولهم:(ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ) [18] "، وقيــــل: (ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ) [111] وقيل: مجموع هذه الأقوال ".(4) ثالثااللطائف البيانية: 1) "قوله تعالى: (ﭦ ﭧ ) يجو زُ في " ذلك " وجهان، أًصحُّهما: أنه مبتدأ والجـارُّ بعـده خبرهُ ، أي: ذلك التولِّي بسببِ هذه الأقو الِ الباطلةِ التي لا حقيقةَ لهـا. والثـاني: أن " ذلـك " خبــرُ مبتــدأ محــذوفٍ أي: الأمــرُ ذلــك ، وهــو قــولُ الزجــاج، وعلــى هــذا فقولُــه : " بــأنهم " متعلق بذلك المقدَّر، وهو الأمر ونحوه ".(5) 2) "جاء هنا (ﭮ) بصيغة الجمع، وفي البقرة : ( ﮇ) [95] تفنُّنـاً فـي البلاغة، وذلك أنَّ جَم عَ التكسيرِ غيرَ العاقلِ يجوزُ أَن يعامَلَ معاملةَ الواحدةِ المؤنثـة تـ ارةً ومعاملةَ جمعِ الإِناث أخرى... وخُصَّ الجمعُ بهـذا الموضـعِ لأنـه مكـا نُ تشـنيع علـيهم بمـا فعلوا وقالوا، فأتى بلفظِ الجمعِ مبالغةً في زَ ج رِهم وزجرِ مَن يعملُ بعملهم ".(6) رابع ا: العبر والدلالات المستفادة من الآية: 1) قــال الإمــام الســيوطي رحمــه الله: " والابتــداع فــي الشــرع خطــر عظــيم، وفعــل ذمــيم، وهــو أكبـــر نــــاقض لشــرعة المهــديين، حيــث إن استحس ــــان مــــا لـــم يــأت بتـــحسينه نقــل، 1)) هو العلامة المتفنن أبو الحسن علي بن أحمد بن حسن التجيبي الأندلسي، وحرالة: قرية من عمل مرسية، ولد بمراكش، وجال في البلاد، و لهج بالعقليات، وسكن حماة، وعمل تفسيرا عجيبا ملأه باحتمالات لا يحتمله الخطاب العربي أصلا، ومات سنة 637ه،(سير أعلام النبلاء، الذهبي، 23/47). 2)) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، محمد عبد الرؤوف المناوي، ص 137. (3) مجاهد بن جبر أبو الحجاج المكي مولى عبد الله ابن السائب، القارئ، ولد سنة 21ه في خلافة عمر، ومات وهو ساجد سنة 152ه أو153ه، (تذكرة الحفاظ ، الذهبي، 1/22، التاريخ الكبير، البخاري، 7/412). 4)) البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، (2/431.) 5)) انظر: الدر المصون، السمين الحلبي، (3/21.) 6)) انظر: المصدر السابق، (3/26.)
عدد الصفحات ٦٨52 وردَّ مــــا ثـبـــت بنقــل الـــــعد ل، فكــــان نقضــه- وهــو علـــة الســــقم، وغصــة الطعــم- مــــقصدا للعلـماء، وواجبـــا في أعنـاقــــهم ".(1) 2) لقــدانتحــل اليهــود أفكــارا كثيــرةً وضــعها لهــم أحبــارُ هم بــدافع الهــوى، فصــادفت هــذه الأفكــار قلوبــا مريضــة خاويــة، لا تنكــر منكــرا ولا تعــرف معروفــا، فهــم يعلمــون مخالفــة مــا يقولــون ويفتــرون لِمــا عندَهم من التوراة، ولكنهم تعمَّدوا المخالفة والزيغ عن منهج الله تعالى، فضلُّوا وأضلُّوا، فكانوا كما قـــــــــــــــــال الله :(ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ) [5]، ولقد دَرَج كثيرمن الطوائف المنتميـــة للإســـلام إلـــى انتحـــال أفكـــارٍ ومـــذاهبَ ليســـت مـــن الإســـلام فـــي شـــيء، ولا يقـــول بهـــا مســـلم، فكـــانوا معـــاوِل هـــدم فـــي بنيـــان أمـــة الإســـلام، وهـــم يعلمـــون ذلـــك، ولكـــن يمـــنعهم البغـــي والكِبــر عــن التراجــع عمَّــا قــالوا، فاســتحقُّوا بــذلك المق ــت والــذَّم، فهــم يشــاركون أهــل الكتــاب فــي كثير من صفاتهم، هذه – أي الابتداع -إحـداها، وكـم وردت أحاديـث نبويـة وأقاويـل للصـحابة والتابعين وعلماء الأمة تحذِّر من الافتراء على دين الله ،وا دخال ما ليس منه فيه. عن عائشة رضي الله عنها قالت: تلا رسول الله (ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ) وقال: ( إشذَا رَأَيرتُمُ الَّذشينَ يَتَّبشعُونَ مَا تَشَابٌََ مشنرٌُ فَأُولَئشكَ الَّذشينَ سَمَّى اللٌَُّن فَاحرذَرُوهُمر ).(2) وعنها رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ قَالَ ( مَنر أَحردَثَ فشي أَمررشنَا هَذَا مَا لَ يرسَ مشنرٌُن فَهُوَ رَد )(3)، وهذا الحديث أحد أصول الإسلام الكبرى . و عن أبي هريرة قال: قال رسول الله :( من دعا إلى هدى كان لٌ من الأجر مثل أجور من يتبعٌ لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليٌ من الإثم مثل آثام من يتبعٌ، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا ).(4) وَعَ ن حُذَي فَةَ أَنَّهُ قَالَ( يَا رَسُولَ اللٌَّش ، هَلر بَعردَ هَذَا الرخَيررش شَر ؟ قَالَ: " نَعَمرن قَورم يَسرتَننونَ بشغَيررش سُنَّتشي، وَيَهرتَدُونَ بشغَيررش هَدريشي ...).(5) 1)) الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع، السيوطي، ص6. 2)) انظر: صحيح مسلم، كتاب العلم، باب النهي عن اتباع متشابه القرآن والتحذير من متبعيه والنهي عن الاختلاف في القرآن، ( 4/2513) حديث رقم 2661. 3)) صحيح البخاري، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، 3/194)، حديث رقم 2627. 4)) سنن الترمذي، كتاب العلم، باب فيمن دعا إلى هدى فاتبع أو إلى ضلالة، (1/43)، حديث رقم 2674، قال الألباني: صحيح. 5)) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، 4/122)، حديث رقم 3656.
