المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الدراسة التحليلية لمقاصد وأهداف الحزب السادس من القرآن الكريم

عبد الله أمين حسين المغير

صفحة ١٤ من ١٨

193 لا شريك له "(1)، ودعاؤهم إلى الكفر خيانة للأمانة المنوطة بهم، وهي الدعوة إلى التوحيد 3) قـــال ابـــن عاشـــور رحمـــه ا ولعـــلّ المقصـــود مـــن قولـــه: (ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ) أنهم لما بالغوا فـي تعظـيم بعـض الأنبيـاء والملائكـة، فصـوّروا صـور النبيئـين، مثـل يحيـى ومريم، وعبدوهما، وصوّروا صور الملائكة، واقتـران التصـوير مـع الغلـوّ فـي تعظـيم الصـورة والتعبـد عندها ضرب من الوثنية ".(2) 4) "من المستبعد أن يأتمن اللّه تعالى رسولاً أو نبياً عـلى وحيه، ثم يـدعو النـاس إلى عبادة نفسه، فإن الأمين يقوم عادة بما كلفه به المؤتمن له، وا نما تكون دعوة الأنبياء موجّهةً نحو عبادة اللّه وحده لا شريك له، والعبادة تتطلب الإخلاص... ودلّت الآية على أن العلم الصحيح والفقه وفهم أسرار الشريعة يستدعي العمل والطاعة والتزام التكاليف الشرعية لأن من عرف اللّه هابه، ومن هابه امتثل أمره، ومن آتاه ا للّه الكتاب والحكم والنبوة يكون أعلم الناس باللّه، ".(3) (1) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 3/22.) (2) التحرير والتنوير، ابن عاشور، 3/226.) (3) التفسير المنير، الزحيلي، ( 3/276.)

عدد الصفحات ٢١٠

194 المبحث الثالث المقاصد والأهداف لسورة آل عمران الآيات ( 15 و14 ) وفيٌ ثلاثة مطالب المطلب الأول: وجوب نصرة النبي  والمؤمنين. المطلب الثاني: الإنكار على من يُعرض عن دين الإسلام. المطلب الثالث: الإيمان بجمي الكتب والرسل.

عدد الصفحات ٢١١

195 المطلب الأول: وجوب نصرة النبي  والمؤمنين قال الله تعالى: (ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ) [15،10]. إن بَ ع ثَ اللهِ تعالى لر سول من الرسل يستوجب الإيمانَ به ابتداء، ويلزم لإثبات صدق هذا الإيمان النصرُ والتأييد، فلابُدَّ للرسول من أنصار يذودون عنه ويحملون على عواتقهم هموم الدعوة من بعده، وهذ الأمر على سبيل الوجوب لا الاستحباب. أولا: المعنى الإجمالي: " واذكر لهم أيها النب ي أنَّ الله أخذ العهد والميثاق على كل نب ي أنزل عليه الكتاب وآتاه العلم النافع أنه إذا جاءه رسول توافق دعوتُ ه دعوتَ هم ليؤ مِنُنَّ به وينصرنَّه، وأخذ الإقرار من كل نب ي بذلك العهد، وأقروا به وشهدوا على أنفسهم وشهد الله عليهم، وبلغوه لأممهم أن ذلك العهد يوجب عليهم الإيمان والنصرة إن أدركوه وا ن لم يدركوه، فحقٌّ على أممهم أن يؤمنوا به وينصروه وفاء واتباعاً لما التزم به أنبياؤهم، فمن أعرض عن الإيمان بالنب ي بعد هذا الميثاق المؤكد فهو الفاسق الخارج عن شرع الله، الكافر بالأنبياء أولهم وآخرهم ".(1) ثانيا: معاني المفردات: 1) ( ﯕ) : الإصر والأصر لغتان، وهو العهد. والإصر في اللغة الثقل، فسمي العهد إصرا لأنه منع وتشديد.(2) 2) "( ﯛ) إن كان شهادة علـى أنفسـهم فهـي بمعنـى التوثـق والتحقيـق ، وكـذلك قولـه: (ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ) كقولـــه: (ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ) [18]، وا ن كانــــت شــــهادة على أممهم بتبليغ ذلك الميثاق فالمعنى فاشهدوا على أممكم بذلك ، والله شاهد على الجميع كمـا شهد النبيون على الأمم ".(3) ثالثا: المناسبة: " ذكر تعالى في الآيات المتقدمة خيانة أهل الكتاب، بتحريفهم كلام الله عن مواضعه، وتغييرهم أوصاف رسول الله  الموجودة في كتبهم حتى لا يؤمن به النا س، وقد ذكر هنا ما (1) تفسير المنتخب، لجنة من علماء الأزهر، 1/151.) (2) معاني القرآن، النحاس، 1/432)، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 1/121.) (3) التحرير والتنوير، ابن عاشور، 3/355.)

