33 ثالثا معاني المفردات: 1) ( ﭹ): الدِّ ينُ لغةً : " الانقياد والذُّل، فالدِّين: الطاعة "(1)، الدين شرعا " وض ع إلهي يدعو أصحاب العقول إلى قَ بول ما هو عند الرسول "(2)،" والدين يقال للطاعة والجزاء، واستعير للشريعة، والدين كالملة، لكنه يقال اعتبارا بالطاعة والانقياد للشريعة ".(3) 2) (ﭼ): الإسلام لغة: " (سَ لِ مَ ) السين واللام والميم معظم بابه من الصِّ حَّ ة والعافية ... ومن الباب أيضاً الإسلام، وهو الانقياد؛ لأنَّه يَس لمُ من الإباء والامتناع "(4)، و" الإسلام هو الاستسلام، وهو يتضمن الخضوع لله وحده، والانقياد له، والعبودية لله وحده ".(5) رابع ا: اللطائف البيانية: 1) (ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ) " صيغة حصر... أي لا دين إلا الإسلام، وقد أَ كَّ د هذا الانحصار بحرف التوكيد ". (6) 2) قولُه: ( ﭺ ﭻ ) " وصف للدين، والعِ ن دِ يَّ ة عنديَّ ة الاعتبار والاعتناءِ وليست عندية علم، فأفاد أنّ الدين الصحيح هو الإسلام ".(7) ثالثا: العبر والدلالات المستفادة من الآية: 1) أخبر الله تعالى بأنه لا يقبل من أحد دينا سـوى الإسـلام ، وهـو اتِّ بـاعُ الرسـ ل فيمـا بعـثهم اللّـه بـه فـي كل حين، حتى خُ تِ موا بمحمد ، أي اتباعُ الملل والشرائع التـي جـاء بهـا الأنبيـاء والمرسـلون ، فهـم إن اختلفوا في الفروع ، لم يختلفوا في الأصول وجوهر الدي ن، وهو التوحيد والسـلام، والعـدل فـي كـل شيء، فمن لقي اللّه بعد بعثِ ه محمداً بدين على غيـر شـريعته ، فلـيس بمتقَ بَّـل، كمـا قـال تعـالى: (ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ) [85]. 2) "تشريع الدين له هدفان : الأول: تصحيح الاعتقاد، وحصر معنى الألوهية والربوبية باللّه تعالى، و الثاني: إصلاح النفوس بالنية الخالصة للّه وللناس وبالعمل الصالح ".(8) 1)) معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، (2/262.) 2)) التعاريف، م حمد عبد الرؤوف المناوي، ص 344. 3)) مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني، 1/319.) 4)) معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، (3/69.) 5)) مجموع الفتاوى، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، (7/426). 6)) التحرير والتنوير ، ابن عاشور، (3/125.) 7)) المصدر السابق، (3/125.) 8)) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، (3/172.)
عدد الصفحات ٥٠34 "وهذان الأمران هما روح المراد من كلمة الإسلام ، وأما أعمال العبادات فإنما شرعت لتربية هذا الروح الأ م ري في الروح الخلقي ؛ ولذلك شرط فيها النية والإخلاص ، ومتى تربى سَ هُ ل على صاحبه القيامُ بسائر التكاليف الأدبية والمدنية التي يصل بها إلى المدينة الفاضلة وتحقيق أمنية الحكماء ".(1) 3) راعى الإسلام متطلبات النفس البشرية، فخاطب العقل بالبراهين والأدلة المادية، فنصب لها الأدلة الصريحة التي لا ينكرها إلا جاحد مكابر، وأنزل الله تعالى من العقائد ما يستطيع العقل فهمها وعدم معارضتها؛ لأنها تتَّفق مع الفطرة السليمة والعقل الصح يح، وحثَّ الإسلام على طلب العلم وتحصيله، ونبَّه على شرفه، وأمر بالتدبُّ ر والنظر في الكون الذي خلقه الله تعالى؛ ليزداد الإيمان رسوخا، وراعى الإسلام جانب العاطفة، فكان الأمرُ بالدعاء وبِرِّ الوالدين، وصلة الرحم ، وراعى الإسلام حاجة الناس إلى تشريعات يحتكمون إ ليها عند خلافاتهم، فكانت أحكام الميراث، وأحكام البيوع، والقصاص، وا لمعاملات المالية بأشكالها، وغيرها ، وراعى الإسلام حاجة الروح، فكان الأمر بذكر الله تعالى كثيرا ، وبيان عظمة الله تعالى في خلقه، وكان الأمرُ بتزكية النفس، فأُمِر الإنسان بفضائل الأخلاق ومكارمِ ها، والتَّأسِّي بالأنبياء والصالحين، وراعى الإسلامُ حاجةَ الجسد، فأباح الطعام والشراب إلا ما حرَّم، وشرع الزواج ورغَّب فيه، ورتَّب عليه أحكاما، وهكذا يمضي الإسلام متوازن ا، وهو شامل لا يَ غ مِ طُ جانبا حقَّه، فاستحق بذلك العالمية؛ لسماحته ووفائه بمتطلبات الإنسان. 4) مدى حاجة الناس إلى الإسلام: ما أنزل الله تعالى الشرائع إلا رحمةً بالناس، ولوِ قَ ايَ تهم من التخبط والتِّ يه الذي ستعيشه بدون منهج سماوي تحتكم إليه، والإنسان بعقله القاصر وعل مه القليل لا يستطيع وَ ض عَ منهجٍ مُ ح كَ مِ الجوانبِ لا خلافَ عليه، بل إن وضعَ لنفسه قانوناً في أيِّ مجال سيجِ دُ آجلاً أنه مليء بالثغرات؛ مما يدفعه إلى البحث عن نظام كامل، لا سبيل للنقص إليه ، ولا يعتريه الخلل، هذا النظام هو الإسلام. 1) المراد من إنزال الشرائ وبعرث الرسل وضَّح الإمام ابن عاشور رحمه الله " أنّ مراد الله تعالى من توجيه الشرائع وا رسال الرسل، ليس مجرّد قرع الأسماع بعبارات التشريع أو التذوّق لدَقائق تراكيبه، بل مراد الله تعالى ممّا شرع للناس هو عملهم بتعاليم رسله وكتبه ".(2) 1)) تفسير القرآن الحكيم ، محمد رشيد رضا، ( 3/219.) 2)) التحرير والتنوير ، (3/125.)