عدد الصفحات ٦٩53 وهذه جملة من أقوال السلف الصالح، يحثُّون فيها على التزام السنة، ويحذرون فيها من البدع وأهلها، قال عبد الله بن مسعود : " الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة"، وقال الأوزاعي (1) : " اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح؛ فإنه يسعك ما وسعه م ". وقال الجنيد(2) رحمه ا " الطرق كلها مسدودة إلا على المقتفين آثار رسول الله والمتبعين سنته وطريقته، فإن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه، كما قال تعالى: (ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ) [21] ".(3) 3) الابتداع فـي الـدين يتضـمَّن اتِّهامَـه بـالنقص ثبـت أن النبـي لـم يمـت حتـى أتـى ببيـان جميع ما يحتاج إليه في أمر الدين والدنيا وهذا لا مخالف عليه من أهل السنة، فإذا كـان كــذلك فالمبتــدع إنمــا محصــول قولــه بلســان حالــه أو مقالــه: إن الشــريعة لــم تــتم ، وأنــه بقــي منها أشياء يجب أو يستحب استدراكها ؛ لأنه لو كان معتقدا لكمالها وتمامها من كل وجه لــم يبتــدع ولا اســتدرك عليهــا ، وقائــل هــذا ضــال عــن الصــراط المســتقيم ، قــال الإمــام مالــك رحمــه الله : " مــن ابتــدع فــي الإســلام بدعــة يراهــا حســنة زعــم أن محمــدا خــان الرســالة لأن الله يقول: ( ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ) فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا ".(4) وبعض الناس من يستحسن شيئا، فيفعله، وحتى يجد له رواجا ينسبه إلى لشرع المطهَّر، وهذا أحد أسباب ظهور الأحاديث الموضوعة على رسول الله ، فالتشريعات لا تؤخذ بالاستحسان، ولكن بالتوقيف والنقل الصادق عن رسول الله . 4) أنواع البدعة: قال الشافعي رحمه الله: " البدعة بدعتان بدعة محمودة وبدعة مذمومة فما وافق السنة فهو محمود وما خالف السنة فهو مذموم "، واحتج بقول عمر بن الخطاب في قيام رمضان : " نعمت البدعة هي ".(5) (1) الأوزاعي شيخ الإسلام أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن محمد الدمشقي الحافظ، وُلِد سنة 99ه، مات في ثاني صفر سنة 117ه،(تذكرة ا لحفاظ، الذهبي، 1/179.) (2) الجنيد بن محمد بن الجنيد، أبو القاسم الخزاز القواريري، كان أبوه يبيع الزجاج، وكان هو خزازا، وأصله من نهاوند إلا أن مولده ومنشأه ببغداد، مات سنة 229ه،(صفة الصفوة، اب ن الجوزي، 2/416.) 3)) انظر هذه الأقوال وغيرها في كتاب الأمر با تباع والنهي عن الابتداع، السيوطي، ص49 وما بعدها 4)) الاعتصام، الإمام الشاطبي،1/62.) 5)) حلية الأولياء، أبو نعيم الأصبهاني،2/113.)