عدد الصفحات ٢١٢

196 تقوم به الحجة عليهم، وهي أن الله قد أخذ العهود والمواثيق على الأنبياء، أن يؤمنوا بمحمد  إن أدركوا حياته، وأن يكونوا من أتباعه وأنصاره، فإذا كان الأنبياء قد أُخذ عليهم الميثاق أن يؤمنوا بخاتم الرسل محمد  ويبشروا بمبعثه، فكيف يصح لأتباعهم من أهل الكتاب أن يكذِّبوا بدعوته ورسالته؟ ".(1) رابعا العبر والدلالات المستفادة من الآ يتين: 1) لقــد أخــذ الله تعــالى العهــدَ والميثــاق علــى كــل نبــي أنَّــه إن أدرك نبيــاا بعــده فعليــه اتِّباعُــه، وكــذلك الأت بــاع، فـــلا يجــوز فــي حقهـــم التَّخلُّــف والتراخـــي عــن هــذا الواجـــب، ويلحــق ذلـــك نصرةُ هذا النبي، والغـدُوُّ والـرَّواح معـه علـى المَن شَـط والمَك ـرَه وعلـى أَثَـرَة علـى الـنفس، قـال علي بن أبي طالب و عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: " ما بعث الله نبيا مـن الأنبيـاء إلا أخــذ عليــه الميثــاق، لــئن بَعَــث محمــدًا وهــو حَــيّ ليــؤمنُ نَّ بــه ولينصــرُ نَّ ه، وأمَــرَه أن يأخــذ الميثاق على أمته لئن بُ عث محمد  وهم أحياء ليؤمِنُنَّ به ولينصرُنَّه ".(2) 2) من المقرَّر شرعا الولاءُ للمؤمنين، وهذا يقتضـي محبَّـتَهم ونصـرتهم والنصـح لهـم، فقـد قـال رسـول الله  ( :المسلم أخو المسولم لا يظلموٌ ولا يسولمٌ، ومون كوان فوي حاجوة أخيوٌ كووان الله فووي حاجتووٌ، وموون فوورج عوون مسوولم كربووة، فوورج الله عنووٌ كربووة موون كربووات يوووم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة ).(3) 3) نصــرة الله تعــالى تكــون بتحقيــق التوحيـــد وا قامــة الشــرع قــال تعـــالى: (ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ) [7]، يقولسيد قطب رحمـه الله: " وكيـف ينصـر المؤمنـون الله، حتى يقوموا بالشرط وينـالوا مـا شَـرَ ط لهـم مـن النصـر والتثبيـت؟ إن لله فـي نفوسـهم أن تتجـرد لـه، وألا تشرك به شـيئاً، شـركاً ظـاهراً أو خفيـاً، وألا تسـتبقي فيهـا معـه أحـداً ولا شـيئاً، وأن يكـون الله أحـب إليها من ذاتها ومن كل ما تحب وتهوى، وأن تحكمه في رغباتها ونزوا تها وحركاتها وسـكناتها، وسـرها وعلانيتها، ونشاطها كله وخلجاتها ، فهذا نصر الله في ذوات النفـوس ، وا ن لله شـريعة ومنهاجـاً للحيـاة، تقوم على قواعد وموازين وقيم وتصورٍ خاص للوجود كله وللحياة ، ونصـر الله يتحقـق بنصـرة شـريعته ومنهاجه، ومحاولة تحكيمها في الحياة كلها بدو ن استثناء، فهذا نصر الله في واقع الحياة ".(4) (1) قبس من نور القرآن الكريم، الصابوني، (1/145.) (2) تفسير القرآن ال عظيم، ابن كثير، (3/155.) (3) صحيح البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب لا يظلم المسلمُ المسلمَ ولا يُسلمه،3/129)، حديث رقم 2442. (4) في ظلال القرآن، 6/3299.)