عدد الصفحات ٥١35 المطلب الراب : تحذير المسلمين من الاختلاف الذ كان بين أهل الكتاب: قووال الله تعووالى: ( ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ) [51]. لقد حذر الله المسلمين من الاختلاف الذي تلبَّس به أهل الكتاب، فاليهود قد نسبوا إلى الله تعالى النقائصَ ، ويفتَ رون على أنبياء الله ورسله وأوليائه الكذبَ ، وانقسم النصارى على أنفسهم ثلاثَ فِرَق: فرقةٍ تؤمن بالله تعالى إلهاً وخالقاً، وهؤلاء هم الموحدون، ويعتقدون عبودية عيسى ، وف رقةٍ تعتقد ألوهية المسيح ، وفرقةٍ تعتقد بنوَّته لله، تعالى الله عما يقولون علواا كبيرا. أولا : المعنى الإجمالي: " ما اختلف الذين أوتوا الإنجيل وهو "الكتاب" الذي ذكره الله في هذه الآية في أمر عيسى، وافترائهم على الله فيما قالوه فيه من الأقوال التي كثُ ر بها اختلافهم بينهم، وتشتَّ تَ ت بها كلمتهم، وباين بها بعضهم بعضًا، حتى استحلَّ بها بعضُهم دماءَ بعض،(ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ) يعني: إلا من بعد ما علموا الحقّ فيما اختلفوا فيه من أمره، وأيقنوا أنهم فيما يقولون فيه من عظيم الفِر ية مُ ب طلون، فأخبر الله عباده أنهم أتوا م ا أتوا من الباطل، وقالوا من القول الذي هو كفر بالله، على علم منهم بخطأ ما قالوه، وأنهم لم يقولوا ذلك جهلا منهم بخطئه، ولكنهم قالوه واختلفوا فيه الاختلافَ الذي هم عليه، تعدِّيًا من بعضهم على بعض، وطلبَ الرِّ ياسات والمُ ل ك والسلطان ".(1) ثانيا: معاني المفردات: (ﮉ): " (بغي) الباء والغين والياء أصلان: أحدهما طَلَب الشيء، والثاني جنس من الفَساد ... والبَغ ي: الظُّ ل م "(2)، قال ابن كثير رحمه ا بغى بعضُ هم على بعض، فاختلفوا في الحق لتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فحمل بعضهم بُغ ض البَع ض الآخر على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله، وا ن كانت حقا ".(3) ثالثا: المناسبة: قال الإمام ابن عاشور رحمه الله: " عُطِفَ (ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ )على قوله: (ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ) للإخبار عن حال أهل الكتاب من سوء تلقّيهم لدين الإسلام، ومن سوء فهمهم في دينهم، وجيء في هذا الإخبار بطريقة مؤذنة بورو د سؤال ، إذ قد جيء بصيغة 1)) جامع البيان، الطبري ، (6/276.) 2)) معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، (1/211). 3)) تفسير القرآن العظيم، (3/37.)