عدد الصفحات ٧٠54 والبدع المستقبحة تنقسم إلى قسمين: أحدهما: في العقائد المؤدية إلى الضلال والخسران، والثاني: في الأفعال من البدع المستحدثة المستقبحة.(1) وقد نظم الإمام أبو بكر بن أبي داود(2) قصيدة قالها في السنة والتمسُّك بها(3)، وهذا مطلعها : تمسَّك بحبل الله واتَّبع الهدى ولا تــ ـــك بــدعــياا لـعــلَّ ـك تـفـــلـــحُ ودِن بكتاب الله والسنن التي أتَت عن رسول الله تنجو وتربحُ إلى أن ختمها بقوله رحمه الله: ولا ت ــك مــن قـــوم تلــهَّوا بـدينــهم فتطعن في أهل الحديث وتقدحُ إذا ما اعتقدت الدهر يا صاح هذه فـإنـك فـي خـير تبــيت وتصبــحُ الموطولوب الثوالوث: التوذكيور بويووم القيوامة: قال الله تعالى:(ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ) [ل عمران 01]. أولا: المناسبة قال الفخر الرازي رحمه الله: " لما حكى عنهم اغترارهم بما هم عليه من الجهل ، بـيّن أنــه ســيجيء يــوم يــزول فيــه ذلــك الجهــل، ويكشــف فيــه ذلــك الغــرور فقــال:(ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ) ".(4) ثانيا: المعنى الإجمالي: " (كيف): يستفهم بها عن الحال، أي: ما حالهم وما شأنهم إذا جمعهم الله رب العالمين، ليوم لاَ ريب فيه ، لاَ شك أنهم يفاجَ ؤ ون بذهاب غرورهم الذي اغتروه، وضلالهم بسبب استمرار افترائهم الذي أحدثوه فدلاهم في غرورهم؛ وا نه في هذا اليوم الذي لاَ ريب فيه 1)) انظر: الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع، السيوطي، ص 23،24. 2)) أبو بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث السجستاني، الإمام ، العلامة، الحافظ، شيخ بغداد، ولد بسجستان، في سنة ثلاثين ومائتين، (سير أعلام النبلاء، الحافظ الذهبي، 13/222.) 3)) انظر: الشريعة، محمد بن الحسين الآجُرِّي، ص737. 4)) التفسير الكبير، (7/237.)
عدد الصفحات ٧١55 توفى كل نفس ما كسبت أي جزاء ما كسبت، وهم لاَ يظلمون أي لاَ ينقصون مما فعلوه شيئا، فسيُ ج زَ ونَ بالخير الحسنى، وبالشَّ رِّ السو أى ".(1) ثالثا: اللطائف البيانية: 1) (ﭷ) " استعظام وتهويل وهدم لما استندوا إليه، وكلمة الاستفهام في موضع نصب علـــى الحـــال والعامـــل فيـــه محـــذوف، أي كيـــف تكـــون حـــالهم أو كيـــف يصـــنعون أو كيـــف يكونــو ن"(2)، " و خــرج بالاســتفهام عــن معنــاه الحقيقــي بقولــه: (ﭷ) إلــى معنــى التهويــل واستفظاع ما أعد اللّه لهم في يوم عصيب تحار فيه الأبصار والبصائر ، وتشـخص فيـه القلوب والضمائر ".(3) 2) التعبير بلفظ الجمع في قولـه: (ﭹ ) " فيـه إشـارة إلـى معنـى المسـاواة التامـة، وأنـه لاَ فضــل لجــنس علــى جــنس، وا ضــافة هــذا الجمــع إلــى رب العــالمين، خــالق النــاس أجمعــين يزكـــي هـــذه المســــاواة؛ لأنـــه خـــالق الجميــــع، ورب الجميـــع، وجـــامع الجميــــع يـــوم القيامــــة، فـــالجميع بـــين يديـــه ســـواء فـــي الأصـــل والتكـــوين وفـــي الربوبيـــة والحفـــظ، وفـــي الجمـــع يـــوم القيامة فيكونون سواء في الحساب والعقاب و الثواب، وكلٌّ وعملُ ه ".(4) 3) فائدة اللام في قوله (ﭹ ﭺ) حيث " لم يقل: (في يوم)؛ لأن المراد : لجزاء يوم أو لحساب يوم فحذف المضاف ودلّت اللام عليه ".(5) رابعا العبر والدلالات المستفادة من الآية: 1) قــــال تعــــالى (ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ) [45]،وقــــال تعــــالى: (ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ) [اريات 55]،التـــذكير بيـــوم الجـــزاء ومـــا فيـــه مـــن أحـــداث شـــائع فـــي القـــرآن الكـــريم، فربمـــا لا تخلـــو صـــفحة مـــن صـــفحات الكتـــاب الكـــريم مـــن تـــذكرة لليـــوم الآخـــر، والهـــدف الأســــاس مــــن ذلــــك هــــو التأهُّــــب والاســــتعداد لــــذلك اليــــوم بتزكيــــة الــــنفس، وكَــــب ح جماحهــــا عــــن الشهوات، وجع ل ارتباطها بما عند الله متينا 1)) زهرة التفاسير ، محمد أبو زهرة، (3/1161.) 2)) روح المعاني ، الألوسي، (3/111.) 3)) إعراب القرآن وبيانه ، محيي الدين الدرويش، (1/497.) 4)) زهرة التفاسير ، محمد أبو زهرة، (3/1161.) 5)) التفسير الكبير، الفخر الرازي ( 7/237.)
