17 المبحث الأول المقاصد والأهداف لسورة آل عمران من الآية ( 51 و51 ) وفيه مطلبان: المطلب الأول: ربط الناس بالنعيم الأخروي وتزهيدهم في متاع الدنيا . المطلب الثاني: حث المسلمين على الاتصاف بصفات المؤمنين.
عدد الصفحات ٣٤18 المطلب الأ ول: ربط الناس بالنعيم الأخرو وتزهيدهم في متاع الدنيا : قوال الله تعوالى: (ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ) [51]. ذكر الله تعالى في كتابه العزيز صوراً كثيرةً من النعيم الأخروي؛ لتحقيق الارتباط بما أعدَّه للمؤمنين يوم القيامة، ففي كثير من آيات القرآن كان الحديث مشَوِّقا عندما يعرض وصف الجنة وما فيها من قصور وحور، وثمار وأطيار وأنهار، كقوله : ( ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ) [35] وفي مقابل ذلك كان التزهيد في الدنيا والاغترار بعرَضها الزائل قائما، وكان بيان حقيقة الدنيا حاضرا بوضوح وجلاء ، قال تعالى: (ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ) [5]. أوسبب النزول: " لمَّ ا نزلت (ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ) إلى آخر الآية قال عمر: ا ن ي ا رب حين زيَّ نتها لنا، فنزلت (ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ) الآية كلها".(1) ثانيا المعنى الإجمالي: " (ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ) أي الشهوات المزينة لكم (ﯣ ﯤ ) الله ولم ينهمكوا في شهواتهم ، (ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ) من أنواع الأشربة من العسل واللبن والخمر والماء وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، (ﯬ ﯭ ) أي ماكثين فيها أبد الآباد لا يبغون عنها حولا (ﯮ ﯯ ) أي من الأرجاس والأدناس البدنية والطبيعية مما لا يخلو عنه نساء الدنيا غالبا، (ﯰ ﯱ ﯲ ) التنوين للتفخيم ، أي رضوان لا يقدر قدره ".(2) ثالثا المناسبة: " في هذه الآية تسلية عن الدنيا وتقوية لنفوس تاركيها ، وذكر تعالى حال الدنيا وكيف استقر تزيين شهواتها ، ثم جاء الإنباء بخير من ذلك هازاا للنفوس وجامعا لها لتسمع هذا النبأ المستغرب النافع لمن عَ قِ ل ".(3) 1)) تفسير القرآن العظيم، ابن أبى حاتم، (2/656.) 2)) محاسن التأويل، القاسمي، (2/222،223.) 3)) المحرر الوجيز، ابن عطية الأندلسي، (1 /415.)
عدد الصفحات ٣٥19 رابع ا: اللطائف البيانية: 1) قال الإمام ابن عاشور(1) رحمه الله معقبا على هذه الآية : " وقد ألغى ما يقابل شهوات الدنيا في ذكر نعيم الآخرة ؛ لأنّ لذة البنين ولذة المال هنالك مفقودة، للاستغناء عنها، وكذلك لذة الخيل والأنع ـام؛ إذ لا دوابّ في الجن ــة، فبقي ما يقابل النساء والحرث، وهو الجنّات وَالأزواج، لأنّ بهما تمام النعيم والتأنّس، وزِ يدَ عليهما رضوانُ الله الذي حُ رِ مَ ه من جعل حظَّ ه لَ ذَّ ات الدنيا وأعرض عن الآخرة ".(2) 2) أسلوب التشويق في قوله تعالى:(ﯝ ﯞ )، فالاستفهام هنا " للعرض تشويقا من نفوس المخاطبين إلى تلقِّي ما سيُقَصُّ عليهم كقوله :(ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ) [11] "(3)، " وفي قوله: " أؤنبئكم " التفات من الغَي بَةِ في قوله: " للناس " إلى الخطاب تشريفاً لهم "(4)، وهو بعد ما " بيَّ ن شأن مزخرفات الدنيا وذكر ما عنده تعالى من حسن المآب إجمالاً ، أمر النبيَّ بتفاصيل ذلك المجمل للنـاس مبـالغة في الترغيب ، والخطاب للجميع ، والهمزة للتقرير : أي أأخبركم بما هو خير مما فُ صِّ ل من تلك المستلذات المزينة لكم ، وا بهام الخير لتفخيم شأنه و التشويق إليه ".(5) 3) قال الإمام الفخر الرازي رحمه الله : " في وجه النظم وجوه : الأول: أنه تعالى لما قال: (ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ) [14]، بيَّ ن في هذه الآية أن ذلك المآب، كما أنه حَ سَ ن في نفسه فهو أحسن وأفضل من هذه الدنيا ، فقال:(ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ) . الثاني: أنه تعالى لما عدَّ د نِ عَ مَ الدنيا، بيَّ ن أن منافع الآخرة خير منها . الثالث: كأنه تعالى نبَّ ه على أنَّ أمرَ ك في الـدنيا وا ن كـان حسـناً منتظِ مـاً إلا أن أمـرك فـي الآخـرة خير وأفضل ".(6) 1) )محمد الطاهر بن عاشور: رئيس المفتين المالكيين بتونس ، وشيخ جامع الزيتونة وفروعه بتونس ، مولده ووفاته ودراسته بها. عين عام 1232م شيخا للإسلام مالكيا، وهو من أعضاء المجمعين ال عربيين في دمشق والقاهرة ، (الأعلام، الزركلي ، 6/174.) 2)) التحرير والتنوير، 3 /194.) 3)) المصدر السابق3/193.) 4)) الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، السمين الحلبي، (3/64.) 5)) إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، أبو السعود، (2/11.) 6)) التفسير الكبير، (7/211.)