عدد الصفحات ٥٢36 الحصر؛ لبيان سبب اختلافهم، وكأنّ اختلافَهم أمر معلوم للسامع، وهذا أسلوب عجيب في الإخبار عن حالهم إخباراً يتضمّن بيان سببه، وا بطال ما يَتراءى من الأسباب غير ذلك، مع إظهار المقابلة بين حال الدِّينينِ الذي هم عليه يومئذ من الاختلاف، وبين سلامة الإسلام من ذلك ".(1) رابع ا: العبر والدلالات المستفادة من الآية: 1) الأمر بالتوحد والنهي عن التفرق لقد أمر الله أمة الإسلام بالتوحد ونب ذِ الفُ رقة، فهي أمة ربُّها واحد، وكتابها واحد، ونبيُّ ها واحد، ومنهاجها واحد، وقد جاءت نصوص كثيرة تأمر بالوحدة وتذُمُّ التفرق، قال تعالى: (ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ) [ل عمنا 113]،والمسلمو ن لا يجتمعون على شيء كاجتماعهم على الدِّين، فرابطة الدين عند المسلمين هي أشدُّ العُرى وأوثقُ ها، فهي أقوى من رابطة الدم والنسب، وهذا ما أثبته المسلمون على مرِّ العصور، منذ الصدر الأول من الإسلام، حتى جاء يوم تفرَّ قت فيه الأمة شيعا، فأصبحت مرتعا خصبا للأهواء والفتن، تتكالب عليها الأمم، وتَ تَ نَ اوشُ ها كل الأيدي الآثمة من كل ناحية واتجاه، فتكاثرت النكبات على الأمة المحمدية بعد تفرُّقها ولجوئها إلى الشرق تارة، وا لى الغرب أخرى، وقد حذر النبي أمته من الاختلاف الذي وقع فيه اليهود والنصارى، فعَن عَو فِ ب نِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : (افرتَرَقَتش الريَهُودُ عَلَى إشحردَى وَسَبرعشينَ فشررقَة ، فَوَاحشدَة فشي الرجَنَّةش، وَسَبرعُونَ فشي النَّارش، وَافرتَرَقَتش النَّصَارَى عَلَى ثشنرتَيرنش وَسَ برعشينَ فشررقَة ، فَ ش حردَى وَسَبرعُونَ فشي النَّارش وَوَاحشدَة فشي الرجَنَّةش، وَالَّذش نَفرسُ مُحَمَّدٍ بشيَدشهش لَتَفرتَرشقَنَّ أُمَّتشي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبرعشينَ فشررقَة ، وَاحشدَة فشي الرجَنَّةش، وَثشنرتَانش وَسَبرعُ ونَ فشي النَّارش، قشيلَ: يَا رَ سُولَ اللٌَّش ، مَنر هُمر؟ قَالَ: الرجَمَاعَةُ ).(2) 2) المقصود بالاختلاف الذي كان بين أهل الكتاب قال الإمام الشوكاني رحمه الله: " والمراد بهذا الخلاف الواقع بينهم هو خلافهم في كون نبينا نبيا أم لا؟ وقيل: اختلافهم في نبوة عيسى وقيل: اختلافهم في ذات بينهم حتى قالت اليهو د: ليست النصارى على شيء وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء ".(3) 3) المقصود بأهل الكتاب اليهودُ والنصارى على الراجح ، وقيل: اليهود، واختُ لِ ف فيما عهد إليهم موسى ، فإن موسى عليه الصلاة و السلام لما حضره الموت دعا سبع ين حبرا من أحبار بنى إسرائيل فا ستودعهم التوراة ، وجعلهم أمناءَ عليها، واستخل ف يوشع بن نون وبعد قرون ثلاثة وقعت الفرقة بينهم ، فأهرقوا بينهم الدماء ، ووقع الشر طلبا لسلطان الدنيا 1)) التحرير والتنوير ، (3/126). 2)) سنن ابن ماجه، كتاب الفتن، باب افتراق الأمم، 1/1322)، حديث رقم 3222، قال الألباني: صحيح 3)) فتح القدير، (1/442.)
عدد الصفحات ٥٣37 وملكها وخزائنها وزخرفها فسلط الله تعالى عليهم جبابرتهم ، وقيل: النصارى .(1) 4) جاء الذم لأهل الكتاب من ثلاثة وجوه: أوله ا: أنهم أصحاب كتاب، فلا يُتَوَقَّع منهم الاختلاف، ثانيها: أنهم قد جاءهم العلم، وهذا أبلغ في إقامة الحجة عليهم، وثالثها: أن اختلافَهم هذا أساسُه البغي والتحاسد، وهذا يتنافى مع كونهم أهلَ كتاب وأصحابَ علم.(2) المطلب الخامس: الثبات على المبدأ والدفاع عنٌ وتبليغٌ للناس: قووووال الله تعووووالى:(ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ) [02]. أســمى المبــادئ هــو الإســلام، أنزلــه الله تعــالى ليُهتــدى بــه، ويكــون بــين النــاس حكمــا، وتحكيمُه في الناس يستوجِب الثبات عليه ابتداء للوصول به إلى التمكين في الأر ض. أولا: المعنى الإجمالي: " فإن جادلك هؤلاء ف ي هذا الدين بعد أن أقمت لهم الحُجج، فلا تجارهم في الجدل، وقل: أخلصت عبادتي لله وحده أنا ومن اتبعني من المؤمنين، وقل لليهود والنصارى ومشرك ي العرب: قد بانت لكم الدلائل فأسلموا، فإن أسلموا فقد عرفوا طريق الهدى وات بعوه، وا ن أعرضوا فلا تبعة عليك في إعراضهم، فليس عليك إلا أن تبلغهم رسالة الله، والله مطلع على عباده لا يخفى عليه ش يء من أحوالهم وأعمالهم ".(3) ثانيا معاني المفردات: 1) (ﮖ): أي خاصموك و جادلوك بالأقاويل المزوَّ رة والمغالطات في الدين و التوحيد.(4) 2) (ﮢ): " الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب "(5)، أو" هم الذين لا يكتبون من مشركي العرب ".(6) 1)) انظر: روح المعاني ، الألوسي، (3/157)،جامع البيان، الطبري ( 6/277). (2) انظر: إعراب القرآن وبيانه، محيي الدين الدرويش، 1/477.) (3) تفسير المنتخب، لجنة من علماء الأزهر، 1/99.) 4)) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 1/62)، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، (3/37)، معالم التنزيل، البغوي، ( 2/25)، بتصرف 5)) جامع البيان، الطبري ، (6/291.) (6) روح المعاني، الألوسي، 3/159.)