عدد الصفحات ٢١٣

197 4) نصرة الله تعالى وحمايتُه لنبيه: أمر الله تعالى نبيَّنا محمداً بالصَّـد ع بالـدعوة فقـال سـبحانه(ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ) [94]، ووعــــــــــده بالنصــــــــــرة والكفايــــــــــة فقــــــــــال (ﭥ ﭦ ﭧ ) [95]، كما وعده بالعِصمة والمنعة والحفظ، عن عائشـة رضـي الله عنهـا قالـت: كـان النبـي  يُحــرَ س حتــى نزلــت هــذه الآيــة (ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ) [67] فــأخرج رســول ا  رأسه من القبة فقال لهم : ( يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله ).(1) وقد أيَّد الله تعالى نبيَّه في الهجرة قال تعالى:(ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ) [41]. 1) نصرة الصحابة للنبي : قيَّض الله تعالى لنبيِّه صحابة بـررة، ذادُوا عـن الـدين، وحملـوه علـى أكتـافهم، وبـذلوا في ذلك الغالي والنفيس، وكانوا على أُهبة الاسـتعداد دومـا لنصـرة الله ورسـوله، وكـانوا يَسـتع ذِبون مــا يلاقونــه مــن الأذى حِســبةً لله ، فمــدحهم الله تعــالى فــي كتابــه العزيــز فقــال (ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ) [74]، وحـــــوادث نصـــــرة الصـــــحابة  للنبـــــي كثيـــــرة ومعلومـــــة، فقـــــد نصـــــروه باتِّبـــاعهم دينَـــه وطـــاعتهم لـــه، وبـــذلوا لـــه أرواحهـــم ودمـــاءهم وأمـــوالهم وأولادهـــم وكـــلَّ مـــا يملكـــون، وجادوا بذلك راضيةً به نفوسُهم، إعلاء لكلمة الله تعالى في الأرض. 6) نصرة الملائكة للنبي : لم تكن نُصرة النبي مقصورة على البشر، فقد كان جبريل  ومعه الملائكة يؤمرون بهذا الدَّور فيقومون به، عن أبي هريرة  قال: قال أبو جهل: هل يعفِّ ر محمد وجهه بـين أظهـركم؟ قال: فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى لئن رأيتـه يفعـل ذلـك لأطـأنَّ علـى رقبتـه، أو لأعفِّـرَ نَّ وجهـه فـي التـراب، قــال: فــأتى رسـولَ الله  وهــو يصــلي، زعــم ليطـأ علــى رقبتــه، قــال: فمـا فجــئهم منــه إلا وهــو يـنكص علــى عقبيــه ويتَّ قـي بيديــه، قــال: فقيـل لــه: مــا لــك؟ فقـال: إن بينــي وبينــه لخنـدقاً مــن نــار وهــولاً (1) سنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب سورة المائدة، 1/211)، حديث رقم 3546، قال الألباني: حسن

عدد الصفحات ٢١٤

198 وأجنحةً، فقال رسول الله  :( لو دنا مني لاختطفتٌ الملائكة عُضر وا عُ ضر وا ).(1) وقد شاركت الملائكة في قتال المشركين في بدر مشاركة فاعلة، قال تعالى (ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ) [12]،و عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي  قال يوم بدر: ( هذا جبريل آخذ برأس فرسٌ عليٌ أداة الحرب ).(2) 7) نصرة النبي  بنصرة دينه قال تعالى: (ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ﰜ ﰝ ﰞ ﰟ ﰠ ﰡ) [14]، أمر الله تعالى المؤمنين بنُصرة أنبيائه عليهم السلام، فإنَّه لا معنى للإيمان بدون نصرة حقيقية للنبي ودينه، فالحق لابد له من قوة تحميه لتكون له الهيبة والمَنَعَة، وحتى لا يُغرِي ضَع فُ الحق أعداءَه فلا يجدون من يردُّهم ويدفع غوائلهم. المطلب الثاني: الإنكار على من يعرض عن دين الإسلام: قووووووووال الله تعووووووووالى: (ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ) [12]. لقد خلق الله تعالى الخلق، وهو غير محتـاج إلـيهم، وأنـزل لهـم الكتـب، وشـرع لهـم الشـرائع لتنظــيم حيــاتهم، وهــو ســبحانه غنــي عــنهم، وهــو ســبحانه يعلــم أنَّ مصــلحة عبــاده تكمــن فــي مــنهج ربَّاني منزَّل، فليس لهم أن يحيدوا عنه، أو يضعوا لأنفسهم قوانين تخالف هذا المنهج. " إن ديــن الله واحــد، جــاءت بــه الرســل جميعــا، وتعاقــدت عليــه الرســل جميعــا، وعهــد الله واحـــد، أخـــذه علـــى كـــل رســـول، والإيمـــان بالـــدين الجديـــد واتبـــاع رســـوله، ونصـــرة منهجـــه علـــى كـــل منهج، هو الوفاء بهذا العهد، فمن تولى عن الإسلام فقد تولى عـن ديـن الله كلـه، وقـد خـاس بعهـد الله كله ".(3) (1) صحيح مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب قوله (ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ) [7]، (4/2114)، حديث رقم 2727. (2) صحيح البخاري: كتاب المغازي، باب شهود الملائكة بدرا، 4/1469)، حديث رقم 3773. (3) في ظلال القرآن، سيد قطب، 1//421.)