عدد الصفحات ٧٢56 يقول الأستاذ سيد قطب رحمه ا كيف؟ إنه التهديد الرعيب الذي يشفق القلب المؤمن أن يتعرض له وهو يستشعر جدية هذا اليوم وجدية لقاء الله، وجدية عدل الله، ولا يتميَّ ع تصوره وشعوره مع الأمان ي الباطلة والمفتريات الخادعة ، وهو بعدُ تهديد قائم للجميع ، مشركين وملحدين، وأهل كتاب ومدعي إسلام ، فهم سواء في أنهم لا يحققون في حياتهم الإسلامَ ، (ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ) وجرى العدل الإلهي مجراه؟ (ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ) بلا ظلم ولا محاباة؟ (ﮃ ﮄ ﮅ ) كما أنهم لا يحابون في حساب الله؟ سؤال يلقى ويترك بلا جواب ، وقد اهتز القلب وارتجف وهو يس تحضر الجواب ".(1) 2) لمَّا كان الإنسان نَسَّاءً، كان بحاجةٍ ماسَّة لمن يذكِّره، وهو فوق نسيانه سريعُ الغفلة كثيرُها، فجاءت الآيات تباعاً تدعوه إلى التَّذكُّر و ا لى تنظيم حياته على وَفق ما يكون في الآخرة، فإنه بذلك تستقيم سيرته، وتصفو حياته، ويحلِّق في دنياه بج ناحَي الخوف والرجاء، فهو يخاف اليوم ليأمنَ غداً. 3) التذكير من دلائل رحمة ا بعباده ولطفه بهم، فهو لا يفاجئهم بما لا يعرفون، وا نما ينصِبُ لهم الدليلَ، ويقيمُ عليهم الحُجَّة؛ حتى لا يتعلَّلوا بعدم العلم وبعدم مجيء النذير. 4) ليس المراد من التذكير بيوم القيامة إثارةُ الخوف والرعب في القلوب بمقدار ما هو مطلوب منها مِن العملُ، فالغاية هي الاستعدادُ وشدُّ الرِّحال إلى الدار الآخرة، والتشمير عن ساعد الجِد، وشحذُ العزائم، وتجديدُ الهِمَّة مرة بعد مرة، والشعار هو: لن يسبقني إلى الله أحد . 1) يجب أن يعلم المسلمُ أنه سَ يُ وفَّى أعمالَ ه كاملةً حتى أدقَّها، فقد قال الله :(ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ) [8]، وقال سبحانه (ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ) [47]، و عن أبي سعيد الخدري : أن النبي قال: ( يخرج من النار من كان في قلبٌ مثقال ذرة من الإيمان )، قال أبو سعيد: فمن شك فليقرأ (ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ) [41](2)، وهذا تمامُ العدل وكمالُه 1)) في ظلال القرآن ، (1/393.) 2)) سنن الترمذي، كتاب صفة جهنم، باب منه 15)،4/714)، حديث رقم 2129، قال الترمذي : حديث حسن صحيح، قال الألباني: صحيح.
عدد الصفحات ٧٣57 المبحث الخامس المقاصد والأهداف لسورة آل عمران الآيتان ( 22 و21 ) وفيهثلاثة مطالب: المطلب الأول: بيان دلائل قدرة الله تعالى في خلقه وملكه . المطلب الثاني: الإيمان بقدرة الله تعالى . المطلب الثالث: الإيمان بأن الرازق هو الله تعالى وحده.
عدد الصفحات ٧٤58 المطلب الأول: بيان دلائل قدرة الله تعالى في خلقٌ وملكٌ : قووووال الله تعووووالى: (ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ) [01]. "ا بمقتضى حكمته ومـا سَـنَّ مـن نظـم فـي هـذا الو جـود، ومـا تسـير عليـه أعمالـه فـي خلقه، لاَ يعطي الملك إلا من يستحقه، ويأخذ بالأسباب العادلة في طلبه، ويقصد به رفعة قومـه، ولا ينزعه إلا ممن يسيء ويطغى، ويفهم أن الملك متعة تشتهَى وليس تَبِعـات تـؤدى، فينزعـه منـه غيـره، و كذلك سنة الله تعالى في الحكم بين الناس: من لا يسوس الملك يُخلَعه، ومن حل محله ينزل به مـا نزل بسابقه إن سار سيرته ".(1) أولا: سبب النزول " قال ابن عباس وأنس بن مالك: لما افتـتح رسـول الله مكـة ووعـد أمتـه ملـك فـارس والـروم قالت المنافقون واليهود: هيهات هيهات مـن أيـن لمحمـد ملـك فـارس والـروم هـم أعـز وأمنـع مـن ذلـك ألـم يكف محمداً مكة والمدينة حتى طمع في ملك فارس والروم فأنزل الله تعالى هذه الآية ".(2) ثانيا: المناسبة هذه الآية " تأكيد لما تشعر به الآية السابقة من مزيد عظمته تعالى وعظيم قدرته ، وفيه أيضا إفحام لمن كذَّ ب النبيَّ ورد عليه لا سيما المنافقين الذين هم أسوأ حالا من اليهود والنصارى ، وبشارة له بالغَ لَ بة الحسية على من خالفه كغلبته بالحجة على من جادله، وبهذا تنتظم هذه الآية الكريمة بما قبلها ".(3) ثالثا: المعنى الإجمالي " هــذه بعــض الأدلــة علــى قــدرة اللّــه تعــالى وعظمتــه، فهــو مالــك الملــك، وهــو المعطــي والمــانع، يــؤتي الملــك والنبــوة مــن يشــاء مــن عبــاده كــآل إبــراهيم، قــال اللّــه تعــالى: (ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ) [54]، وقد يعطي اللّه ملكا فقط كسـائر الملـوك الـدنيويين القـدامى والمعاصرين، وقد ينزع اللّه الملك ممن يشاء من الأفراد والأمم بسبب ظلمهم وفسـادهم وسـوء سياسـتهم، كمــا نــزع الملــك مــن كثيــر مــن الــدول والأشــخاص، واللّــه ســبحانه يعــز مــن يشــاء ويــذلّ مــن يشــاء، والعزة والذلة لا تتوقف على الملك أو المال، فكل إنسان معرض للذل والعز بمقتضى إرادة اللّه، واللّه وحده بيده الخير، فكل ما كان أو يكون لا يخلو من خير ونعمة، لصاحبه نفسه أو لغيره مـن النـاس، 1)) زهرة التفاسير ، محمد أبو زهرة، (3/1169،1162.) 2)) أسباب النزول، الواحدي، ص 152. 3)) روح المعاني، الألوسي، (3/112.)