عدد الصفحات ٥٤38 ثانيا: اللطائف البيانية 1) "عبر بالوجه عن سائر الذات لكونه أشرف أعضاء الإنسان وأجمعها للحواس ، وقيل الوجه هنا بمعنى القصد ".(1) 2) "المجاز المرسل في قوله : (ﮘ ﮙ ): تعبيرا عن الك ل بأشرف أعضائه وهو الوجه، والعلاقة هنا الكلية ".(2) 3) قوله: (ﮣ) صورتُه استفهام ومعناهُ الأمرُ، فهو " للحضِّ على أن يسلموا وجوههم لله ويخلصوا في طلب الحقيقة "(3) أي: أَس لِمو ا. ثالثا: العبر والدلالات المستفادة من الآية: تضمنت هذه الآية عدة أمور، وهي 1) الثباتعلى المبدأ الأساس وهو الإسلام، فمطلَ ع الآية يُبين ماهِ يَّ ةَ الحوار الذي سلكه أهل الكتاب، وهو المجادلة بالباطل والمحاجَّة عنه، رغم علمهم بأنَّ الإسلام هو الدين الحق وأنه الدين الخاتَ م الذي بشَّرت به أنبياؤهم، فهم يجادلون عن الباطل الذي هم فيه منغمسون، وفي هذه الحال كان الأمرُ موجَّهاً للنبي أن يثبت على ما هو عليه من الحق الذي أرسله ا به. 2) أن يَبلِّغَ النبيُّ الرسالةَ كما أُمِر أن يبلِّغَها، والردُّ على هؤلاء بالحجة هو في حدِّ ذاته دعوة لهم لاتباع الحق، فهو ينفي عن هذا الدين التُّهَ مَ والأراجيفَ التي يُلحِقونها به، وهو منها براء ، وهذا مفهوم من قوله :(ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ )، ويُ فهم منها أيضا عالميةُ الإسلام، " فهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته صَلوات الله وسلامه عليه إلى جميع الخلق، كما هو معلوم من دينه ضرورةً ، وكما دلَّ عليه الكتاب والسنة في غير ما آية وحديث ".(4) 3) أن النبــيَّ بُعِــث داعيــاً ولــم يُب عــث قاضــياً ، وهــذا مــأخوذ مــن قولــه تعــالى: (ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ) ، قــــــــال تعــــــــالى: (ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ) [45،46]، وقد نهى اللهُ نبيه عن التحسُّر على من لم يؤمن فقـــــــال ســـــــبحانه: (ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ) [6]، 1)) فتح القدير، الشوكاني،1/442.) 2)) إعراب القرآن وبيانه ، محيي الدين الدرويش، (1/495.) (3) زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة، 3/1114.) 4)) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير (3/37.)
عدد الصفحات ٥٥39 وقوله تعالى (ﮬ ﮭ ﮮ ) "الغرض منه تسلية الرسول وتعريفه أن الذي عليـه لـيس إلا إبلاغ الأدلة وا ظهار الحجة، فإذا بلغ ما جاء به فقد أدى ما عليه، وليس عليه قَبولهم ".(1) 4) يجب علـى مـن يتصـدَّر لـدعوة النـاس للإسـلام أن لا يجعـلَ مـن نفسـه قاضـيا يحكـم علـى النـاس و علــى تصــرُّفاتهم، وا نمــا هــو داعيــة عليــه أن يبلِّــغ الرســالة بلطــفٍ وحكمــة؛ حتــى يتقبَّــل النــاسُ مــا يقــول، والنتــائج موكولــة إلــى الله ، فهــو ســبحانه بيــده الهدايــة، فلــيس مطلوبــا مــن الـــدعاة أن يتحســـروا علـــى رفـــض النـــاس الـــدعوةَ فضـــلا عـــن تـــأخُّر اســـتجابتهم، قـــال تعـــالى: ( ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ) [272]. 1)) التفسير الكبير، الرازي، 7/235.)