عدد الصفحات ٢١٥

199 أولا: سبب النزول قال ابن عباس رضي الله عنهما : " اختصم أهل الكتابين إلى رسول الله  فيما اختلفوا بينهم من دين إبراهيم، كل فرقة زعمت أنها أولى بدينه، فقال النبي : ( كلا الفريقين برئ من دين إبراهيم )، فغضبوا وقالوا: والله ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك، فأنزل الله تعالى : (ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ) ".(1) ثانيا: المعنى الإجمالي: " أيطلـــب الطـــالبون ويرغـــب الراغبـــون فـــي غيـــر ديـــن الله؟ لا يحســـن هـــذا ولا يليـــق، لأنـــه لا أحســن دينــا مــن ديــن الله، (ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ) أي: الخلــق كلهــم منقــادون بتســـخيره مستســلمون لـــه طوعــا واختيـــارا، وهــم المؤمنـــون المســلمون المنقـــادون لعبــادة ربهـــم، وكرها وهم سائر الخلق، حتى الكافرون مستسلمون لقضائه وقدره لا خـروج لهـم عنـه، ولا امتنـاع لهـم منه، وا ليه مرجع الخلائق كلها، فيحكم بينهم ويجازيهم بحكمه الدائر بين الفضل والعدل ".(2) ثالثا: معاني المفردات 1) (ﯭ ﯮ): " أي استســــلم وانقــــاد وخضــــع وذل ، وكــــل مخلــــوق فهــــو منقــــاد مستســــلم؛ لأنــــه مجبول عل ما لا يقدر أن يخرج عن ه ".(3) 2) (ﯳ ﯴ ): " الطَّ وع: الانقياد والاتباع بسهولة ، والكَ ر هُ : ما كان بمشقة وا باء من النفس "، وجاء في معناهما أقوال عدة، وهي: قال قتادة : " أسلم المؤمن طوعاً والكافر عند موته كرهاً ولا ينفعه ذلك "، و قال مجاهد: " إسلام الكافر كرها بسجوده لغير الله وسجود ظله لله "، وقال عكرمة (4): "(ﯳ) من أسلم من غير محاجة، (ﯴ) من اضطرته الحجة إلى التوحيد "(5)،وقيل: الذين أسلموا ط وعاً هم الملائكة والنبيون والمؤمنون ، والذين أسلموا كرهاً هم الذين آمنوا بالتوحيد، وأشركوا عن علم .(6) (1) معالم التنزيل، البغو ي، (2/63)، أسباب النزول، الواحدي، ص116. (2) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 137. (3) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 1/123.) (4) عكرمة بن عبد الله الحبر العالم أبو عبد الله البربريّ ثم المدني الهاشميّ، مولى ابن عباس، مات رحمه الله سنة 154ه بالمدينة، وقيل بعد ذلك، (طبقات المفسرين، الداوودي، 1/397 .) (5) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 1/123.) (6) الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب، 2/1564.)

عدد الصفحات ٢١٦

211 رابعا: العبر والدلالات المستفادة من الآية 1) الدينُ كامل وموافق للفطرة، ف قد بيَّن الله تعالى دينَه وأتمَّه، وجعله على الناس حجة وبرهانا، فهو الدين الحق الذي لا يقبل المِراء فيه أو الانتقاص منه، قال تعالى: (ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ) [3]. 2) إنَّ إكمالَ الله تعالى الدينَ يدعو إلى تعظيمه، فليس لأيِّ واحد أن يحيد عنه، أو يتَّخذ غيره منهاجاً ؛ لأنَّ المناهج الأرضية مليئة بالثغرات، فحينئذٍ لا مَحيصَ من الال تجاء إلى منهج قيِّمٍ لا يعتريه العِوج، قال تعالى: (ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ) [31]،" أي: مائلاً إليه مستقيماً عليه، غير ملتفت إلى غيره من الأديان الباطلة "(1)، و ا ن من يعرض عن الإسلام بأي صورة من صور الإعراض يخالف الفطرة الت ي فَطَرَه الله عليها، فالنفس البشرية مائلة بطبعها إلى التَّديُّن، مفطورة على أن تكون محكومةً لنظام يَن تَظِمُ حياتَها ويوجِّهُها الوِج هةَ الصحيحة نحو الأمان والفوز بخير الدنيا والآخرة. 3) بيَّن الله تعالى مزايا القرآن وصفاته، فقال سبحانه (ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ) [41 ،42]، وقال تعالى (ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ) [43 ،44]،أي: " و ا ن هذا القرآن الذي أُ و حيَ إليك يا محمد الذي أمرناك أن تستمسك به لشرف لك ولقومك من قريش "(2)،وهو كتاب عزيز " جامع لأوصاف الكمال، و(ﮑ) أي: منيع من كل من أراده بتحريف أو سوء ... لا يقربه شيطان من شياطين الإنس والجن، لا بسرقة، ولا بإدخال ما ليس منه به، ولا بزيادة ولا نقص، فهو محفوظ في تنزيله، محفوظة ألفاظُ ه ومعانيه، قد تكفَّ ل من أنزله بحفظه كما قال تعالى: (ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ) [9] ".(3) 4) من صور الإعراض عن الإسلام أ - تر كُ الإسلام بالكُلِّية: كـالكفر والشـرك، فالكفـار والمشـركو ن هـم الأكثـرون إعراضـاً عمَّـا جـاء بـه محمــــــد  فقــــــال ســــــبحانه (ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ) [5]، (1) فتح القدير، الشوكاني،4/262.) (2) جامع البيان، الطبري، 21/615.) (3) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 715.