عدد الصفحات ٧٥59 إن اللّه قدير تام القدرة على كل شيء، ولا يفعل شيئا إلا بمقتضى الحكمة والمصلحة والعدل ".(1) رابعا : معاني المفردات: 1) ( ﮈ): " في كلام العرب خاص بنداء الله ت عالى في الدعاء، ومعناه يا الله ".(2) 2) (ﮉ ﮊ ): " مالك جنس الملك على الاطلاق ملكاً حقيقياً بحيث تتصرف فيه كيفما تشاء إيجاداً و ا عداماً و ا حياءً و ا ماتةً وتعذيباً و ا ثابةً من غير مشارك ولا ممانع ".(3) 3) قولــه تعـــالى: (ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ) فيـــه وجــو ه منهـــا: " ملـــك النبـــوّة والرســـــالة ، كمـــــا قـــــال تعـــــالى : (ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ) [54]،والنبوّة أعظم مراتب الملك؛ لأن العلماء لهم أمر عظيم على بـواطن الخلـق، والجبابرة لهم أمـر علـى ظـواهر الخلـق ، والأنبيـاء أمـرهم نافـذ فـي البـواطن والظـواهر ، فأمـا علــى البــواطن فلأنــه يجــب علــى كــل أحــد أن يقبــل ديــنهم وشــريعتهم، وأن يعتقــد أنــه هــو الحـق، وأمــا علـى الظــواهر فلأنهــم لـو تمــردوا واسـتكبروا لاســتوجبوا القتــل ، وممـا يؤكــد هــذا التأويل أن بعضهم كان يستبعد أن يجعل الله تعالى بشراً رسولاً ".(4) 4) (ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ): " أي في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما ".(5) 1) (ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ) معناها: " شمول قدرته على الأشياء كلها: ما يتخذه الناس سببا للخير عندهم، وما يتخذونه سببا للشر عندهم ".(6) خامسا: اللطائف البيانية: 1) "التعبير عن إزالة الملك بقوله تعالى (ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ )، فالتعبير بالنزع مع تكرار كلمة مُ ل ك، فيه إشارة إلى أنه يأخذه منه بعد أن استقر فيه وثبت له وظن أنه لاَ مُ زيل لسلطانه، فيأتيه الله من حيث لاَ ي حتسب، ويأخذ ملكَ ه أخ ذَ عزيزٍ مقتدر ، ثم إن في النزع إشارة إلى أن من يؤتى 1)) التفسير الوسيط، أ.د. وهبة الزحيلي، 1/19191.) 2)) التحرير والتنوير ، ابن عاشور، (3/212). 3)) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، (2/21)، والظاهر المتبادر أن المراد بالملك: السلطة والتصرف في الأمور، وأنه تعالى صاحب السلطان المطلق في تدبير الأمور وتحقيق التوازن في الكائنات ، واللّه يعطي من يشاء إما النّبوة فقط كهود ولوط، وا ما الملك فقط كالملوك الغابرين والمعاصرين، وا ما الملك والنّبوة كآل إبراهيم ومنهم داود وسليمان عليهم السلام. (التفسير المنير، الزحيلي، 3/123.) 4)) التفسير الكبير، الرازي ( 9/4،1). 5)) فتح القدير، الشوكاني، (1/447.) 6)) زهرة التفاسير ، محمد أبو زهرة، (3/1175.)