عدد الصفحات ٣٦21 4) قال الإمام أبو السعود رحمه ا (ﯰ) التنوين للتفخيم، وقو له تعالى: (ﯱ ﯲ) متعلق بمحذوف وقع صفة له مؤكدة لما أفاده التنوين من الفخامة، أي: رضوان وأيُّ رضوان لا يُقادَ رُ قد رُ ه كائن من الله "(1)، عن أبي سعيد الخدريّ أن رسول ا قال( إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك ، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك؟ قالوا: يا ربنا وأ شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحلّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا ).(2) 1) "أظهرَ اسمَ الجلالة في قوله: (ﯰ ﯱ ﯲ ) دون أن يقول: ورضوان منه، أي من ربّهم؛ لِ مَ ا في اسمِ الجلالة من الإيماء إلى عظمة ذلك الرضوان ".(3) 6) قوله (ﯴ ﯵ ﯶ ) " صدَّر سبحانه القول بلفظ الجلالة لتربية المهابة في القلوب، وا شعارها بعظمته، وا ذا كان الله سبحانه وتعالى عليما بخفيِّ أحوالهم، فإنه سيجزي المحسنَ إحسانا والمسيءَ عقابا، فهذه الجملة السامية فيها و ع د ووعيد، وفيها إشعار برقابة العلي القدير، مما يجعل المؤمن التقي يشعر دائما بأن الله يراه، وا ن لم يكن هو يراه ".(4) خامسا: العبر والدلالات المستفادة من الآية: 1) الدعوة في القرآن إلى الزهد في الدنيا وال رغبة في الآخرة كثيرة ، فقد استعمل القرآن الكريم أساليبَ عِ دَّ ةً في ربط الناس بالدار الآخرة، فتارةً يُ رغِّ ب الناس في نعيم الجنة بتقريب الصورة إلى الأذهان تشويقاً إليها، وتا رةً ببيان أن الآخرة خير وأبقى كما قال : (ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ) [77] ومرةً بترتيب الثواب على الأعمال الصالحة، وترتيب العقوبة على سيء الأعمال، وقد يكون الربط بالآخرة ببيان حقيقة الدنيا، وأنها متاع زائل ، قال تعالى: (ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ) [21]. 1)) إرشاد العقل السليم، (2 /16.) 2)) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، 9/114)، حديث رقم 6412. 3)) التحرير والتنوير ، ابن عاشور، (3 /194.) 4)) زهرة التفاسير ، محمد أبو زهرة، (3 /1141).
عدد الصفحات ٣٧21 2) "إن نظرة الإنسان في الغالب آنية وقتية، لا ينظر إلى المستقبل البعيد، ولا يقارن بين الباقي الدائم والمنقطع الم ؤ قت؛ لذا كان القرآن أكبر مساعد للعقل على التزام جادة التفكير السَّ ويِّ والاستقامة ، فإن الخالد المستمر أفضل من الذي يزول بسرعة، وهكذا كانت هذه الآية مع الآية السابقة مقارِ نةً مبيِّ نةً ما هو الأصلح للإنسان؛ تسليةً عن الدنيا وتقويةً لنفوس تاركيها ".(1) 3) كان النبي حريصاً على أن تكون أمتُه زاهدةً في الدنيا راغبةً في الآخـرة، فقـد صـحَّ عنـه أنه قـال(ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعٌ في اليَ م فلر يَ نر ظور بمواذا يرجو )(2)، و قد جعل النبيُّ الزهدَ في الدنيا سبباً لمحبة الله تعـالى للعبـد، ففـي الحـديث أنَّ النَّبِـيَّ أتـاه رَجُل ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا أَنَا عَمِل تُهُ أَحَبَّنِي اللَّـهُ وَأَحَبَّنِـي النَّـاسُ؟ فَ قَـالَ رَسُـولُ اللَّهِ :( ازرهَدر فشي الودننريَا يُحشبنوكَ اللَّوٌُ، وَازرهَودر فشيمَوا فشوي أَيرودش النَّواسش يُحشبنوكَ النَّواسُ )(3)، بـل إن الزهد في الدنيا سبب قوي لراحة النفس؛ فإن الذي يشتغل بالهَمِّ بأمر دنياه ويغفل عن أمر آخرته، يعــيش حالــة الضَّــنَك فــي تفاصــيل حياتــه ولا يجــد عنهــا محيصــا، وهــذا مصــداق قــول الله : (ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ) [طه124]. 4) من آثار الارتباط بالآخرة والزهد في الدنيا أنَّه لو كان ارتباط الناس قويا بما عند الله تعالى من نعيم وعُقبى لكانت حالُ هم أفضلَ وحياتُ هم أطيبَ ، ولكان اندفاعُ هم لفِ ع ل الخيرات أكبرَ وأسرعَ ، ولو أنَّ هم زهِ دوا في الدنيا ومتاعِ ها لما كانت المشكلات، فحُ بُّ الد نيا رأس كل خطيئة ، وتر كُ ما لا ينبغي التوسُّ عُ فيه كالمباحات علامة على صدق إيمان العبد وتعلُّقِ ه بالدار الآخرة ، وقد فَ هِ م الصحابة الكرام هذا المقصد ومارسوه عملياً فنالوا بذلك السَّبقَ والرِّضا. 1) ختمت الآية بقوله: (ﯴ ﯵ ﯶ ) " للإشعار بأنه ليس كل من ادَّ عى التقوى في نفسه أو بلسانه يكون متقيا، وا نما المتقي عند الله هو من يعلم الله منه التقوى، وفي هذا تنبيه للناس وا يقاظ لمحاسبة نفوسهم على التقوى لئلا يغُ شَّ هم العُ ج ب بأنفسهم فيحسبوها مُ تَّ قية وما هي بِ مُ تَّ قية ".(4) 1)) التفسير المنير، الزحيلي ، (3 /174.) 2)) سنن الترمذي، كتاب أبواب الزهد، باب ما جاء في هوان الدنيا على الله ،4/161) حديث رقم 2323، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، قال الألباني: صحيح. 3)) سنن ابن ماجه، كتاب الزهد، باب الزهد في الدنيا، 2/1373) حديث رقم 4152، قال الألباني صحيح. 4)) تفسير القرآن الحكي م، محمد رشيد رضا ، (3/242.)