عدد الصفحات ٢١٧

211 فالمشــركون " اكتفــوا بتقليــد الآبــاء، وزهــدوا فــي الإيمــان بالأنبيــ اء، ومــع هــذا فآبــاؤهم أجهــل النــاس، وأشــدهم ضــلالاً ، وهــذه شــبهة لــرد الحــق واهيــة ، فهــذا دليــل علــى إعراضــهم عــن ا لحــق، ورغبــتهم عنه، وعدم إنصافهم ".(1) ب - هجــــر التحــــاكم إليــــه: قــــال تعــــالى: (ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ) [44]، فمن لم يحكم به إعراضا عنه، واعتقادا بعدم صلاحيَّته لذلك فهو كافر بِنصِّ هذه الآية . ت - الصَّــدُّ عــن ســبيل الله: قــال تعــالى: (ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ) [61]،" أي: يعرضــــــــــــون عنــــــــــــك إعراضـــــــــــــا كالمســتكبرين عــن ذلــك "(2)، وهــذا دأب المنــافقين فــي كــل زمــان ومكــان، واليــوم قــد تــوفَّرت لهم وسائل الإعلام التي تُعي نُهم على نشر أفكارهم الآسِنَةِ الرَّديئة، التي تنال من الإسلام، وتُشَوِّه صورته الناصعة. ث - إحــداث البــدع وا لصــاقها بالإســلام: فالــذي يســتحدِث البدعــة ويعمــل علــى نشــرها وجلــب الأنصــار لهــا، إنمــا هــو صــادٌّ عــن ســبيل الله تعــالى ومنهجِــه الحــق، ويحســب أنــه يُحسِــن صُــنعاً ، وقــد قــال النبي  :( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيٌ فهو رد ).(3) 1) من دوافع الإعراض عن دين الله تعالى أ - الهــــــــوى: قــــــــال تعــــــــالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ) [23]، قال ابن عباس رضـي الله عنهمـا: " ذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئا إلا ركبه ".(4) ب - تلبــيس الشــيطان: لمَّــا أيِــسَ مــن رجــوع المســلمين عــن ديــنهم، شــرع فــي بــثِّ الشــبهات فــي نفوسهم حول الإسلام، وكان له في ذلك أتباع كُثُر، وهم أهل البدع والشبهات. ت - الحسد: فاليهود ما أعرضوا عن الإسلام إلا لمجرَّد الحسد، فقد أعرضـوا عـن ديـنهم الأول ابتـــداءً عنـــدما حرَّفـــوه، فلمَّـــا جـــاء الإســـلام أعرضـــوا عنـــه مـــا وسِـــعَ ت هم الحيلـــة، وفـــي كـــل المواطن، قال تعـالى: (ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ) [115]، و كان المسـلمون إذا قـالوا لحلفـائهم مـن اليهـود: آمنـوا بمحمـد (1) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ، ص91. (2) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 4/139.) (3) صحيح البخاري، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، 3/194)، حديث رقم 2627. (4) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 12/119،112).

عدد الصفحات ٢١٨

212 ،قالوا: ما هذا الـذي تـدعوننا إليـه بخيـر ممـا نحـن فيـه ، ولودِ د نـا لـو كـان خيـرا ، فـأنزل الله هـذه الآية تكذيباً لهم.(1) المطلب الثالثالإيمان بجمي الكتب والرسل: قال الله تعوالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ) [12]. للإيمان عندنا أركان ستة (2)، منهـا الإيمـان بالكتـب والرسـل، فمـن خـالف فـي ذلـك فقـد اتخذ الإسلام وراءه ظِه ريا ا، وليس بمسلم، وا ن ادَّعى الإسلام. أولا: المعنى الإجمالي: " قل يا محمد أنت وأمتك: نحن آمنا بالله الواحد الأحد، وما أنزل علينا في القرآن الذي هو مصدر المعرفة الثابت الشامل لجميع الشرائع والأحكام، وآمنا بما أنزل على الأنبياء السابقين: إبراهيم وا سماعيل وا سحاق ويعقوب وأولاده الأسباط، وما أوتي موسى من التوراة، وعيسى من الإنجيل، وما أوتي النبيون الآخرون كداود وسليمان عليهم السلام، مما لا يعلمهم إلا اللّه ... ونؤمن بكل الأنبياء إيمانا لا نفرق فيه بين أحد منهم، بل نؤمن بالكل على أن كل واحد نب ي مرسل من اللّه لأمته، يهديها إلى سواء السبيل، ولا نفعل كما يفعل غير المسلمين من الإيمان ببعض الرسل والكفر بالبعض الآخر، ونحن له مسلمون منقادون ".(3) ثانيا: معاني المفردات (ﭞ) " هــــم بطــــون بنــــي إســــرائيل المتشــــعبة مــــن أولاد إســــرائيل -هــــو يعقــــوب-الاثنــــي عشر".(4) (1) معالم التنزيل، البغوي، 1/133.) (2) هي جزء من حديث جبريل  الطويل، وفيه: قَالَ: أَخ بِر نِي عَنِ الإ ِيمَانِ؟ قَالَ: " أَن تُؤ مِنَ بِاللَّهِ، وَمَلاَئِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَال يَو مِ الآ خِرِ، وَال قَدَرِ كُلِّهِ خَي رِهِ وَشَرِّهِ "، قَالَ: صَدَق تَ "، سنن النَّسائي، كتاب الإيمان وشرائعه، باب نعت الإسلام، (9/27)، حديث رقم 4225، قال الألباني: صحيح (3) التفسير الوسيط، الزحيلي، 1/215.) (4) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 3/153.)