عدد الصفحات ٥٦41 المبحث الثالث المقاصد والأهداف لسورة آل عمران الآيتان ( 25 و22 ) وفيه مطلبان: المطلب الأول: أهمية قول الحق وا ن كان مــرا ا. المطلب الثاني: عاقبة الكفر وقتل الأنبياء والمصلحين.
عدد الصفحات ٥٧41 المطلب الأول: أهمية قول الحق وا ن كان مووراا: قال تعوالى: (ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ) [05]. أو: معاني المفردات: (القِ س ط): "(قَ سَ طَ ) القاف والسين والطاء أصل صحيح يدلُّ على معنَيَين متضادَّين والبناءُ واحد، فالقِسط: العَد ل، ويقال منه أق سَ طَ يُ ق سِط ".(1) ثانياالعبر والدلالات المستفادة من الآية: 1) "دلَّـــت هـــذه الآيـــة علـــى أن الأمـــر بـــالمعروف والنهـــي عـــن المنكـــر كـــان واجبـــا فـــي الأمـــم المتقدمة، وهو فائدة الرسالة وخلافة النبوة ".(2) 2) إن طبيعة الصراع بين الحق والباطل – منـذ الأزل – تُحَـتِّم علـى أهـل الحـق أن يصـدعوا بمــا أُمِــروا بتبليغــه؛ ( ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ) [193]، وهــذا هــو دأب الأنبيــاء علــيهم الســلام، فقــد أمــر الله نبيَّــه محمــداً بــالجهر بكلمــة الحــق فقــال (ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ) [94]. 3) لقد وجب الصدع بكلمة الحق في وجوه الظالمين، فإن في ذلك إعزازاً للدين، وا علاءً لكلمة الله في الأرض، ونش راً لها في العالمين، والصدع بكلمة الحق هو الأمر بالقسط، وهو النهي عن المنكر، ولقد كان دأبُ الأنبياء كلِّهم قولَ الحق، وعلى هذا النهج سار أولوا العزائم علماءً ودعاةً، فتصدَّى لهم أهل الباطل، استكباراً عن قَبول الحق، وا معاناً في متابعة الشيطان والهوى، فكان الابتلاء والتمحيص، وكان الجهاد والتضحية، وما فَتِئَ الصادعون بالحق يجودون بالمُهَج وبما يملكون فداءً للحق الذي اعتنقوه، فهذه هي سِمَتُهم، وتلك سُنَّتُهم، وقد سئل النَّبِيُّ :أَي ال جِهَادِ أَف ضَلُ؟ قَالَ: (كَلشمَةُ حَق عش نردَ سُلرطَانٍ جَائشرٍ ).(3) 4) ذكر لنا القرآن الكريم نماذجَ ممن قاموا بهذا الدور العظيم، فكان الأنبياء عليهم السلام على رأس هذا الأمر، فقد أناطهم الله به، وهيَّأهم له، والنتيجة محتومة، وهي 1)) معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، (1/71.) 2)) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ، (1/73.) 3)) سنن النسائي، كتاب البيعة، باب فضل من تكلم بالحق عند سلطان جائر،7/161)، حديث رقم 4252، قال الألباني: صحيح
عدد الصفحات ٥٨42 المواجهة، مواجهةُ العقائد الفاسدة، والأخلاق الذميمة، والنفوس المريضة ، والطغيان والاستبداد والتَّجَرِّي على حدود الله ،ومن ينظر في القرآن الكريم يرى صوراً كثيرة من المواجهات التي كانت تدور رحاها بين أهل الحق وأهل الباطل، وتبدأ نهايات تلك القصص بتجبُّر الباطل وانتفاشه وتنتهي بخذلانه وهلاكه، فهذه هي سنة التدافع التي يتميَّزُ بها أنصار الحق من غيرهم. المطلب الثاني: عاقبة الكفر وقتل الأنبياء والمصلحين: قال الله تعالى: (ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ) [05،22]. "لن يغتفر التاريخ جرائم قتلة أهل الحق والدفاع عن القيم الدينية وعن مصا لح الأوطان وحماية البلاد، ولن ينجو قتلة الأنبياء وقتلة أهل المعروف من العقاب الشديد في الآخرة، وهؤلاء المجرمون بطلت أعمالهم في الدنيا والآخرة، وما لهم في الآخرة من ناصرين ولا شفعاء، لأنهم حرموا المجتمع والأمة من الخير والاهتداء بهدي اللّه ودينه، وصدّوا الأنبياء عن قول الحق وتبليغ الرسالة، وآذوا بالقتل وغيره كل من آزرهم ونصرهم، ونصحهم وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر من أهل العلم والعدل ".(1) أوسبب النزول: " كان ناس من بني إسرائيل جاءهم النبيون يدعونهم إلى الله فقتلوهم، فقام أناس من بعدهم من المؤمنين فأمروهم بالإسلام فقتلوهم، ففيهم نزلت هذه الآية ".(2) ثانيا: القراءات: (ﯚ): قرأ حمزة (ويقاتلون) بض م الياء وألف بعد القاف وكسر التاء من (القتال)، وقرأ الباقون بفتح الياء وا سكان القاف وحذف الألف وضم التاء من (القتل).(3) والمُ قَ اتَ لَ ة تعني: إعلان الحرب وا شهار السلاح والضرب به ، وقد يترتب عليها قتل وقد لا يترتب عليها قتل، وأما قراءة (يَ ق تُ لُ ون) فهي إخبار عنهم بالقتل ، وبالجمع بين (1) التفسير الوسيط، الزحيلي، ( 1/193.) 2)) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 1/72.) 3)) انظر: النشر في القراءات العشر، ابن الجزري، 2/232.)