عدد الصفحات ٣٨22 المطلب الثاني: حث المسلمين على الا تصاف بصفات المؤمنين: قووووووووال الله تعووووووووالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ) [51،51]. إن الارتباط بين هذا المطلب وسابقه قوي وحـاضر، فالمطلب السابق كـان يـدعـو إلى التطلُّ ع نحو الآخرة والتعلُّق بها، فهي الــدار البــاقية، ممــا يُنشِئُ جـوا ا مـن الارتب ـاط والتش ـوُّق للآخرة ، والحديث في هذا المطلب عن الإقرار بالإيمان، والدعاءِ بالمغفرة والوقاية من النار، وبعدها الصفات الخمس التي لا يبتغي بها العبد إلا وجه ربه ، فكان الارتباط وثيقاً. أولا : المعنى الإجمالي: " الجزاء المادي والروحي هو للمتقين اللّه حقيقة الذين يقولون: ربنا إننا آمنا بك وبرسلك وكتبك إيماناً حقيقياً صادقاً يملأ قلوبنا، فاغفر لنا ذنوبنا، وقنا عذاب النار. وهؤلاء المؤمنون الأتقياء صابرون على تقوى اللّه وعلى قضاء اللّه وعلى كل مكروه، وقانتون خاشعون لله متضرعون إليه، ومنفقون أموالهم في سبيل اللّه ندباً ووجوباً ، ومستغفرون اللّه بالأسحار أي قبل طلوع الفجر، وفي هذا الوقت يكون الدعاء مستجاباً ، ورحمة اللّه شاملة للتائبين من العصيان ".(1) ثانيا: معاني المفردات: 1) ( ﭕ): "(أَ مِ نَ ) الهمزة والميم والنون أصلان متقاربان: أحدهما الأمانة التي هي ضدّ الخيانة، ومعناها سُكون القلب، والآخر التصديق "(2)،و الإيمان في الشرع : تَص دِيق بِال جَنَانِ، وَا ِق رَار بِاللِّسَانِ، وَعَمَل بِالأ َر كَانِ (3)، وهو عند أهل السنة والجماعة "قول وعمل ، يزيد وينقص ".(4) 2) (ﭝ): الصبر هو " التجلُّ د وحُ س نُ الاحتمال، وعن المحبوب حبسُ النفس عنه، وعلى المكروه احتمالُ ه دون جزع ".(5) 3) (ﭞ): الصدق: " مطابقة الحكم للواقع "(6)، ويدخل فيه الصدق مع الله تعالى، ومع الناس، ومع النفس. 1)) انظرالتفسير الوسيط، الزحيلي، (1/181) بتصرف . 2)) معجم مقاييس اللغة، ابن فارس ، (1/139.) 3)) شرح العقيدة الطحاوية ، ابن أبي العز الحنفي، ص332. 4)) انظر: الإبانة عن أصول الديانة، أبو الحسن الأشعري ، ص11. 5)) المعجم الوسيط، إبراهي م مصطفى، أحمد الزيات ، حامد عبد القادر، محمد النجار، (1/156). 6)) الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة، زكريا الأنصاري، ص74.