عدد الصفحات ٢١٩

213 ثالثا: المناسبة: " ذكــر فيمـــا ســبق ميثـــاق النبيــين أن يؤمنـــوا بمحمــد  وينصـــروه، وهنــا أمـــر لمحمـــد وأمته أن يؤمنوا بجميع الأنبياء المتقدمين وبكتبهم وبالإسلام الذي هو دين الأنبياء قاطبة ".(1) رابعا: العبر والدلالات المستفادة من الآية  الإيمان بالرسل أ - وجوب الإيمان بجميع الرسل: قال تعالى: (ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ) [151،151]، " نصَّ سبحانه على أنَّ التفريق بين الله ورسله كفر ، وا نما كان كفراً لأن الله سبحانه فرض على الناس أن يعبدوه بما شرع لهم على ألسنة الرسل، فإذا جحدوا ال رسل ردُّ وا عليهم شرائعهم ولم يقبلوها منهم، فكانوا ممتنعين من التزام العبودية التي أمروا بالتزامها ، فكان كجحد الصانع سبحانه، وجحد الصانع كفر لما فيه من ترك التزام الطاعة والعبودية ، وكذلك التفريق بين رسله في الإيمان بهم كفر ".(2) ب - أهميـــة الإيمـــان بالرســـل: تنبُـــع هـــذه الأهميـــة مـــن كـــون الإيمـــان بالرســـل أصـــلاً مـــن أصـــول الإيمان، فهـو يتوقَّـف عليهـا، فمـن كـذَّب بع ـثَ الرسـل فإنَّمـا هـو مُكـذِّب لكـلام الله تعـالى إلـى عباده، فالرسل هم الواسطة بين الله تعالى وخلقه، ومن لم يؤمن بالرسل فقد حكم على نفسه بالبوار، وهو في الآخرة مـن أصـحاب النـ ار، قـال تعـالى: (ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ) [136]. ت - " إنَّ الأنبياء عليهم السلام على كثرة عددهم واختلاف أعصارهم وتباين أنسابهم وتباعد مساكنهم قد اتفقوا جميعا على الدعاء إلى الله ،وصار الآخر منهم يُ قِ رُّ بنبوة من تقدمه وبصحة ما جاء به، وا ذا خالفه في تحليل بعض ما حرمه الله على لسان الأول أو تحريم ما أحله الله له ولأمته فهو مُ قِ رٌّ بأن الحكم الأول تحليلا أو تحريما هو حق وهو حكم الله ،وأنه الذي تعبَّ د الله به أهل تلك الملة السابقة واختاره لهم كما اختار للملة اللاحقة ما يخالفه ، والكل من عند الله ،وذلك جائز عقلا وشرعا في ملة واحدة فضلا عن الملل المختلفة ".(3) (1) التفسير المنير، الزحيلي، 3/294.) (2) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 7/256.) (3) إرشاد ا لثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد وا لمعاد والنبوات، الإمام الشوكاني ، ص21.