عدد الصفحات ٧٦61 سلطانا يطغى فيه ويبغي، ولا يسير بسنة الحق والعدل ، لاَ يتركه طائعًا، بل لابد أن يُمكِّن الله منه مَ ن ينزعُ ه من يــده، وقد يأخـــذه منه مــن كـــان يأتمنـه، " ومِن مَأمَنِه يُؤتي الحَذِ ر "، وفي كثير من الأحيان يكون السبب في زواله هو من كان السبب في طغيانه ".(1) 2) "المقابلة بين" تؤتي وتنزع "، وبين " تعز وتذل " ".(2) 3) "التّكرار في جمل تُؤ تِي ال مُل كَ مَن تَشاءُ وَتَن زِعُ ال مُل كَ مِمَّن تَشاءُ للتفخيم والتعظيم ".(3) 4) (ﮚ ﮛ ): " تعريف الخ ير للتعميم، وتقديم الخبر للتخصيص، أي بقدرتك الخير كله لا بقدرة أحد غيرك " (4)،وفي الاقتصار على ذكر الخير تعليم لنا كيف نمدح بأن نذكر أفضل الخصال "(5)،" وخَ صَّ اللهُ تعالى " الخير " بالذكر، وهو تعالى بيده كل شيء، إذ الآية في معنى دعاء ورغبة، فكأنَّ المعنى (ﮚ ﮛ) فأج زِ ل حظِّ ي منه ".(6) سابعا : العبر والدلالات المستفادة من الآية 1) "تناولــت الآيــة ملكــه وحــده وتصــرفه، وعمــوم قدرتــه، وتضــمنت أن هــذه التصــرفات كلهــا بيديــه وأنهــا كلهــا خيــر. فســلبه الملــك عمــن يشــاء، وا ذلالــه مــن يشــاء خيــر وا ن كــان شــرا بالنســـبة إلـــى المســـلوب الـــذليل، فـــإن هـــذا التصـــرف دائـــر بـــين العـــدل والفضـــل، والحكمـــة والمصلحة لا تخرج عن ذلك، وهذا كله خير يحمد الرب عليه ويثنى عليه بـه، كمـا يحمـد ويثنى عليه بتنزيهه عن الشر، وأنه ليس إليه ".(7) 2) إن دلائل قدرة الله تعالى في الكون لا تحصـى ولا تُعَـدّ، منهـا مـا عرفـه العلمـاء، ومنهـا مـا لـــم يعلمـــوه بع ـــدُ، قـــال تعـــالى: (ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ) [85]، وشـــواهد القـــدرة الإلهية لا يحيط بها عقل الإنسان عداا ولا علما ولا إدراكاً. يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: " نداء خاشع، في تركيبه اللفظي إيقاع الدعاء ، وفي ظلاله المعنوية روح الابتها ل، وفي التفاتاته إلى كتاب الكون المفتوح استجاشة للمشاعر في رفق وا يناس، وفي جمعه بين تدبير الله وتصريفه لأمور الناس ولأمور الكون إشارة إلى 1)) زهرة التفاسير ، محمد أبو زهرة، (3/1169.) 2)) انظرإعراب القرآن وبيانه ، محيي الدين الدرويش، (1/497.) 3)) التفسير المنير، الزحيلي، (3/122.) 4)) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، (2/21.) 5)) تفسير البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي،2/439.) 6)) المحرر الوجيز، ابن عطية الأندلسي، (1/417.) 7)) بدائع التفسير الجامع لما فسَّره الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، جَمَ عَ ه: يسري السيد محمد، ( 1/229.)
عدد الصفحات ٧٧61 الحقيقة الكبيرة: حقيقة الألوهية الواحدة القوامة على الكون والناس ، وحقيقة أن شأن الإنسان ليس إلا طرفاً من شأن الكون الكبير الذي يصرفه الله، وأن الدينونة لله وحده هي شأن الكون كله كما هي شأن الناس، وأن الانحراف عن هذه القاعدة شذوذ وسفه وانحراف ".(1) 3) الحديث هنا عن دلائل قدرة الخالق في ملكه، فهو مالك العباد وما ملكوا، وهو الذي أعطاهم إرادة الاختيار بالتصرف فيما مَلَّكهم إياه، ومن سُنَّ ته سبحانه في خلقه مداولةُ الأيام بينهم، ولا يوقِفُها عند واحد؛ ليُعلَم من يَستحق الاستخلاف ومن لا يستحقُّه، ولِيتميَّز الناس إلى فسطاطين: فسطاط الحق، وفسطاط الباطل، فيحدث الصِّدام بن الفريقين، ويتَّخذ الله تعالى عنده شهداء، ثم تدور الدائرة على الباطل وأهل ه، فيأتيه الله من القواعد فيَخِرُّ عليهم السقف من فوقهم، وين هدِمُ عليهم ما كانوا يعرِشون، فهذه سنة التدافع، وتلك سنة الاستخلاف، وشواهد هذا الكلام في التاريخ كثيرة، سَطَّر لنا القرآن الكريم طرفا منها، فمن مشهور القصص في ذلك ما كان من أمر فرعون، فإنه ق د أوتيَ المال والتصرف، وأخضع لنفسه رقاب العباد، ولم يُراعِ حق الله تعالى في المُل ك الذي أعطاه، فما لبث أن ادَّعى الربوبية والألوهية، وقامت عليه الحجة بإرسال موسى وهارون عليهما السلام، فلم يَر عَوِ، ولم يتخذ جادَّة الحق دليلاً، فجعل اللهُ الماءَ يجري فوقَه بعد أن كان يجري من تحته، وأهلك الله جنده، وجَرَت سنةُ الله تعالى عليه في إهلاك القوم الظالمين، وكان الاستخلافُ لبني إسرائيل الذي استُضعفوا في الأرض، قال تعالى: (ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ) [24- 29]. 4) لقــد نقــل لنــا التــاريخ صــورا عديــدة مــن علــوِّ الأمــم وانحــدارها، فقــوم نــوح، وعــاد ، وثمــود، وفــارس، والروم، والتتار، والصليبيون، وكثير من ممالك أهل الإسلام، وفي العصـر الحـديث مـا كـان مـن هزيمة الروس في أفغانستان والشيشان، وكذلك أمريكا، واقتتال النصـارى فيمـا بيـنهم فـي الحـربين العــالميتين الأولــى والثانيــة، ومــا كــان فــي فلســطين المباركــة مــن اســتبداد اليهــود، وخــروجهم مــن قطاع غزة بادرة لتحرير باقي التراب الفلسطيني من دنس اليهود. 1) والواقــــع الحاضــــر ملــــيء بمثــــل هــــذه الشــــواهد، فالأنظمــــة الحــــــاكمة فــــي الـــــــدول العــربيـــــــة علــــــــى استحكام قبضتها على شعوبها، ونشرها لروح الخـذلان بـين الأفـراد، جاءتهـا الريـاح العاتيـة، ريـاحُ التغييــر، فــاهتزَّت عــروش الظــالمين، فالبــاكورةُ كانــت تــونسَ، وتَلَت هــا مصــرُ، فأســقطت طاغوتَهــا، 1)) في ظلال القرآن ، (1/394.)