عدد الصفحات ٥٩43 القراءتين: نجد أن العقوبة حاصلة سواء ترتب عليها إزهاق روح وهو القتل أو لم يترتب عليها ذلك، وفي هذا تهديد ووعيد لمن يحارب دين الله وأوليا ءه(1)، ففي الحديث القدسيعن أبي هريرة قال: قال رسول ا ( :إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنتٌ بالحرب).(2) ثالثا: المعنى الإجمالي: " هذا ذمٌّ من الله تعالى لأهل الكتاب فيما ارتكبوه من المآثم والمحارم في تكذيبهم بآيات الله قديما وحديثا، التي بلغتهم إياها الرسل، استكبارًا عليهم وعنادًا لهم، وتعاظما على الحق واستنكافا عن اتباعه، ومع هذا قتلوا من قتلوا من النبيين حين بلغوهم عن الله شرعه، بغير سبب ولا جريمة منهم إليهم، إلا لكونهم دعوهم إلى الحقّ ، (ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ) وهذا هو غاية الكبر، كما قال النبي :(الركشبررُ بَطَرُ الحَق وَغَمرط النَّاسش )(3)،ولهذا لما أن تكبروا عن الحق واستكبروا على الخلق، قابلهم الله على ذلك بالذلة والصغار في الدنيا والعذاب المهين في الآخرة، فقال:(ﯤ ﯥ ﯦ) أي: موجع مهين ".(4) رابعا: معاني المفردات 1) (ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ) " المراد بهؤلاء الكف ار اليهود والنصارى ". (5) 2) (ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ) قال الإمام ابن جريج (6) رحمه ا : " كان الوحي يأتي إلى أنبياء بني إسرائيل - ولم يكن يأتيهم كتاب - فيذكِّرُون قومَهم فيُق تلون، فيقوم رجال ممن تَبِعهم وصدَّقهم، فيذكرون قومَهم، فيُق تَلون- أيضاً - فهم الذين يأمرون بالقسط من الناس ".(7) 3) (ﯪ) : "حَبَطُ الأعمالِ : إزالةُ آثارها النافعة من ثوابٍ ونعيم في الآخرة، وحياةٍ طيّبة في الدنيا، وا طلاق الحَبَط على ذلك تمثيل بحال الإبل التي يصيبها الحَبَط وهو انتفاخ في بطونها من كثرة الأكل، يكون سبب موتها ، في حين أكلت ما أكلت للالتذاذ به".(8) 1)) تفسير القرآن بالقراءات - سورة آل عمران، عبد الله الملاحي، ص 172. (2) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع، 9/151)، حديث رقم 6152. (3 )صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه، 1/23)، حديث رقم 21. (4) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 3/32،45.) 5)) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل الدمشقي،1/113.) (6) عبدالملك بن عبد العزيز بن جريج، الإ مام، العلامة، الحافظ، شيخ الحرم، أبو خالد، وأبو الوليد القرشي الاموي، المكي، صاحب التصانيف، توفي سنة 115ه،(سير أعلام النبلاء، الذهبي، 6/321). 7)) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل الدمشقي، (1/116.) 8)) التحرير والتنوير ، ابن عاشور، (3/257.)