عدد الصفحات ٢٢٠

214 1) وظائف الرسل: للرسل عدة وظائف، هي أ - الـــبلاغ عـــن الله تعـــالى، ودعـــوة النـــاس إلـــى الحـــق ، قـــال تعـــالى: (ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ) [35]. ب - تطبيــق الشــرع الــذي أُرسِــلوا بــه، قــال تعــالى: (ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ) [49]، وقال تعالى:(ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ) [26]. ت - تبشـــــــــير النـــــــــاس وا نـــــــــذارهم، قـــــــــال تعـــــــــالى: (ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ) [48]،و قال تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ) [56]. 6) الواجب نحو الرسل أ - الإيمان بهم جميعا بدون تفريق ، قال تعالى: (ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ) [285]، " يقولون آمنا بجميع الرسل ولا نكفر بأحد منهم ولا نفرق بينهم كما فرقت اليهود والنصارى ".(1) ب - طاعتُهم واتباعُهم وتوقيرُهم ونُصرتُهم والاقتداءُ بهم، قال تعالى: (ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ) [الأنعام91]. ت - عــــدم الغُلُــــوِّ فــــيهم، فالأنبيــــاء لهــــم خصــــائص البشــــر، قــــال تعــــالى: (ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ) [38]، وقـــال تعـــالى: (ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ) [8]، وقال تعالى: (ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ) [31].  الإيمان بالرسالات والكتب 1) الإيمانُ بالرسالات والكتب السماوية من أصول الإيمان، وجاحدها كافر، ويدخل تحته التصديق بأنَّ الأنبياء قد بلَّغوها للناس كاملة، قال تعالى: (ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ) [39]، ويجب الإيمان بالوحي المنزَّل كلِّه، وقال تعالى: ( ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ) [15]. 2) يتحقَّق الإيمان بالكتب السماوية بأن نؤمن بأنَّ ها يصدِّق بعضها بعضا، ولا يكذِّب بعضُها بعضا، و بالتصديق بنس خ الشريعة اللاحقة للشريعة السابقة كليا أو جزئيا، قال تعالى: (ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ) [51].(2) (1) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 4/422.) (2) انظر: الرسل والرسالات، أ.د عمر الأشقر، ص 227.

عدد الصفحات ٢٢١

215 3) مصدر الرسالات واحد وهو ا : يقول الأستاذ سيد قطب رحمه ا والحياة البشرية لا تستقيم إلا إذا تلقَّ ت العقيدة والشعائر والشرائع من مصدر واحد ، يملك السلطان على الضمائر والسرائر، كما يملك السلطان على الحركة والسلوك ... فأما حين تتوزع السلطة، وتتعدد مصادر التلقي ... تفسد الحياة البشرية ".(1) 4) الاتفاق والاختلاف في الرسالات السماوية أ - مواطن الاتفاق: اتفقت الرسالات على ثلاثة أمور، وهي:  الدين الواحد: وهو الإسـلام، قـال تعـالى (ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ) [ل عمرنا 19]، فهـو دين كل الأنبياء، وهو وصـية الأنبيـاء لمـن يـأتي بعـدهم، قـال تعـالى: (ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ) [132].  مسائل العقيدة، كالإيمان بالله تعالى و اليوم الآخر والملائكة والقدر وغير ذلك.  أصول العبادات كالصلاة والزكاة والصيام والحج، وأصول الأخلاق كالعدل والعمـل الصـالح والكسب الحلال، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ب - مــــواطن الاخــــتلاف: كــــل شــــريعة نزلــــت جــــاءت موافقــــةً لحاجــــة النــــاس فــــي ذلــــك الزمــــان، والاختلاف في بعض التفاصيل، كأعداد الصلوات ومقادير الزكاة ومواضع النسك، وقد يُ حِ لُّ الله تعالى أمرا في شريعة لحكمة، ويحرِّمه في شريعة أخرى لحكمة.(2) (1) في ظلال القرآن، سيد قطب، 2/921.) (2) انظر: الرسل والرسا لات، عمر الأشقر، ص241 وما بعدها، باختصار.

عدد الصفحات ٢٢٢

216 المبحث الراب المقاصد والأهداف لسورة آل عمران الآيات ( 11 و15 ) وفيه مطلبان: المطلب الأول: الإسلام هو الدين المقبول عند الله تعالى. المطلب الثاني: الله تعالى يهدي إليه من يشاء ويُضِل من يشاء .