عدد الصفحات ٣٩23 4) (ﭟ): القنوت لغة: الطَّاعة، و" سمِّي كلُّ استقامةٍ في طريقِ الدِّين قُنُوتاً "(1)، " وهو ملازمة العبادات في أوقاتها و ا تقانها، وهو عبادة نفسية جسدية ".(2) 1) (ﭠ): " (نَ فَ قَ ) النون والفاء والقاف أصلانِ صحيحان، يدلُّ أحدُهما على انقطاعِ شيءٍ وذَهابه، والآخر على إخفاءِ شيءٍ وا غماضِه ، ومَتَى حُصِّل الكلامُ فيهما تقارَبَ ا ".(3) وهذان المعنيان متحققان في صفة هؤلاء المؤمنين، إذ إنه م عند إخراجهم للمال يكونون قد أنقصوه، طلباً لذخيرته عند الله يوم القيامة،وهم في ذلك يخفون صدقاتهم عن أعين الناس إخلاصا منهم. 6) (ﭡ ﭢ) : الاستغفار لغة: " السَّت ر"(4)، و في معنى المستغفرين بالأسحار عدة أقوال، ذكرها الإمام الطبري رحمه الله و رجَّح " قولَ من قال: هم السائلون ربَّ هم أن يستر عليهم فضيحتهم بها، وأظهر معاني ذ لك أن تكون مسألتهم إياه بالدعاء، وقد يحتمل أن يكون معناه: تعرّضهم لمغفرته بالعمل والصلاة، غيرَ أنَّ أظهر معانيه ما ذكرنا من الدعاء ".(5) ثالثااللطائف البيانية: 1) في تكرار واو العطف بين الصفات جوابان، " أحدُهما: أنَّ الصفاتِ إذا تكرَّرت جازَ أن يُ ع طَفَ بعضُها على بعضٍ بالواوِ ، وا نُ كانَ الموصوفُ بها واحداً ، ودخولُ الواوِ في مثل هذا الضرب تفخيم ، لأنه يُؤ ذِنُ بأن كلَّ صفةٍ مستقلة بالمدحِ ، والجوابُ الثان ي: أن هذه الصفاتِ متفرقة فيهم ، فبعضُهم ص ابر ، وبعضُهم صادِق ، فالموصوفُ بها متعدِّد "، وقيل: " الواوُ المتوسطةُ بين الصفاتِ للدلالةِ على كمالهم في كلِّ واحدة منها ".(6) 2) "تقدم قولهم: ( ﭓ ﭔ ﭕ ) على قولهم: (ﭖ ﭗ ) لأن إيمانهم هو الوسيلة لطلب مغفرة الذنوب "(7)، فالإيمان سابق على طلب المغفرة 1)) معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، (1/21.) 2)) التحرير والتنوير، ابن عاشور، 3/191.) 3)) معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، (1/364.) 4)) المصدر السابق، (4/315). 5)) جامع البيان، (6/267.) 6)) إملاء ما منَّ به الرحمن، أبو البقاء العكبري ( 1/129)، الدر المصون، السمين الحلبي،(3/71). 7)) انظر: دلالات التقديم والتأخير في القرآن الكريم ، د. محمود منير المسيري، ص 217.
عدد الصفحات ٤٠24 3) التعبير بصيغة اسم الفاعل بدلا من التعبير بالفعل أتمُّ وأكمل؛ " قوله: (ﭝ ﭞ ) أكملُ من قوله: الذين يصبرون ويصدقون؛ لأنَّ قولَ ه: (ﭝ) يدل على أن هذا المعنى عادتُ هم وخلقُ هم، وأنهم لا ينفَ كُّ ون عنها ".(1) 4) ترتيب الصفات : " ذكر سبحانه الصابرين أولاً ثم قال: (ﭞ) ثانياً ، ثم إنه تعالى نَ دَ بَ إلى المو اظبة على هذين النوعين من الطاعة، فقال: (ﭟ) فهذه الألفاظ الثلاثة للترغيب في المواظبة على جميع أنواع الطاعات، ثم بعد ذلك ذكر الطاعات المعينة، وكان أعظم الطاعات قدراً أمران أحدهما: الخدمة بالمال... فذكر هنا بقوله (ﭠ) والثانية : الخدمة بالنفس... فذكره هنا بقوله (ﭡ ﭢ) ".(2) ثالثاالعبر والدلالات المستفادة من الآية: 1) أصول فضائل صفات المؤمنين: " وهي الصبر الذي هو ملاك فعل الطاعات وترك المعاصي ، والصدق الذي هو ملاك الاستق امة وبثّ الثقة بين أفراد الأمة، والقنوت وهو ملازمة العبادات في أوقاتها وا تقانها وهو عبادة نفسية جسدية ، والإنفاق وهو أصل إقامة أو د الأمة بكفاية حاجة المحتاجين، وه و قرب ـة مالية والم ــال شقيق النفس، وزاد الاستغفار بالأسحار وهو الدعاء والصلا ة المشتملة عليه في أواخر الليل ، والسحر سُدس الليل الأخير ؛ لأنّ العبادة فيه أشدُّ إخلاصاً ، لما في ذلك الوقت من هدوء النفوس ، ولدلالته على اهتمام صاحبه بأمر آخرته ، فاختار له هؤلاء الصادقُون آخرَ الليل لأنّه وقت صفاء السرائر، والتجرّد عن الشواغل ".(3) 2) كانت أُولَ ى صفات هؤلاء المؤمنين إقرارُهم بالإيمان، ثم رتَّبوا طلب المغفرة على الإقرار بالإيما ن، إذ إن الإيمان شرط في حصول المغفرة وقَ بول الأعمال ونَ وَ ال الأجر، ثم جاءت بعد ذلك الصفاتُ الأُخَ رُ كدلالة واضحة على قوة هذا الإيمان ورسوخه في قلوب أصحابه. 3) من الأغراض التي يجب التَّنبُّه لها أنَّ هذه الصفات تأتي بالمزاولة والممارسة؛ حتى يتحقَّق الإيمان، وتستقرَّ دعائمه في القلب، ويؤتي ثماره سلوكاً إيجابياا في المجتمع . 1)) التفسير الكبير، الرازي ، (7/212.) 2)) المصدر السابق، (7/212.) 3)) التحرير والتنوير ، ابن عاشور، (3/191.)