عدد الصفحات ٧٨62 ولا زالت في مخاضها العسير حتى يأذن الله تعالى لها بالفرج، وال تحق بِصَـفِّ الخـزي زعـيمُ ليبيـا بعد أن أذاق أهلها مذاقات العذاب، فقتله الله تعـالى شـر قِت لـة، والفـرج للشـام وأهلـه قريـب إن شـاء الله تعالى. كــلُّ مـــا ذُكِـــر يَــدُلُّ دِلالـــةً واضـــحةً علــى قـــدرة الله تعـــالى المطلقــةِ علـــى خلقـــه، وقيوميَّتـــه عليهم، فهو يرفع من يشاء رفعَه، ويخفض من يشاء خفضَه، ويُعزُّ مـن يشـاء إعـزازَه، ويُـذِلُّ مـن يشاء إذلالَه، ليكون في ذلك عبرةً لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. المطلب الثاني: الإيمووان بقودرة الله تعوالى : قال الله تعالى: (ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ) [01]. موضوع هذا المطلب مُل تَحِق بالمطلب السابق، فكلاهما يعالج الحديث عن قدرة الله تعالى، فالمطلب السابق يدور الحديث فيه عن دلائل قدرة الله تعالى وشواهدها في الكون، أما هذا المطلب فيتحدَّث عن الإيمان بقدرة الله تعالى وتمكُّنِه من القلب. أولا: المعنى الإجمالي: تدخل الليل في النهار فلا يبقى ليل، و تو لج النهار في الليل فلا يبقى نهار، و تخرج جسماً حياً من جسم ميت في المحسوسات، كالدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، ومن المعنويات تخرج الم ؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، (ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ) بغير عدد، ولا حد لواسع فضله وغناه عما سواه. (1) ثانيا: معاني المفردات 1) (ﮣ) : " (ولــج) الــواو والــلام والجــيم: كلمــة تــدلُّ علــى دُخــول شــيء ".((2 "الإيــلاج: الإدخــال، ومعناه: تنقص من أحدهما وتزيد في الآخر، وقيل معناه: تغطي الليل بالنهار، والنهار بالليل ".(3) 2) (ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ) : اختلفت أقاويل المفسرين في معناها: فقيل: يخرج الرجل الحي من النطفة الميتة، وقيل: النخلة من النواة، والسـنبلة مـن الحبـة، وقيـل: البيضــة تخـــرج مـــن الحـــي وهـــي ميتـــة، ثـــم يخـــرج منهـــا الحـــي ، و قيـــل: النـــاس الأحيـــاء مـــن 1)) انظر: أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير، أبو بكر الجزائري، ( 1/353)،باختصار. 2)) معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، (6/115.) 3)) تفسير القرآن، السمعاني (1/357.)