عدد الصفحات ٢٢٣

217 المطلب الأولالإسلام هو الدين المقبول عند الله تعالى: قال الله تعالى: (ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ) [11]. سبق الحديث في مطلب سابق عن تعريف الإسلام والهدف منه، ومعنى إكمالـه، وطبيعتـه، ومدى حاجة الناس إليه، وسأق صُر الحديث هنـا عـن أهميـة الـدين فـي حيـاة النـاس، ومزايـا هـذا الـدين وخصائصه؛ منعا الإطالة والتكرار. أولا: سبب النزول: " نزلت هذه الآية فـي ال حـارث بـن سـويد أخـو ال جـلاَّ س بـن سـويد، وكـان مـن الأنصـار، ارتـد عــن الإســلام هــو واثنــا عشــر معــه ولحقــ وا بمكــة كفــارا، فنزلــت هــذه الآيــة ، ثــم أرســل إلــى أخيــه يطلــب التوبة... وأسلم بعد نزول الآيات ".(1) ثانيا: المعنى الإجمالي قال الإمام الطبـري رحمـه الله: " مـن يطلـب دينـا غيـرَ ديـن الإسـلام ل يـدين بـه، فلـن يقبـل الله منه، (ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ) يقول: من الباخسين أنفسَهم حظوظَها من رحمة الله ".(2) ثالثا: العبر والدلالات المستفادة من الآية 1) أهمية الدين في حياة الناس أ - لقـــد خلـــق الله تعـــالى الإنســـان، كائنـــا ذا حاجـــات، حاجـــاتٍ للجســـد، وحاجـــاتٍ للـــروح والعقـــل والقلب، فحاجات الجسد متوفِّرة في الأرض، وبالتجربـة صـار الإنسـان يعلـم كيـف يـوفِّر هـذه اللوازم لضمان بقائه حيا، أما الروح فلأنها عُل ويَّة المصدر، فغـذاؤها عُلـويٌّ كـذلك، لا يَسَـعُها الاستغناءُ عنه طرفةَ عين، وغذاء الروح سماويٌّ صِر ف ، لا يَدَ لمخلوق فيه، وهو منهج سامٍ راقٍ، يعلو بالإنسان إلى أعلى المراتب، ويرتقي به في الكمال؛ لأنه مُحِبٌّ للكمال. ب - والإنســان قاصــرُ العقــل، محــدودُ الفِكــر، قــد يفعــل مــا يضــرُّه، ولا يســتطيع دفــع غوائــل عقلــه وشهواته إن ترك لها العنـان، فكـان لابُـدَّ مـن عِقـال، يعقِلُـه عـن كـل مُحَـرَّم، ويبـيح لـه مـا هـو مُباح، هذا العِقال هو الدين. ت - ولما كـان الإنسـان اجتماعيـا بفطرتـه، كـان لابـد مـن تشـريع يـنظِّم هـذا الاجتمـاع، فـلا يعـيش كوح ش في غابة، لا يعرف إلا نفسه، ولا يكترث بغيره. (1) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 1/124.) (2) جامع البيان، الطبري، 6/175.)

عدد الصفحات ٢٢٤

218 ث - وجــوف الإنســان خــالٍ، يحتــاج إلــى مَل ئــه بمــا يُغ ني ــه، فكانــت نصــوص الاعتقــاد تســعفُه بمــا يحتاج، ولا تترك شيئا بعدها للتساؤل، فهي تجيب كلَّ التساؤلات، وتقطع الشكَّ باليقين. فالعقيدة الإسلامية ضرورية للإنسان ضرورة الماء والهواء؛ إذ هو بدون هذه العقي دة ضائع تائه، يفقد ذاته ووجوده، فهي تعلِّمه سبب خل قه، وأصل خلقه، وما هو مصيره، وفرق بين من يدري ومن لا يدري، قال تعالى : (ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ) [22].(1) ويوضِّح هذا الأستاذ سيد قطب رحمه الله بقولهإن الـبشرية ال ـيوم تعـاني مـن الخــواء المر ير، خواء الروح من الحقيقة التي لا تطيق فطرتها أن تصبر عليها ، حقيقة الإيمان، وخواء حياتها من المنهج الإلهي، هــذا المنهج الذي ينســق بين حرك ـــتها وحركة الكون الـذي تعيش فيه، إنها تعاني من الهجير المحرق الذي تعيش فيه بعيداً عن ذلك الظل الوارف الندي ، ومن الفساد المقلق الذي تتمرغ فيه بعيدا عن ذلك الخط القويم والطريق المأنوس المطروق ، ومن ثم تجد الشقاء والقلق والحيرة والاضطراب ، وتحس الخواء والجوع والحرمان ".(2) 2) من خصائص الإسلام ومزاياه أ - الربَّ انية، فالإسلام منهج ربَّاني، أي متَّصف بالكمال، سالم من العيب، مبرَّأ من النقص، بعيد عن الحيف والظلم، قال تعالى: (ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ) [82].(3) ب - موافق للفطرة، الفطرة هي الإسلام، هكذا خلقهـا الله تعـالى، ففـي الحـديث: (... وا نوي خلقوت عبوواد حنفوواء كلهووم، وا نهووم أتووتهم الشووياطين فاجر تَووالتهم عوون ديوونهم، وحرمووت علوويهم مووا أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا ب ي ما لم أنزل بٌ سلطانا ).(4) ت - لا يعارضُه العقل، فقد جاء الإسـلام ليحـرر العقـل مـن رواسـب الجاهليـة، ودعـاه إلـى التأمـل في آيات الله الكونية والشرعية والاعتبار بالسـابقين، قـال تعـالى: (ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ (1 )انظر: العقيدة في الله، عمر الأشقر، ص11. (2) في ظلال القرآن، 1/422.) (3) انظر: العقيدة في ا، د. صالح الرقب، د. محمد بخيت، ص 13. (4) صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، (9/119)، حديث رقم 7396.

عدد الصفحات ٢٢٥