عدد الصفحات ٦٠44 رابعا: اللطائف البيانية 1) (ﯗ) ، (ﯚ) " جيء بهذه الأفعال مضارعةً لتدُلَّ على استحضار الحالة الفظيعة، وليس المراد إفادة التجدد ؛ لأنّ ذلك وا ن تأتَّى في قوله : (ﯗ) لا يتأتَّى في قوله: (ﯚ) لأنَّهم قتلوا الأنبياء والذين يأمرون بالقسط في زمنٍ مض ى ".(1) 2) (ﯚ) "تكري ر الفعل للإشعار بما بين القَ ت لين من التفاوت أو باختلافهما في الوقت".(2) 3) (ﯤ ﯥ ﯦ) : " استعمل بشَّرهم في معنى أنذرهم تهكُّماً، وحقيقة التبشير: الإخبار بما يُظهر سرور المُ خبَر(بفتح الباء) وهو هنا مستعمل في ضدّ حقيقته، إذ أريد به الإخبار بحصول العذاب، وهو موجب لحزن المخبَرين، فهذا الاستعمال في الضدّ معدود عند علماء البيان من الاستعارة، ويسمّونها تهكّمية لأنّ تشبيه الضدّ بضدّه لا يروج في عقل أحد إلاّ على معنى التهكّم ".(3) خامسا: العبر والدلالات المستفادة من الآية: 1) وصف الله مَن تولَّ ى عن الإسلام وكفر بثلاث صفات: إحداها: كفره بآيات الله وهم مُ قِ رُّ ون بالصانع، الثانية: قتلهم الأنبياء، والثالثة: قتل من أمر بالعدل ، فهذه ثلاثة أوصاف بُ دِ ىء فيها بالأعظم فالأعظم، وبما هو سبب للآخر، فأولها: الكفر بآيات الله، وهو أقوى الأسباب في عدم المبالاة بما يقع من الأفعال القبيحة، وثانيها: قتل من أظهر آيات الله واستدل بها ، والثالث: قتل أتباعهم ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. (4) ولا زال اليهود والنصارى يفعلون فعلهم القديم، فإنهم ما فَتِئوا ينصِبون أشراكهم لأهل الإسلام، وخصوصا المصلحين منهم والعلماء؛ ابتغاء فضِّ الناس عنهم وتشويه صورتهم أمام الناس. 2) "قسَّــم الله تعــالى وعيــدهم إلــى ثلاثــة أقســام: الأول اجتمــاع أســباب الآلام والمكــاره علــيهم وهــو العــذاب الألــيم، واســتعارة البشــارة هاهنــا للــتهكم ، الثــاني: زوال أســباب المنــافع عــنهم بالكليـة وهــو قولــه: (ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ) أمـا فــي الــدنيا فإبدال المدح بالذم والثنـاء بـاللعن وأسـباب الاحتـرام والاحتشـام بأصـناف الـذل والهـوان مـن السبي والقتل والجزية، وأما في الآخرة فكما قال عز من قائل : (ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ 1)) انظر: التحرير والتنوير ، ابن عاشور، (3/256.) 2)) روح المعاني ، الألوسي، (3/152.) 3)) التحرير والتنوير ، ابن عاشور، (3/257.) 4)) انظرالبحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، (2/422).
عدد الصفحات ٦١45 ﭸ ﭹ ﭺ) [23]،الثالـــث: لـــزوم ذلـــك فـــي حقهـــم وهـــو قولـــه: (ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ)".(1) 3) فــي التــاريخ المعاصــر حــين ضــعُفت حَمِيَّــة الــدين عنــد حكــام الأمــة الإســلامية، وصــاروا يحتكــرون الــرأي والســلطة، احتجبــوا عــن العلمــاء والــدعاة، ورفضــوا الاســتماع إلــى دعــوات المصلحين، ولم يكتفوا بـذلك، بـل سـاموهم سـوء العـذاب، وطرحـوهم فـي السـجون مُعَـذَّبين، وتمالئوا مع العدو الكافر على أبناء ملَّتهم، وصاروا يُعيدون سـنة أسـلافهم اليهـود فـي قتـل العلمــاء والصــالحين، وقــد رأى النــاس طرفــاً مــن انتقــام الله لعبــاده المستضــعفين الــذين لا ناصـــرَ لهـــم غيـــرُه، قـــال تعـــالى: (ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ) [42]. 1)) غرائب القرآن ورغائب الفرقان، النيسابوري ، (1/712).
عدد الصفحات ٦٢46 المبحث الراب المقاصد والأهداف لسورة آل عمران الآيات ( 22 و21 ) وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: دعوة المسلمين إلى التمسك بدينهم. المطلب الثاني: تحذير المسلمين من الابتداع في الدين. المطلب الثالث: التذكير بيوم القيامة.