عدد الصفحات ٤١25 المبحث الثاني المقاصد والأهداف لسورة آل عمران الآيات ( 51 و22 ) وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول : فضيلة التوحيد ومكانته والدعوة إليه. المطلب الثاني: التنويه على مكانة أهل العلم. المطلب الثالث: التأكيد على أن لا دين مقبول عند الله تعالى إلا الإسلام. المطلب الرابع: تحذير المسلمين من الاختلاف الذي كان بين أهل الكتاب. المطلب الخامس: الثبات على المبدأ والدفاع عنه وتبليغه للناس.
عدد الصفحات ٤٢26 المطلب الأول: فضيلة التوحيد ومكانتٌ والدعوة إليٌ: قوووال الله تعوووالى: (ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ) [51]. هذه الشهادة أعظم الشهادات، فالشاهد هو ا، والمشه ــــود له هو الوح ــدانية والتفرُّد بالألوهية والقيام بالقسط ، فالتوحيد به قامت السماوات والأرض، وبه أُرسل الرسل، وبه أُنزلت الكتب، وله قامت سوق الجنة، فجُرِّدت لحمايته السيوف، وسالت في سبيل نشره الدماء، هو كلمة الحق الأولى والأخيرة، و هو سر النجاح في الدنيا والفلاح في الآخرة ، فالجنة لا يدخلها إلا الموحدون، فمِ فتاحها كلمةُ التوحيد: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. أولا: سبب النزول: " لما ظهر رسول الله بالمدينة قدم عليه حبران من أحبار أهل الشام، فلما أبصرا المدينة، قال أحدهما لصاحبه ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان، فلما دخلا على النبي عرفاه بالصفة والنعت، فقالا له: أنت محمد ؟ قال: نعم، قالا: وأنت أحمد ؟ قال: نعم، قالا إنا نسألك عن شهادة، فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك، فقال لهما رسول الله : سلاني، فقالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله ، فأنزل الله تعالى على نبيه (ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ) فأسلم الرجلان وصدَّ قا برسول ".(1) ثانيا: المعنى الإجمالي " أخبر الله تعالى عباده وأعلمهم بالآيا ت القرآنية التي أنزلها على نبيه، وبالآيات الكونية الت ي لا يقدر على خلقها أحد سواه ، وبغير ذلك من الأ دلة القاطعة التي تشهد بوحدانيته، وأنه لا معبود بحق سواه، وأنه هو المنفرد بالألوهية لجميع الخلائق ، وأن الجميع عبيده وفقرا ء إليه وهو الغنى عن كل ما عداه، وشهد بذلك الملائكة بأن أقرُّ وا بأنه هو الواحد الأحد الفرد الصمد فعبدوه حق العبادة، وأطاعوه حق الطاعة، وشهد بذلك أيضاً أولو العلم بأن اعترفوا له سبحانه بالوحدانية ، وصدقوا بما جاهم به الرسول وبلغوا ذلك لغيرهم ".(2) 1)) أسباب النزول، الواحدي، ص 151، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 1/63)، زاد المسير، ابن الجوزي، 1/361.) (2) التفسير الوسيط للقرآن الكريم، سيد طنطاوي، ( 2/74.)
عدد الصفحات ٤٣27 ثالثا: معاني المفردات: 1) (ﭤ): " الشين والهاء والدال أصل يدلُّ على حضور وعلم وا علام "(1)، " الشهادة: الإخبار المقرون بالعلم والإظهار والبيان إما بالمشاهدة الحسية، وا ما بالمشاهدة المعنوية وهي الحجة والبرهان ".(2) 2) (ﭤ ﭥ ): " قضى الله أَنه لا إِله إِلا هو وحقيقته عَلِمَ اللهُ وبَيَّنَ اللهُ ؛ لأَن الشاهد هو العالم الذي يبين ما علمه، فالله قد دلَّ على توحيده بجميع ما خَلَق، فبيَّن أَنه لا يقدر أَحد أَن يُن شِئَ شيئاً واحداً مما أَنشأَ ".(3) 3) (ﭫ): " عالَم لطيف غيبيٌّ غيرُ محسوس، ليس لهم وجود جسماني يُدرَك بالحواس... وهم مطهَّ رون من الشهوات الحيوانية، ومُبَرَّءون من المُيول النفسية، ومُنَزَّهون عن الآثام والخطايا ...هم عالم آخر، قائم بنفسه، ومستقل بذاته، لا يتصفون بشيء مما يتصف به البشر من الحالات المادية، ولهم قدرة على أن يتمثلوا بصور بشرية، وغيرها من الصور الحسية ".(4) 4) (ﭬ ﭭ ): " هم علماء الكتاب والسنة وما يتوصل به إلى معرفتهما ، إذ لا اعتدادَ بعلمٍ لا مَ د خَ لَ له في العلم الذي اشتمل عليه الكتابُ العزيز والسُّ نَّ ةُ المطهَّ رة ".(5) 1) (ﭮ ﭯ ): " أي مُ قيماً للعدل في جميع أموره بيان لكماله تعالى في أفعاله إثر بيان كماله في ذاته ".(6) رابع ا: اللطائف البيانية: 1) (ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ) " شُ بِّ هت دِ لالته على وحدانيته بأفعاله الخاصة التي لا يقدر عليها غيره وبما أوحى من آياته الناطقة بالتوحيد كسورة الإ خلاص وآية الكرسي وغيرهما بشهادة الشاهد في البيان والكشف وكذلك إقرار الملائكة و أولي العلم بذلك واحت جاجهم عليه ".(7) 1)) معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، (3/172.) 2)) التفسير المنير، الزحيلي، 3/177.) 3)) لسان العرب، ابن منظور ، (3/232.) 4)) العقائد الإسلامية، سيد سابق، ص111. 5)) فتح القدير، الشوكاني، (1/441.) 6)) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، (2/17.) 7)) الكشاف، الزمخشري 1/134.)