عدد الصفحات ٧٩63 النطف، والنطف ميتة تخرج من الناس ا حياء، ومن الأنعام والنبات كذلك ايضا، وقيـل: النــواة مــن النخلــة والحبــة مــن الســنبلة، و قيــل: المــؤمن مــن الكــافر، والكــافر مــن المــؤمن، والمؤمن عبد حي الفؤاد، والكافر عبد ميت الفؤاد.(1) ثالثا المناسبة: " لما ذكر الله تعالى أنه مالك الملك أردفه بذكر قدرته الباهرة في حال الليل والنهـار، وفي المعاقبة بينهما وحال إخراج الحي مـن الميـت ثـم عطـف عليـه أنـه يـرزق مـ ن يشـاء بغيـر حســاب، وفــي ذلــك دلالــة علــى أن مــن قــدر علــى تلــك الأفعــال العظيمــة المحيــرة لــذوي الأفهــام والعقول، فهو قادر أن ينزع الملك من فارس والروم واليهود ويذلهم ويؤتيه العرب ويعزهم ".(2) رابعا : اللطائف البيانية 1) (ﮣ) " هنـــا اســــتعار ة لتعاقــــب ضـــوء النهــــار وظلمــــة الليــــل، فكـــأنَّ أحــــدهما يــــدخل فــــي الآخر".(3) 2) إخراج الحي مـن الميـت والعكـس " رمـز إلـى ظهـور الهُـدى والملـك فـي أمّـة أميـة، وظهـور ضلال الكفر في أهل الكتابين ".(4) 3) من البديع" ردُّ الأعجازِ على الصدور، والصدور على الأعجاز في قوله : (ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ) وفي قولِهِ : (ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ) ".(5) خامساالعبر والدلالات المستفادة من الآية: 1) لقد دلَّ على قدرة الله تعالى المطلقةِ جميعُ المخلوقات، فالكون كلُّه شاهد على هذه القدرة التي ما ماثلها نظير، وما كان في مُستطاع مخلوق القيامُ بما يشابِهُ قدرة العليم الخبير، فالله هو المتفرِّد بالخلق والأمر، قال سبحانه: (ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ) [54]. 1)) انظر هذه الأقوالجامع البيان، الطبري ، (6/354)، تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم، (2/626)، فتح القدير، الشوكاني، (1/449.) 2)) لباب التأويل في معاني التنزيل ، الخازن ( 1/236.) 3)) التحرير والتنوير ، ابن عاشور، (3/214.) 4)) انظر: المصدر السابق (3/211.) 5)) الدر المصون، السمين الحلبي، (3/156.)
عدد الصفحات ٨٠64 2) إنَّ الإنسانَ لا يسَعُه إلا التَّوقُّفُ والنظرُ والاعتبارُ مما خلق اللهُ تعالى، وا نه لَتأخذه الحيرةُ والدهشةُ مما يرى ويشاهد، ولا يملك لنفسه إلا التسبيحَ بحم د الله الخالق العظيم. 3) إن النــاس قـــد اســـتقرَّ فــي أذهـــانهم أن لا خـــالقَ إلا اللهُ ، فالمشــركون علـــى شـــركهم لـــم يســـــتطيعوا إنكـــــار هـــــذه الحقيقـــــة، قـــــال تعـــــالى: (ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ) [16]، وقال تعـالى(ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ)[78]. 4) مهمـا حــاول الإنســان – بعقلـه القاصــر- التفكيــرَ لإدراك حقيقــة القـدرة الإلهيــة، فإنــه ســيرتدُّ خاسئاً وهو حسير ولابُدَّ، فلقد ابتغى لنفسـه مـا هـو فـوق طاقتـه، ولـن يبلـغ مـراده أبـداً؛ لأن قدرة الله تعالى مُحاطة بأسوارٍ وأسرار لا يعلمها إلا صاحبُها . 1) الإيمــان بقــدرة الله تعــالى تــدع و إليــه الفطــرة الســليمة، والعقــل الصــريح، وهــو يتطلَّــب علمــا واســـعا بالحقـــائق الكونيـــة فـــي الخلـــق والحيـــاة؛ ولـــذلك كـــان العلمـــاء مخصوصـــين بالمـــدح؛ لأنهم يعلمون ما لا يعلمه الناس. 6) إن الله تعـــالى قـــد نَصَـــبَ الأدلـــةَ علـــى قدرتـــه شاخصـــةً أمـــام النـــاس؛ لِيُقِـــرُّوا بالوحدانيـــة، ويعترفـــوا بالضعف والحاجة، فالنفس البشرية إذا أذعنت آم نت، والـنفس البشـرية طـــامحة بحُك ـم الفطـرة إلـى الكمــــال، فلابــــد أن تتعــــرَّف علــــى ذات كاملــــة فــــي الصــــفات والأفعــــال، وحينهــــا تشعــــــر بــــالنقص والضعف، والحــاجةِ إلى قــوة عُلــوية تـستـند إلــى قـوَّتها، هــذه الــذات هـي ذاتُ الله . ومــن دلائــل قــدرة الله تعــالى فــي هــذا الكــون الفســيح مــا أخبرنــا بــه الله تعــالى فــي كتابــه مــن إيــلاج الليــل فــي النهــار، وا يــلاج النهــار فــي الليــل، وا خــراج الحــي مــن الميــت، وا خراج الميت من الحي، فإن هذه الأمور لا يقدِر عليها إلا الله . 7) "إن توجيـــه الأنظـــار إلـــى دخـــول الليـــل فـــي النهـــار، ودخـــول النهـــار فـــي الليـــل، ســـواء أكـــان بالمعنى الأول أم كان بـالمعنى الثـاني، فيـه توجيـه الأذهـان إلـى عظمـة الكـون وكمـال سـلطانه فيــه، فمــا كــان تعاقــب الليــل والنهــار وتــداخلهما إلا ظــاهرة لــدوران الأرض حــول الشــمس، وحركة الفلك الـدوار المسـتمرة الدائبـة بقـدرة الله تعـالى وقيامـه علـى كـل شـيء، وفـي الليـل تبـدو الكواكـــب والنجـــوم، وتظهـــر آيـــات ذلـــك النظـــام العجيـــب المحكـــم الـــذي يســـيره ســـبحانه بقدرتـــه وحكمته ".(1) 1)) زهرة التفاسير ، محمد أبو زهرة، (3/1171.)
عدد الصفحات ٨١