عدد الصفحات ٦٣47 المطلب الأول: دعوة المسلمين إلى التمسن ك بدينهم: قووووال الله تعووووالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ) [02]. أوسبب النزول: " عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دخل رسول الله بيت المدر اس على جماعة من اليهود ، فدعاهم إلى الله، فقال له نعيم بن عمرو والح ارث بن يزيد: على أي دين أنت يا محمد؟ قال : على ملة إبر اهيم ودينه قال : فإن إبراهيم كان يهوديا فقال لهما رسول الله : "فهلما إلى التور اة فهي بيننا وبينكم "، فأبَ يَ ا عليه فأنزل الله : (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ) إلى قوله:(ﭵ) ".(1) ثانيا القراءات: قرأ أبو جعفر (لِيُ حكَ م) بضم الياء وفتح الكاف، قرأ الباقون (لِ يَ حكُم) بفتح الياء وضم الكاف.(2) وأفادت قراءة الجمهور (ل يَ حكُم) بيان علة الإنزال للكتب ، قال أبو حيان في تفسيره: " اللام لام العلة، ويتعلق بــ(أنزل) والضمير في (ليحكم) عائد على الله في قوله (فبعث) وهو المضمر في أنزل وهو الظاهر، والمعنى: أنه تعالى أنزل الكتاب ليفصل بين الناس ".(3) أما قراءة أبي جعفر : (ليُ حكَ م) فتفيد الغاية من إنزال الكتب، حيث جاء بناء الفعل للمفعول، وبالجمع بين القراءتين يتضح أن إنزال الكتب جاء لحكمة وهي أن تكون هي الحكم بين الناس والدستور الذي ينبغي الرجوع إليه خصوصا عند الاختلاف، و" لما كانت القراءة الأولى تدل على أن الله أنزل الكتب ليُ حكَ مَ بها بين الناس، والقراءة الثانية (لِ يَ حكُم) تدل على أن الكتب نزلت لتحكم بين الناس فهذا يدل على أن تحكيم كتاب الله يساوي تحكيم الله في المسألة، وهذا المعنى له ما له من قداسة وقيمة واعتبار ".(4) ثالثا: المعنى الإجمالي " يخبــر تعــالى عــن حــال أهــل الكتــاب الــذين أنعــم الله علــيهم بكتابــه، فكــان يجــب أن يكونــوا أقـــوم النـــاس بـــه وأســـرعهم انقيـــادا لأحكامــه، فـــأخبر الله عـــنهم أنهـــم إذا دعـــوا إلـــى حكـــم الكتــاب تــولى فريــق مــنهم وهــم يعرضــون، تولــوا بأبــدانهم، وأعرضــوا بقلــوبهم، وهــذا غايــة الــذم، 1)) لباب النقول في أسباب النزول، جلال الدين السيوطي، ص14. 2)) النشر في القراءات العشر ، ابن الجزري، (2/227.) 3)) البحر المحيط، (2/141.) 4)) تفسير القرآن بالقراءات - سورة آل عمران، عبد الله الملاحي، ص 195.
عدد الصفحات ٦٤48 وفي ضمنها التحذير لنا أن نفعل كفعلهم، فيصيبنا من الذم والعقـاب مـا أصـابهم، بـل الواجـب على كل أحد إذا دعـي إلـى كتـاب الله أن يسـمع ويطيـع وينقـاد، كمـا قـال تعـالى: (ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ) [51] ".(1) رابعا المناسبة: قال الإمام الرازي رحمه الله: " اعلم أنـه تعـالى لمـا نبّـه علـى عنـاد القـوم بقولـه :(ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ) [آل عمرررنا : 02] بـــيّن فـــي هـــذه الآيـــة غايـــة عنـــادهم، وهـــو أنهـــم يـــدعون إلـــى الكتـــاب الـــذي يزعمـــون أنهـــم يؤمنـــون بـــه ، وهـــو التـــوراة ثـــم إنهـــم يتمـــردون ، ويتولون، وذلك يدل على غاية عنادهم ".(2) خامسا: اللطائف البيانية: 1) "الاستفهام فيقوله : (ﭑ ﭒ ) للتقرير والتعجيب ، وقد جاء الاستعمال في مثله أن يكون الاستفهام داخلاً على نفي الفعل والمراد حصولُ الإقرار بالفعل ليكون التقرير على نفيه محرّضاً للمخاطب على الاعتراف به بناء على أنّه لا يرضى أن يكون ممّن يجهله".(3) 2) (ﭖ): التنكير فيها للتعظيم والتفخيم، أي أنهم أوتوا نصيباً عظيماً .(4) 3) "جملة (ﭣ ﭤ ) حال مؤكّدة لجملة (ﭠ ﭡ ) إذ التولّي هو الإعراض، ولما كانت حالاً لم تكن فيها دلالة على الدوام والثبات فكانت دالة على تجدّد الإعراض منهم المُ فادُ أيضاً من المضارع في قوله: (ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ) ".(5) 1)) تيسير الكريم الرحمن ، السعدي، ص 126. 2)) التفسير الكبير، (7/234.) 3)) التحرير والتنوير ، ابن عاشور، (3/259.) 4)) انظر: الكشاف، الزمخشري، (1/141)،إرشاد العقل السليم، أبو السعود (2/25)، ويرى ابن عاشور رحمه الله أن تنكير (نصيباً) النوعية، وليس للتعظيم؛ لأنّ المقام مقام تهاون بهم، ويحتمل أن يكون التنوين للتقليل، و(من) للتبعيض، كما هو الظاهر من لفظ النصيب، فالمراد بالكتاب جنس الكتب، والنصيب هو كتابُهم، والمراد: أوتوا بعض كتابهم، تعريضاً بأنّهم لا يعلمون من كتابهم إلاّ حظّاً يسيراً، ويجوز كون مِن للبيان، والمعنى: أوتوا حظّاً من حظوظ الكمال، هو الكتاب الذي أوتوه. (التحرير والتنوير، ابن عاشور، 3/252)، والباحث إلى رأي الزمخشري أميَل. 5)) التحرير والتنوير ، ابن عاشور، (3/215).
عدد الصفحات ٦٥