عدد الصفحات ٤٤28 2) تكرير الشهادة في بداية الآية وآخرها يفيد " الإعلام بأن هذه الكلمة أعظمُ الكلام وأشرفُ ه، فيه حث للعباد على تكريرها والاشتغال بها ، فإنه من اشتغل بها فقد اشتغل بأفضل العبادات"(1)، و الكلام هنا " مصدَّ ر بالتوحيد، وأعقبَ التوحيد تعدادُ الشاهدين به، ثم قوله: " قائِماً بِال قِس طِ "، وهو التنزيه ، فطال الكلام بذلك فجدَّ د التوحيدَ تِ ل وَ التنزيه، لِ يَ لِ يَ قولَ ه: (ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ) ، ولولا ه ذا التجديد لكان التوحيد المتقدم كالمنقطع في الفهم مما أريد إيصاله به ، والله أعلم ".(2) خامسا: العبر والدلالات المستف ادة من الآية: 1) فضل التوحيدهو قطب الدين الأعظم، حوله تدور رحى الإسلام، وبه تنتظم الحياة، ويسعد به الإنسان في دنياه وأخراه، هو أساس كل فضيلة، ومنبع العزة والشموخ، وهو دعوة الرسل جميعاً ، وهو العدل بعينه، إذ إن الله تعالى وحده هو الحقيق بإفراده بالعبادة والقص د. وقد تكاثرت الأدلة في الوحيَ ي ن – القرآنِ والسُّ نَّ ةِ - على فضيلة التوحيد وأهله، فقد مجَّد الله تعالى ذاتَ ه العليَّة في مواضع كثيرة من كتابه الكريم فقال : (ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ) [255]، فالتوحيد هو الأمر كله، لأجله خُ لِ ق الإنسانُ ، وبه أُر سِل الرسُل، وأنزِلت الكتب، وفي سبيل نشره شُرِع الجهاد لمن صدَّ عنه، قال رسول الله : ( أُ مش رر تُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إلٌ إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، ف ذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بح ق الإسلام وحسابهم على الله ).(3) 2) مما يبين عظمةَ كلمة التوحيد حديثُ البطاقة، جاء في الحديث أنَّ رسولَ الله قال: ( إنَّ الله سَيُخَل صَ رجُلا مشنر أُم تي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فيَنرشُرُ لٌ تسعة وتسعين سشجلاا ، كلن سشجل مشثرلُ مد البَصَر، ثم يق ول: أتُنركرُ من هذا شيئا؟ أظلمَك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا، يا رب ، فيقول: أفَ لَك عذر؟ فيقول: لا يا رب، فيقول الله تعالى: بلَى إنَّ لك عشندَنا حسنة، ف نٌ لا ظُلرمَ اليوم، فتُخرَ جُ بطاقة فيها: أشّهَدُ أنر لا إلٌ إلا الله، وأشهدُ أن محمدا عبدُه 1)) لباب التأويل في معاني التنزيل ، الخازن ( 1/247)،قال ابن القيم رحمه الله : " ومعنى هذا: أن الأولى تضمنت أن اللّه سبحانه شهد بها وأخبر بها، والتالي للقرآن إنما يخبر عن شهادة اللّه، لا عن شهادته هو، وليس في ذلك شهادة من التالي نفسه، فأعاد سبحانه ذكرها مجردة ليقولها التالي فيكون شاهدا هو بها أيضا "، (تفسير القرآن الكريم، ابن القيم، ص 197). 2)) محاسن التأويل، القاسمي،2/221.) 3)) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب "فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم"، 1/14)حديث رقم 21.
عدد الصفحات ٤٥29 ورسولٌُ، فيقول: احضُرر وزنك، فيقول : يا رب ما هذه البطاقة م هذه السجلات؟ فيقول: ف نَّك لا تُظرلَمُ ، فتُوضَ ُ السجلاتُ في كفَّة، والبطاقة في كفَّة، فطاشت الس جلات، وثَقُلَتش البطاقةُ ، ولا يثرقُلُ م اسمش الله شيء ).(1) 3) معنــى كلمــة التوحيــد: لا إلــه إلا الله: لا معبــودَ بحــق إلا الله، لا إلــهَ - نافيــاً جميــعَ مــا يُ عبَــدُ مــن دون الله فلا يستحق أن يُ ع بَ د- إلا الله، مثبِ تا العبادةَ لله، فهو الإلهُ الحقُّ المستحقُّ للعبادة.(2) 4) معنى كلمة: محمد رسول ا طاعةُ النبي فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يُع بَدَ الله إلا بما شرع.(3) 1) تضــمنت الآيــة معنــى الــدعوة إلــى كلمــة التوحيــد، فــإذا كــان أولــوا العلــم قــد شــهدوا ومــن قــ بلهم الملائكــة، فمــن بــابِ أولــى أن يشــهد مَــن هــو دونهــم فــي الرتبــة والمنزلــة تلــك الشــهادة، فتكريــر الشــهادة فــي آخــر الآيــة إنمــا هــو تلقــين النــاس بهــا، أي قولــوا: لا إ لــه إلا هــو العزيــز الحكــيم، وذلــك نحــو قولـــه : (ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ) [56]. 6) من آثار الإيمان بعقيدة التوحيد يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: " إن الذي يمتلئ شعوره بوجود الله الواحد الذي هذه صفته، لا بد أن يختلف منهج حياته ونظامها من الأساس ، عن الذي تُ غَ يِّ م في حسِّ ه تلك التصوراتُ التائهة المُ هَ وَّ شة، فلا يجد في ضميره أثراً لحقيقة الأ لوهية الفاعلة المتصرفة في حياته ، إنه مع التوحيد الواضح الخالص ، لا مكان لعبودية إلا لله ، ولا مكان للاستمداد والتلقي إلا من الله ، لا في شريعة أو نظام، ولا في أدب أو خلق ، ولا في اقتصاد أو اجتماع، ولا مكان كذلك للتوجه لغير الله في شأن من شؤون الحياة، وما بعد الحياة ".(4) 7) إذا ما استشعر الإنسانُ الارتباطَ بخالقه القدير ، فإنه تهون عليه الوشائج التي قد تحجبه عن ذلك الكمال، وسيح يا هذا الإنسان حياة هانئة هادئة، لا تعتريها كُ دُ ورَ ةُ الحياة، ولا أدرانُ النفوس 1)) سنن ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ما يرجى من رح مة الله يوم القيامة، (1/1437) حديث رقم 4355، قال الشيخ الألباني: صحيح، سنن الترمذي، كتاب الإي مان، باب فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله، (1/24) حديث رقم 2632، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب 2)) معارج القبول ، حافظ بن أحمد حكمي، (2/416)، وأما شروط كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) فهي سبعة: العلم بمعناها، و اليقين، و القبول، و الانقياد، و الصدق، و الإخلاص، و المحبة. (عقيدة المسلم في ضوء الكتاب والسنة، د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني، 1/31). 3)) تيسير الوصول إلى ثلاثة الأصول، عبد المحسن القاسم، ص126. 4)) في ظلالالقرآن ، (1/367.)
عدد الصفحات ٤٦31 الخبيثة، فهو هادئُ الأعصاب، مستنيرُ العقل، ذكيُّ الفؤاد، حَ سَ نُ الخلق، مستقيمُ السيرة، طاهرُ السريرة، يرنو بقلبه إلى رضوان الله الرحيم، فلا يأبَ هُ لِ صاد ، ولا يُ س لِمُ نفسَ ه لعادٍ، غايتُ ه تحقيق التوحيد الخالص لخالقه في حيات ه؛ لِ يسعدَ به بعد مماته. المطولب الثاني: التنويٌ على مكانة أهول العولم: قووووال الله تعووووالى: (ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ) [51]. العلماء ورثة الأنبياء، إليهم يفزع الناس عند اشتداد الأزمات، فهم قد اختاروا لأنفسهم ولوج هذا السبيل، ورامُ وا هدايةَ الناس بعلومهم التي جمعوها، وفُ هُ ومهم التي اقتنصوها، فحازوا بذلك قَ صَ بَ السَّ ب ق في كل مِ ضمار، فقدَّمهم الناس أئمةً لهم، يَ ص دُرون عن رأيهم، ويتحاكمون إلى علمهم وقولهم، فحُقَّ لهم جزيلُ الأجر وعظيم الثناء، فقد امتدح الله أهل العلم في كتابه العزيز فقا ل: ( ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ) [9]، ووعد الله تعالى أهل العلم بأنه يرفعهم مكانة وسؤددا فقال :(ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ) [11]. أولا: معاني المفردات (ﭬ ﭭ ): قيل: الأنبياء عليهم السلام، وقيل: "المهاجرين والأنصار "، وقيل: "علماء مؤمني أهل الكتاب "، و قيل: "يعني جميع علماء المؤمنين"(1)، والراجح أنهم " علماء الكتاب والسنة وما يتوصل به إلى معرفتهما ، إذ لا اعتداد بعلم لا مدخل له في العلم الذي اشتمل عليه الكتاب العزيز والسنة المطهرة ".(2) ثانياالعبر والدلالات المستفادة من الآية: 1) الدلالةعلى فضل العلم وأهله نابعة من وجوه ، ذكرها الإمام ابن القيم رحمه الله وهي: أ - استشهادُ هم دون غيرهم من البشر ، و جعل شهادتهم حُ جَّ ةً على المن كِ رين . ب - اقتران شهادتهم بشهادته و اقترانها بشهادة ملائكته ، و أَ ف رَ دَ الفعل المتضمن لهذه الشهادة الصادرة منه ومن ملائكته ومنهم . ت - أن في ضمن هذا تزكيتهم وتعديلهم ، و في وصفهم بكونهم أولي العلم دلالة على اختصاصهم به. 1)) معالم التنزيل، البغوي ، (2/19.) 2)) فتح القدير، الشوكاني،1/441).
عدد الصفحات ٤٧31 ث - أنه سبحانه استشهد بنفسه وهو أجلُّ شاهد ثم بخيار خلقه وهم ملائكته والعلماء من عباده، ويكفيهم بهذا فضلا وشرفا .(1) 2) أهمية العلم العلم ينفي عن أصحابه الجهلَ ، ويزيدهم رفعةً عند الله وعند الناس، وبالعلم تكون العبادة كما أرادها الله ت عالى وعلى وجهها الصحيح ، والعلم يَ قِ ي الناس من التَّ رَ دِّي في دركات الضلالة ومهاوي الجهالة ، وبالعلم يَ ش عرُ الإنسان بقيمته كإنسان، وا لا فهو بدون العلم مجرد آلة تتكلم وتروح وتجيء وتقوم بوظائفها الحيوية كسائر الكائنات؛ ولذلك كان العلم ضروريا للحفاظ على عقل الإنسان وروحه وبدنه كذلك، فجاءت النصوص دالةً على وجوب طلب العلم، فمن ذلك قوله تعالى: ( ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ) [122]. 3) استحباب طلب العلم، حيث قال: ( من سلك طريقا يطلب فيٌ علما سلك الله بٌ طريقا من طرق الجنة، وا ن الملائكة لتض أجنحتها رضوا لطوالب العولم، وا ن العالم ليستغفر لوٌ من في السموات وم ون في الأرض والحي توان فوي جوف الماء، وا ن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ، وا ن العلماء ورثة الأنبياء، وا ن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ، ورثوا الع لم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر ).(2) 4) العلماء سادة الناس وقادتهم، بيدهم مفاتيــح الهداية، يدعون الناس إليها دعوة المشفق الحريص، وهم الذين ينصحون للأمراء والملوك، وهذا من واجبهم تجاه دينهم وأمتهم، ففي الحديث أن النبي قال( الدين النصيحة "، قلنوووووووووا: لمن؟ قوووووووال: " لله ولكتابٌ ولرسولٌ ولأئمة المسلمين وعامتهم )(3)، واليوم قد ترك جمع غفير من العلماء هذا الواجب واكتَ فَ وا بتأيِ ي د الحكام والدعاء لهم على المنابر، في وقتٍ كان بعض العلماء ينصحون ويُس جنون ولا يُسمَ عُ لرأيهم؛ لأنهم يواجهون التيار ، ويأخذون بالعزائم، وتهمتُهم الصدعُ بكلمة الحق وأداءُ زكاة العلم. 1)) انظرمفتاح دار السعادة، ابن القيم، (1/11) بتصرف واختصار 2)) سنن أبي داود، كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم،1/453) حديث رقم 3641، قال الألباني: صحيح 3)) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة، (1/74) حديث رقم 11.
عدد الصفحات ٤٨32 المطلب الثالث: التأكيد على أن لا دين مقبول عند الله تعالى إلا الإسلام: قال تعالى: (ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ) [51]. لقــد أثبــتَ اللهُ فــي كتابــه العزيــز نَس ــخَ جميــع الشــرائع إلا شــريعة الإســلام، فهــو الــدين الــذي ارتضـــاه لعبـــاده، فقـــال تعـــالى: (ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ) [المائدة3]، كما أخبرنا أنه لن يقبـلَ مـن الإنسـان دينـا غيـرَ الإسـلام، وتوعَّـده بالخسـران يـوم القيامـة، قال تعالى: (ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ) [85]. "فالدين هو صورة التوحيد المطلق، الذي يتمثل في توحيد الألوهية، فلا إله في الوجود إلا الله، وفي توحيد القوامة على البشر وعلى الكون كله، فلا يقوم شيء في الوجود إلا بالله تعالى، ولا يقوم بتدبير أمر الخلائق إلا الله جلَّت قدرته، ومن هنا يكون الدين الذي يقبله الله من عباده هو الإسلام ".(1) أو: القراءات: قرأ الكسائي (أَن الدين) بفتح الهمزة و قرأ الباقون (إِن الدين) بكسرها(2)،و أفادت قراءة (أنَّ ) على البدل: شهادةَ الله على أن الدين الحق ينحصر في الإسلام، والمعنى: شهد الله أنه لا إله إلا هو وأولوا العلم، وأن الدين الحق عند الله هو الإسلام، في حين أن قراءة (إن) الاستئنافية تفيد حصر الدين في الإسلام، ولكن لا يندرج هذا ضمن الشهادة السابقة بل هي جملة ابتدائية، وتكون علاقتها بالآية السابقة أن المولى بعد أن ذكر وحدانيته وأنه لا إله إلا هو، أعقبه بذكر الدين الواحد ا لذي لا يقبل الله سواه وهو الإسلام.(3) ثانيا: المعنى الإجمالي: " إن الدين الحق المرضى عند الله هو الإسلام، فهو التوحيد والخضوع لله ف ي إخلاص، وقد اختلف كل من اليهود والنصارى ف ي هذا الدين فحرَّفوا وبدَّلوا ولم يكن اختلافهم عن شبهة أو جهل إذ جاءهم العلم، بل كان للتحاسد والتطاول، ومن يجحد بآيات الله فلينتظر حساب الله السريع ".(4) 1)) انظر: مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور، البقاعي، 2/69) في الحاشية 2)) النشر في القراءات العشر، ابن الجزري، 2/239.) 3)) انظر: تفسير القرآن بالقراءات - سورة آل عمران، عبد الله الملاحي، ص 179. (4) تفسير المنتخب، لجنة من علماء الأزهر، 1/99.)
عدد الصفحات ٤٩